أبو حامد الغزالي ومذهبه المستور – الجزء الأول

 تكوين

مقدمة

هل كان لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي (450 هـ – 505 هـ / 1058م – 1111م) مذهب مستور؟ هل عمل على إخفاء آراء وأفكار معينة بين السطور؟ لقد كتب الغزالي في كل فروع الفكر الإسلامي وله إسهامات عديدة في العلوم الإسلامية: الفقه والكلام والفلسفة والمنطق والتصوف، وهي علوم نادرًا ما يجمع بينها مفكر، وكتاباته المتميزة فيها تشي بموهبة نادرة وقدرة عالية على امتلاك نواصيها والإبداع فيها.

كتب أبو حامد الغزالي:

  • ففي الفقه كتب المستصفى في علم الأصول، الذي أثر في الكثير من كتب أصول الفقه اللاحقة
  • وفي علم الكلام كتب الاقتصاد في الاعتقاد وإلجام العوام عن علم الكلام، وهما من العلامات البارزة في تاريخ علم الكلام
  • وفي الفرق والمذاهب كتب فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، وفضائح الباطنية
  •  وفي المنطق كتب معيار العلم، ومحك النظر
  • وفي الفلسفة كتب مقاصد الفلاسفة وتهافت الفلاسفة، والكتاب الأخير كفر فيه الفلاسفة في ثلاث مسائل (قدم العالم وعلم الله للكليات دون الجزئيات وإنكار حشر الأجساد، أي البعث الجسدي) وحكم عليهم بالبدعة في سبع عشر مسألة أخرى، وكان كتاب التهافت هذا من أهم المؤلفات التي قيل عنها مرارًا إنها أثرت سلبًا في صورة الفلسفة في العالم الإسلامي وأدت إلى تراجعها، لكن هذا غير صحيح كما سنرى.
  • وفي التصوف كتب مشكاة الأنوار وإحياء علوم الدين، والأخير من المصادر الأساسية للتدين العلمي الإسلامي.

فهل كان الغزالي في حقيقته متكلمًا أم فيلسوفًا أم صوفيًا؟ أم كان كل ذلك في وقت واحد؟ هل كان متكلمًا مع المتكلمين، صوفيًا مع الصوفية، فيلسوفًا مع الفلاسفة، أشعريًا مع الأشاعرة، كما قال عنه ابن رشد؟ أم كان كل ذلك على التوالي والترتيب في مراحل فكرية تطور فيها، كما قال عن نفسه في “المنقذ من الضلال”؟ ماذا كان مذهبه الحقيقي؟

منهج أبو حامد الغزالي

بادئ ذي بدء، وقبل أن ندخل في فحص دقيق لمواقفه الحقيقية، فإن الاطلاع العام على هذه المؤلفات يُشعرنا بانطباع غريب لا نجده مع غيره من مفكري الإسلام، وهو أنه في كل كتاب منها يستند على أسس لم تكن منتمية حصرًا للحقل البحثي الذي ينتمي إليه هذا الكتاب.

ففي الفقه نجد كتابه المستصفى من علم الأصول يستخدم منهجية لا نستطيع أن نقول عنها إنها فقهية تمامًا، إذ لا يستخدم القياس الفقهي التقليدي بل يستخدم المنطق بكثافة، لا نجدها لدى سابقيه من علماء الأصول، سوى ابن حزم بالطبع في كتابه الإحكام في أصول الأحكام، وقد كان غريبًا على فقيه أن يستعين بالمنطق نظرًا لعداء الفقهاء التقليدي للمنطق ونظرتهم له على أنه علم غريب عن المنظومة الإسلامية وووافد من اليونان، وعلى أنه “نحو اللغة اليونانية” كما قال عنه أبو سعيد السيرافي في مناظرته الشهيرة مع أبي بشر متى بن يونس.

وفي كتابه إلجام العوام عن علم الكلام، نكتشف أن الكتاب أبعد ما يكون عن الإلجام، إذ فيه تصريح بالتأويلات المجازية والرمزية التي من المفترض إلجام العوام عنها، لكنه يعرضها ويكشفها ويصرح بها!!! ناهيك عن استخدامه لكلمة “العوام” في عنوان الكتاب، مما يكشف عن تبنيه للتقسيم الحاد للناس إلى العامة والخاصة، وللاعتقاد في أن “العوام” لن تقدر على فهم هذا العلم لقصور ذهني فيها، وهي كلمة ازدرائية بوجه عام.

ونعرف من هذا الكتاب أن علم الكلام خطر على إيمان العامة، وأنه يجب أن نترك العامة لفهمها الحرفي للنص الديني، وأن نحافظ على هذا الفهم العامي البسيط والساذج، ونبقي سرًا الفهم العقلاني الأرقى للنص الديني للخاصة. وكل هذا في كتاب موجه للعوام!! وكأن الغزالي كان يقصد نشر التأويلات المجازية بين العوام وهم قبل ذلك لم يكونوا على علم بها!! في هذا الكتاب يلتقط الغزالي مكامن الخطر على عقيدة العوام من مجمل النتائج التي توصل إليها علم الكلام، يركزها ويبرزها ويلقي عليها ضوءًا ساطعًا للغاية، وكل ذلك في كتاب صغير الحجم ومباشر وصريح. إذا كان في علم الكلام أسرار لا يجب على العامة الاطلاع عليها، فلماذا لم يُبْق السر سرًا؟ لماذا أفصح عنه؟

وفي كتابه الاقتصاد في الاعتقاد[1]، لا نجده يقتصد في العقيدة أبدًا، بل نجد في الكتاب تفصيلًا وإطالة لتأويلات كثيرة للنصوص القرآنية، ورغم أنه يحمل كلمة “اقتصاد”، إلا أنه لا يقتصد في بنود العقيدة، بل يتوسع فيها للغاية، في كتاب يبلغ 300 صفحة في بعض طبعاته، ويتكون من أجزاء تتناول ذات الله وصفاته وأفعاله، وإثبات نبوة النبي محمد، وإثبات وجوب الإمامة، وأخيرًا بيان من يجب تكفيره من الفرق.

  • وفي الجزء المتعلق بذات الله يضع الغزالي عشر دعاوى، في وجود الله، وأنه صانع العالم، وأنه باق لا آخر له، وأنه ليس بجوهر، وليس بجسم، وليس بعرض، وليس في جهة، وغير مستقر على العرش، وأنه تعالى مرئيٌّ عند أهل الحق، وأنه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله.
  • وفي الجزء المتعلق بالصفات، يثبت الغزالي صفات القدرة والعلم والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام، ويستخرج أحكامًا خاصة بالصفات، مثل “زيادة الصفات على الذات دون مغايرة“، وقيام الصفات بالذات، وقِدَم كل الصفات.
  • وفي الجزء المتعلق بالأفعال يثبت الغزالي أن الله لا يجب عليه شيء، فهو لا يجب عليه الخلق والتكليف “بل هما جائزان“، وأنه يجوز أن يكلف عباده ما لا يطيقون، وله أن يعذب البريء دون ثواب، ولا يجب عليه رعاية الصلاح والأصلح، ولا يجب عليه الثواب والعقاب، وأن “بعثة الأنبياء جائزة وليست بمحال ولا واجبة“. والواضح مع هذه القضايا أن الغزالي يرفعها إلى مرتبة العقائد، ويقدمها على أنها عقائد أهل السنة والجماعة، في حين أنها عقائد مذهبية خاصة بفرقة واحدة هي الأشعرية في جانبها المتقرب من أهل السنة والجماعة.

ونشعر مع هذه الكتب أن مضامينها هي العكس التام لعناوينها. والحقيقة أن المفارقة العجيبة هنا تتمثل في أن عناوين هذه الكتب لا تنطبق على هذه الكتب ذاتها بل تنطبق على كتب ابن رشد!! فالكتاب الذي يستحق أن يسمى إلجام العوام عن علم الكلام هو كتاب فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال لابن رشد، لأنه يحذر فيه من التصريح بالتأويل للعامة، لأن التأويل سوف يشككها في المعنى الظاهري الحرفي للآيات القرآنية بعد تأويله إلى معنى مجازي، والعامة لا تفهم من النص إلا معناه الظاهري، وإذا ما شكك أحد فيما تفهمه من ظاهر النص فكأنه في نظرها يشكك في النص نفسه، فيجب من ثم عدم التصريح بالتأويلات للعامة وقصرها على الراسخين في العلم وهم الفلاسفة.

والكتاب الذي يستحق أن يسمى الاقتصاد في الاعتقاد هو كتاب الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة لابن رشد أيضًا؛ ففيه يحصر ابن رشد ما يجب على العامة الإيمان به فيما صرح به القرآن وحسب، وعدم الزيادة عليه، وعدم إلزام الجمهور بآراء كلامية لا تنفعهم في سعادتهم المناسبة لهم.

أما كتاب فضائح الباطنية فهو عرض نسقي دقيق ومفصل للعقائد الفلسفية للشيعة الإسماعيلية على سبيل الرد عليها، لكن الأثر الحقيقي الذي يُحدثه هذا الكتاب هو نقل هذه العقائد التي يعتبرها ضالة وتستحق التكفير إلى الجمهور، بل إنه يشرحها ويأتي ببراهينها من فلاسفة الإسماعيلية. إن الذي لم يكن يعرف شيئًا عن العقائد الفلسفية الإسماعيلية سوف يتعرف على مذهبهم وأفكارهم معروضة بوضوح وتفصيل شديد في هذا الكتاب، وربما لهذا السبب لم يرض عنه الخليفة العباسي المستظهر بالله.

لقد كان الفقهاء دائمًا ما يدينون أفكار خصومهم من الفلاسفة والمتكلمين دون تفصيل أو شرح لها، لكن هذا هو ما نجده في كتب الغزالي. فهل كان قصد الغزالي الحقيقي هو تسريب أفكار المتكلمين والفلاسفة والإسماعيلية تحت ستار نقدها وإدانتها؟ هذه فرضية بحثية تصلح لأن توجهنا في دراسة من نوع جديد لمؤلفاته؛ وقد ظهرت دراسات حديثة تتبنى هذه الفرضية بالفعل سوف أشير إليها في هذه الدراسة.

أما كتاب تهافت الفلاسفة فقد قيل عنه إنه كان يهدف تعريف المسلمين بطرائق التفكير الفلسفي وأوجه الحجج والبراهين الفلسفية[2]. ففي مجتمع معادٍ للفلسفة، لا يمكن إدخال الفلسفة إليه إلا تحت ستار إدانتها وتكفيرها. إن المسائل العشرين التي أدان فيها الغزالي الفلاسفة، منتشرة ومبعثرة في مؤلفات الفلاسفة ولا توجد في موضع واحد منها، وكان إنجاز الغزالي الأهم هو استخلاصها من مؤلفات كثيرة وجمعها في كتاب واحد، وهو جهد عبقري وموهبة نادرة. لكن الانطباع الذي يأتي لأي قارئ لكتاب تهافت الفلاسفة هو أن الفلاسفة الذين يهاجمهم الغزالي لم يهدفوا إلا إلى تقديم هذه المسائل والبرهنة عليها، وأن هذه المسائل هي مذهب الفلاسفة نفسه، وهذا غير صحيح. فلم تكن هذه المسائل هي كل مقاصد وأغراض والفلاسفة، بل كانت هامشية فيها وأتت على سبيل النتائج والخواتم النهائية لبراهين طويلة نجدها مبعثرة وموزعة في كل مؤلفاتهم. وإنجاز الغزالي هو أنه التقطها ورتبها في صورة نسقية وبتتابع منطقي لا نجده في كتب الفلاسفة أنفسهم، ولذلك قال عنه ابن العربي إنه دخل بطن الفلاسفة ولم يستطع الخروج، أي أنه وقع هو نفسه في حبائلهم وظل أسير طرائقهم في التفكير.

وأقول في ذلك إن حقيقة الغزالي أنه لم يخرج من بطن الفلاسفة لا لأنه لم يستطع ذلك ولا لأنه ظل أسير طرائقهم في التفكير كما توحي عبارة ابن العربي الشهيرة، لأنه كان هو نفسه فيلسوفًا في حقيقته وبينه وبين نفسه؛ لم يدخل في بطن الفلاسفة بل كانت بطنه ذاتها فلسفية. ذلك لأن الغزالي لم يكن يطلع على كتب الفلاسفة كي يرد عليهم وحسب، بل كي يتعلم ويوظف أفكارهم في مذهبه الخاص. هل كان يقصد نشر الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي تحت ستار الهجوم عليه؟ أعتقد ذلك، لأن من أراد تعلم الفلسفة من حيث الإشكالات والخلافيات فسوف يجد أن تهافت الفلاسفة هو أفضل الكتب؛ ويكفي أن كتاب التهافت يرد على الفلاسفة بالطريقة الفلسفية ولا يدينهم بفتاوى فقهية أو بالمواجهة بآيات وأحاديث نبوية كما نرى مع آخرين غيره من مكفري الفلاسفة.

إقرأ أيضًا: أيدي الإمام الغزالي: 1- يد الفيلسوف. 2- يد الصوفي. 3- يد الفقيه.

وأما كتابه السابق على التهافت وهو مقاصد الفلاسفة، والذي قيل عنه إنه وضعه كمقدمة وتمهيد للرد عليهم في تهافت الفلاسفة، فلا نجد فيه أي تقديم أو تمهيد للرد ولا للتكفير ولا للتبديع الذي نجده في التهافت، بل هو عرض أمين ودقيق ومفصل للغاية لمذهب ابن سينا تحديدًا، وقد صار لدى اليهود في العصور الوسطى وحتى عصر النهضة المرجع الأساسي للفلسفة لديهم، إذ لم يأخذوه على أنه مقدمة للرد على الفلاسفة في تهافت الفلاسفة، بل على أنه تلخيص مركز للفلسفة وتعبير عن الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي، وكان طلاب الفلسفة اليهود يدرسونه على أنه موجز للفلسفة، ويدل على ذلك ترجمته إلى العبرية في وقت مبكر، وكثرة مخطوطات هذه الترجمة وتَوَزُّعها على مساحة جغرافية كبيرة[3]. وقد كان هذا هو الأثر الحقيقي للكتاب. ومن ثم يجب علينا التمييز بدقة بين الأغراض التي يعلنها الغزالي في كتبه، والأثر الذي تحدثه هذه الكتب في المتلقين.

نستطيع أن نقرأ مقاصد الفلاسفة في استقلال تام عن تهافت الفلاسفة، فكتاب المقاصد خال تمامًا من أي تهافت، بل على العكس، إذ فيه تنظيمًا دقيقًا نسقيًا لمذهب ابن سينا، وكأن إعلان الغزالي في بدايته أنه بقصد الرد على الفلاسفة كان على جهة التخفي ورخصة لتمرير الكتاب للقارئ. ولأن الغزالي لم يكن أبدًا يعرض لأفكار لمجرد العرض بل كان دومًا يعرض لينقد أو ليهاجم أو ليدين ويكفر، فإن عرض مذاهب الفلاسفة في مقاصد الفلاسفة والذي يخلو من أي إدانة أو تكفير أو حتى نقد لهم، يعد دليلًا على أنه يوافق على ما يعرضه، بل ويتبناه.

ومن هذه الجهة فإن أعمال الغزالي في الفلسفة والكلام تشبه كتاب دلالة الحائرين لموسى بن ميمون، الذي نشر أفكار الفلاسفة بين اليهود بدافع ظاهري معلن وهو بيان اتفاق التوراة مع هذه الأفكار، وتأويل التوراة بالاستعانة بها، في حين أن ابن ميمون كان يعلم في قرارة نفسه مدى التعارض بين الفلسفة والتوراة، ولذلك قيل عن دلالة الحائرين إنه كتاب مستور esoteric، يهدف في حقيقته تمرير أفكار فلسفية خطرة على العامة من اليهود[4]، فسمي في سخرية ضلالة الحائرين وضلالة الضالين وحيرة الحائرين وحيرة الضالين. فالأثر الذي يتركه في أي يهودي عامي هو الحيرة، إذ هو ينقلها إلى هذه النوعية من القُرَّاء، ولذلك تم حرقه في فرنسا في وقت مبكر، وتمت إدانته وحظره كثيرًا.

  أولًا – اتفاق القدماء والمحدثين على وجود مذهب مستور في مؤلفات الغزالي

تكاد آراء القدماء من أهل السنة والسلف تتفق مع آراء الباحثين المحدثين، العرب منهم (سليمان دينا، ومحمد عابد الجابري) والغربيين، حول الموقف الحقيقي للغزالي من الفلسفة، وهو قبوله الكثير من الآراء الفلسفية وإدماجها عضويًا في مذهبه، وإن على نحو مستور. إذ تمتلئ أعمال هؤلاء الباحثين الغربيين بالكلمات الدالة على المذهب المستور للغزالي، واستخدموا لوصفه مصطلحات مثل “مستور أو باطني” esoteric، و”متخفي” disguised، و”السري” secret، والأساليب “الخفية” clandestine، و”حيلة” ruse، و”مكتوم” concealed. إن الغزالي الذي هاجم الشيعة الإسماعيلية (الباطنية) من أجل تقسيمهم النص القرآني إلى ظاهر وباطن، وقولهم إن الظاهر للعامة والباطن للخاصة، هو نفسه الذي تبنى هذا الرأي بعينه  وعالج النص القرآني بوصفه حاصلًا على باطن، وكشف هو نفسه عما اعتقد أنه معانيه الباطنة في أعماله الصوفية، وفي مشكاة الأنوار وفي بعض مواضع إحياء علوم الدين. إن المضنون به على غير أهله هو الباطن المحظور على العامة معرفته؛ فلماذا كان الغزالي يهاجم الباطنية؟

إن اتفاق القدماء والمحدثين على وجود مذهب مستور لدى الغزالي هو ظاهرة مثيرة للاهتمام، فقد ذهب إلى ذلك من القدماء، ابن طفيل، وابن رشد، وابن تيمية، ومن المحدثين من العرب، سليمان دنيا، ومحمد عابد الجابري، ومن الغربيين، جولدتسيهر، وستيفن هارفي، وماديلونغ، وفرانك غريفل، وروبرت ويزنوفسكي، وألكسندر ترايغر. سوف نبدأ بالمحدثين، لأنهم الأقرب إلينا زمنيًا، ولأنهم يشتغلون بالمناهج الحديثة، لنرى مدى اتفاقهم مع القدماء.

  1. آراء الباحثين الغربيين المحدثين حول مذهب الغزالي المستور

يذكر لورنس بيرمان في مداخلته عن الغزالي في الطبعة الأولى من الموسوعة اليهودية Encyclopaedia Judaica، أن كتاب مقاصد الفلاسفة الذي كان الهدف منه أن يكون مدخلًا ومقدمة لكتاب تهافت الفلاسفة، صار أفضل ملخص للفلسفة لدى يهود العصور الوسطى[5]، ومنه تعرفوا على مذهب الأفلاطونية المحدثة لدى فلاسفة الإسلام، لأنه كان عرضًا لفلسفتي الفارابي وابن سينا تحديدًا. وإلى نفس هذا الرأي ذهبت أميرة إران في مادتها عن الغزالي في الطبعة الثانية من الموسوعة اليهودية[6]. كما يذكر ميشيل مرمورة في مقدمته لترجمته الإنجليزية لكتاب تهافت الفلاسفة، أن هذا الكتاب عمل على تعريف علماء الكلام بالفلسفة وبدقة وتوسع غير مسبوق، وبعد الغزالي لم يستطع أي عالم كلام تجاهل الفلسفة، ومن ثم فقد أدخل هذا الكتاب تقليدًا جديدًا في علوم الإسلام[7]، إذ صارت الفلسفة مادة للحديث والجدل بين العلماء المسلمين.

أما عن العلاقة بين مقاصد الفلاسفة وتهافت الفلاسفة والمفترض فيها أن يكون الكتاب الأول مقدمة في عرض مذاهب الفلاسفة تمهيدًا للرد عليها في الكتاب الثاني، فإن هذه العلاقة لا يوافق عليها ميشيل مرمورة وجول جانسن؛ إذ يلاحظ مرمورة أن كتاب تهافت الفلاسفة لا يشير أبدًا إلى كتاب مقاصد الفلاسفة[8]. أما جول جانسن فبعد أن يلاحظ ما لاحظه مرمورة وهو خلو تهافت الفلاسفة من أي إشارة إلى مقاصد الفلاسفة، يذهب إلى أن الكتابين لا يستخدمان مصطلحات واحدة، وأن المذاهب المعروضة في المقاصد لا يفندها التهافت ولا يعارضها، ويقول إن الكتابين مستقلان تمامً عن بعضهما ويتناولان موضوعات مختلفة تمامًا[9].

ويلاحظ ستيفن هارفي أن القسم المتعلق بالعلم الطبيعي في كتاب مقاصد الفلاسفة يقدم تعاليم لن يتناولها الغزالي في تهافت الفلاسفة، ومن ثم يتوصل إلى أن الغزالي يوافق عليها بالصورة التي أوردها في كتاب المقاصد[10]. لكن لنا أن نتساءل: هل كان يهدف الغزالي من كتاب المقاصد أن يثبت سوء نية لدى الفلاسفة وأغراضًا مغرضة لديهم مخالفة للعقيدة، تمهيدًا لتكفيرهم أو تبديعهم في تهافت الفلاسفة؟ هل مهد الغزالي لتهافت الفلاسفة بكتابه المقاصد بإثبات مقاصد هدَّامة سوف يكفرها أو يتهمها بالبدعة في تهافت الفلاسفة؟  هل يمكن النظر إلى مقاصد الفلاسفة على أنه تمهيد لتهافت الفلاسفة لا غير؟ لا. لا نجد الغزالي يثبت في مقاصد الفلاسفة أية مقاصد سيئة أو مغرضة، ومن ثم فكل ما نستطيع أن نقوله إن كتاب المقاصد يحتوي على عرض لمذاهب الفلاسفة في المنطق واللعلم الطبيعي والعلم الإلهي، ليس من هدفه أن يكون مقدمة لتكفير أو تبديع هذه الأفكار بعد ذلك في تهافت الفلاسفة، والنتيجة هي أن عرض الغزالي في كتاب المقاصد هو من أجل العرض فقط، وأنه يوافق على الكثير مما يورده من مذاهب الفلاسفة في هذا الكتاب.

إقرأ أيضًا: الغزاليّ.. نموذج مِن التَّطرف الفكري

كما يجب أن نلاحظ فرقًا مهمًا بين المقاصد والتهافت. إن التعاليم التي يُكَفِّر من أجلها الفلاسفة أو يحكم عليهم بالبدعة من أجلها في التهافت ليست موجودة بنصها في أعمال الفلاسفة، وليست حاضرة في مؤلفاتهم بالصيغة وبالترتيب الذي نجده في كتاب التهافت، ولم تكن هذه التعاليم هي هدفهم الأساسي أو غرضهم الأصلي؛ عكس ما يوحي كتاب التهافت. فقدم العالم وإنكار علم الله للجزئيات وإنكار حشر الأجساد ليست تعاليم نجدها مباشرة وبطريقة صريحة في أعمال الفلاسفة السابقين وخاصة الفارابي وابن سينا اللذين يكفرهما الغزالي؛ بل هي النتائج المترتبة على مذهبهم والتي تناولوها في سياق موضوعات أخرى، مثل حركة السماء الأزلية أو صدور العالم عن المبدأ الأول؛ وربما نجد نظرية قدم العالم واضحة صريحة في كتاب بروقلس، لكنها ليست بهذا الوضوح في أعمال الفارابي وابن سينا. لقد تمكن الغزالي من التقاط هذه المسائل الثلاث من كتب الفلاسفة وهم لم يصرحوا بها لأنه استخلصها منهم، أي لأنه قرأهم قراءة مستورة عالمًا أنهم أسروا هذه الأفكار وأخفوها.

فالغزالي نفسه هو الذي استخلص هذه التعاليم من أعمالهم، وهو الذي وضعها في الهيئة والترتيب الذي نجده في تهافت الفلاسفة. أي أنه هو الذي نقلها من وضعها الأصلي بوصفها منتشرة في هذه الأعمال وموزعة على موضوعات أخرى، وقام بوضعها في صورة نسقية مذهبية نظامية مرتبة منطقيًا؛ وكأن الذي يقول بقدم العالم يلزم عليه إنكار علم الله للجزئيات دون الكليات وإنكار حشر الأحساد؛ وهذا غير صحيح. فلن نجد في أعمال الفلاسفة كتابًا أو فصلًا يبدأ بوضع نظرية في قدم العالم وإسنادها ببراهين وحجج، ثم نظرية في العلم الإلهي المنكر لعلم الله للجزئيات، ثم مبحث النفس والعقل المنكر للبعث الجسدي. الهيئة والترتيب والنظام الذي عليه مذهب الفلاسفة في تهافت الفلاسفة هو من صنع الغزالي نفسه، وإن كان المضمون بالطبع من أعمالهم، لكن وضعوه على نحو مستور. إن الغزالي قارئ ممتاز للنصوص المستورة، سواء التي كتبها الفلاسفة أو التي كتبها الإسماعيلية (الباطنية)، وأعتقد أنه تعلم هذا الأسلوب منهم.

وما قام به الغزالي يشبه للغاية ما قام به أسقف باريس إتيين تومبييه عندما وضع لائحة بـ 219 قضية فلسفية أدانها وحظرها، استخلصها من أعمال فلاسفة عديدين، وكانت مبثوثة في هذه الأعمال ولم توجد بكاملها في موضع واحد بعينه. وعلى العكس من ذلك نجد كتاب المقاصد يعرض لمذهب الفلاسفة أو خطوطه العامة الأساسية وفق ترتيب حاضر بوضوح في أعمالهم، وقد اعتمد الغزالي في كتاب المقاصد على كتاب ابن سينا الذي ألفه بالفارسية وهو دانيش نامه علائي، أي كتاب الحكمة إلى علاء الدولة؛ وكتاب ابن سينا هو عبارة عن تلخيص وعرض نسقي لمذهبه، يشبه كتابه الآخر النجاة في الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية. ولم ينشغل الغزالي في كتاب المقاصد بأي نقد للفلاسفة الذين يعرض لمقاصدهم، مكتفيًا بالإعلان في بدايته أن هدفه منه هو عرض مذهب الفلاسفة تمهيدًا للرد عليهم في تهافت الفلاسفة؛ لكنه في الحقيقة ليس تمهيدًا للرد بل هو عرض من أجل ذاته لمذهب الفلاسفة، وهكذا أعفى الغزالي نفسه من الرد لأنه أعلن أنه سوف يرد في تهافت الفلاسفة، لكننا لا نجد في التهافت ردودًا على كل المعروض في المقاصد، بل نجد تركيزًا شديدًا وتلخيصًا بارعًا لمذاهب نفس الفلاسفة الذين يقول عنهم في التهافت أنهم يقولون بقدم العالم وينكرون علم الله للجزئيات والبعث الجسدي. وهذا ما دفع ماديلونج إلى القول إن الغزالي لم يضع كتاب المقاصد فقط للرد على ابن سينا، بل كان يهدف تقديم مذهب الفلاسفة لتشجيع تلاميذه وزملائه من الفقهاء على دراسة الفلسفة والاستفادة مما فيها من نظريات[11].

يقول ماديلونج: “في المضنون به على غير أهله يتمسك الغزالي دون شرط بحقيقة ما كان قد أدانه في تهافت الفلاسفة بوصفه كفرًا يستوجب عقوبة القتل: قدم العالم بوصفه فيضًا ضروريًا من واجب الوجود، ونفي معرفة الله للجزئيات، إلا على نحو كلي. كما أنه يصف الآخرة حصرًا على أنها بقاء النفس البشرية دون ذكر للبعث الجسدي”[12]. كما يقول صفي لنغرمان: “والمؤكد أن المسألة الأكثر تشويقًا وخلافًا في فكر الغزالي هي موقفه المستور esoteric position تجاه الفلسفة. هذا الموقف بعامة متعلق بكتابه المضنون به على غير أهله، وهو التمسك ببعض الآراء الجريئة المزعجة (والمأخوذة بكثرة من ابن سينا) والتي أنكرها الغزالي على نحو حاسم في تهافت الفلاسفة“[13]. وملاحظة لنغرمان أن الغزالي أخذ من ابن سينا هي نفس ما لاحظه ابن تيمية، عندما قال: “ومادة أبي حامد في الفلسفة من كلام ابن سينا، ولهذا يقال ’أبو حامد أمرضه الشفاء‘، ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا ورسائل أبي حيان التوحيدي ونحو ذلك…”[14].

ومن ثم نستطيع القول إن الجابري كان على حق عندما ذهب إلى أن الغزالي قد تبنى الكثير من أفكار الفلاسفة على الرغم من نقده لهم في تهافت الفلاسفة؛[15] وكان ابن العربي أيضًا على حق ومعه الكثير من شيوخ السلفية عندما قال: “شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر“[16]؛ بمعنى أن الغزالي قد تسربت إليه بعض الأفكار الفلسفية من جراء شدة تعرضه لها، رغمًا عنه. لكنني أقول إن تبني الغزالي للأفكار الفلسفية كان مقصودًا منه ولم يكن رغمًا عنه كما توحي عبارة ابن العربي الشهيرة. وبمناسبة ابن العربي هذا، فالملاحظ أنه كان يشعر بما في فكر الغزالي من طابع مستور، وكان على علم بإخفاء الغزالي لبعض آرائه خلف رموز، ولذلك نجد ابن العربي يقول عنه: “فسألته سؤال المسترشد عن عقيدته، المستكشف عن طريقته، لأقف من سر تلك الرموز، التي أومأ إليها في كتبه، على موقف تام المعرفة…“[17]. ابن العربي غمض عليه مذهب الغزالي الحقيقي، واحتار في حقيقة أفكاره، لما ملأ به الغزالي كتبه من “الرموز”، مما دفعه إلى أن يسأله بنفسه سؤالًا صريحًا. والمذهل أن المحدثين يتفقون مع القدماء في مستورية مذهب الغزالي، أو باطنيته بالتعبير القديم، سواء كان المحدثون عربًا مثل الجابري، أو غربيين مثل فرانك غريفل، الذي يقول: “… إن الدراسة المدققة لأعمال الغزالي الكلامية لا تدع مجالًا للشك في أن رؤاه في الأنطولوجيا والنفس الإنسانية والنبوة قد تشكلت عن طريق ابن سينا على وجه الخصوص”[18]؛ رغم أن ابن سينا كان هدف هجومه وتكفيره في تهافت الفلاسفة!!! ومعنى هذا أن “بطن الفلاسفة” التي يذكرها ابن العربي ليست سوى بطن ابن سينا تحديدًا. إن ماديلونغ وغريفل وهارفي وترايغر متفقون مع النظرة القديمة لشيوخ السلفية والنظرة العربية الحديثة لدى سليمان دنيا والجابري حول حقيقة موقف الغزالي من الفلسفة.

وإلى نفس هذا الرأي ذهب ترايغر، الذي قال عن كتاب تهافت الفلاسفة إنه “كتاب معقد للغاية؛ إذ تحت ستار تفنيد آراء الفلاسفة كان الغزالي في الحقيقة يهيئ المجال لقبول آراء فلسفية محورية إلى درجة غير مسبوقة في علم الكلام الإسلامي. وقد قام بذلك بالتصريح وبالتخفي في آن واحد”[19]. ومن ثم نستطيع أن نقول من جانبنا إن أعمال الغزالي كانت مساهمة في التحول الذي حدث فيما بعد لعلم الكلام إلى اللغة والأسلوب والمصطلحات الفلسفية السينوية تحديدًا، والتي لم تكن حاضرة في علم الكلام من قبله، وأن ابن سينا لم يكن صاحب التأثير المباشر على علم الكلام اللاحق؛ كان ابن سينا هو المصدر، لكن كان الغزالي من الوسائط التي نقلت هذا التأثير إلى علم الكلام المتأخر، بالإضافة إلى فخر الدين الرازي الذي نشهد معه هذا التحول واضحًا.

ونعود إلى تشخيص ترايغر لموقف الغزالي الحقيقي من الفلسفة، إذ يذهب ترايغر إلى أن الغزالي لم يكن ينوي “نفي استنتاجات الفلاسفة، بل هدم طرائقهم في البرهان، (وهدم ثقة العامة في الفلاسفة وما أنجزوه من فكر)، تاركًا لنفسه الباب مفتوحًا كي يتبنى نفس تلك الاستنتاجات في أعمال لاحقة”[20]؛ إذ قد تبنى الغزالي حسب ترايغر نظرية ابن سينا في النبوة وحولها إلى نظرية متكاملة في المعرفة الصوفية. وينظر ترايغر إلى الغزالي على أنه “من الممكن وصفه على أنه متعاطف سرًا مع الفلسفة ومروجًا لها [بطريقة مستورة]، وكان قابلًا لأكثر التعاليم الفلسفية راديكالية، مُظهِرًا رفضها”[21].

كما يذهب غريفل إلى أن إدانة الغزالي للفلاسفة وتكفيرهم في المسائل الثلاثة الشهيرة  كان “في الحقيقة جزءًا من تطبيع naturalization الفلسفة الأرسطية داخل علم الكلام الإسلامي”[22]؛ ذلك لأن إدانة الغزالي لهذه المسائل بالذات فتح المجال أمام الفكر الإسلامي اللاحق كي يتبنى الكثير غيرها من مذاهب وأفكار الفلاسفة، أي أنه قد حدد لهم ما الذي يرفضونه ومن ثم وبطريقة غير مباشرة ما الذي يمكن أن يقبلوه من مذاهب الفلاسفة[23].

وكل هؤلاء الباحثين الغربيين متوافقون مع ابن رشد الذي لام الغزالي في الكشف عن مناهج الأدلة[24] على طرح الفلسفة للجمهور والتصريح بالتأويل للعامة.

كما ذهب روبرت ويزنوفسكي إلى أنه لا يمكننا بعد الآن قبول الرأي القائل إن الغزالي قد تسبب في إنهاء النشاط الفلسفي في العالم الإسلامي؛ بل على العكس، إذ ازدهرت الفلسفة في المشرق الإسلامي بعد الغزالي على وجه الخصوص، لا بعد ابن سينا[25]، وإن كانت قد صارت سينوية في المشرق. لكنني أقول تعقيبًا على ويزنوفسكي إن الغزالي وإن لم يكن قد تسبب في إنهاء النشاط الفلسفي في العالم الإسلامي، ذلك الإنهاء الذي لم يحدث إلا بعد ثلاثة قرون من وفاة الغزالي، إلا أنه أثر في سمعة الفلسفة وشوه صورتها لدى المسلمين إلى الأبد. أما في الغرب الإسلامي فقد ازدهرت الفلسفة بعد الغزالي على يد ابن باجة وابن طفيل وابن رشد، لكنها انتهت عند ابن رشد، ولم تكن ردود ابن رشد على الغزالي في تهافت التهافت بقادرة على الحفاظ على سمعة جيدة للفلسفة في الغرب الإسلامي. كما أن أعمال ابن رشد نفسها وشروحه الضخمة العديدة على أرسطو لم يُقَدَّر لها أن تُحدث حركة فلسفية أو مدارس فلسفية بعد ابن رشد، مثلما فعلت في العالم اللاتيني ولدى اليهود، فكل ما أحدثته هذه الشروح كان رشدية لاتينية وورشدية نهضوية ورشدية يهودية، ولم يشهد العالم الإسلامي رشدية عربية إلا في القرن العشرين.

  1. آراء القدماء حول مذهب الغزالي المستور

ابن طفيل ورأيه في الغزالي

ومع ابن طفيل نرى أنه على الرأي نفسه من اعتبار الغزالي كان يلجأ إلى تغيير مواقفه باستمرار، وهي من علامات استخدام الأسلوب المستور وتبني مذهب مستور، فهو يغير موقعه دومًا كي يكون صعب المنال، وينكر رأيًا في كتاب ليعود ليتبناه في كتاب آخر. يقول ابن طفيل في ذلك: “وأما الشيخ أبي حامد الغزالي فهو بحسب مخاطبته للجمهور، يربط في موضع ويحل في آخر، ويكفر بأشياء ثم ينتحلها”[26]. ويصف ابن طفيل أسلوب الغزالي بأن “أكثره إنما هو رمز وإشارة، لا ينتفع بها إلا من وقف عليها ببصيرة نفسه أولًا، ثم سمعها منه ثانيًا، أو من كان معدًا لفهمها، فائق الفطرة، فهو يكتفي بأيسر إشارة”[27]. والرمز والإشارة من الأساليب المستورة، وهي أدوات إخفاء الآراء الجريئة التي لا يريد الفيلسوف أن يطلع العامة عليها. ونستطيع أن نفهم سبب استخدام الرمز والإشارة عندما ندرك، مع ليو شتراوس الذي درس هذا الأسلوب جيدًا، أن الآراء الجريئة الصادمة التي يتبناها الكاتب، يخفيها، لكنه في الوقت نفسه يكتبها في كتاب متاح للجمهور، فكيف إذن يثبت آراء جريئة مخالفة لمعتقدات العامة في كتاب متاح للعامة؟ لا سبيل إلا استخدام الرمز والإشارة، فمبرر استخدامهما هو مفارقة الكتابة عن آراء صادمة للجمهور في كتاب متاح للجمهور، ومن ثم يجب وضع هذه الآراء في أسلوب مشفر وسري، أي في رموز وإشارات، كي لا يستطيع فك شفرتها إلا من كان مشاركًا للفيلسوف في مذهبه. وقد تطور هذا الأسلوب مع الغزالي حتى تحول في أواخر حياته إلى لغة صوفية، يغلف بها آراءه الجريئة، وهي لغة تنقل مضامين فلسفية سبق له رفضها في تهافت الفلاسفة لكن في صورة تقوى وزهد وعشق إلهي وفناء في الذات الإلهية، مقبولة من جمهور المسلمين. لقد أدرك الغزالي في أواخر حياته أن المجتمع المسلم المعادي للفيلسوف يمكنه أن يقبل المتصوف، حتى ولو عبر المتصوف عن نفس آراء الفيلسوف لكن في لغة صوفية، فاللغة والأسلوب صار وسيلة لتمرير آراء فلسفية،ولذلك نرى ابن تيمية يسميه صوفيًا متفلسفًا، ويضعه في فئة متلفلسفة الصوفية، وهو وصف سلبي في نظر ابن تيمية.

إقرأ أيضًا: كَبَرْق، يلمع من الشَّرق.. هل قضَى الغزالي حقًّا على الفلسفة في المشرق؟

ثم يصرح ابن طفيل بأن الغزالي الذي كفر الفلاسفة في تهافت الفلاسفة من أجل إنكارهم البعث الجسدي في الآخرة وإنكارهم الثواب والعقاب الحسيان وقولهم ببعث النفوس وحدها مفارقة للأبدان والتي تموت، يعود في كتابه ميزان العمل ويتبنى نفس هذا الرأي. وعندما نتصفح كتاب ميزان العمل للغزالي، نرى أن هذا الرأي قد ذكره وهو يعدد الآراء حول طبيعة السعادة والشقاء الأخرويين، ويقول “إن الناس في أمر الآخرة أربع فرق.  فرقة اعتقدت الحشر والنشر والجنة والنار، كما نطقت به الشرائع، وأفصح عنه وصفه القرآن، وأثبتوا اللذات الحسية التي ترجع إلى المنكوح والمطعوم والمشموم والملموس والملبوس والمنظور إليه… وهؤلاء هم المسلمون كافة، بل المتبعون للأنبياء على الأكثر من اليهود والنصارى”[28]. والفرقة الثانية هم بعض فلاسفة الإسلام، لم يسميهم الغزالي، أنكروا اللذة الحسية وأثبتوا اللذة العقلية، وقالوا بإمكان حدوث اللذة الحسية على سبيل التخيل لا على سبيل الحقيقة، من حيث هي تأثر النفس داخليًا لا نتيجة لموضوع خارجي. وأما الفرقة الثالثة فإن وصف الغزالي لها يجعلنا نستنتج أنه يؤيدها وأنه منها، إذ يقول عنها: “وفرقة ثالثة ذهبوا إلى إنكار اللذة الحسية جملة، بطريق الحقيقة والخيال… وزعموا أن الحسيات، بالإضافة إلى اللذات الكائنة في الدار الآخرة في غاية القصور… وزعموا أن ذلك لما بعد عن فهم الجماهير مثّلت لهم تلك اللذات بما عرفوها من الحسيات… وإلى هذا ذهبت الصوفية والإلهيون من الفلاسفة من عند آخرهم، حتى أن مشايخ الصوفية صرّحوا ولم يتحاشوا…”[29]. والفرقة الرابعة هم الذين ينكرون البعث أصلًا وينظرون إلى الموت على أنه عدم محض ليس بعده شيء. إذا نظرنا إلى وصف الغزالي لهذه الفرق الثلاث، وجدنا أنه يقف في صف الفرقة الثالثة، أي الصوفية وبعض الفلاسفة، ذلك لأن الفرقة الأولى هم الجمهور وعوام الناس، والغزالي ليس منهم، والفرقة الثانية تقول بلذة حسية متخيلة لا حقيقية، وقد نقد الغزالي رأيهم هذا أثناء عرضه له، عندما ذهب إلى أن اللذة الحسية المتخيلة مستحيلة بعد الموت نظرًا لانفصال النفس عن البدن، والتخيل لا يأتي إلا بتفاعل النفس مع البدن، وبدون البدن فلا تخيل. وأما الفرقة الرابعة فالغزالي ليس منها حتمًا، لأنها تنكر أن يكون هناك شيء بعد الموت. فلا يبقى سوى الفرقة الثالثة، التي تنكر اللذة الحسية في الآخرة، وهذا هو رأيه، وهو ما لاحظه ابن طفيل، وهو يتناقض تمامًا مع تكفير الغزالي للفلاسفة من أجل إنكارهم البعث الجسدي في تهافت الفلاسفة.

ابن رشد

وقد كان ابن رشد على وعي بأن الغزالي قد تنازل لمعاصريه وأقر بأشياء لا يعتقدها في نفسه، إرضاءً لهم كي ينفي عن نفسه شبهة تبني رأي الفلاسفة. ذهب الغزالي في تهافت الفلاسفة إلى نفي فاعلية الأشياء الطبيعية، وقال إن لا فاعل إلا الله، فهو الفاعل الحقيقي وكل ما سواه فاعل بالمجاز، فإذا أحرقت النار شيئًا، فإن الله هو الذي أحرق، وفعل النار ليس سوى فعل بالمجاز وليس فعلًا حقيقيًا. ويرد ابن رشد على الغزالي في ذلك قائلًا: “هذا الجواب هو من أفعال البطالين الذين ينتقلون من تغليط إل تغليط، وأبو حامد أعظم مقامًا من هذا، ولكن لعل أهل زمانه اضطروه إلى هذا الكتاب [تهافت الفلاسفة] لينفي عن نفسه الظنة بأنه يرى رأي الحكماء…”[30]. وكان الحكماء، أي الفلاسفة، يقولون بالأسباب الطبيعية ويرجعون كل أحداث وحركات العالم إلى تأثير القوانين الطبيعية، التي ترجع في النهاية عندهم إلى طبائع وحركات العناصر الطبيعية، وإلى تأثير حركات الأجسام السماوية على الأرض وأهمها الشمس. وقد شوه بعض العامة هذه النظرية، وأساء إليها بعض رجال الدين والذين قدموها على أنها تنفي فعل الله في العالم وإرادته، ويتبين من رد ابن رشد أن الغزالي كان يتبنى رأي الفلاسفة في السببية الطبيعية مما دفعه إلى الدفاع عن نفسه بإنكار هذه السببية والقول بأنه لا فاعل إلا الله، وهو ليس في نظر ابن رشد بقول سليم من كل جهة، لأن فعل الله في العالم عند ابن رشد هو من خلال قوانين الطبيعة وليس بتعطيلها أو نفيها. ومعنى هذا أن ابن رشد ينظر إلى نفي الغزالي للسببية والفاعلية الطبيعية لأشياء العالم على أنه مجرد تنازل للعامة وتعليم ظاهري لإرضاء السلطات الدينية في عصره. وأقول إنه إذا كان للغزالي تعليم ظاهري exoteric، فلابد وأن يكون هذا الظاهري وسيلة لإخفاء تعليم مستور esoteric أو باطني. يقول ابن رشد عن الغزالي: “ولكن لابد للجواد من كبوة، فكبوة أبي حامد هي وضعه هذا الكتاب [تهافت الفلاسفة]، ولعله اضطر إلى ذلك من أجل زمانه ومكانه”[31]. إذن كتاب الغزالي تهافت الفلاسفة في نظر ابن رشد موضوع اضطرارًا “من أجل زمانه ومكانه”، أي أنه لا يعبر عن رأي الغزالي الحقيقي، وأنه تعليم ظاهري، هدفه الأساسي حماية الغزالي لنفسه ودرء شبهة تأثره بالفلاسفة، ونفي اتهام بأنه يعتقد في السببية الطبيعية الشاملة، التي يعتقد العامة أنها متعارضة مع حرية الإرادة الإلهية ومع إمكان المعجزات.

ابن تيمية

إن ألكسندر ترايغر الذي رأيناه يرفض أن يكون الغزالي قد تنكر للفلسفة ورفضها في سبيل تبني التصوف[32]، يتفق تمامًا مع رأي ابن تيمية في الغزالي كما سنرى. وأقول إنه ربما قدم الغزالي أفكاره الفلسفية التي استعارها من ابن سينا تحت اسم التصوف وقام بتنكيرها في زي التصوف، كي يجعلها مقبولة للمسلمين الذين يعادون الفلسفة؛ وهذا هو حال نظريات الغزالي في النبوة والسعادة الأخروية، فهي تماثل نظريات الفارابي وابن سينا، لكنه وضعها في لغة صوفية كي يستطيع تمريرها للمسلم المتدين الذي يمكنه أن يقبل التصوف لكن لا يقبل الفلسفة. إذ ربما يكون تصوف الغزالي تمويهًا camouflage يخفي آراء فلسفية لم يستطع تقديمها على حقيقتها. لكن ابن تيمية قد لاحظ هذا التمويه، وقال في تصوف الغزالي إنه تصوف “متفلسف”، إذ يقول عن ابن سبعين إنه سلك طريقًا في التصوف مماثلًا للطريق الذي سلكه “أبو حامد في التصوف المخلوط بالفلسفة…”[33]. وتعليقًا على استدلال فريق من الفلاسفة على وجود الله من حركات الكواكب وأن هذه الحركات تكشف عن نظام واطِّراد يشي بأنها صادرة عن عقول ونفوس محركة لها، وأن هذه العقول والنفوس صادرة عن الله المحرك الأول، واعتراضًا على القول بأن بعض الفلاسفة كان يعد هذه العقول والنفوس أربابًا وآلهة، يقول ابن تيمية إن الغزالي قد أخطأ عندما ساوى هذا الموقف بعبادة إبراهيم للكواكب في البداية قبل أن يهتدي إلى الإله الواحد: “…فمن المعلوم أن أحدًا من العقلاء لم يكن يظن أن كوكبًا من الكواكب دون غيره من الكواكب هو رب كل شيء حتى يكون رب سائر الكواكب والأفلاك والشمس والقمر… و… من فسر ذلك من متفلسفة الصوفية أنه هو النفوس والعقول كما ذكره أبو حامد”[34]. يلوم ابن تيمية الغزالي لأنه استعار من الفلاسفة نظرية النفوس والعقول المحركة للكواكب وجعلها مبررًا للنبي إبراهيم في عبادته الأولى للكواكب، ففي نظر ابن تيمية، خلط الغزالي الفلسفة بتفسير القرآن وهذا لا يصح في نظره. وكان ابن تيمية على وعي بخلط الغزالي التصوف بالفلسفة، واستهجنه في ذلك وقال: “وأما ما سماه هو علم المكاشفة فكلامه فيه ألوان [أي مختلف، أو متلون]، فتارة يذكره بصوت أهل الفلسفة وتارة بصوت الجهمية وتارة بصوت هو من تصويت أهل الحديث والمعرفة، وتارة يطعن على هؤلاء وتارة يذكر ما هو غير ذلك”[35].

شمس الدين الذهبي

وقد كان القدماء على وعي بما في مذهب الغزالي من أسلوب مستور استخدم فيه الرموز والإشارات، وصرح أحيانً وتخفى أحيانًا. إذ يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الغزالي: “أدخله سيلان ذهنه في مضايق الكلام ، ومزال الأقدام”[36]، إشارة إلى اشتغاله بالفلسفة في فترة مبكرة من حياته، رجع عنها بقوة بعد ذلك. وعبارة الذهبي ربما تدلنا على أن كتاب تهافت الفلاسفة كان مخصصًا للدفاع عن نفسه بمظهر المهاجم للفلسفة بعد أن انتشرت عنه سمعة بين الناس أنه متأثر بالفلسفة، التي هي في نظرهم “مزال الأقدام”. والدليل على أن الغزالي كان معروفًا عنه تبني أفكار الفلاسفة منذ فترة مبكرة من حياته رجع عنها بعد ذلك، قول الذهبي عنه إنه بعد أن كلفه الوزير نظام الملك بتولي المدرسة النظامية ببغداد، وبعد أن زاد جاهه وصار في رتبة رئيس، “راض نفسه وجاهدها ، وطرد شيطان الرعونة ، ولبس زي الأتقياء…”[37]، كي لا يثير العامة بأفكار يروها مضلة وهو يتولى ذلك المنصب الهام الكبير. أما عن خلط الغزالي أفكار الفلسفة بالتصوف وإدخاله للفلسفة في تفاسيره للقرآن، فهذا هو ما نستدل عليه من قول الذهبي: “ومما نقم عليه… شرح بعض الصور والمسائل بحيث لا توافق مراسم الشرع وظواهر ما عليه قواعد الملة ، وكان الأولى به – والحق أحق ما يقال – ترك ذلك التصنيف، والإعراض عن الشرح له، فإن العوام ربما لا يحكمون أصول القواعد بالبراهين والحجج، فإذا سمعوا شيئا من ذلك، تخيلوا منه ما هو المضر بعقائدهم، وينسبون ذلك إلى بيان مذهب الأوائل… وكان الأولى به أن يترك الإفصاح بذلك”[38]. ويهاجم الذهبي الغزالي قائلًا: “قد ألف الرجل في ذم الفلاسفة كتاب “التهافت“، وكشف عوارهم، ووافقهم في مواضع ظنا منه أن ذلك حق، أو موافق للملة، ولم يكن له علم بالآثار ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل، وحبب إليه إدمان النظر في كتاب رسائل إخوان الصفا وهو داء عضال، وجرب مرد، وسم قتال، ولولا أن أبا حامد من كبار الأذكياء، وخيار المخلصين، لتلف. فالحذار الحذار من هذه الكتب، واهربوا بدينكم من شبه الأوائل ، وإلا وقعتم في الحيرة، فمن رام النجاة والفوز، فليلزم العبودية، وليدمن الاستغاثة بالله، وليبتهل إلى مولاه في الثبات على الإسلام وأن يتوفى على إيمان الصحابة، وسادة التابعين”[39].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

[1]) الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد بن محمد، الاقتصاد في الاعتقاد، حققه أنس محمد عدنان الشرفاوي، دار المنهاج، بيروت، الطبعة الثانية، 2012.

[2]) Frank Griffel. “Religious Critique as a Popularization of Philosophy”, in The Popularization of Philosophy in Medieval Islam, Judaism, and Christianity, ed. Mareike Abram, Steven Harvey, and Lukas Muhlethaler (Thurnhout [Belgium]: Brepols, 2022), 379–88.

[3]) Steven Harvey, “Why Did Fourteenth-Century Jews Turn to Alghazali’s Account of Natural Science?” Jewish Quarterly Review, vol. 91, no. 3-4 (January – April 2001): 359-376

[4]) Leo Strauss. «The Literary Character of the Guide for the Perplexed», in Persecution and the Art of Writing. (Chicago: The University of Chicago Press, 1952), pp. 38 – 94.

[5]) Lawrence V. Berman, “Ghazālī, Abū Ḥāmid Muḥammad ibn Muḥammad al-Tūsī al,” in Encyclopaedia Judaica, ed. Cecil Roth and Geoffrey Wigoder (Jerusalem: Keter Publishing House, 1972), 7:538.

[6]) Amira Eran, “Ghazâlî, Abū Ḥāmid Muḥammad ibn Muḥammad al-Tûsî, al-,” in Encyclopaedia Judaica, Second Edition, ed. Fred Skolnik and Michael Berenbaum (Detroit: Macmillan Reference USA, 2007), 7:571–73

[7]) Abū Ḥāmid al-Ġazālī, The Incoherence of the Philosophers. A Parallel English—Arabic Text, ed. and trans. Michael E. Marmura (Provo, UT: Brigham Young University Press, 1997), xv–xvi.

[8]) Marmura in al-Ġazālī, Incoherence of the Philosophers, xvii.

[9]) Jules Janssens, “Al‐Ghazzali’s Tahāfut: Is It Really a Rejection of Ibn Sina’s Philosophy?” Journal of Islamic Studies 12 (2001): 1–17 (at 13).

[10]) Steven Harvey, “Was al-Ġazālī an Avicennist? Some Provocative Reflections on Jewish Averroism”, Racheli Haliva, Yoav Meyrav, and Daniel Davies, eds. Averroes and Averroism in Medieval Jewish Thought. (Leiden: Brill, 2024), p. 5.

[11]) Wilferd Madelung, “Al-Ghazālī’s Changing Attitude to Philosophy,” in Islam and Rationality: The Impact of al-Ghazālī, ed. Georges Tamer (Leiden: Brill, 2015), 24.

[12]) Madelung, “Al-Ghazālī’s Changing Attitude to Philosophy”, p. 29.

[13]) Tzvi Langermann, “The ‘Hebrew Ajwiba’ Ascribed to al-Ghazālī: Corpus, Conspectus, and Context,” Muslim World 101 (2011): 683.

[14]) ابن تيمية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد (ت 728 هـ)، بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية، من أهل الكفر والإلحاد، تحقيق موسى الدويش، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة: الثالثة، 1415 هـ/1995 م، ص 449.

[15]) محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة العاشرة، 2009، ص 281 – 290.

[16]) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (661 – 728 هـ)، الانتصار لأهل الأثر المطبوع باسم “نقض المنطق”، تحقيق عبد الرحمن بن حسن قائد، دار عطاءات العلم (الرياض) – دار ابن حزم (بيروت)، الطبعة: الثالثة، 1440 هـ – 2019 م (الأولى لدار ابن حزم)، ص 232.

[17]) ابن العربي، القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (ت 543 هـ)، العواصم من القواصم، تحقيق عمار الطالبي، مكتبة دار التراث، مصر، 1974، ص 24.

[18]) Frank Griffel, Al-Ghazālī’s Philosophical Theology (Oxford: Oxford University Press, 2009), p. 7.

[19]) Alexander Treiger. Inspired Knowledge in Islamic Thought: Al-Ghazali’s Theory of Mystical Cognition and Its Avicennian Foundation. (London : Routledge, 2012), p. 93.

[20]) Ibid., p. 103.

[21]) Ibid., p. 104.

[22]) Griffel, Al-Ghazālī’s Philosophical Theology, p. 7.

[23]) Ibid., pp. 99 – 103.

[24]) ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، ص 152.

[25]) Robert Wisnovsky. “One Aspect of the Avicennian Turn in Sunnī Theology,” Arabic Sciences and Philosophy 14 (2004): 65.

[26]) ابن طفيل، حي بن يقظان، تحقيق علي بو ملحم، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1993، ص 35.

[27]) ابن طفيل، حي بن يقظان، ص 36.

[28]) الغزالي، ميزان العمل، تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الأولى، 1964، ص 182.

[29]) المرجع السابق، ص 183 – 185.

[30]) ابن رشد، تهافت التهافت، نشرة موريس بويج، دار المشرق، بيروت، الطبعة الرابعة، 2003، ص 159 – 160.

[31]) ابن رشد، تهافت التهافت، ص 108.

[32]) Alexander Treiger, Inspired Knowledge in Islamic Thought: Al-Ghazali’s Theory of Mystical Cognition and Its Avicennian Foundation (London: Routledge, 2012), 2.

[33]) ابن تيمية، بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية، ص 448.

[34]) المرجع السابق، ص 360.

[35]) المرجع السابق، ص 217.

[36]) الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، 1422هـ / 2001م، ص جزء 19، ص 322.

[37]) المرجع السابق، ص 324.

[38]) المرجع السابق، ص 326 – 327.

[39]) المرجع السابق، ص 328 – 329.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete