أبو حامد الغزالي ومذهبه المستور: الجزء الثاني

 تكوين

ثانيًا – اعترافات الغزالي بمذهبه المستور

  1. علامات لجوء الكاتب إلى الكتابة المستورة

من أهم دواعي لجوء الكاتب إلى الكتابة المستورة، الاضطهاد، إما اضطهاد تعرض له شخصيًا، وإما اضطهاد تعرض له الفلاسفة من قبله، وإما الخوف من الاضطهاد. فإذا وجدنا مفكرًا تعرض للاضطهاد في أي فترة في حياته، فهذه علامة على احتمال كبير إلى لجوءه إلى الكتابة المستورة. الغزالي تعرض للاضطهاد مرتين، والمرة الثانية كانت في نيسابور في السنوات الأخيرة من حياته، وتعرض كتابه إحياء علوم الدين إلى الإدانة والحرق في المغرب أثناء حياته، سنة 503 هجرية. وابن رشد أيضًا تعرض للاضطهاد، وظهر في محنته مع الخليفة المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن، إذ نُفي إلى أليسانة، ثم إلى مراكش[1]؛ كانط تعرض للاضطهاد لكن في فترة متأخرة من حياته، وسبينوزا كذلك تعرض للاضطهاد لكن في مقتبل عمره. وسقراط هو النموذج الأول على اضطهاد المجتمع للفيلسوف، بل وعلى رفض المجتمع للفيلسوف إلى حد قتله، وهو الدرس الذي تعلم منه أفلاطون وجعله يلجأ إلى الكتابة المستورة، كما عرفنا من دراسات ليو شتراوس[2].

إقرأ أيضًا: أبو حامد الغزالي ومذهبه المستور – الجزء الأول

  1. السياق السياسي والأيديولوجي لتحولات الغزالي الفكرية

لا نستطيع فهم التحولات الفكرية التي حدثت للغزالي دون أن نضعها في سياقها التاريخي والأيديولوجي؛ فهذا السياق هو الذي يُفهمنا السبب في احتفاظه بمذهب مستور. عاش الغزالي في فترة حرجة من العصر الإسلامي، بين نيسابور وبغداد وغيرهما، وهي الفترة التي شهدت سيطرة الأتراك السلاجقة وفرضهم الحماية العسكرية على الخلافة العباسية ببغداد. وكانت هذه الفترة تالية على ظهور الشيعة الإسماعيلية وسيطرتهم على أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي في عصر الخلافة الفاطمية (296 – 566 هـ). فقد كان الفاطميون يهدفون الاستئثار بالخلافة وينافسون العباسيين ويرسلون الدعاة الإسماعيليين إلى الشام وإلى بلاد فارس. وقد بدأت الدعوة الإسماعيلية أثناء سيطرة البويهيين على الخلافة العباسية إذ كانت في حمايتهم، وكان البويهيون أيضًا شيعة. ومن ثم فقد كانت الخلافة العباسية في الوسط بين دول شيعية، البويهيون في الشرق والذين فرضوا سيطرتهم على بغداد وعلى الخليفة، والفاطميون في الغرب والمسيطرون من مصر على بعض أجزاء الشام والذين عملوا على نشر الدعوة الإسماعيلية في العراق وإيران.

وبعد أن ظهر الأتراك السلاجقة متمسكين بالإسلام السني، نجحوا في فرض سيطرتهم على العراق ودخلوا بغداد (447 هـ) وقضوا على الأسرة البيويهية، وصار الخليفة العباسي في حمايتهم. وقد بدأ السلاجقة حملة أيديولوجية واسعة للقضاء على النفوذ الشيعي في مختلف الأقطار الإسلامية، فشجعوا علماء السنة وقاموا برعايتهم.

وفي عصر الغزالي صار نشر الإسلام السني هو المشروع الأيديولوجي الرسمي للدولة السلجوقية، وانطلاقاً من هذا المشروع أسس وزير السلاجقة نظام الملك المدارس النظامية (457 هـ)، التي كان هدفها نشر المذهب السني ومحاربة المذهب الشيعي. وكان الغزالي يدرس في المدرسة النظامية في نيسابور، ثم دعاه نظام الملك ليتولى المدرسة النظامية ببغداد 484 هـ (1091/1092م). ومن ثم كانت أمام الغزالي مهمة شاقة وعويصة، فقد صار على رأس المؤسسة التعليمية والأيديولوجية التي تولت مهمة نشر الإسلام السني ومواجهة التشيع؛ ولما كان السنة كارهين للفلسفة، فلم يكن الغزالي ليستطيع أن يكون الزعيم الروحي والمعلم الأساسي للإسلام السني، و”حجة الإسلام”، أي حجة الإسلام السني، دون أن يُظهِر عداءه للفلسفة والفلاسفة. والمفارقة هنا هي أنه قد انطبقت عليه المقولة التي أطلقها هو على غيره: استتباع العوام طلبًا للرئاسة.

ابو حامد الغزالي

وكان على الغزالي أن يتوب عن تأثره الأول بالفلاسفة ويعلن عن توبته هذه، من أجل المهمة الأيديولوجية الكبرى المكلف بها، والتي كان يعرف أبعادها التاريخية جيدًا، إذ كانت ليست أقل من “خلق” و”إبداع” مذهب إسلامي سني، ووضع خطوطه في الفقه وأصول الفقه وأصول الدين. لقد كانت مهمة تاريخية كان الغزالي على وعي بأنها سوف تشكل مصير ومستقبل الإسلام السني نفسه في مواجهة الإسلام الشيعي، الذي كاد أن يسيطر على العالم الإسلامي في عصر الغزالي والقرن السابق عليه؛ حتى أن كاتب سيرة ابن سينا يقول عن والد ابن سينا إنه “أجاب داعي المصريين”، أي استجاب للدعاة الإسماعيليين الذين أرسلهم الفاطميون [المصريون] إلى إيران لنشر المذهب الشيعي هناك. وقد كان الشيعة الإسماعيلية من الخطر إلى درجة أنهم اغتالوا الوزير نظام الملك نفسه (485 هـ/ 1092)، وقد رحل الغزالي عن بغداد بعد الاغتيال، ربما خوفًا من الإسماعيلية الذين سبق وأن كفرهم في كتابه فضائح الباطنية.

لقد كان الغزالي متقلدًا مناصب تعليمية رسمية وقائمًا على مؤسسة أيديولوجية مذهبية فرضت عليه التخلفي وكتمان آرائه الحقيقية وإظهار ما يليق بمهمته الأيديولوجية، التي كانت تاريخية بكل المقاييس. وكان عليه إظهار التوبة عن اشتغاله الأول بالفلسفة وتأثره بها، إذ يتحدث في كتابه جواهر القرآن عن طائفة نستطيع أن نقول عنهم إنهم كانوا فلاسفة وحكماء، ميزوا أنفسهم عن الناس وتكبروا عليهم بما لديهم من علم، وكان الغزالي منهم لكنه تبرأ منهم بعد ذلك:

“… فبطلَ أصلُ اعتقادهم في الدين، وأَوْرَثَهُم ذلك جحوداً باطناً في الحَشْرِ والنَّشْر، والجنَّةِ والنار، والرجوعِ إلى الله تعالى بعد الموت، وأظهَروها في سرائرهم، وانحلَّ عنهم لَجَامُ التَّقْوَى ورابطةُ الوَرَع… ونظروا إلى أهل الوَرَع بعين الاستخفاف والاسْتِجْهال… فما زادهم مشاهدةُ الوَرعِ من أهله إلا تمادياً وضَلالاً… وهذا كله لأنَّ نَظَرَ عقلِهم مقصورٌ على صور الأشياء وقَوالبها الخَياليَّة، ولم يمتدّ نَظَرُهم إلى أرواحها وحقائقها، ولم يدركوا المُوَازنةَ بين عالَمِ الشهادةِ وعالَم المَلَكوت”[3]

والعبارة الأخيرة تعني أنهم عندما رأوا ما في العقائد الشائعة من صور حسية للغيبيات، اعتقدوا في بطلان هذه الصور الحسية واستحقورها، لأنهم لم يفهموا منها أنها “صور الأشياء وقوالبها الخيالية”، أي أن مظهرها الحسي هو مجرد صورة لحقيقتها العقلية، و”قوالب خيالية”، أي أشكال مجازية ورمزية تقرب المعاني المجردة من أذهان الناس وليست مقصودة لذاتها. ثم يقول عن نفسه: “ولسنا نُستَبعد ذلك [أي لا يستثني نفسه من هؤلاء]، فلقد تعثَّرنا في أذيال هذه الضَّلالاتِ مدةً، لِشُؤْمِ أَقْرانِ السُّوء وصُحبتهم، حتى أبعدَنا الله عن هَفَواتِها، وَوَقانا من وَرْطاتِها، فلهُ الحمدُ والمِنَّة والفضلُ على ما أرشَدَ وهَدَى، وأنعمَ وأسْدَى، وعَصَمَ من وَرْطاتِ الرَّدَى” . كان على الغزالي أن يعلن عن تخلصه من تأثره الأول بالفلاسفة، كي يستطيع تولي مهمة التأسيس الأيديولوجي المذهبي، الفقهي والكلامي، للإسلام السني. وهي مهمة تاريخية كبرى، نجح فيها إلى حد كبير. إذ لم يستطع أن يكون “حجة الإسلام”، إلا بـتهافت الفلاسفة وإلجام العوام عن علم الكلام، لكنه في الوقت نفسه ظل محتفظًا بمذهبه المستور مستورًا.

  1. الجدل حول أفكار الغزالي في نيسابور

إن من يعتنق مذهبًا مستورًا لن يستطيع إخفاءه عن كل الناس طويلًا، إذ حتمًا سيظهر، وعند ظهوره غالبًا ما يلقى معارضة وهجومًا من الناس. وهذا هو ما حدث للغزالي، إذ يشهد هو في كتابه المنقذ من الضلال، كما يشهد المؤرخ تاج الدين السبكي في كتابه طبقات الشافعية الكبرى، على الأحداث التي جرت في نيسابور بعد أن انتقل إليها الغزالي عندما انتهى من مهمته في المدرسة النظامية في بغداد؛ فقد خرج من بغداد سنة 488، واعتزل إحدى عشر سنة في طوس، ثم انتقل بعدها إلى التدريس في المدرسة النظامية في نيسابور سنة 499. وعندئذ لاحظ الغزالي أن الزمان مقبل على قرن هجري جديد، فتذكر قول الرسول ﷺ

“إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”

فأخذ هذا إشارة وعلامة على المهمة التي اعتقد أنه مدعو إليها. وبعد انتقاله إلى نيسابور بسنة، أي في سنة 500 هـ، انتشرت كتبه هناك، فبدأ بعض فقهاء الشافعية والحنفية في ملاحظة ما فيها من آراء جريئة لم يعتادوها. ويذكر عبد الغفار الفارسي، أحد كُتَّاب سيرة الغزالي المبكرين، أن الغزالي عندما كان في طوس لم يكن يلقى اعتراضًا من أحد هناك رغم أنه أقام فيها إحدى عشر سنة كتب فيها الكثير من أعماله وانتشرت هناك، دون أن تثير حفيظة أحد: “وَظَهَرت التصانيف وفشت الْكتب وَلم تبد فِي أَيَّامه مناقضة لما كَانَ فِيهِ وَلَا اعْتِرَاض لأحد على مَا آثره …“[4]؛ أما عندما انتقل إلى نيسابور وتولى المدرسة النظامية هناك بطلب وإلحاح شديد من السلطان السلجوقي أحمد سنجر بن ملك شاه بن ألب أرسلان (1086 – 1157)، أي صار صاحب سلطة علمية وسياسية كبيرة، انتبه إليه أعداؤه، وفتشوا في كتبه عما يمكن أن يحاربوه به ويشوهوا به سمعته، “والتشنيع عَلَيْهِ، فَمَا تأثر بِهِ وَلَا اشْتغل بِجَوَاب الطاعنين…“[5]. لكنني لا أتفق مع قوله “ولا اشتغل بجواب الطاعنين“، لأن الغزالي دافع عن نفسه بالفعل في هذه الأثناء في أواخر مؤلفاته. والملفت للنظر أن هذا الهجوم على الغزالي من أعدائه والتشنيع عليه كان سنة 500 هجرية، أي قبل وفاته بخمس سنوات (توفى 505 هـ)؛ وهذا يعني أن حادث نيسابور كانت في أواخر سني عمره، وأن ما وجده أعداءه في كتبه لمحاربته والإساءة إليه كان في كتب مرحلته المتأخرة وربما من كُتُبٍ كتبها أثناء إقامته إحدى عشر سنة في طوس؛ ولذلك فلا معنى للقول إن الغزالي قد اقتصر تأثره بالفلاسفة وبابن سينا وإخوان الصفا خاصةً على الفترة المبكرة من حياته، وأنه رجع عن هذه الآراء لاحقًا، بل ظل هذا التأثر يلازمه ولم يتخل عنها إلا في الظاهر، بل إنه أدمجها وكيفها جيدًا في مؤلفاته اللاحقة والمتأخرة وضمنها في تصوفه.

ما عقيدة أبو حامد الغزالي؟

وعندما نبحث عن المزيد حول حادث نيسابور وعن طبيعة الاتهامات والتشنيعات التي أثيرت ضد الغزالي، نجد معلومات مهمة في مجموع رسائله المعنون فضائل الأنام من رسائل حجة الإسلام الغزالي، والمكتوبة بالفارسية والمترجمة إلى العربية. وقد كان جامع هذه الرسائل يكتب تعليقًا على كل رسالة في أولها على سبيل التقديم لها. وجامع الرسائل هو حسب ما يقول المحقق الدكتور نور الدين آل علي، أحد أقرباء الغزالي، وقد جمع هذه الرسائل بعد وفاة الغزالي بفترة قصيرة[6]. فأثناء الجدل في حادث نيسابور، أرسل الغزالي إلى السلطان أحمد سنجر ينفي عنه الاتهامات، لكنه لا يذكرها، والذي ذكرها هو قريبه الذي جمع الرسائل، والذي كتب مقدمة لهذه الرسالة يقول فيها إن جماعة من أصحاب الشافعي وأصحاب مالك شنعوا عليه وذهبوا إلى السلطان أحمد سنجر لإبلاغه بالأمر، وأبلغوه أن الغزالي يقدح في أبي حنيفة:

“ولم يكن له أية عقيدة في الإسلام، بل يعتقد معتقد الفلاسفة والملحدين. ومزج كتبه بأقوالهم، وخلط الكفر والأباطيل مع أسرار الشرع، ويقول بأن الله تعالى نور حقيقي. وهذا مذهب المجوس، القائلين بالنور والظلمة“[7]

وبأن للنور إله وللظلمة إله. وعندئذ غضب السلطات وأرسل في طلب الغزالي، لكن لم يحضر الغزالي وبدلًا من ذلك كتب للسلطان رسالة يدافع فيها عن نفسه بذكر إنجازاته العلمية وانقطاعه للعلم وخدمته للدولة، ولم يذكر شيئًا عن الاتهامات. والملاحظ أن حادث نيسابور كان في أواخر سنوات الغزالي، أي بعد أن ألف تهافت الفلاسفة، مما يشي بأن الغزالي ظل يتمسك بآراء الفلاسفة سرًا طوال حياته.

إقرأ أيضًا: أيدي الإمام الغزالي: 1- يد الفيلسوف. 2- يد الصوفي. 3- يد الفقيه.

والأمر الملفت للنظر والخطير حقًا هو طبيعة الاتهامات الموجهة إليه. صحيح أن الاتهامات كانت من أعدائه والمنافسين له، لكنه لم يكن بالشخص العادي الذي يمكن أن تحطمه وشاية من بعض رجال الدين المتواضعين، فقد كان شخصية مهمة في الدولة السلجوقية ومتوليًا أمر التنظير الأيديولوجي للإسلام السني الذي تمسك به السلاجقة وعملوا على نشره؛ لكن رغم ذلك تجرأ أعداءه عليه إلى درجة أن وصفوه بأنه “لم يكن له أية عقيدة في الإسلام“. والملفت للنظر أيضًا أنهم أتوا ببعض مؤلفاته شاهدًا على كلامهم مثل مشكاة الأنوار . والحقيقة أن قولهم إنه “يعتقد معتقد الفلاسفة والملحدين” يمكن أن يعني بصيغة أخرى ليس فيها اتهام أو تشكيك، أن الغزالي قد تبنى آراء الفلاسفة في أعماله، وهذا ما يتفق عليه القدامى والمحدثون، الذي أوضحوا أن نظرية الغزالي في النبوة خصوصًا هي سينوية أساسًا، وأنه تأثر بإخوان الصفا وظل هذا التأثر ملازمًا له طوال حياته.

ولنا وقفة مع قولهم إن الغزالي يعتقد في أن الله نور حقيقي، أي أنه ليس نورًا على سبيل المجاز والتشبيه بل على الحقيقة. والذي يجعلني أقف على هذا القول، أنني لاحظت أحد الفلاسفة اليهود يتبناه، وهو يوسف سليمان دل مديجو (1591 – 1655). صحيح أن الفترة الفاصل بين دل مديجو والغزالي طويلة، إلا أن ما يجعلني أرجح تأثر دل مديجو بالغزالي أن دل مديجو قد ذكره في كثير من مؤلفاته[8]. وإن كان هذا القول صحيحًا وكان الغزالي يعتقد في أن الله نور حقيقي، فمعنى هذا أن الغزالي كان يعتقد في أن الله شيء مادي وليس مجرد كيان روحي. وإذا صح هذا الاعتقاد عن الغزالي، ولما كان النور هو شكل من أشكال الطاقة بل هو الشكل الأولي منها، فيكون الغزالي بذلك معتقدًا في أن الله عبارة عن الطاقة الكونية، والمعروف أن قانون بقاء الطاقة في الفيزياء الحديثة ينص على أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم، أي أن الطاقة في العالم أزلية وأبدية.

  1. علامات ودلائل المذهب المستور عند الغزالي

عندما نقول إن للغزالي مذهبًا مستورًا، فيجب أن نثبت في البداية تبنيه للموقف الذي يتبناه كل من كان لديه مذهب مستور، وهو أن يكون للمفكر أفكار يريد إخفاءها عن الجمهور ويحتفظ بها لفئة قليلة وينقلها إليهم بطريقة مستورة أو بين السطور؛ وأن يعلن عن تبنيه لأشياء في كتب، ثم يخالفها في كتب أخرى؛ أو يعلن عن رفضه لأفكار في كتب ويتبنى نفس هذه الأفكار في كتب أخرى، وهذا كله نجده في أعمال الغزالي. وكل من لديه مذهب مستور يقسم المجتمع إلى عامة وخاصة، ويخصص للعامة مذهبًا مُعلنًا مشهورًا، ويحتفظ للخاصة بمذهب آخر يخفيه بين السطور. والواضح أن الغزالي كان يتبنى تلك الثنائية الشهيرة بين العامة والخاصة، مما يكشف عن نخبوية نوع المعرفة التي كان يحتفظ بها للخاصة، أو خاصة الخاصة. صحيح أن الغزالي قدم هذه المعرفة الخاصة على أنها كشف صوفي، إلا أن ما كشفه الكشف الصوفي لديه بالذوق والإلهام والتجربة الصوفية لم يكن سوى أفكار الفلسفة السينوية في النهاية.

والشواهد كثيرة في مؤلفات الغزالي على تصريحه بأفكار مستورة لديه، منها كتابه إلجام العوام عن علم الكلام، الذي يكشف عنوانه عن تبنيه لهذا التقسيم الاجتماعي – المعرفي للمجتمع إلى عامة وخاصة، حتى أنه يستخدم فيه كلمة قاسية تقترب من الازدراء هي العوام؛ في مقابل ابن رشد الذي لم يستخدم هذه الكلمة بل كان يستخدم كلمة أكثر حيادًا وتهذبًا هي الجمهور. لكن في المقابل كان الغزالي يتوجه للعامة عندما كفَّر الفلاسفة في تهافت الفلاسفة. وانظر كيف يخاطب العامة بأسلوب يتقرب منهم ويُكرِههم في الفلاسفة في مقدمة الكتاب:

“… فإني رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء، بمزيد الفطنة والذكاء، قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات، واستحقروا شعائر الدين… وإنما مصدر كفرهم ضلالهم في وصف عقولهم وحسن أصولهم ودقة علومهم الهندسية والمنطقية والطبيعية والإلهية، واستبدادهم لفرط الذكاء والفطنة… وحكايتهم عنهم إنهم، مع رزانة عقلهم وغزارة فضلهم، منكرون للشرائع والنحل، وجاحدون لتفاصيل الأديان، ومعتقدون أنها نواميس مؤلفة وحيل مزخرفة”[9].

هنا يؤلب الغزالي العامة على الفلاسفة لأنهم في نظره يدعون التميز عن العامة في الفكر وفي العلوم، والعامة تكره كل من يتعالى عليها حتى ولو بالعلم، خاصة إذا كان العلم صعبًا لا يفهمونه، والإنسان عدو ما يجهل. لكن كان الغزالي نفسه يحتقر العوام وفهمها للألوهية، إذ يفهمونها على أنها شيئ مادي مشخص يشغل حيزًا من المكان، وبعد أن ينفي الغزالي عن الله الجسمية والتحيز في المكان في الاقتصاد في الاعتقاد، يقول: “فأما العوام فقد يعتقدون أن معبودهم في السماء، فيكون ذلك أحد أسباب إشاراتهم، تعالى رب الأرباب عما اعتقد الزائغون علواً كبيرًا”[10].

إن عبارة “إلجام العوام” في عنوان الكتاب تشي بأن شيئًا ما في علم الكلام لا يجب الإفصاح عنه للعوام، لما فيه من تأويلات مجازية للنص الديني يجب إخفاؤها عن العامة، نظرًا لما اعتقد الغزالي أنها خطر على إيمانهم الساذج البسيط. والمفارقة هنا هي أن الغزالي يكشف في هذا الكتاب عن التأويلات المحظور على العامة الاطلاع عليها، فهو لا يمارس الإلجام أبدًا بل العكس، يصرح ويفصح بالشرح الشافي الدقيق عما يشكل خطرًا على إيمان العامة من تأويلات مجازية. وأعتقد أن التأويلات المجازية ليست أقل خطرًا على إيمان العامة من المسائل الثلاث التي كفَّر الغزالي فيها الفلاسفة، وهي:

  1. قدم العالم
  2. وعلم الله للكليات دون الجزئيات
  3. وإنكار حشر الأجساد.

فإذا كان مذهب قدم العالم سيعني في أذهان العامة أن الله ليس خالقًا للعالم على الحقيقة ومن العدم المطلق وأن العالم كان موجودًا مع الله منذ الأزل؛ وإذا كان إنكار علم الله للجزئيات يعني في نظر العامة الإقلال من قدرة الله على العلم بكل شيء جزئي، ومن ثم استحالة محاسبة الناس على أفعالهم لأنها جزئيات والله لا يعلمها، وإذا كان إنكار حشر الأجساد أو البعث الجسدي سوف يعني في نظر العامة أن كل ما جاء في القرآن من مشاهد يوم القيامة ومن نعيم الجنة وعذاب النار سوف يكون بلا معنى لأن البعث سيكون روحيًا لا جسديًا؛ إذا كان كل هذا هكذا، فإن ما استعاره الغزالي من الفلاسفة ومن الغنوص والتصوف العقلي وما مارسه من تأويلات مجازية وتأويلات رمزية وصوفية “باطنية” ليس أقل خطرًا على العامة بل يفوق، لأنها تتعرض لنصوص العقيدة ذاتها وهي ليست مجرد رأي فلسفي عام مثل الحال مع نظرية قدم العالم وعلم الله وحشر الأجساد.

ومن أساسيات الكتابة المستورة أن يقدم الكاتب أفكارًا يرفضها ويدينا في العلن وبصراحة شديدة، لكن يكون غرضه هو عرضها على القارئ، الذي لن يجدها في أي كتاب آخر غيره. فمن أين كان المسلمون السنة سيعرفون عقائد فلاسفة الشيعة الإسماعيلية إلا من كتاب الغزالي فضائح الباطنية؟ إن العنوان نفسه سيكون مشجعًا لهم على قراءته، لما فيه من كشف عن فضائح الباطنية، لكن سوف تتسرب إليهم الأفكار الباطنية في إطار من الهجوم عليها. إن اتباع الكاتب للأسلوب المستور في الكتابة، وعندما يعلن عن إدانته ورفضه لأفكار معينة، يكون قد أدى مهمته تجاه بني ملته وأدان هذه الأفكار، لكن هذا في الظاهر، وفي الباطن يكون قد نقل إليهم هذه الأفكار.

  1. الخطابات الثلاثة عند الغزالي

صرح الغزالي بطرق ثلاث لمخاطبة الناس، أطلق عليها “مذاهب”، وهي تتعدد حسب اختلاف الناس في الفهم وفي الطبيعة، والحقيقة أن طرق المخاطبة هذه هي التي اتبعها الغزالي في كل كتبه، وهو يقدمها في كتابه ميزان العمل بطريقة تشي بأنها وصية لكل من أراد أن يحمي نفسه ويخفي آراء لا يريد أن تنكشف، أو تكشفه هو. وهو يفصح بأن

“لكل كامل ثلاثة مذاهب بهذا الاعتبار”[11]

أي أن لكل رجل فطن ذكي ثلاثة مذاهب يخاطب بكل واحد منها صنف من الناس.

  • المذهب الأول: هو مخاطبة الجمهور بما يفهمونه وبما هم عليه من الآراء والمعتقدات، ويضم الغزالي إلى هذا المذهب مذاهب الفقه والكلام، مثل الشافعية والحنفية، والمعتزلية والأشعرية، ويُلَمِّح إلى أن العارف يجب أن يساير القوم فيما هم فيه من هذه المذاهب ولا يُظهِر المخالفة لها. والملفت للنظر والمثير حقًا أن ينظر الغزالي إلى المذاهب الفقهية والكلامية على أنها مذاهب الجمهور، أي مذاهب عامية، لا ترقى إلى مستوى المذهبين الثاني والثالث اللذين سيعرضهما بعد ذلك.
  • والمذهب الثاني: هو المُستخدم في التعليم، ويجب أن يتكيف هذا المذهب مع مستوى المتعلم وقدراته الذهنية وإمكاناته العقلية. إذ يجب على المعلم أن يكون حذرًا مع المتعلم الذي يعلمه، فإذا لاحظ المعلم في المتعلم بلادة أو جلافة في الطبع، فلا يجب أن يكشف له عن حقيقة الألوهية، بل يجب أن يُظهِر أمامه التمسك بالظاهر من الآراء حولها. فإذا لاحظ المعلم أن المتعلم إذا انكشفت له حقيقة الألوهية فسوف يشك في الآراء الشائعة عنها مما يمكن أن يكون ذلك كفرًا، فيجب أن يمتنع المعلم عن تعليمه هذه الآراء. فلو شعر المعلم أنه “لو ذكر له أن الله تعالى ليس ذاته في مكان، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلاً بالعالم ولا منفصلاً عنه، لم يلبث أن ينكر وجود الله تعالى، ويكذب به”[12]، والحل مع هذا النوع من المتعلمين هو: “فينبغي أن يقرر عنده أن الله تعالى على العرش، وأنه يرضيه عبادة خلقه، ويفرح بها فيثيبهم ويدخلهم الجنة عوضاً وجزاء”[13]؛ أي يجب ألا يكشف له عن تأويل هذه الآراء ويتمسك أمامه بظاهر الشرع. أما إذا ما أحس المعلم في المتعلم استعدادً لقبول وتعقُّل وتحمُّل هذه الآراء، صرح له بها: “وإن احتمل أن يُذكَر له ما هو الحق المبين يُكشَف له”.

إقرأ أيضًا: كَبَرْق، يلمع من الشَّرق.. هل قضَى الغزالي حقًّا على الفلسفة في المشرق؟

  • وأما المذهب الثالث: فهو المذهب الحقيقي والرأي الحق للعارف، لا يجب أن يطلع عليه أحد إلا الذي يشاركه في رأيه وفي مرتبته في العلم والحكمة، ويجب أن يخفيه العارف إخفاء شديدًا، ولا يُشعِر أحدًا أنه يتبناه ولا يجب أن يظهر عليه أنه يكتم شيئًا ولا أن يبدو للناس أنه يقدم لهم ظاهر الآراء ويخفي آراء أخرى. “المذهب الثالث ما يعتقده الرجل سراً بينه وبين الله عز وجل، لا يطلع عليه غير الله تعالى، ولا يذكره إلا مع من هو شريكه في الاطلاع على ما اطلع، أو بلغ رتبة يقبل الاطلاع عليه ويفهمه”[14]. ويبدو أن هذا المذهب الثالث هو الذي يقول بالآراء التي ذكرها الغزالي حول الألوهية والآخرة في نفس هذا الكتاب ميزان العمل وخالف بها تكفيره للفلاسفة في تهافت الفلاسفة.

والمثير للدهشة أن يتحول الغزالي في الفقرة الأخيرة من كتابه ميزان العمل إلى مفكر حر، راديكالي على شاكلة مفكري عصر التنوير اللاحقين، إذ نراه يُعلي من شأن الشك ويعتبره الطريق الأوحد إلى الحق. فهو يُسَري عن القارئ بذهابه إلى أن كل ما قاله في تلك المذاهب إذا لم يكن له من أثر سوى بث الشكوك في نفسه، فقد أدى الكتاب مهمته بنجاح، لأن الشك في المعتقدات والآراء الموروثة هدف وغاية مهمة، وهو الطريق إلى الحق واليقين!!! يقول الغزالي:

“ولو لم يكن في مجاري هذه الكلمات إلا ما يشكك في اعتقادك الموروث، لتنتدب للطلب، فناهيك به نفعاً، إذ الشكوك هي الموصلة إلى الحق. فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر، بقي في العمى والضلال”[15].

ما هو مذهب أبو حامد الغزالي؟

  1. العلوم المستورة عند الغزالي

تمتلئ أعمال الغزالي بالنصوص التي يعلن فيها صراحة عن أشياء لا تناسب العامة، أو العوام بتعبيره، وضرورة قصرها على الخواص. لكن من أهم تلك النصوص، قول له في مقدمة كتابه إحياء علوم الدين، يتحدث فيه عن “علم المكاشفة” و”علم طريق الآخرة“، والظاهر من حديث الغزالي عنهما إنهما من علوم التصوف، لكنني أعتقد أن الأمر في هذين العلمين لا يقتصر على الصوفية وليسا مجرد طريقة لتصفية القلب وتوجيهات أخلاقية وسلوكية للمتصوف، بل هما يتضمنان معرفة فلسفية عميقة، قام الغزالي بتغليفها في غلاف صوفي كي يستطيع تمريرها في المجتمع الإسلامي. ووضْع الغزالي للمعرفة الفلسفية في إطار صوفي يجعلنا نتذكر أن المذاهب المستورة في الفكر الغربي الحديث تفهم على أنها مذاهب صوفية؛ فعندما نبحث عن كلمتي esoteric وesotericism، سنجد أن الكثير من استخداماتها الحديثة يشير إلى التصوف. لكن بصرف النظر عن التصوف، فإن تصوف الغزالي ليس مجرد أخلاقيات وسلوك شخصي وزهد، بل هو معرفة فلسفية راقية وعميقة وضعها الغزالي في لغة الصوفية.

وعندما نقول إن للغزالي مذهبًا مستورًا، فسوف نجده في النص التالي يعلن عن هذا بوضوح، بل يشير إلى علوم كاملة مستورة، مثل “علم المكاشفة” و”علم طريق الآخرة”. ويبدأ حديثه عن هذين العلمين بتلميحه إلى أن ما يعتقده العوام من صفات الله هو في مستوى فهم العوام، وأن الحقيقة غير ذلك:

“وبعضهم يقول حد معرفة الله عز وجل ما انتهى إليه اعتقاد جميع العوام وهو أنه موجود عالم قادر سميع بصير متكلم؛ فنعني بعلم المكاشفة أن يرتفع الغطاء حتى تتضح له جلية الحق في هذه الأمور، اتضاحاً يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه، وهذا ممكن في جوهر الإنسان”[16].

أي أن ما اصطلح على تسميته بصفات الله السبع ليس سوى ما يهمه العوام عن الله، والملاحظ أن هذه الصفات السبع هي التي يبرهن علم الكلام على وجودها ونسبتها لله تعالى، مما يكشف عن موقف الغزالي من علم الكلام وأنه من العلوم العامية أو التي لا ترقى إلى مستوى علوم الأسرار.

ونفهم من قول الغزالي أن العوام هم فقط الذين يفهمون من الله هذه الصفات السبع، أن هذه الصفات هي كل ما في قدرة الذهن البشري العامي على إدراكه في حق الله، وأن حقيقة الله غير ذلك؛ ويمكن أن نستعين بابن رشد في فهم قصد الغزالي في النص السابق، فابن رشد يقول في الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة إن الصفات السبع هذه ما هي إلا صفات الكمال التي للإنسان، أي أن الإنسان يقيس صفات الله على ما في ذهنه من صفات الكمال. صحيح أنه ليس هناك تشبيه في هذه الصفات من حيث التشبيه التمثيلي الحسي لله بالبشر، إلا أنها لا تخرج عن التشبيه أيضًا لأنها تشبه صفات الله بصفات في الإنسان.

علم المكاشفة إذن هو العلم الذي يكشف عن حقيقة صفات الله فيما وراء ذلك الفهم العامي، أو العوامي، لها. لكن هل يتناوله الغزالي في إحياء علوم الدين؟ بعبارة أخرى، هل علم المكاشفة من بين علوم الدين؟ لا. إنه من العلوم السرية التي لا يجب أن تكون في كتاب إحياء علوم الدين: “والمقصود من هذا الكتاب علم المعاملة فقط دون علم المكاشفة التي لا رخصة في إيداعها الكتب وإن كانت هي غاية مقصد الطالبين ومطمع نظر الصديقين”[17]. ها هو الغزالي يعلن بوضوح عن علم سري لا يجب أن يظهر في الكتب!!

لكن أين سنجد هذا العلم؟ ما هو ذلك العلم الذي لن نجده في الكتب والذي هو العلم الحقيقي المُبتَغى، مقصد الطالبين ومطمع نظر الصديقين؟ سنجده في الكتب لكن دون تصريح، بل بالرمز والمَثَل والإيحاء، وقد تكلم الأنبياء فيه بهذه الطريقة: “وأما علم المكاشفة فلم يتكلموا فيه إلا بالرمز والإيماء على سبيل التمثيل والإجمال علماً منهم بقصور أفهام الخلق عن الاحتمال“[18]، والغزالي هنا منطقي مع نفسه، فالعلم السري لا يجب التعبير عنه إلا بطريقة سرية. ولما كان الأنبياء أنفسهم اتبعوا الطريقة السرية في الرمز والإيماء، فالعلماء كذلك يجب أن يتبعوهم في ذلك، لأنهم ورثة الأنبياء: “والعلماء ورثة الأنبياء، فما لهم سبيل إلى العدول عن نهج التأسي والاقتداء“، أي أن العلماء لا يجب أن يخرجوا عن طريقة الأنبياء في الرمز والإيماء والتمثيل، بل يجب أن يفعلوا المثل في إيصال الحقائق الباطنة الخفية، وأعتقد أن هذا هو ما فعله الغزالي في كتبه.

ونلاحظ من حديث الغزالي السابق نظرته السلبية إلى “العوام” أو “الخلق”، وقوله أن أذهانهم قاصرة عن إدراك الحقائق العميقة التي يقصدها، فهو يعترف “بقصور أفهام الخلق عن الاحتمال”. علم المكاشفة إذن هو علم باطني، مثل علوم الباطنية الذين هاجمهم في فضائح الباطنية!! والغريب في أمر الغزالي الذي يترفع عن العوام ويعلن عن قصور أذهانها عن إدراك الحقائق العليا، كان قد سبق له في تهافت الفلاسفة أن استعدى العوام على الفلاسفة عندما ذهب في مطلع الكتاب إلى أن الفلاسفة الذين يقصدهم استحقروا العامة وترفعوا عنهم بعلمهم وذكائهم: “وأما بعد، فإني رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء بمزيد الفطنة والذكاء“[19]، لكنه يتخذ نفس هذا الموقف في إحياء علوم الدين؛ وإن كان لا يترفع “بمزيد الفطنة والذكاء”، بل بالتقوى والزهد والورع، وبالمعرفة أيضًا، المعرفة التي يقول عنها إن أذهان العوام لن تطيقها.

نظرية المعرفة عند ابو حامد الغزالي

ثالثًا – نماذج أولية على آراء الغزالي المستورة

  1. الغيبيات بين الفهم العامي والفهم العقلي

يقول الغزالي تعليقًا على الغيبيات التي هي موضوع الإيمان، مثل معرفة الله تعالى والملائكة والملكوت والقيامة والحشر والنشر والجنة والنار والصراط والميزان، ومعرفة الجن والشياطين، إن هناك علمًا يدرسها وهو العلم النظري المجرد عن العمل، وهو يبحث في هذه الكلمات من حيث إنها تُفهَم بمعنيين، معنى عامي ومعني علمي. وهذا العلم يتناول هذه الأشياء من حيث معناها ويبحث فيما إذا كان ما تعتقده العامة من معان حسية فيها، هو كل معناها أم أن معناها الحقيقي مخالف لمعناها العامي الحسي. ويقول في ذلك:

“… وتحقق أن ما سبق إلى الأفهام العامية من ظاهر هذه الألفاظ، حتى تخيلوا منها في الله تعالى أموراً، من كونه على العرش وفوق العالم بالمكان وقبله بالزمان، وما اعتقدوه في الملائكة والشياطين، وفي أحوال الآخرة من الجنة والنار، هل هي كما اعتقدوه من غير تفاوت، أو هي أمثلة وخيالات، ولها معان سوى المفهوم عن ظاهرها؟”[20].

أي أن “الأفهام العامية” هي التي تفهم الله تعالى على أنه على العرش وفوق العالم وقبل الزمان، وبالمثل تفهم من الجنة والنار معانيها الحسية. يدل هذا على أن الغزالي لا يعتقد في أن الله فوق العرش فوقية مكانية مادية ولا مستقرًا فوقه استقرار الشيء المادي على ما يجلس عليه، ولا يعتقد أيضًا في أن الله في المكان، إذ نفى عنه الجسمية التي تشغل جزءًا من المكان، والأخطر من ذلك أنه يلمح إلى أنه لا يسبق العالم بالزمان، فالأفهام العامية هي التي تفهم الله على أنه قبل العالم بالزمان. لماذا إذن كفر الفلاسفة لقولهم بقدم العالم في تهافت الفلاسفة؟ إن نفي أسبقية الله على الزمان يعني أن الزمان ملازم له، وهذا هو قدم العالم بعينه. وفوق كل ذلك يسرب الغزالي إلى قارئه أن ما يفهمه العامي من الغيبيات على نحو حسي هو مجرد “أمثلة وخيالات، ولها معان سوى المفهوم عن ظاهرها”.

  1. نظرية الغزالي في النبوة وأصولها السينوية

كشف عدد من الباحثين عن الأصل السينوي لنظرية الغزالي في النبوة[21]، وأحاول هنا تتبع هذا الأصل في نصوص الغزالي التي تناول فيها النبوة. وأول ما نلاحظه في حديثه عن النبوة في كتابه المنقذ من الضلال التوجه العقلاني الذي تبناه في موقفه من النبوة، والذي خلطه جيدًا بتصوفه. يتمثل هذا التوجه العقلاني في الدعوة إلى تصديق النبوة بجهد شخصي من المرء وليس بمجرد القبول التلقائي لأخبار النبوة. يتمثل هذا الجهد الشخصي في إقناع الغزالي قارءه بأن النبوة طور معرفي فوق العقل، وأنها ممكنة لأنها إذا كانت إنباءً عن الغيب فهذا مثيل لما يحدث للإنسان في النوم، فهو يرى في نومه أشياء تتحقق بعد ذلك[22]، مما يعني أن النبوة عند الغزالي ممكنة ومن الممكن استيعابها بمثال شيء يحدث لكل الناس. ومن إمكان النبوة عقلًا عن طريق القياس على حالة النوم وما يأتي للنائم من إخبار بالغيب، ينتقل الغزالي إلى التصديق بالنبي وكيف يكون. والنبي عنده يعرف بالقياس إلى النبوة، تمامً كما يُعرف الطبيب والفقيه بالقياس إلى الطب والفقه. فمن معرفتنا بالطب نعرف الطبيب، أي نستطيع تمييزه وقياسه على المهنة. والطريقة التي نستطيع بها معرفة النبي الصادق من غيره هي النظر في أحواله وقياسها على ما فهمناه وعرفناه من النبوة:

“فإن وقع لك الشك في شخص معين، أنه نبي أم لا؟ فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة أحواله… معرفة بالحقيقة لا بالتقليد عن الغير”[23].

ونرى من ذلك كيف أن الغزالي لا يزال حتى الآن يستخدم القياس والنظر العقلي في معرفة النبوة والنبي. ويشدد الغزالي بعد ذلك على أن هذا هو طريق معرفة النبوة والنبي، حتى أنه يقلل من دور المعجزة ودورها في معرفة النبي: “فمن هذا الطريق اطلب اليقين بالنبوة، ولا من قلب العصا ثعباناً، وشق القمر، فإذن ذلك إذا نظرت إليه وحده، ولم تنضم إليه القرائن الكثيرة الخارجة عن الحصر، وربما ظننت أنه سحر وتخييل…”[24]. فالمعجزة إذا كانت تقوم على قلب طبائع الأشياء وتعتمد على شهادة الحواس وحدها، فإن السحر والتخييل قادران على إحداث نفس التأثير، ومن ثم قد يقع الشك في قدرة المعجزة على الدلالة على صدق النبوة. لكن لا ينفي الغزالي المعجزة تمامًا بوصفها دليلًا على النبوة، وإلا وقع في شبهة إبطالها، إذ يحتفظ بها لكن لا يعول عليها، ويوصي قارئه بأن يبقيها في حالة من الفحص المؤقت والأخذ بعين الاعتبار إلى أن تتحقق للنبوة دلائل أخرى:

“فليكن مثل هذه الخوارق إحدى الدلائل والقرائن في جملة نظرك، حتى يحصل لك علم ضروري”[25]

أي ألا تقبل بالمعجزة دليلًا على صدق الذي تقع على يديه وأنه نبي إلا بوصفها دليلًا يرشدك وقرينة تضاف إلى قرائن أخرى ولا تؤخذ وحدها، وتبقيها في ذهنك مؤقتة “حتى يحصل لك علم ضروري”؛ والتعويل كله هو على هذا العلم الضروري، والعلم الضروري هو العلم العقلي.

وقد يأتي الإيمان بالنبي بخبر متواتر، أي يتم نقل خبر نبي ما من شخص إلى آخر، ويحصل الإيمان بهذه الطريقة، أي التصديق بالخبر المتواتر عن هذا النبي، لكن لا يثق الغزالي في هذا التواتر دليلًا على صدق النبي موضوع الإيمان، لأن تواتر الخبر، الذي هو أساس التقليد والإيمان التقليدي (أي أن أؤمن بشيء لأن الناس يؤمنون به ولأن هذا الإيمان منقول من الأجيال الماضية) هو مجرد وسيلة لانتقال خبر عن صدق النبي وليس برهانًا على صدقه من الأصل، ولذلك يذهب الغزالي إلى أن الأصل الأول للإيمان بصدق النبي يجب أن يكون علمًا متحصلًا، أو مستفادًا حصل عند شخص معين وتواتر عنه حتى نساه الناس ونسوا أن أساس إيمانهم هو تلك المعرفة اليقينية التي تم تحصيلها عقلًا ثم تواترت، وصاروا يعتقدون أن إيمانهم متواتر وهم لا يعلمون أن الذي تواتر أصله علم يقيني ضروري بصدق النبوة. “كالذي يخبرك جماعة بخبر متواتر لا يمكنه أن يذكر أن اليقين مستفاد من قول واحد معين”[26]؛ واليقين المستفاد من قول واحد معين هو اليقين العقلي البرهاني الذي سبق وأن شرحه، وهو الآن يقول فيه: “فهذا هو الإيمان القوي العلمي”[27].

  1. تعريف الكفر والإيمان ومراتب إدراك الوجود

في كتابه فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، يُعَرِّف الغزالي الكفر والإيمان، بطريقة تبدو لأول وهلة غير كافية وغريبة وغير مسبوقة، فهو يعرفهما قائلًا:

“الكفر: هو تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم في شيء مما جاء به. والإيمان: تصديقه في جميع ما جاء به…”[28].

قد نعتقد أن الإيمان هو الإيمان بالله تعالى وبملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، لكن الذي يجعل الغزالي يغير من هذا التعريف المعروف إلى تعريفه الخاص وهو أن الإيمان تصديق الرسول والكفر هو تكذيبه، أن الغزالي يشتغل على المستوى المعرفي في تعريفه لهما، لا المستوى الاعتقادي أو الإيماني؛ فنحن نعرف الله تعالى والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر من الرسول، ومن ثم يكون الإيمان هو تصديق الرسول في إخباره عن هذه الأشياء، والكفر هو تكذيبه فيها.

وندرك السبب الذي يجعل الغزالي يُعَرِّف الإيمان والكفر بتصديق أو تكذيب الرسول، مما سيقوله بعد ذلك. لما كان الرسول يُخبر عن وجود أشياء، فإن الغزالي يفحص عن مراتب معرفة وجود الأشياء، وهذه المراتب تتحدد بمراتب وجود الأشياء. والأشياء توجد على خمس مراتب، فإذا صدق المرء الرسول في وجود شيء ينتمي إلى أي مرتبة منها فهو ليس بكافر:

“للوجود خمس مراتب، ولأجل الغفلة عنها نسبت كل فرقة مخالفتها إلى التكذيب، فإن الوجود ذاتي، وحسي، وخيالي، وعقلي، وشبهي. فمن اعترف بوجود ما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن وجوده بوجه من هذه الوجوه الخمسة فليس بمكذِّب على الإطلاق”[29].

  • الوجود الذاتي هو الوجود المادي الحقيقي الماثل أمام المرء، ولعل الغزالي أسماه بالوجود الذاتي لأن ذات الشيء هي التي تظهر للمرء بذاتها، في مقابل مراتب الوجود الأخرى التي لا تحضر بذاتها.
  • والوجود الحسي ليس هو وجود الأشياء المحسوسة كما قد نعتقد من اسمه، ولا وجودها في الحس والمطابق لوجودها الحقيقي خارج الحس، بل هو عند الغزالي وجود في الإدراك الحسي للإنسان مما ليس بموجود خارجه: “أما الوجود الحسي: فهو ما يتمثل في القوة الباصرة من العين مما لا وجود له خارج العين، فيكون موجوداً في الحس، ويختص به الحاس ولا يشاركه غيره، وذلك كما يشاهده النائم، بل كما يشاهده المريض المتيقظ، إذ قد تتمثل له صورة ولا وجود لها خارج حسِّه، حتى يشاهدها كما يشاهد سائر الموجودات الخارجة عن حسه، بل قد تتمثل للأنبياء والأولياء في اليقظة والصحة صورة جميلة محاكية لجواهر الملائكة، وينتهي إليهم الوحي والإلهام بواسطتها، فيتلقون من أمر الغيب في اليقظة ما يتلقاه غيرهم في النوم…”[30]. أي أن ما يشاهده الأنبياء والأولياء هو هذا النوع من الوجود الحسي، إذ يرون “صورة محاكية”.

الفيلسوف ابو حامد الغزالي

والواضح أن الغزالي متأثر هنا بالنظرية الفلسفية في الوحي بوصفه فيضًا على مخيلة النبي، والتي سبق وأن وضعها الفارابي وابن سينا. والحقيقة أن هذا الموضع بالذات هو من أهم المواضع عبر مؤلفات الغزالي التي تشهد على تأثره بالنظرية الفلسفية في النبوة، وهو هنا يصرح بها ويتبناها، وربما يشرحها بطريقة أكثر تفصيلًا من التي نجدها عند الفلاسفة السابقين.

لماذا إذن أدان الفلاسفة وكفرهم في تهافت الفلاسفة وهو يتبنى نظريتهم في النبوة بالكامل في فيصل التفرقة؟ فإذا عدنا إلى تناول الغزالي للنبوة في تهافت الفلاسفة، نراه يرفض نظرية الفلاسفة فيها، فهو في المسألة السادسة عشر يبطل قول الفلاسفة إن “نفوس السموات مطلعة على جميع الجزئيات الحادثة في هذا العالم”[31]. وحاصل هذه النظرية أن الفلاسفة الذين يتبنونها ذهبوا إلى أن حركات الأجرام السماوية منتظمة ومن أجل غاية وهي حفظ حركتها أولًا ثم حفظ الحياة على الأرض، ولما كانت كل حركة من هذا النوع الإرادي والغائي يجب أن تكون صادرة عن ذي نفس وعقل، ذهبوا إلى أن سبب انتظام وغائية حركات السماء أن لها نفوسًا وعقولًا تحركها، ذلك لأن انتظام الحركة في حاجة إلى فاعل ذي عقل، والفعل الغائي في حاجة إلى فاعل يفعل من أجل غاية وهذا هو النفس.

كانت هذه هي النظرية الأفلاطونية المحدثة في العقول والنفوس المحركة للأجسام السماوية، والتي لها أساس لدى أفلاطون وأرسطو، لكنها نضجت واتضحت لدى أفلوطين وبروقليس وتلاميذهما. وعندما انتقلت هذه النظرية إلى العالم الإسلامي سعى الفلاسفة إلى التوفيق بينها وبين العقيدة، فذهبوا إلى أن النفوس المحركة للأجسام السماوية هي التي تسميها الأديان الملائكة، وأن الأنبياء يعرفون الغيب من اتصالهم بتلك النفوس التي هي الملائكة باللغة الدينية. وسبب معرفة النفوس السماوية للغيب أنها مسئولة عن إحداث جزئيات العالم الأرضي بحركاتها الجزئية. ثم ذهب الفلاسفة إلى أن نفوس البشر متصلة بالنفوس السماوية لأنها من طبيعة واحدة، وأن هذا الاتصال دائم غير منقطع لكن تمنعنا عن إدراكه الحواس المنشغلة بأمور الدنيا وبالشهوات، فإذا سيطر المرء على حواسه المعيقة له عن الاتصال بالنفوس السماوية وصفى نفسه وخلصها من كل ما يكدرها حصل له الاتصال بالنفوس السماوية، وأن هذا هو ما يحدث للأنبياء والأولياء.

والواضح أن الغزالي الذي يعرض هذه النظرية بتفصيل شديد في تهافت الفلاسفة[32]، ليس ببعيد عن هذه النظرية لأنها هي أساس تصوفه، بل إنه تبناها صراحة في أعماله الصوفية. ويشرح الغزالي نظرية الفلاسفة في النبوة بذهابه إلى أن الاتصال بالنفوس السماوية يمكن أن يحدث في النوم، لأن البدن يكون معطلًا، وتكون النفس البشرية من ثم حرة بالكامل ومتحررة من البدن، أما النبي فيحدث له هذا الاتصال وهو يقظ: “وزعموا أن الاتصال بتلك النفوس مبذول إذ ليس ثم حجاب ولكنا في يقظتنا مشغولون بما تورده الحواس والشهوات علينا، فاشتغالنا بهذه الأمور الحسية صرفنا عنه، وإذا سقط عنا في النوم بعض اشتغال الحواس ظهر به استعداد ما للاتصال. وزعموا أن النبي مطلع على الغيب بهذا الطريق أيضاً. إلا أن القوة النفسية النبوية قد تقوى قوة لا تستغرقها الحواس الظاهرة، فلا جرم يرى هو في اليقظة ما يراه غيره في المنام”[33].

والغريب في أمر الغزالي أنه عندما يرد على الفلاسفة لإبطال أقوالهم هذه، لا يتعرض لنظريتهم في النبوة وفي كيفية حدوث اتصال النبي بالنفوس السماوية، بل كل ما يقوله إن أهل الشرع لم يفهموا من الملائكة أنها نفوس سماوية، وأن الله يمكن أن يبلغ النبي بأي شيء مباشرة دون توسط، ثم يبطل قولهم إن حركة السماء إرادية، لأنها عنده طبيعية، مثل سقوط الحجر، ويبطل قولهم إن النفوس المحركة للسماء مطلعة على المستقبل، فليس من الضروري أن يكون القائم بالحركة عالمًا بكل ما سيلزم من هذه الحركة من حوادث[34]. والواضح أن الغزالي لا يتعرض في كل ذلك إلى نظرية الفلاسفة في النبوة ولا يبطلها. صحيح أنه أبطل مقدمات هذه النظرية، لكن هذه المقدمات هي المختصة بتفسير كيفية اطلاع النبي على المستقبل من اتصاله بالنفوس السماوية المسئولة عن حركات العالم الجزئية، لكنه لم يبطل ولم يتناول من الأصل نظرية المعرفة النبوية ودور المخيلة فيها؛ تلك النظرية الفلسفية التي ظهرت بوادرها عند الفارابي، وطورها وأكملها ابن سينا، ثم تبناها الغزالي على نحو مستور في أعماله المنظور إليها على أنها صوفية لكنه سرَّب فيها أفكاره الفلسفية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1]) محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية – محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الثانية، 2000، ص 119 وما بعدها.

[2]) Leo Strauss, The Argument and the Action of Plato’s Laws. Chicago: University of Chicago Press, 1975; The City and Man. Chicago: University of Chicago Press, 1978; “Farabi’s Plato.” In Louis Ginzberg Jubilee Volume, 357–93. New York: The American Academy for Jewish Research, 1945; “On a New Interpretation of Plato’s Political Philosophy.” Social Research XIII, no. 3 (1946): 326–67; Studies in Platonic Political Philosophy. Edited by Thomas Pangle. Chicago: University of Chicago Press, 1983.

[3]) الغزالي، جواهر القرآن، دار المنهاج للنشر والتوزيع، جدة، الطبعة الأولى، 1440 هـ/ 2019 م، ص 96 – 97.

[4]) تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي (ت 771 هـ)، طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق د. محمود محمد الطناحي، ود. عبد الفتاح محمد الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية، 1413هـ، الجزء 6، ص 207.

[5]) المرحجع السابق، ص 208.

[6]) الغزالي، فضائل الأنام من رسائل حجة الإسلام الغزالي، ترجمها عن الفارسية مع شروح وتعاليق، د. نور الدين آل علي، الدار التونسية للنشر، 1972، ص 10.

[7]) المرجع السابق،ِ ص 31.

[8]) Barzilay, Isaac. Yoseph Shlomo Delmedigo (Yashar of Candia): His Life, Works and Times. (Leiden: Brill, 1974), pp. 182, 190.

[9]) الغزالي، تهافت الفلاسفة، ص 37.

[10]) الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1424 هـ – 2004 م، ص 36.

[11]) الغزالي، ميزان العمل، ص 406.

[12]) الغزالي، ميزان العمل، ص 407.

[13]) المرجع السابق، الصفحة نفسها.

[14]) الغزالي، ميزان العمل، ص 408.

[15]) الغزالي، ميزان العمل، ص 409.

[16]) الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، 1982، المجلد الأول، ص 4.

[17]) المرجع السابق، الصفحة نفسها.

[18]) المرجع السابق، الصفحة نفسها.

[19]) الغزالي، تهافت الفلاسفة، ص 37.

[20]) الغزالي، ميزان العمل، ص 354.

[21]) Griffel, Frank. “Al-Ġazālī’s Concept of Prophecy: The Introduction of Avicennan Psychology into Ašʿarite Theology.”. Arabic Sciences and Philosophy, 14(2004), 101–14 ;

[22]) الغزالي، المنقذ من الضلال، ص 184 – 185.

[23]) المرجع السابق، ص 185.

[24]) المرجع السابق، ص 186.

[25]) المرجع السابق، الصفحة نفسها.

[26]) المرجع السابق، ص 186 – 187.

[27]) المرجع السابق، ص 187.

[28]) الغزالي، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، نشرة اللجنة العلمية بمركز دار المنهاج للدراسات والتحقيق العلمي، دار المنهاج، جدة، الطبعة الأولى، 1438 هـ، 2017 م، ص 54.

[29]) المرجع السابق، ص 57.

[30]) المرجع السابق، ص 58.

[31]) الغزالي، تهافت الفلاسفة، ص 182.

[32]) الغزالي، تهافت الفلاسفة، ص 184 – 185.

[33]) المرجع السابق، ص 185.

[34]) المرجع السابق، ص 186 – 188.

إقتباسات

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete