تكوين
الغزالي والتنوير الفلسفي الإسلامي
قد يكون من الغريب وغير المتوقع في نظر الكثير من القراء أن يجتمع اسم أبي حامد الغزالي مع كلمة “التنوير”، فالغزالي في نظر الكثيرين كان مسئولًا عن السمعة السيئة التي علقت بالفلسفة والفلاسفة في ديار الإسلام بسبب كتابه تهافت الفلاسفة، وكيف يكون تنويريًا وهو الذي شكك في قوانين الطبيعة وأرجع كل فعل وكل سببية إلى الله مباشرة وأنكر أن يكون للأشياء فاعلية خاصة بها وقال إن لا فاعل إلا الله؟[1] وكيف يكون تنويريًا وهو بوصفه أشعريًا أنكر حرية الإرادة الإنسانية وقال بنظرية الكسب، أي بأن أفعال الإنسان مكتسبة وليست أصيلة فيه؟ وكيف يكون تنويريًا وهو قد ساهم في تغييب العقل الإسلامي بتصوفه الذي يربط الإنسان بالعرفان والغنوص، أي بمصادر غيبية للمعرفة والأخلاق وبعالم الأسرار والباطن، الذي يحبط التعامل العقلي معه؟[2] الحقيقة أن هذه الانطباعات تظلم الغزالي، ولا تجعل من يتبناها يدرك حقيقة فكره.
في هذه الدراسة أحاول الكشف عن جانب آخر للغزالي غير الجانب الأشعري والصوفي المعروف عنه، وهو جانب شديد العقلانية وربما وصفناه بالعقلانية الراديكالية، التي أخفاها خلف لغته الصوفية، وخلف هجومه الظاهري على الفلسفة والفلاسفة. إن الغزالي العقلاني المستنير هو ما أدعي أنني اكتشفته من خلف أسلوبه المستور. ولهذا السبب عنونت هذه الدراسة بـ”أبو حامد الغزالي ومذهبه المستور”. إن أي توجهات عقلانية في مجتمع معاد للعقل يجب أن تتخفى، وتلجأ إلى الإسرار والكتمان والتلميح والتلويح والإشارة والرمز والإلغاز؛ وهذا ما نجده سائدًا منتشرًا في كل مؤلفات الغزالي. وأدعي أن الغزالي قد نشر في الإسلام نوعًا من العقلانية الخاصة به والتي رأى أنها هي الأنسب للمسلمين، عقلانية لا تواجه الدين بالرفض والتنكر، بل تضمه هو نفسه إلى رؤية أشمل للكون والإنسان والألوهية.
وهناك عائق آخر يعيق إدراكنا لحقيقة مذهب الغزالي ورؤية ما فيه من عناصر تنويرية، وهو النقد الذي وجهه إليه ابن رشد في كتابه الشهير جدًا تهافت التهافت، وفي غيره من المؤلفات مثل فصل المقال والكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة. الغزالي في نظر ابن رشد أضر بالشريعة وأضر بالحكمة معًا، وأبطل السببية معتقدًا أنه بإبطاله هذا يُبرِز قدرة الله وإرادته الشاملة والنافذة في الكون كله، لكن ليس في إبطال السببية أي حكمة في نظر ابن رشد، وإرادة الله لا تتأكد بإبطال قوانين الطبيعة، لأن إرادة الله عند ابن رشد هي قوانين الطبيعة، وحكمته هي السببية الشاملة في الكون كله، ولن تجد لسنة الله تبديلًا. لكننا إذا اقتصرنا على ابن رشد واعتمدنا عليه وحده لتكوين موقف من الغزالي نكون قد ظلمنا الغزالي، والأمانة العلمية والأخلاق البحثية تفرض علينا أن نقرأ الغزالي نفسه ونعطيه الكلمة.
والذي يوجهني في هذه الدراسة شبه إجماع في الدرس الأكاديمي الحديث وخاصة الغربي منه، حول تقييم للفلسفة في الإسلام بوصفها كانت تنويرية وبتوجهات عقلانية جريئة، سبقت وربما تفوقت على التنوير الأوروبي اللاحق. ويرجع الفضل إلى ليو شتراوس في إذاعة ونشر تعبير “التنوير الديني الوسيط“[3] Medieval Religious Enlightenment، وكان يقصد به موسى بن ميمون بالذات، وسابقيه ومعلميه من فلاسفة الإسلام، خاصة الفارابي وابن سينا وابن رشد. هؤلاء الأربعة تحديدًا هم المقصودون من تعبير ليو شتراوس، وقد خصص الكثير من أعماله لهم ولأثرهم في موسى بن ميمون. وما أقوم به في هذه الدراسة هو توسيع أعضاء الفئة التي أنشأها شتراوس لأضم إليها الغزالي[4].
إن ما جعل شتراوس يصف موقف موسى بن ميمون من الدين بعامة بأنه “تنوير ديني وسيط“، أن ابن ميمون في نظره ومعه سابقيه من فلاسفة الإسلام كانوا أحرارًا في أفكارهم، غير مقيدين بالأرثوذوكسية الدينية الخانقة، وحافظوا على روح التفلسف خارج القيود الدينية التقليدية. لكن ينبه شتراوس في الوقت نفسه على أننا لا يجب أن نأخذ كلمة “تنوير” هنا بنفس معناها في عصر التنوير الأوروبي؛ فلم يكن موسى بن ميمون وفلاسفة الإسلام يهدفون نشر الفكر العقلاني الحر بين الجمهور، لأن الجمهور في عصرهم كان معاديًا للفلسفة ولكل فكر حر، ولذلك قيدوا تنويرهم بالفئة التي ينتمون إليها من الفلاسفة وتلاميذهم المباشرين، وأوصوهم بالاحتفاظ بهذا التنوير سرًا وحجبه عن العامة، وبذلك أسسوا للطابع المستور لفلسفاتهم[5] esotericism. ولذلك يقول شتراوس إن “أغلب التنوير الوسيط كان مستورًا esoteric وأغلب التنوير الحديث كان ظاهرًا exoteric”. ونحن في هذه الدراسة عندما نكشف عن المذهب المستور عند الغزالي نحاول الكشف عن نزعته التنويرية التي أبقاها مستورة، أو كما قال هو، المذهب المضنون به على غير أهله؛ وإن كان البعض يشكك في نسبة هذا الكتاب إليه[6]، إلا أنني أرجح أنه له، نظرًا لأن أفكاره موجودة في مؤلفات أخرى للغزالي.
وقبل أن أوضح وأثبت كيف كان الغزالي تنويريًا، بالمعنى الإسلامي بالطبع لا بالمعنى الأوروبي اللاحق، يجب أن أقول بضع كلمات عن التنوير الفلسفي الإسلامي.
في الفلسفة الإسلامية تنوير، بمعنى احتوائها على توجهات عقلانية راديكالية تؤمن بقدرة العقل على إدراك الكون وعلى تنظيم الحياة الإنسانية، وهو تنوير من نوع خاص لا نجده لدى التنوير الأوروبي اللاحق. لقد عقلن فلاسفة الإسلام الدين، أي بحثوا له عن مبرر عقلاني، أما التنوير الأوروبي فقد صادر على الدين واستبعده بوصفه غير ذي صلة بحاضر ومستقبل الإنسان، وبأنه كان ينتمي إلى مرحلة سابقة تم تجاوزها من تاريخ البشرية. وكان أغلب التنوير الأوروبي معاديًا للدين (ديدرو، هولباخ، هلفشيوس، لامتري) وعالجه البعض بازدراء وأحيانًا بسخرية (فولتير)[7]. لكن لم يصادر فلاسفة الإسلام على الدين، بل عملوا على عقلنته، ووضعوا العقل قبل الوحي ومهيمنًا وحاكمًا على النص الديني بالتأويل المجازي.
هناك فرق بين أن تصادر على الدين وتستبعده وتسدل الستار عليه، وبين أن تعيد تأويله عقلانيًا، والخيار الثاني أكثر عقلانية من الأول بل أكثر راديكالية. الخيار الثاني يدخل في عرين الدين ويقوم بغزو الفكر الديني من الداخل، والموقف الأول لا يدخل بل يقف في الخارج. كان فلاسفة الإسلام تنويريين بهذا المعنى تحديدًا، كما كانوا غير مسبوقين، في حين أن التنويريين الأوروبيين كان يقف وراءهم العديد من التيارات التاريخية التي كانت تشكل لهم الظهير التاريخي الذي منه انطلقوا: عصر النهضة، وحركة الإصلاح الديني، والفلسفة الإسلامية ذاتها من قبلهما بوصفها من أهم روافد التنوير الأوروبي[8]، لكن فلاسفة الإسلام كانوا يقفون وحدهم دون تيارات تاريخية ودون سوابق، فكانوا مبدعين بجدارة.
وكان التنوير الأوروبي محظوظًا لأنه تزامن مع انتشار الطباعة والتعليم والمؤسسات التعليمية العديدة، مع بعض الأنظمة السياسية التي كانت داعمة له[9]، أما فلاسفة الإسلام فلم يكونوا بمثل ذلك الحظ، صحيح أن البعض منهم تلقى دعمًا ما من الحكام، إلا أنه كان مؤقتًا، وسرعان ما كان الحاكم يتراجع عن دعمه وحمايته للفيلسوف تحت ضغط وتهديدات رجال الدين، المسيطرين على العامة. لقد كان المجتمع الإسلامي معاديًا للفلسفة والفيلسوف بصورة بنيوية، فالبناء الاجتماعي نفسه والذي سيطر عليه رجال الدين كان ضدهم، وكانت مؤسسة الفقه معادية أيضًا، والفقه الإسلامي كان ضابطًا لكل نواحي الحياة وحاكمًا على كل تفاصيل الحياة اليومية للمسلمين، فكان البناء الاجتماعي نفسه غير مواتٍ للفكر الفلسفي، فأي فكر مختلف ورأي حر كان يُنظر إليه على أنه يهدد هوية وكيان المجتمع. وبذلك كانت مهمة فلاسفة الإسلام أكثر صعوبة بكثير من مهمة فلاسفة التنوير الغربيين.
لقد ظهر عصر التنوير الأوروبي بعد تقليم أظافر الكنيسة في عصر الإصلاح الديني، وبعد أن ظهرت الدولة الحديثة التي أنهت الصراع بين الكنيسة والدولة الدائر منذ العصور الوسطى لصالح الدولة. وبذلك ظهر التنوير الأوروبي مع كنيسة ضعيفة ودولة قوية وبورجوازية صاعدة كان من مصلحتها تدعيم العقلانية، مما أتاح للتنوير الأوروبي التنفس. لكن كان التنوير الفلسفي الإسلامي مختنقًا، فكان على فلاسفة الإسلام التخفي، حماية لأنفسهم وللفلسفة من الزوال، فلجأوا إلى الأسلوب المستور للتعبير عن أفكارهم. والغزالي ليس استثناءً. في مجتمع معادٍ للفلسفة يجب على الفيلسوف أن يلجأ إلى الأسلوب المستور. وللغزالي مذهب مستور، هو موضوعنا في هذه الدراسة.
نظرة جديدة للعلاقة بين الشريعة والحكمة
فيما يلي سنميز بين العقل الديني والشريعة الإلهية؛ العقل الديني بشري، وهو الفهم البشري للدين، وليس الدين ذاته، وغالبًا ما يفهم العقل الديني الدين أو الشريعة بطريقة متشددة وتحكمه التحريمات والقيود والثنائيات الحدية، أما الدين نفسه ففيه الكثير من الحرية والانفتاح والمرونة وهي الأشياء التي لا تتوافر في الشريعة. والعقل الديني هو المسئول عن التعقيدات الفقهية والتفصيلات الدقيقة التي تهيمن على كل مناحي الحياة البشرية، في حين أن الشريعة الإلهية قد تركت للإنسان مجالًا متسعًا من حرية الحركة والمرونة وسمحت له بمساحة من القرار الفردي الحر. وفي هذا الإطار نستطيع فهم المقابلة التي يقيمها شتراوس بين الإرشاد الإنساني human guidance والإرشاد الإلهي divine guidance. الإرشاد الإنساني قائم على الشخصية المستقلة والحرية الفكرية، وهو أخلاق العقل والضمير الفردي والمسئولية الشخصية، وأخلاق العقل التي توجهه هي كلية عامة تعلو على الفِرَقية الدينية والمذهبية العقائدية؛ أما الإرشاد الإلهي فهو يطلب الطاعة الكاملة ويكره النقاش. وكل نوع من الإرشاد يستبعد الآخر، ويقفان في تناقض شديد مع بعضهما البعض[10]. هذا التناقض بين نوعي الإرشاد هو الذي يميز الحداثة الأوروبية وهو الذي تبناه عصر التنوير الأوروبي، ولم يكن من اختراعهما بل هو موروث من العصور الوسطى، الإسلامية والمسيحية، ونستطيع تلمس حضوره وإن على نحو مستور لدى كل فلاسفة الإسلام؛ يقول ابن رشد: “: “فهذه هي طريقة القوم [الفلاسفة] مجملة. فإن كنت من أهل الفطرة المعدة لقبول العلوم، وكنت من أهل الثبات وأهل الفراغ، ففرضك أن تنظر في كتب القوم وعلومهم لتقف على ما في كتبهم من حق أو ضده. وإذا كنت ممن نقصك واحد من هذه الثلاثة، ففرضك أن تفرغ في ذلك إلى ظاهر الشرع، ولا تنظر إلى هذه العقائد المحدثة في الإسلام، فإنك إن كنت من أهلها لم تكن من أهل اليقين ولا من أهل الشرع”([11]). يفرض ابن رشد على دارس الفلسفة شروطًا قاسية للغاية، وهي كلها تلتف حول الشخصية المستقلة صاحبة الفكر الحر. فدارس الفلسفة يجب أن يكون من “أهل الفطرة المعدة لقبول العلوم”، أي من أصحاب العقل المستقل ويكون هادفًا الوصول إلى الحقيقة، ويجب أن يكون “من أهل الثبات”، أي من أصحاب الاستقامة الأخلاقية الذاتية والضمير الأخلاقي الشخصي المستقل، وأن يكون وازعه الأخلاقي داخليًا لا خارجيًا؛ كما يجب أن يكون “من أهل الفراغ”، أي من أصحاب وقت الفراغ المتحرر من الانشغال بالماديات وأمور الدنيا؛ والواضح أن هذه الشروط لا تتوافر إلا في قلة قليلة للغاية من الناس، وهم أصحاب الاستقلال الشخصي والعقل الحر. ويشدد ابن رشد على ضرورة توافر كل تلك الشروط الثلاثة ولا ينقصها واحد منها، فإذا انتقصت واحدًا منها فلا يجب على المرء النظر في كتب الفلاسفة بل يجب عليه الاكتفاء بظاهر الشرع، دون إعمال أي تفكير عقلاني فيه. وظاهر الشرع هو المناسب للجمهور، غير المؤهل للمعرفة الفلسفية. نرى من نص ابن رشد السابق كيف أن الثنائية التي تناولها شتراوس حاضرة فيه، فأهل الفلسفة هم أهل الإرشاد الإنساني، وأهل الظاهر من الشرع هم أهل الإرشاد الإلهي. في هذا السياق لن يكون التنوير إلا للخاصة، أهل الفلسفة أو المؤهلين للمعرفة الفلسفية العقلانية، ولن يكون للجمهور ولا يجب أن يكون.
أهمية الغزالي في ضوء السياق السابق، أنه حاول الوصول إلى إيمان عقلاني حر يتصف بالاستقلال عن ظاهر الشرع وبالعمق الفلسفي. فهو لم يقنع بتلك الثنائية التقليدية بين أهل العقل وأهل الشرع، فأراد أن يؤسس من داخل أهل الشرع فئة تأخذ الشرع بالعقل. ولم يكن هذا متاحًا إلا في أسلوب مستور وفي أعلى درجات التخفي، كما سنرى. فإذا كان أصحاب الإرشاد الإنساني هم أصحاب العقل الحر والمسئولية الشخصية والضمير الأخلاقي الإنساني، فقد أراد الغزالي ومن داخل الشرع نفسه خلق هذه الفئة ابتداءً، عن طريق التأويل العقلي للنص الديني، فلا يجب أن يكون أصحاب العقل المستقل والفكر الحر في مواجهة مع الدين على الدوام، بل المهمة التي تشكل التحدي الأكبر هي إيجاد مساحة للعقل والحرية الفكرية داخل النص الديني، وهذا هو ما يتحقق بالتأويل. نفهم من هذا أن للتأويل عند الغزالي وظيفة مختلفة تمامًا عن وظيفته عند ابن رشد. فوظيفته عند ابن رشد هي إزالة التعارض بين النص الديني والعقل في حال تعارضهما، أما وظيفته عند الغزالي فهي خلق مساحة للعقل داخل النص الديني، وتأسيس إيمان عقلاني حر. فإذا كان العقل الإيماني التقليدي يتعامل مع النص الديني بظاهره ويقبل التشبيه والتجسيم كما هو، فإن الإيمان العقلي الحر عند الغزالي يقوم على التحرر من هذا الفهم الظاهري ومن التشبيه والتجسيم، لكن لا بالتصريح بل الكتمان والإشارة والرمز؛ ذلك لأن العامة لن ترضى بمثل هذا التأويل ولن تفهمه لأنه يقوم على إبطال فهمها الظاهري للنص، هذا الفهم الذي تجعله مطلقًا وتساوي بينه وبين الإيمان ذاته، فالإيمان لديها هو الإيمان بظاهر النص، وكل من يؤول لها الظاهر تعتبره خارج الملة وخارج الإيمان، فوجب في التأويل الكتمان والرمز.
ومن ثم فلا داعي لأن نقيم المواجهة الصراعية التقليدية بين الغزالي وفلاسفة الإسلام، ولا يجب أن نضعهما في تناقض، لأن لدى الغزالي الكثير والكثير الذي يجمعه مع فلاسفة الإسلام، ومع العقلانية الفلسفية الإسلامية، وما كتابه تهافت الفلاسفة سوى لغرض التخفي وتسريب الفكر الفلسفي إلى مجتمع معادٍ للفلاسفة؛ إنه جواز المرور والرخصة التي يدخل بها إلى عقول المسلمين، لكنه لا يهدم الفلسفة أبدًا بل على العكس ينشرها من باب خلفي وبأسلوب عالي المستورية. أعلم أن الغزالي قد تنازل كثيرًا في تهافت الفلاسفة كي يثبت الاعتقاد في المعجزات حتى أنه أنكر السببية والفاعلية الطبيعية للأشياء وقال بجواز أن يبطل الله عمل الطبيعة وأن الطبيعة لا فعل لها من ذاتها بل هي تؤثر بإرادة الله وحدها. لكنني أشك في قوله هذا وفي النصوص التي يوردها في تهافت الفلاسفة في هذا الشأن وأعتقد أنه أتى بهذه النصوص تخفيًا، وكان مراده استثارة القارئ العاقل كي يرفض كلامه هذا.
لقد أبطل الغزالي فعل الطبيعة حتى أنه أنكر أن تكون النار محرقة بذاتها وبقوة فيها وقال إن أثرها هو بإرادة الله حتى أن القطن قد يلتقي بالنار ولا يحترق إذا كانت هذه هي إرادة الله. وأقول إن الغزالي لم يكن يقصد هذا الكلام بل هو كلام مستور. يقول: “الاقتران بين ما يعتقد في العادة سبباً وما يعتقد مسبباً ليس ضرورياً عندنا بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر ولا نفيه متضمن لنفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر مثل الري والشرب والشبع والأكل والاحتراق ولقاء النار والنور وطلوع الشمس والموت وجز الرقبة والشفاء وشرب الدواء وإسهال البطن واستعمال المسهل وهلم جرا إلى كل المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف، وإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه يخلقها على التساوق لا لكونه ضرورياً في نفسه غير قابل للفرق بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل وخلق الموت دون جز الرقبة وإدامة الحيوة مع جز الرقبة وهلم جرا إلى جميع المقترنات، وأنكر الفلاسفة إمكانه وادعوا استحالته”[12]. لا أعتقد أن الغزالي يريد إبطال قوانين الطبيعة وهدم السببية بالكامل، بل هو يتخفى؛ إنه يريد إقامة المواجهة، ضمنيًا، بين العقلية الدينية المنكرة للسببية والتي ترد كل شيء إلى الله، والعقل العلمي البرهاني الذي يعترف بالضرورة الطبيعية وبطبائع الأشياء وفكرة القانون الطبيعي. والذي يؤكد عندي هذه الفكرة، تفصيل الغزالي التالي بمثال عدم احترق القطن إلا بإرادة الله أو بواسطة الملائكة: “فاعل الاحتراق بخلق السواد في القطن والتفرق في أجزائه وجعله حراقاً أو رماداً هو الله، إما بواسطة الملائكة، أو بغير واسطة، فأما النار وهي جماد فلا فعل لها”[13]. الذي يحرق ليس النار، بل الله أو الملائكة!! وهذا هو ما يتناقض بشدة مع عقلانية الغزالي التي ظهرت في عرضه للعلم الطبيعي في مقاصد الفلاسفة، إذ ظهر فيه تمسكه بالسببية والفاعلية الطبيعية للأشياء.
ارتباط الجذور التاريخية للتنوير الراديكالي في أذهان الأوروبيين بفلاسفة الإسلام
يرجع الفضل إلى المؤرخ الإنجليزي جوناثان إسرائيل في ذيوع مصطلح “التنوير الراديكالي” Radical Enlightenment، والذي خصص له الكتاب الأول من سلسلة من أربعة مجلدات ضخمة عن عصر التنوير. والذي يقصده بالتنوير الراديكالي، الأفكار التي ظهرت في أوروبا في أواخر القرن السابع عشر وطوال القرن الثامن عشر، والتي تعاملت بعقلانية مع التراث الديني، ورفضت سلطة رجال الدين وفكرة المؤسسة الدينية، ودعت إلى حرية التفكير والعقلانية والديمقراطية وحقوق الإنسان. وفي سنة 2017 صدر كتاب عنوانه إعادة تقييم للتنوير الراديكالي[14]، وهو عبارة عن دراسات مجمعة حول مشروع جوناثان إسرائيل في التأريخ لعصر التنوير بالارتكاز على جناحه الراديكالي واعتباره هو الجناح الأساسي وما كل الأجنحة الأخرى المعتدلة سوى تنويعات عليه ونشأت بجانبه، مع اعتبار سبينوزا هو المؤسس الفعلي لهذا التنوير الراديكالي. وفي الكتاب دراسة بعنوان “التنوير الرايدكالي: جوانب من تاريخ المصطلح”، للباحث فريدريك شتيرنفلت، الذي تتبع تاريخ المصطلح قبل إسرائيل وظهوره في أعمال المفكرين والمؤرخين. وما يهمنا في هذه الدراسة أنه في أواخر القرن التاسع عشر بدأ الأوروبيون في الربط بين التنوير الراديكالي وفلاسفة الإسلام. ففي كتابه مقدمة في العلوم العقلية Einleitung in die Geisteswissenschaften (1883)، ذهب فيلهم دلتاي إلى أن اعتقاد الفلاسفة في خلود النفس لكونها منفصلة عن البدن كان سائدًا في العصور الوسطى، أما بعد أن بدأ بعض الفلاسفة بعد دون سكوتس في مساءلة البرهان الفلسفي المتعلق بخلود النفس الفردية، تطرق الشك إلى هذه الفكرة، لكن لم يؤثر هذا الشك في عقيدة الناس؛ ولم ينكر أحد خلود النفس الفردية إلا “داخل الدائرة الضيقة للتنوير الراديكالي، والتي كانت تحت تأثير الفلاسفة العرب بالكامل”[15]. ولعل دلتاي يقصد بالفلاسفة العرب، ابن رشد تحديدًا، الذي اشتهر في أوروبا في العصور الوسطى وعصر النهضة بإنكاره للخلود الفردي، مما دفع توماس الأكويني للرد على هذه النظرية ومن يتبناها من الفلاسفة المعاصرين له في رسالته الشهيرة “في وحدة العقل ضد الرشديين”، وربما يقصد دلتاي بالدائرة الضيقة للتنوير الراديكالي، هؤلاء الرشديين اللاتين وعلى رأسهم سيجر البرابانتي وبوئيثوس الداشي وجون الجاندوني. وبالطبع فلم يطلق هؤلاء على توجههم اسم “التنوير الراديكالي”، لكن دلتاي عند استعارته هذا الاسم من عصر التنوير الأوروبي ليصف به توجه الرشديين اللاتين فقد كان منطلقًا في ذلك من إحساس بالقرابة الفكرية والأصل الفكري لابن رشد ولهؤلاء الرشديين اللاتين واتجاهات التنوير الراديكالي التي سوف تتضح في عصر التنوير الأوروبي لاحقًا.
وفي سنة 1895 أصدر المؤرخ الألماني إبرهارد جوتهاين Eberhard Gothein كتابه “إجناشيوس أوف ليولا والإصلاح المضاد” Ignatius von Loyola und die Gegenreformation، وفيه درس عداء ليولا (1491 – 1556)، مؤسس طائفة اليسوعيين، لابن رشد والرشديين، ووصف موقف ليولا بأنه كان معاديًا “للتنوير الراديكالي للرشدية” die radikale Aufklärung des Averroismus[16]. ويذهب جوتهاين إلى أن ليولا كان معاصرًا للرشدية الإيطالية التي ازدهرت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وكان بومبوناتزي ممثلًا بارزًا لها، خاصة في نظريته في النفس والتي أنكر فيها الخلود الفردي على أساس ذهابه إلى استحالة وجود برهان منطقي على خلود النفس الفردية. ويستشهد جوتهاين على ازدهار ما أسماه بالتنوير الراديكالي للرشدية بقرارات المجتمع اللاتيراني الخامس سنة 1513 والتي كان من بينها إدانة وتحريم تدريس نظرية ابن رشد في النفس والتي تؤدي إلى إنكار خلود النفس الفردية[17]. ومرة أخرى نجد جوتهاين، مثله مثل دلتاي، يستعير اسم “التنوير الراديكالي” من القرن الثامن عشر لوصف فلسفة الرشدية، ربما بسبب القرابة التي شعر بها بين الرشدية والتنوير الأوروبي، وخاصة الجناح الراديكالي منه.
خاتمة
كان الغزالي صاحب مذهب مستور، نجح في إخفائه عن العامة ببراعة، وهو مذهب لا يختلف بل ربما يتطابق مع أفكار الفلاسفة الذين هاجمهم وكفرهم، على سبيل التقية والتخفي. في هذا المذهب المستور، كان الغزالي سائرًا في خط التنوير الفلسفي الإسلامي الراديكالي. رسالته المستورة ليست للعامة، ولا للخاصة، بل لخاصة الخاصة، فالكثير من الخاصة لم يفهم حقيقة مذهبه.
________________________________________
المراجع:
[1]) ]الغزالي، تهافت الفلاسفة. تحقيق موريس بويج وتقديم ماجد فخري. دار المشرق، بيروت، الطبعة الرابعة 1990 ، ص 92.
[2]) نجد أوضح تعبير عن هذا الرأي في، محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الرابعة، 1989، ص 212 – 214، 281 – 290.
[3]) Leo Strauss. Philosophy and Law: Contributions to the Understanding of Maimonides and His Predecessors. (State University of New York Press, 1995), p. 102.
[4]) كان تعبير شتراوس “التنوير الديني الوسيط” هو الأساس الذي اعتمد عليه يوئيل كرايمر في دراسته عن شتراوس وعنوانها “التنوير العربي الوسيط”، والتي توسع فيها في تتبع أفكار شتراوس إلى أصولها لدى فلاسفة الإسلام، وشرح بالتفصيل موقف شتراوس منهم بوصفهم تنويريين مع إضافة موسى بن ميمون إليهم.
Joel L Kraemer. ‘The Medieval Arabic Enlightenment’, in The Cambridge Companion to Leo Strauss, ed. by Steven B. Smith, (Cambridge: Cambridge University Press, 2009), pp. 137–70
[5]) Ibid., p. 103.
[6]) نسب ابن خلكان (ت 681 هـ/ 1282 م) في كتابه وفيات الأعيان هذا الكتاب إلى الغزالي، (ابن خلكان، وفيات الأعيان، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، د.ت.، الجزء الرابع، ص 218). أما ابن تيمية فبعد أن يصرح بأن أسلوب الكتاب غريب ومختلف عن أسلوب الغزالي، إلا أنه يتمسك بفكرة أنه للغزالي لكن يذهب إلى أنه ربما تم تغيير ما في الأسلوب (ابن تيمية، نقض المنطق، مكتبة السنة المحمدية، القاهرة، د.ت، ص 53 – 54). أما تاج الدين السبكي (ت 771 هـ/ 1370 م) فقد رفض نسبة هذا الكتاب إلى الغزالي، معتمدًا على رأي ابن الصلاح (577 – 25 ربيع الآخر 643هـ / 1181 – 1245م)، وقد ذهبا إلى أنه منحول على الغزالي وفق محتواه، إذ يؤكد الكتاب على أفكار أنكرها الغزالي وهاجمها في كتبه المعروفة كتهافت الفلاسفة، مثل قدم العالم وإنكار علم الله للجزئيات وإنكار حقيقة الصفات الإلهية (تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1918، الجزء السادس، ص 257). والواضح أنهما لم يضعا افتراضًا بأن يكون هذا هو مذهب الغزالي المستور. وأما من المحدثين، فعبد الرحمن بدوي بعد أن يسرد آراء القدماء واختلافهم حول هذا الكتاب، لا يقطع برأي حوله، لكنني أعتقد أنه أميل إلى نسب الكتاب إلى الغزالي، لأنه يضعه في قائمة كتبه، وهو الكتاب التاسع والثلاثين في القائمة (عبد الرحمن بدوي، مؤلفات الغزالي، وكالة المطبوعات، الكويت، الطبعة الثانية، 1977، ص 152 – 154).
[7]) Jonathan Israel. Democratic Enlightenment. Philosophy, Revolution, and Human Rights 1750 – 1790. (New York: Oxford University Press, 2011), pp. 67–9, 110–14,116–20, 122, 127–8, 130, 272.
[8]) Jonathan Israel. Enlightenment Contested. Philosophy, Modernity, and the Emancipation of Man 1670 – 1752 (New York: Oxford University Press, 2006), pp. 615 – 639.
[9]) Reinhart Koselleck. Critique and Crisis Enlightenment and the Pathogenesis of Modern Society. MIT Press, 2015, pp. 15ff, 53ff.
[10]) Strauss. Natural Right and History (Chicago: University of Chicago Press, 1953), pp. 74 – 75.
[11]) ابن رشد، تهافت التهافت، ص 381.
[12]) الغزالي، تهافت الفلاسفة، ص 195.
[13]) المرجع السابق، ص 196.
[14]) Steffen Ducheyne (ed.). Reassessing the Radical Enlightenment. (New York: Routledge, 2017).
[15]) Wilhelm Dilthey, Introduction to the Human Sciences: An Attempt to Lay a Foundation for the Study of Society and History , trans. Ramon J. Betanzos (Detroit, 1988), p. 274; cited in, Stjernfelt, Frederik. ‘Radical Enlightenment’: Aspects of the History of a Term, in Steffen Ducheyne (ed.), Reassessing the Radical Enlightenment, pp. 80-103, at p. 94.
[16]) Eberhard Gothein, Ignatius von Loyola und die Gegenreformation (Halle, 1895), p. 84; cited in, Stjernfelt, p. 95.
[17]) Gothein, p. 89.