تكوين
يرى بعضهم أن الفلسفة البنيوية أحدثت ثورةً في المنهج الفلسفي، كما تُوصف في كثيرٍ من الأحيان بأنها ليست مذهبًا فلسفيًا ولا مدرسةً ذات قواعد فلسفية محددة. ويعتمد هذا الرأي على رؤية البنيوية منهجًا يتجاوز الحقل الفلسفي، ليشمل مجالات أوسع أكاديميةً وفكريةً، من دراسة اللغة إلى الأدب، فقد أصبحت أداةً تحليليةً في مقاربات العلوم الإنسانية وحتى الطبيعية. وما يزال الجدل قائمًا بين الفلاسفة بشأن طبيعة البنيوية: أهي مذهب فلسفي أم محض منهج؟
بعيدًا عن الجدل بشأن ما إذا كانت البنيوية -ولاحقًا التفكيكية- مذهبًا فلسفيًا أم محض منهج تحليلي، يبقى هناك بُعْدٌ يتجاوز هذا الاختلاف التصنيفي. بُعْدٌ يتعلق بالواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي ساد في تلك الفترة، والذي قد يكون أحد العوامل الأساسية في نشأة هذين التيارين الفكريين، كما يساعد في فهمهما فهمًا أعمقَ. هنا، سوف نُركِّزُ على الأحداث التي شهدتها فرنسا عام 1968، ومدى تأثيرها في ظهور كلٍّ من البنيوية والتفكيكية. بالإضافة إلى عرض لمحة عامة عن أبرز مرتكزات كلٍّ منها.
وُلِدَتِ البنيوية في بدايات ستينيات القرن الماضي، في فرنسا، وتحديدًا في جامعاتها، ومنها انتشرت إلى بقية العالم. أي أنها منهج حديث الولادة، يحمل الجنسية الفرنسية، بأفكار أبعد من الحدود الجغرافية-السياسية لهذه الدولة. بعد فترة وجيزة من ولادة البنيوية وتوسعها خارج حدودها الفلسفية والجغرافية، وُلِدَ منهج جديد، متفرعٌ من أحشائها، سُمِّيَ بالتفكيكية.
كما اعتُبِرَت البنيوية ثورةً في المنهج الفلسفي، وليست مذهبًا، وحَدث الأمر نفسه مع التفكيكية. فرآها بعضهم ثورة على الثورة، أيِ “الثورة المضادة” للبنيوية. الفارق الأبرز -لا الوحيد- بين الثورة الأولى (البنيوية) و”الثورة المضادّة” (التفكيكية)، هو أنَّ الأولى اعتمدَت على اللغة، وتحديدًا الخطاب، ونموذجُها الأكثر شهرة الفيلسوف ميشيل فوكو (1926 – 1984)، في حين اعتمدَت الثانية على النص المدوَّنِ، ونموذجها الأبرز الفيلسوف جاك دريدا (1930 – 2004).
من هذا التسارع الزمني في ولادة منهجين فلسفيين -أو أوسع مِن ذلك- يُمكن طرح السؤال التالي: ما الأسباب التي أدَّت إلى ولادة البنيوية، ثُمَّ إلى وِلادة التفكيكية مِن أحشائها بعدَ فَترة وجيزة؟ مع عدم نسيان أن فلسفةَ جان بول سارتر (1905-1980)، الوجودية، كانت تحفر عميقًا في الفكر الفلسفي. هل أتت البنيوية ومن ثمَّ التفكيكية لِتُثبِت فشل الوجودية، أم لتتكامل معها وتُكملها؟ أسئلة عديدةٌ يُمكن أن تُطرَح في هذا المجال، لكنْ طبعًا لا يُمكن الإجابة عن جميعِها لِتشَعُّبِ الأسئلة وما يَستلزمه من تشعُّب الإجابات. فلنكتفِ حالِيًا بِمحاولة التعرُّف أوَّليًّا على أسباب أو سبب، وِلادة البنيوية ومن ثمَّ التفكيكية والخطوط العريضة لكل منهما.
يُمكن القول إنَّ ما حدث في فرنسا عام 1968م من أحداث كان له تأثيرًا بليغًا في توليد كلًّا من البنيوية ومن ثمَّ التفكيكية، فهي أحداث عَمَّت كل فرنسا إلى حدِّ تشبيهِها بالثورة الفرنسية (1789م) التي “غيَّرت وجهَ التاريخ”. لم ينحصر تأثير هذه الأحداث ضمن الحدود الجيو-سياسية لفرنسا، وإنما انتشرت في بقاع الأرض حاملة معها ما انتجته هذه الأحداث من أفكار فلسفية، بالمعنى الواسع للفلسفة. فماذا حدث في فرنسا عام 1986؟
فرنسا في أيار 1968
كان لثورة فرنسا في أيار 1968 تأثيرات كبيرة في الداخل الفرنسي وخارجه. وقد أُطلقت تسميات متعددة على تلك الأحداث، فالبعض وصفها بـ “الثورة الطلابية”، في حين اكتفى آخرون بمصطلح “أحداث”… وبعيدًا عن هذا الجدل، وتجنبًا للوقوع في متاهة تصنيف ما جرى (أكان ثورة أم لا)، سنعتمد هنا مصطلح “ثورة” نظرًا لما خلَّفته من تحوُّلات عميقة في فرنسا وخارجها. وما يلفت النظر أكثر في هذه الثورة، مشاركة الأكاديميين إلى جانب طلاب الجامعات والعمال والنقابات. مشاركة أخرجت الأكاديميين من أبراجهم العاجية ليلعبوا دورًا فاعلًا في أرض الواقع، ما دفعهم إلى إعادة النظر في مقاربة عديدٍ من المفاهيم السائدة، وعلى رأسها الوجودية التي كانت مهيمنة آنذاك. من هذا المنعطف التاريخي برز المنهج البنيوي، ثم التفكيكية وغيرهما من المفاهيم والمناهج. وهكذا تحرر الأكاديميون -“المثقفون”- من سجنهم النظري، وشرعوا في نقد عديدٍ من المفاهيم، وبرزت أسماءٌ لامعة من المشاركين في هذه الثورة، مثل: جان بول سارتر، وميشيل فوكو، ولويس ألتوسير[1]… فما الذي حدث فعلًا في فرنسا في أيار 1968؟
عصفت بفرنسا عام 1968 أزمةٌ اقتصادية عميقة، انعكست آثارها على البنى الاجتماعية والسياسية للبلاد. وجدت هذه الأزمة تعبيرها الحاد فيما سُمِّيَ بـ “ثورة أيار 1968″، إذ انخرطت فيها مجموعة كبيرة من الطلاب الجامعيين الذين قادوا موجة احتجاجات واسعة، بل واحتلَّت بعض المجموعات الطلابية الجامعات نفسها. وما لبثت أن انضمَّت إلى الحركة الاحتجاجية نقابات عُمَّالية كبيرة، مدفوعة بتجربتها السابقة في التحركات الاحتجاجية ضد الأوضاع المعيشية الصعبة التي شهدتها فرنسا قبل فترة وجيزة.
لم تقتصر المشاركة على هاتين الفئتين، بل شملت نسبةً كبيرةً من الشعب الفرنسي بمختلف أطيافه، ما أدَّى إلى شلِّ الحركة في كافة أنحاء البلاد. وتُعَدُّ “ثورة” أيار 1968 من أكبر الإضرابات التي شهدتها أوروبا في القرن العشرين، إذ شارك فيها ما يقارب تسعة ملايين عامل -هذا دون احتساب أعداد الطلاب المشاركين في الاحتجاجات[2].
على الصعيد السياسي، كانت فرنسا تعيش أزمة عميقة في ظل الجمهورية الخامسة -جمهورية تتصف بعدم الفعالية وآيلة للتفكك. مما يؤكد أن “ثورة” أيار 1968 لم تكن وليدة لحظة عابرة، بل مَثَّلَت انفجارًا لتراكم أحداث متراكمة. ومن بين هذه العوامل المتراكمة:
على المستوى الطلابي، شهدت الفترة بين عامي 1958 و1968 ارتفاعًا صاروخيًا في أعداد الطلاب الجامعيين بنسبة 244%، في حين كانت وتيرة استجابة الحكومة الفرنسية لهذه الطفرة التعليمية أبطأ بكثير. ويتجلى هذا البطء الحكومي في حالة جامعة نانتر (University of Nanterre) -التي كانت الشرارة الأولى للأحداث- إذ افتُتحت لاستقبال الطلاب قبل اكتمال بنيتها التحتية الأساسية، بما في ذلك مكتبتها الجامعية.
أما على الصعيد الاجتماعي-الاقتصادي، فقد تفاقمت الأزمة بسبب اختلال التوازن بين أسعار السكن المتصاعدة والأجور المتدنية للعمَّال، مما خلق بيئةً اجتماعيةً مشحونةً أسهمت في تأجيج الاحتقان العام.
كما شهدت فرنسا سلسلة من الأحداث المتصاعدة التي مَهَّدَت لاندلاع الاحتجاجات الكبرى عام 1968. ففي إحدى المحطات المبكرة، نَظَّمَ عمال مصنع سافيم (SAVIEM) إضرابًا مطالبين بتحسين أوضاعهم المعيشية، إلا أن السلطات قابلت هذه التحركات بقمع عنيف أسفر عن إصابة نحو 200 عامل. وفي كانون الثاني من العام نفسه، اشتعلت مواجهة لفظية حادّة في جامعة نانتر بين وزير الشباب وطالب من قسم العلوم الاجتماعية، دارت حول ثلاثة محاور متشابكة: افتتاح مسبح الجامعة، ومسألة الحريات الطلابية، ووجود العناصر الأمنية داخل الحرم الجامعي.
وتصاعدت حدَّة الأحداث في 21 آذار 1968، عندما قامت مجموعة يسارية بمهاجمة مبنى “أمريكان إكسبريس” احتجاجًا على التدخل الأمريكي في فيتنام، ما أدى إلى اعتقال عدد من المشاركين بينهم الطالب كزافييه لانغلاد (Xavier Langlade) من جامعة نانتر.
في اليوم التالي لاعتقال لانغلاد، شهد حرم جامعة نانتر تجمعًا طلابيًا حاشدًا لبحث سبل الرد على اعتقال زميلهم. خرج الاجتماع بقرار جريءٍ: احتلال مبنى الإدارة الجامعي. تزعَّم هذه الخُطوة غير المسبوقة في التاريخ الجامعي الفرنسي الطالب دانيال كوهن-بنديت (Daniel Cohen-Bendit) – ذاته الطالب الذي سبق أن اشتبك لفظيًّا مع وزير الشباب[3].
نُفِّذَ القرار فورًا، حيث سيطرت المجموعة الطلابية على المبنى الإداري، مُحققة سابقة تاريخية في فرنسا. هذا الفعل الاحتجاجي الجريء لم يكن ردَّ فعلٍ على الاعتقال فحسب، وإنما تجاوزَ ذلك ليكون تحديًا صريحًا للسلطة الجامعية وللهيكل التعليمي التقليدي برمته.
في سياق متشابك بين العمالي والطلابي، شهدت فرنسا أحداثًا متسارعة في أيار 1968. ففي منعطف مفارق، منحت السلطات للمرة الأولى منذ 14 عامًا الإذن للاتحادات العمالية بالاحتفال بعيد العمال في الأول من أيار، في حين كانت تستعد لقمع جديد في الجبهة الطلابية. ففي الثاني من أيار، أقدمت السلطات على إغلاق كلية الآداب في جامعة نانتر، وأصدرت قرارًا بمثول ثمانية طلاب من “حركة 22 آذار” – بينهم دانيال كوهن-بنديت – أمام المجلس التأديبي في السادس من أيار.
ولم يَكَدْ يمر يوم واحد حتى شهدت جامعة السوربون في الثالث من أيار تظاهرة طلابية تضامنية مع الموقوفين، سرعان ما تحولت إلى مشهد قمعي مروُّع. حيث اقتحمت القوات الأمنية الحرم الجامعي بعنف غير مسبوق، واعتقلت خمسمائة طالب داخل قاعات الدراسة. مثل هذا الاقتحام سابقة خطيرة في الحياة الجامعية الفرنسية، انتهك بهذا الفعل السلطوي حُرْمة المؤسسات التعليمية التي كانت تُعَدُّ حتى ذلك الحصين محصنة ضد تدخلات الأمن.
في مشهد صادم استمر قرابة ثلاث ساعات، نجحت القوات الأمنية في اقتحام الحرم الجامعي واعتقال العشرات من الطلاب الذين نُقِلوا في شاحنات الشرطة. لم يقف المارون مكتوفي الأيدي، فاندفعوا يهتفون “أطلقوا سراح رفاقنا” و”أوقفوا القمع”، لكنهم واجهوا بدورهم عنفًا مُفرطًا من الأجهزة الأمنية.
كانت هذه الأحداث الشرارة الأخيرة التي أطلقت ما عُرِفَ بثورة أيار 1968 التي جاءت نتيجة تراكم سنوات من الأزمات المتشابكة:
- اقتصادية، تَمَثَّلَت في ارتفاع البطالة وتدني الأجور
- وتعليمية، تَجَسَّدَت في عجز الحكومة عن مواكبة النمو الطلابي
- إضافة إلى أزمة السكن المتفاقمة
- الأزمات السياسية المتلاحقة
- كل ذلك مترافقًا مع تصاعد عنف الدولة وقمعها.
سرعان ما امتدت شرارة الاحتجاجات، لتشمل جميع أنحاء فرنسا، حتى وصل صداها إلى مؤسسات الإعلام، فتوقفت نشرة الأحوال الجوية عن البث يوم 22 أيار بسبب إضراب العاملين. وفي ذروة هذه الأحداث التاريخية، انضم إلى الحراك عدد من أبرز المثقفين والكتاب الفرنسيين، منهم الروائيان ميشيل بوتور وناتالي ساروت، إضافة إلى فلاسفة كبار مثل لويس ألتوسير وميشيل فوكو وجان بول سارتر… إذ قدموا دعمهم الفكري والسياسي للحركة الاحتجاجية، مما منحها عمقًا فكريًا وفلسفيًا متميزًا[4].
مَثَّلَت أحداث أيار 1968 لحظةَ تحول فكري وجودي فارقة، انصهرت فيها التنظيرات الفلسفية بالممارسة الثورية في بوتقة واحدة. هذا التلاقي الاستثنائي بين النظرية والتطبيق حرَّرَ المثقفين الفرنسيين من عزلتهم الفكرية، ليتحولوا فجأة إلى فاعلين أساسيين في المعارضة السياسية والاجتماعية، رافضين الواقع المفروض عليهم بكل تشكيلاته البالية[5].
من رحم هذه التجربة الحية، حيث خرج الفلاسفة من أبراجهم العاجية إلى ساحات النضال، وُلِدَت رؤى فكرية جديدة. فالبنيوية أولًا، ثم التفكيكية لاحقًا، لم تكونا نظريتين أكاديميتين فحسب، بل مثَّلتا استجابة فكرية عميقة لهذه التجربة الثورية. لقد نشأتا بوصفهما أدواتًا، لفهم العالم بعد أن اختبره روّادهما عن قرب في شوارع باريس المحتجة، إذ تحوَّل الفكر من ممارسة تأملية إلى سلاح نقدي فعّال.
مَثَّلَ هذا التحول الجذري -من البرج العاجي الأكاديمي إلى قلب الحراك المجتمعي- مُنعطفًا حاسمًا أعاد تكوين الخارطة الفكرية الفرنسية بأكملها. فقد تلاشى ذلك الفاصل المصطنع بين التنظير الفلسفي والممارسة الواقعية، حيث حملت الأفكار التي ولدت في رحم تلك الأحداث روح التمرد التي زلزلت مقومات المجتمع الفرنسي، لتصبح لاحقًا أدوات تحليلية فذة في تعرية بنى السلطة الخفية ونسق اللغة وآليات المجتمع.
يتبين لنا في التحليل السابق أن الإحاطة بفهم البنيوية والتفكيكية تستلزم إدراكًا واعيًا للسياق التاريخي والاجتماعي الذي نشأ فيهما. فلا يُمكن مقاربة هذين التيارين النقديين بمعزل عن الأجواء “الثورية” التي عمّت فرنسا خلال أحداث أيار 1968، والتي تجاوزت دور الخلفية التاريخية لتصبح الوسط الحاضن الذي تولَّدت فيه هذه الرؤى الفكرية الجديدة، البنيوية والتفكيكية.
محاولة دراسة البنيوية والتفكيكية بوصفهم منظومات فكرية مجردة، منفصلة عن واقعها الاجتماعي والسياسي، أشبه بمحاولة فهم كيف لمولود، بلا والدين، أن يهبط من أعالي السحب على الأرض. فكما أن الثورة الفرنسية عام 1789 أنتجت مفاهيم جديدة عن: الحرية والمواطنة، فإن أحداث 1968 ولَّدت رؤى نقدية عميقة أعادت تكوين فهمنا: للغة والسلطة والمعرفة.
لقد خرجت البنيوية من رحم هذه الأحداث لتكون ردَّ فعل على الأبنية التقليدية للسلطة والمعرفة، وجاءت التفكيكية لاحقًا لتُكمل هذه الرؤية النقدية عبر تفكيك هذه الأبنية نفسها. إنهما تُمثلان معًا حلقة متكاملة من الفكر النقدي الذي لا يُمكن فهمه حق الفهم إلا بوصفه استجابةً فكريةً لأزمة اجتماعية وسياسية واقتصادية شاملة.
لندخل إلى الخطوط العريضة لهذين المنهجين الفكريين المتشابكين، مع تأكيد صلتهما بسياق الأحداث التي أسهمت إسهامًا كبيرًا في ولادتهما.
البنيوية
مَثَّلَ أفول نجم الوجودية في السنوات الأخيرة من عقد الستينيات منعطفًا حاسمًا في المشهد الفكري الفرنسي. فما كان يُعَدُّ في السابق فلسفةً ثوريةً وجدت نفسها فجأةً عاجزةً عن قراءة تحولات الواقع الفرنسي المتسارع، لتصيرَ بمنزلة “مذهبٍ عفا عليه الزمن”[6] في نظر جيلٍ جديدٍ من المثقفين والطلاب الثوريين.
خَلَّفَ أفول نجم الوجودية فراغًا أيديولوجيًا، ولم تكن الماركسية وحدها قادرةً على ملء هذا الفراغ، رغم بقائها البديلَ الوحيدَ الجادَّ للمفكرين الباريسيين. لكنّ الماركسية نفسها كانت تعاني -في حينها- تشرذمًا جعلها عاجزةً عن استيعاب تعقيدات الواقع الجديد. في هذا السياق التاريخي الحرج، بدت البنيوية وكأنها تُقَدِّمُ إجابةً عن هذا الفراغ، مُلبيةً الحاجةَ إلى أيديولوجيا جديدة قادرة على تحليل بنى السلطة واللغة والمجتمع بمنظور مغاير[7].
لذا يُمكن القول إن البنيوية مَثَّلت في هذه المرحلة انتقالًا جذريًا من سؤال الوجود الفردي -وبخاصة فلسفة سارتر ومسألة الحرية التي تلعب دورًا أساسيًا فيها- إلى تحليل الأنظمة والبنى الكامنة، ومن هيمنة النزعة الإنسانية إلى دراسة النسق العام. هذا التحوُّل لم يكن تغييرًا في المناهج الفكرية فحسب، وإنما كان تعبيرًا عن تحوّلٍ أعمق في الذهنية الفرنسية التي سعت في أدواتٍ جديدةٍ لفهم واقعٍ لم تَعُدْ الفلسفات التقليدية قادرةً على تفسيره.
إقرأ أيضًا: تأملات في كلاسيكيات علم الاجتماع
من موقعها الفكري هذا، مَثَّلت البنيوية ثورةً منهجية حقيقية تجاوزت حدود الفلسفة التقليدية، فقد امتدَّ تأثيرها، ليشمل حقولًا معرفية متنوّعة من العلوم الإنسانية إلى الطبيعية. هذا الانتشار الواسع يعود إلى مرونة مفهوم “البنية” وقدرته على التكيُّف مع مختلف النزعات الفكرية، من المثالية إلى المادية، مما جعل البنيوية إطارًا تحليليًا فريدًا قادرًا على مقاربة أنظمة متنوعة.
أما ما يتعلق بنحت مصطلح “بنيوية”، فيعود الفضل في نحت المصطلح إلى العالم اللساني والأديب الروسي رومان جاكبسون عام 1929[8]، لكنّ الجذور الفكرية لهذا المنهج تمتدُّ إلى ما هو أعمق في تاريخ الفكر. ما يُميِّزُ البنيوية بصورة خاصة، هو قدرتها على خلق حوار بين تخصصات تبدو متباعدة، فنجد تطبيقاتها في الفيزياء والرياضيات كما نجدها في تحليل النصوص الأدبية، وفي البيولوجيا كما في الأنثروبولوجيا الاجتماعية.
تنوُّع تطبيقات البنيوية جعل منها ظاهرةً فريدةً في تاريخ الأفكار، فقد مثَّلت جسرًا حقيقيًا بين العلوم الدقيقة والإنسانية، مؤكدةً وَحْدة المنهج العلمي رغم تعدد مجالات تطبيقه. فتجاوزت البنيوية بذلك حدود أي مدرسة فلسفية تقليدية، لتصبح أداة تحليلية شاملة، وهو ما يُفَسِّرُ استمرار تأثيرها القوي حتى يومنا هذا، رغم كل التحوّلات الفكرية التي أعقبتها.
يُقَدِّمُ هذا التعريف العميق للبنية، رؤيةً منهجيةً متكاملةً تجمع بين التجريد النظري والصلابة التحليلية. فالبنيوية هنا تُصَوَّرُ بوصفها نسقًا عقلانيًا مغلقًا يمتلك منطقَه الداخلي الخاص، تتفاعل فيه العناصر ضمن وَحْدة كلية تخضع لقوانين داخلية صارمة. هذا التصور يضعنا أمام عدة خصائص جوهرية:
- أولًا، تظهر البنية بوصفها كِيانًا نظريًا تجريديًا غير محسوس، لكنه قادرٌ على تفسير العلاقات الداخلية للأشياء وتفاعلاتها. إنها ليست موضوعًا ماديًا مباشرًا للرصد التجريبي، بل إطارًا تحليليًا يَكشِف عن المنطق الكامن خلف الظواهر. هذا التجريد يمنح البنيوية قوتها التحليلية وقدرتها على العبور بين التخصصات.
- ثانيًا، تؤكِّد الاستقلالية الذاتية للبنية على طبيعتها المنغلقة ذاتيًا، إذ تحدث التحوّلات داخلها دون حاجة إلى عوامل خارجية. هذه السمة تخلق نوعًا من الثبات الديناميكي -إن جاز التعبير- تتغيَّر فيه العناصر ضمن إطار كلي ثابت. وهذا ما يُفسِّرُ الطبيعة المتزامنة (غير التاريخية) للتحليل البنيوي، الذي يدرس النظام في لحظة زمنية مُعيَّنةٍ بمعزل عن تطوُّرهِ التاريخي.
- ثالثًا، تَبْرُزُ الأولوية المطلقة للكلِّ على الأجزاء لتكون مبدأً تأسيسيًا. فكل عنصر يكتسب معناه فقط من موقعه ضمن الشبكة الكلية للعلاقات البنيوية. هذا الترابط العضوي يعني أن أي تعديل في عنصر واحد يُنْتِجُ سلسلة من التعديلات في بقية العناصر، مع الحفاظ على سلامة النسق الكلي[9].
أخيرًا، يُشير التعريف إلى أن التغيير الجذري للبنية لا يحدث إلا عبر صدامها مع بنية خارجية أخرى. هذه النقطة تحديدًا تفتح الباب أمام الانتقال من البنيوية إلى ما بعد البنيوية، لتصبح التفاعلات بين الأنظمة والانزياحات والاختراقات الموضعية موضع اهتمام أكبر من دراسة البنى المنغلقة. وباختصار، “البنيوية برمّتها ذات نظرة متزامنة بالضرورة”[10].
اعتمادًا على هذه المقاربة للبنيوية يُمكن استخلاص العناصر الأساسية التالية للبنية:
- نسقٌ عقلانيٌّ
- بِناءٌ مُغلقٌ مستقل في ذاته
- ثابتةٌ ومستقرةٌ
- تحول في أحد عناصرها يؤدي إلى تحول في العناصر الأخرى
- العنصر لا يعرف إلَّا من خلال طبيعة علاقاته مع بقية العناصر المتواجدة في البنية
- لا تتغير البنية إلا إذا اصطدمت مع بنية خارجية
- لا تنطوي على أي بُعْدٍ تاريخي.
يبدو أنَّ الجدل بشأن اعتبار البنيوية مذهبًا فلسفيًا أو منهجًا تحليليًا فحسب لم يُحْسَم بعد، وهو ما يعكس الإشكالية الجوهرية التي تحيط بهذا التيار الفكري. فالبنيوية، بوصفها منهجًا أكثر منها مدرسة فلسفية مغلقة، خلقت حالة من التوتر بين:
المفكرين الذين تبنوا البنيوية لتكون إطارًا نظريًا صارمًا، مثل: كلود ليفي شتراوس الذي أعلن التزامه الواضح والمطلق بالمبادئ البنيوية[11] في دراساته الأنثروبولوجية، إذ رأى في هذا المنهج أداة منهجية دقيقة لكشف البنى العميقة للأساطير والأنساق القرابية.
في المقابل، نجد مفكرين مثل: ميشيل فوكو الذي رفض التصنيفات الجاهزة، معتبرًا أن حصر أي مُفكر ضمن خانة “بنيوي” يُمَثِّلُ انتقاصًا من حرية التفكير وإغفالًا لتطور الأفكار. هذا الرفض لم يكن إنكارًا لتأثير المنهج البنيوي في أعماله، بل كان تأكيدًا لاستقلاليته الفكرية. فقد رفض أن يكون بنيويًا[12]، أو ماركسيًا، أو فرويديًا[13]، مثله مثل عديدٍ من المفكرين الذين رأوا أن “إطلاق صفة “بنيويين” عليهم سوف يُمَثِّلُ خرقًا جوهريًا لمبدأ الحرية الفكرية”[14].
من أبرز إسهامات فوكو -ذلك الفيلسوف الذي رفض الانتماء إلى البنيوية أو أي مدرسة فكرية- رؤيته أن السلطة لا تتمحور في مركز واحد، بل تنتشر مثل شبكة متشعبة في كل العلاقات الاجتماعية. فكل تفاعل اجتماعي يحمل في ثناياهُ أشكالًا من السلطة، غالبًا ما تكون خفية وغير ملحوظة. هذه السلطة المنتجة للمعرفة تعمل عبر خطابات تُحدد ما هو “مقبول” و”حقيقي”. على سبيل المثال، تظهر العلوم الإنسانية مثل: الطب النفسي بوصفها ممارسات تكوِّنُ مفاهيم “الصحة العقلية” و”الجنون” لتكون آليات للضبط الاجتماعي.
إقرأ أيضًا: الفلسفةُ: بوابةُ الحياةِ الواعيةِ، ومعبرُ الألمِ إلى المعنى
دخل فوكو إلى عالم الخطاب، ليدرس ويحلل كيف تُنظِّم الخطابات -فهي أنظمة الكلام والفكر- مثل خطابات الجنسانية أو الجريمة، التي تُعرِّفُ ما هو “طبيعي” مقابل “منحرف”. ومن خلال سلطة الخطابات علينا، أن نُنَظِّمَ حقائقنا. لذا فالخطاب لا ينحصر فقط ضمن سجن الخطاب الصادر عن سلطة سياسية، وإنما يتفلتُ من سجنه، لنصبح نحن -المتلقون للخطاب- سجناء فكر هذا الخطاب “السلطوي”. وتصبح الحقائق هي حقائق خطابية مُهيمنة علينا، نعيشها ونعمل وفقًا لما أملته علينا، ظانين أو متوهمين أننا نعيش خارج قضبان سجنها.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، في كتاب فوكو “المراقبة والمعاقبة”، حَلَّلَ كيف تُنْتِجِ المؤسسات: (السجون والمدارس والمستشفيات…) الأجسام المُنضبطة باستخدام آليات مثل: المراقبة المستمرة. وفي كتابه “تاريخ الجنسانية”، أكَّد فوكو أن الجنس ليس “طبيعة” ثابتة، بل بِناءً تاريخيًا. فمثلًا، الكنيسة والطب النفسي قد حوَّلا الجنس إلى “سرٍّ” يحتاج إلى التحكم به، فجاءت هذه المؤسسات لتضبطه، معتمدة على خطابها. ومن داخل هذا الخطاب الذي نتلقاه، أصبحنا نتوهم -أو نظن- أن ما نقوله بخصوص هذه المفاهيم هو الحقيقة المطلقة!
يقدم فوكو -بإيجاز- رؤية نقدية جذرية للعلاقة بين المعرفة والسلطة، فقد رأى أن الخطابات التي تُنْتِجُ “الحقيقة” في أي مجتمع ليست مُحايدة، بل هي دومًا مرتبطة بشبكات القوة التي تنتجها وتدعمها. ففي أعماله من “تاريخ الجنون” إلى “المراقبة والمعاقبة”، يكشف فوكو كيف تخلق المؤسسات -من مصحات الأمراض العقلية إلى السجون- أنظمةً معرفية تفرض تصنيفاتها وهيمنتها.
لا توجد “حقائقَ” مطلقةً عند فوكو، بل أنظمة خطابية تاريخية تُنْتِجُ “الحقيقة” في كل عصر. فمفهوم الجنون مثلًا لم يكنْ كِيانًا ثابتًا، بل بِناءً خطابيًا تختلف دلالاته بين العصور الوسطى وعصر التنوير والعصر الحديث.
ويبرزُ فوكو فكرة “السلطة المنتجة” التي لا تقمع فحسب، وإنما تصوغ الذوات وتوجه الأجساد عبر آليات دقيقة مثل: التصنيف والمراقبة. وفي تحليله للسجن، يُظْهِرُ كيف تحولت الرقابة إلى تِقْنِيَّةٍ للسيطرة الذاتية، يخضع الفرد فيها لمراقبة دائمة حتى في غياب الرقيب الفعلي.
كما يُقَدِّمُ مفهوم “التقنيات الجسدية”، ليكشف كيف تخترق السلطة أدقَّ تفاصيل الحياة اليومية، من طرق الجلوس إلى ممارسات الجنس.
يبقى إسهام فوكو الأبرز في كشفه أن المعرفة ليست تحررية بالضرورة، وإنما قد تكون أداة هيمنة عندما تصبح جزءًا من أنظمة السلطة التي تنتج وتصنف وتتحكم.
بينما قَدَّمَ فرديناند دي سوسير —أحد أبرز مؤسسي البنيوية— إسهامًا جوهريًا عن طريق أعماله في مجال اللغة، إذ كشف —وبخاصة— عن طبيعة الوَحْدة الأساسية في أي لغة، وهي الرمز اللغوي[15]. فكل كلمة في اللغة تُعَدُّ رمزًا، إذ تعمل اللغة بوصفها نظامًا من هذه الرموز. وقد حَلَّلَ دي سوسير الرمز اللغوي إلى مكونين أساسيين: المكون الصوتي أو الصورة السمعية للكلمة والذي أطلق عليه اسم “الدال”، والمكون الذهني أو الفكري المرتبط به والذي أسماه “المدلول”. وأكَّد أن المدلول ليس شيئًا ماديًا، بل هو فكرة مجردة، في حين يمثل الدال الجانب المادي المحسوس للغة، مع تأكيد أن هذين المكونين لا ينفصلان أبدًا[16].
لكن على الرغم من عدم فصله بين الدال والمدلول، إلا أن سوسير يُدخلنا إلى عالمين منفصلين مرتبطين في الوقت نفسه: عالم داخلنا (وهنا يُمكن الحديث عن الدماغ البشري) المُتلقي لإشارات حواس الجسد، وعالم خارج أجسادنا (العالم المادي) أي عالم الأشياء المتواجدة خارجنا. ويبدو وفقًا لمقاربة سوسير أنهما عالمين منفصلين يربط بينهما “الحس” -أي الجهاز العصبي للإنسان- الذي يعمل وسيطًا بين الدماغ والعالم المادي، بين عالم الدال وعالم المدلول. مع عدم إغفال نظرته إلى أن عالم المدلول ليس عالمًا ماديًا، بل فكرة مجردة!
بِناءً على ذلك، يُمكن إضافة عنصر جديد، ليكون من ضمن عناصر البنية، وهو “الرمز اللغوي” وعلاقة الدال بالمدلول. فوفقًا لـ دي سوسير، تُكَوِّنُ هذه المصطلحات الثلاثة -الرمز والدال والمدلول- ما يُعرف بـ “قاموس الدلالة” الذي يُعَدُّ دليلًا كافيًا على انتماء أي كاتب إلى المنهج البنيوي[17].
بالإضافة إلى هذا مَيَّزَ سوسير في دراسته للغة ما بين “اللغة والكلام. فاللغة هي النظام النظري للغة من اللغات أو بنيتها… أما الكلام فهو الاستخدام اليومي لذلك النظام من المتكلمين الأفراد”[18].
تتمحور الخطوط العريضة للبنيوية عمومًا حول دراسة البنية الداخلية لعناصر الثقافة، مع تركيز خاص على النسق الأساسي الذي يجعل هذه العناصر ممكنة الوجود. فالعالم -من المنظور البنيوي- لا يتكوَّنُ من أشياء منفصلة، بل من شبكة معقدة من العلاقات[19]. وبِناءً على ذلك، يُمكن القول إن البنيوية تُمَثِّلُ الإطار النظري الذي يبحث عن المعنى في طبيعة العلاقات بين الأشياء لا في الأشياء ذاتها، مع إعطاء الأولوية للنسق الكُلي على الأجزاء المنفردة[20].
وفي هذا السياق، أبرز ليفي شتراوس أن أي ممارسة اجتماعية أو معتقد ديني أو عرف ثقافي (custom) -بغض النظر عن درجة غرابته أو صدمته أو حتى ثوريته- لا يُمكن فهمه إلا ضمن سياقه البنيوي الخاص[21]. كما أكَّد مبدأ التزامن (لا التتابع) في تحليل الظواهر، مع تقليل أهمية العامل التاريخي. وقد جَسَّدَ هذا المنهج في تحليله لحادثة “بابا نويل” في فرنسا، فقد بيَّن أن التطورات الحديثة في هذا التقليد لم تكن سوى إعادة تركيب لعناصر من احتفالات قديمة، مؤكدًا أن هذه العناصر لم تفقد دلالتها الأصلية بالكامل[22] رغم تحولاتها الشكلية.
كما قَدَّمَ كلود ليفي شتراوس، في مقاربته هذه، منظورًا ثوريًا لفهم الثقافة الإنسانية عن طريق عدسة بنيوية ترى أن المعنى لا يتوَّلد من العناصر المفردة ذاتها، بل من شبكة العلاقات الخفية التي تنسج بينها نسيجًا دلاليًا متكاملًا. في تحليله العميق للأساطير والطقوس والعادات الاجتماعية، يُصِرُّ شتراوس على أن أي ظاهرة ثقافية -بغض النظر عن درجة غرابتها أو عدم منطقيتها الظاهرية- تفقد جوهرها إذا ما عُزلت عن النظام الرمزي الشامل الذي تنتمي إليه. ففي دراسته الشهيرة لطقوس “بابا نويل” الفرنسية، يتجاوز السرد التاريخي التقليدي، ليُظْهِرَ كيف أن المظاهر الحديثة لهذا التقليد ليست سوى إعادة تكوين لعناصر أسطورية قديمة متجذرة في اللاوعي الجمعي الأوروبي. فالصورة المعاصرة لسانتا كلوز بملابسه الحمراء ومركبته الطائرة، ما هي إلا توليفة جديدة لرموز شتوية تعود إلى عصور ما قبل المسيحية، مما يؤكد أن التغيير الثقافي ليس قطيعة مع الماضي، بل تحولًا في أشكال التراكيب الرمزية. ينطلق شتراوس من مبدأ أساسي مفادهُ أن التاريخ ليس تسلسلًا زمنيًا للأحداث فحسب، وإنما حقلًا من البنى العميقة التي تُعيد إنتاج نفسها عبر أشكال متجددة، وأن العُرْف الاجتماعي لا يُمكن فهمه إلا بوصفه جزءًا من نسق ثقافي أشمل. بهذا المنظور، يُصبح التحليل البنيوي أداة كاشفة للأنساق الخفية التي تحكم إنتاج المعنى في الثقافة، إذ تتفاعل العناصر الظاهرة مع البنى التحتية في حركة ديناميكية تُثْرِي الفهم الأنثروبولوجي للظواهر الإنسانية.
كانت هذه بعض ملامح البنيوية. فماذا عن التفكيكية؟
التفكيكية
تُعَدُّ اللغة، وتحديدًا الكلام، ما ركَّزت عليه البنيوية، في حين أتت التفكيكية لتركِّز على عنصر الكتابة في اللغة. إلا أنَّ مصطلح “التفكيكية” يصعب ضبطه، لأنه في كثيرٍ من الأحيان يحدث خلط بينه وبين مصطلحات أخرى، “فغالبًا ما تُستخدم التفكيكية استخدامًا فضفاضًا ومتبادلًا مع مصطلحات مثل: “ما بعد البنيوية” (post-structuralism) و”ما بعد الحداثة”، لكن تختلف التفكيكية عن هذه المصطلحات. فالتفكيكية “تتفحص نصوص الفلسفة، مُسلطة الضوء على البقع المعتمة فيها وتناقضاتها… من دون التخلي عن الرُوح النقدية للأفكار التنويرية… ولافتةً الانتباه إلى اللحظات القَبْلِية للتوتر التي كان هناك ميل إلى تجاهلها من قبل المؤوِّل… ما يمنح إمكان بقاء النص مفتوحًا على تأويلات أخرى”[23].
من هنا أتى جاك دريدا بحملته “لتحطيم المكانة التي تمنحها الثقافات الغربية للغة المَحْكِيَّةِ في مقابل اللغة المكتوبة”[24]. فالنص المكتوب عند دريدا “قد تحرر من الفرد الذي وضعه… والكاتب لا سلطة له على ما كتبه ونشره، لأنه يكون بذلك قد سلَّمه إلى الغرباء والمستقبل. وهذا يعني أن المعاني التي سيُنتجها النص ليست بالضرورة أن تتطابق مع المعاني التي يعتقد أنه وضعها فيه: فهذه المعاني ستعتمد على من سيقرأه وعلى ظروف القراءة”[25]. فأخرج دريدا بتفكيكيته “النص” من ملكية كاتبه، ليتحول النص إلى ملكية القارئ.
بانتقال الملكية من الكاتب إلى القارئ، تصبح مسألة “تأويل” النص مُعتمدة على القارئ اعتمادًا أساسيًا. وقد بيَّنت التفكيكية، وتحديدًا تفكيكات دريدا الفلسفية، “التناقضات الداخلية فيما يبدو أنه نظم فكرية كاملة الاتساق، مُمَثِّلةً هجومًا كاسحًا على الأفكار المألوفة بشأن النسبة إلى المؤلف، والهوية، والذات، لأنها تُثبت أن للغة قُوَى لا نستطيع السيطرة عليها، حتى عندما نستخدمها استخدامًا شديدَ الوعي. وقد استغل دريدا نفسه ‘إنتاجية’ اللغة الهائلة ليعمل على زعزعة الأفكار الفلسفية السائدة”[26].
كما حاول جاك دريدا توضيح مفهوم التفكيكية في لقاء على طاولة مستديرة عند افتتاح قسم الفلسفة في جامعة فيلانوفا (Villanova University) في الثاني من تشرين الأول عام 1994. وكان دريدا يتحدث باللغة الإنجليزية، مما يعني أن النص ليس مترجمًا من الفرنسية إلى الإنجليزية. وقد شارك في محاورة دريدا عددٌ من الأساتذة البارزين في الفلسفة، ومن بينهم البروفيسور والتر بروغان، وتوماس بوش، وجون دي كابوتو، بالإضافة إلى حضور آخرين.
إقرأ أيضًا: حول التفكير في زمن التفكيك
لن ندخل في كامل الحوار الذي جرى، لأن ذلك يستلزم بحثًا منفصلًا، وسنعرض هنا فقط -وبإيجازٍ- لسؤال طرحه عليه البروفيسور جون دي كابوتو (John D. Caputo).
جون دي كابوتو: بروفسر داريدا… أليس غريبًا أن تكون معنا في افتتاح قسم الفلسفة ومعظم المتأثرين بالتفكيكية، وبخاصة أنهم تعرفوا عليها عن طريق وسائل الإعلام، يربطون ما بين التفكيكية و”نهاية الفلسفة” وتحطيم النصوص والمؤسسات والتقاليد ولا يمكن للتفكيكية أن تُسْكِنَ نفسها في حياة مؤسساتية؟
وغالبًا أنت ما تتحدث عن فكرة الـ “تدشين” بوصفها اقتحامًا لشيءٍ جديدٍ “بالمطلق” فماذا تقول ونحن في لحظة “تدشين”؟
دريدا: تدشين قسم الفلسفة في جامعتكم ليس مُهمًا لجامعتكم فقط، وإنما مُهمًا لجماعة الفلسفة في بلدكم وخارجها. فكما تعلمون لقد قُلِّصَ فضاء الفلسفة بدرجة كبيرة في المجتمعات الصناعية. ولقصر الوقت سوف أضع ما يُسمى بـ “التفكيكية” وضعًا تمهيديًا لا تفصيليًا. لم تكن التفكيكية ضد المؤسسات ولا الفلسفة ولا التخصصية، ولكنها عندي شيءٌ آخرَ للقيام به، فهي ببساطة ليست تكرارًا لما هو معطى فحسب. فأنا أعتقد أن حياة المؤسسة تسلتزم أن نكون نقديين وننتقل (transform) لنفتح المؤسسة على مستقبلها… كي تكون المؤسسة مؤسسة عليها إلى حد ما أن تكسر مع الماضي، مع الحفاظ على ذاكرة الماضي، بينما يكون التدشين تدشينًا لشيء جديد بالمطلق… وهي مخاطرة وعنفية… لأنها تدشينٌ لقوانينَ غير مسبوقة… هذا ما تتكون منه التفكيكية: ليس خليطًا، بل توتُّرًا بين الذاكرة، والامانة (fidelity)، والحفاظ على هو مُعطى لنا، وفي الوقت نفسه شيئًا جديدًا بالمطلق وكَسْرًا مع السابق… علينا تدريب الفلاسفة على أن يكونوا فلاسفة… وفي الوقت نفسه يكونوا جريئين لعبور الحدود واكتشاف علاقات جديدة، وحقول جديدة..
…أنا إنسان محافظ جدًا أحب المؤسسات… لكن في الوقت عينه لا أُعَرِّي المؤسسات، بل أُعَرِّي فيها بعض البِنى الجامدة أو الدوغمائية أو التي تكون عائقًا أما أبحاث مستقبلية”[27]. ما يُشير إلى أن التفكيكية ليست ضد “المؤسسة” ولا تُعلن “نهاية الفلسفة” ولا هي بتحطيم للقيم السابق، بل مقاربةً جديدة لما هو سابق، وتعتمد على “التوتر” في قراءة النص المكتوب. توترٌ يولد منهجًا جديدًا لا “تقليديًّا”، لكشف التناقضات المخفية في النص المكتوب. كشف يفتح الأفاق أمام قراءة مغايرة لما هو معتاد عليه للنصوص مانحًا إياها تأويلات جديدة تُخرجها من التكرار وإعادة التكرار في القراءة. من هنا قد يكون ما قاله دريدا بخصوص نصوص أفلاطون وارسطو كونهما نصوصًا لا تنتهي، “فالتفكيكية شيء يحدث في الداخل فهناك تفكيكية في نصوص أفلاطون وهذه اشارة محبة واحترام لأفلاطون، وعليَّ أن أُحلل وظيفة (function) عملة وخلل (disfunction) عمله.
لذا علينا دومًا العودة إلى اليونان لا من أجل حماية التعليل (etymology)… بل بداية لفهم من أين أتينا. ومن ثم علينا تحليل التاريخ وتاريخية الكسر التي أنتجت عالمنا الراهن من اليونان…”[28]. وهنا أدخلت التفكيكية التاريخ في قراءتها على عكس البنيوية.
إذا أردنا إبراز الخطوط العريضة التي طرحها دريدا يُمكن القول إن مرتكزاته الفكري تقوم على:
يرفض دريدا تلك الفكرة القائلة بأن النصوص (أو المفاهيم) تملك معنىً واحدًا ثابتًا أو مركزيًا، بل يقترح تفكيك هذه النصوص، لنكشف عن التناقضات والافتراضات الكامنة فيها. فكل نصٍّ يحمل ضِمنًا تناقضاته وافتراضاته غير المُعْلَن عنها. فتتحول بهذا التفكيكية ليس إلى منهج واضح الخطوات، بل تتحول إلى قراءة نقدية تُظْهِرُ كيف يهدم النص نفسه من الداخل من خلال قراءة القارئ للنص.
مقاربة قَلَبَ فيها دريدا الفكرة التقليدية التي ترى أن الكلام أصليًّا والكتابة ثانوية، مؤكدًا أن الكتابة تكشف عن طبيعة اللغة بوصفها شبكة من العلامات المُختلفة. ويمكن أن نجدها بصورة واضحة في كتابه “عن علم الكتابة”.
كما يرى دريدا أن التركيز على “الحضور” يتجاهل الغياب والاختلاف، وهما مفهومان مركزيان في فلسفته، مما يُنتج هرميات ثنائية (مثل: كلام/كتابة، عقل/جسد، ذكر/أنثى). فأصبح المعنى لا يُحدَّدُ تحديدًا نهائيًا، بل يُؤجل باستمرار عبر شبكة من العلاقات بين العلامات (الكلمات أو الرموز). فأدخل دريدا أهمية الطرف “المُهَمَّش”، ليتوضح عن طريق تهميشه الطرف “المُهَيْمِن”، فلا طرف مُهَيْمِنٌ بلا طرف مُهَمَّشٌ! فأخرجنا بهذه العلاقة من مسألة التناقضات الواضحة إلى البحث عنها بأسلوب آخر، وهو البحث عن “ثنائية” المُهَمَّش والمُهَيْمِن.
على مستوى القراءات الأدبية هناك بول دي مان (1919-1983) أحد أبرز مُمثلي التفكيكية في النقد الأدبي. وفقًا لدي مان اللغة لا يُمكن أن تكون شفافة أو تحمل معنىً ثابتًا. وركز على الانزياحات البلاغية في النصوص، ليُبين كيف أن الاستعارات والمجازات لا تُزين المعنى فحسب، وإنما تُنتج تناقضات داخلية تُضعف أي تأويل وحيد. وحَلَّلَ في كتابه “العمى والبصيرة”، نصوصًا لروسو ونيتشه وريلكه، مُستخدمًا المذهب التفكيكي ليكاشف عن “اللحظات المفارقة” التي تنقلب فيها اللغة على نفسها. فأتت تفكيكيته مركزة على اللغة الأدبية، مع إبراز أن كل نصٍ يحمل في طياته بذورَ تفكيكِ ذاته. وقد انحصر تأثير أفكاره في الدراسات الأدبية أكثر من الفلسفة.
من هنا، ووفقًا له، بانعدام الشفافية في اللغة ينعدم وجود لغة “شفافة” أو “مباشرة”، فهي، أي اللغة وتحديدًا اللغة الادبية، تحمل تناقضات خفية وتُنتج أوهامًا بلاغية. معتمدًا على هذه المقاربة للغة عمم دي مان فكرته، لتصل حدودها إلى اللغة الفلسفية والتاريخية، فأصبحت النصوص عندهُ تُظهر انقسامًا ذاتيًا بين ما تقوله وما تفعله فعليًا.
خلاصة أوَّليَّة
حاولت البنيوية أن تقوم “بثورة في المنهج” لتحل محل الوجودية، فاعتمدت على اللغة، وتحديدًا الكلام، لكشف طبيعة العلاقة بين عناصر الظاهرة المدروسة، مؤسِّسةً منهجًا عقليًا لا تجريبيًا، مُستبعدةً دور التاريخ في قراءتها، ومعتمدةً على التزامن لا التتابع. وإن حاول كثيرٌ من البنيويين التنصُّل من بنيويَّتهم، لكنهم وقعوا في فخ البنيوية التي أسسوها. فأتت التفكيكية لتعتمد اللغة أيضًا، وعلى النص تحديدًا، لتكشف “التوتُّر” الذي يحمله النص الفلسفي. فالنص لم يَعُدْ مِلْكَ كاتبه، بل أصبح مِلْكَ القارئ، وعلى القارئ أن يكشف هذا التناقض الخفي الذي يحمله النص، أو ما يحاول النص إخفاءه. فكشفت التفكيكية عن بنيويَّتهم وتناقضات نَصِّهم، بالإضافة إلى “التوتُّر” في نصوص فلسفية أخرى.
بصيغة أخرى في مسار الفكر الغربي الحديث، مَثَّلَت البنيوية والتفكيكية لحظتين منهجيتين متمايزتين في تعاملهما مع النصوص والظواهر الثقافية. انطلقت البنيوية من فرضية أساسية مفادها أن المعنى لا ينبثق من العناصر المفردة بذاتها، بل من نظام العلاقات الكامن بينها. هذا المنظور -الذي تجلى في أعمال سوسور في اللسانيات وليفي شتراوس في الأنثروبولوجيا- سعى في كشف “البنى العميقة” الثابتة التي تحكم الظواهر، معتبرًا إياها أنظمة مُغلقة وقابلة للتحليل العلمي الموضوعي. اعتمد هذا المنهج على ثنائيات منهجية صارمة (الدال/المدلول، التزامن/التعاقب)، مُستبعدًا العامل التاريخي والذات المبدعة لصالح دراسة النسق المجرد.
أما التفكيكية -التي بلورها دريدا وأتباعه- فقد جاءت نقدًا جذريًا لهذه المسلمات. فبدلًا من البحث عن اليقينيات البنيوية، ركَّزت على “الانزياحات” و”التناقضات” الكامنة في كل نص. لقد حوَّلت التفكيكية الانتباه من “ما يقوله النص” إلى “ما يعجز عن قوله”، مُبْرِزَةً أن كل نظام معرفي يحمل داخله بذور تفككه. بينما رأت البنيوية اللغة بوصفها منظومةً مستقرة، أَكَّدت التفكيكية طبيعتها المتعددة والمتناقضة، إذ المعنى ليس معطى جاهزًا، بل عملية تأويلية لا تنتهي.
في الجانب التطبيقي، تَمَثَّلَ الفارق الجوهري في تعامل المدرستين مع العلاقة بين النص ومؤلفه. البنيوية -بإقصائها للبعد التاريخي- تجاهلت دور المؤلف، لكنها حافظت على إيمانها بإمكان الوصول إلى معنى موضوعي. في حين ذهبت التفكيكية إلى أبعد من ذلك، نافيةً أي سلطة للمؤول (سواء كان المؤلف أو القارئ) على تحديد المعنى النهائي. هذا ما يُفسر تحول التركيز من “تحليل البنى” إلى “تتبع آثار المعنى” في القراءات التفكيكية.
الأكثر إثارة أن التفكيكية لم تكن نقيضًا للبنيوية فحسب، بل كانت -بحسب بعض التفسيرات- الابن الشرعي لها. فعن طريق المبالغة في تطبيق المنهج البنيوي بصرامة، كشفت التفكيكية عن تناقضاته الداخلية. مثلما أن البنيوية حَلَّت محل الوجودية، جاءت التفكيكية لتُعَرِّي أُسس البنيوية ذاتها. لكن هذا “التفكيك” لم يكن تدميرًا بقدر ما كان تحويلًا للأنظار نحو الإمكانات التأويلية اللامتناهية التي تطلقها اللغة عندما نتعرف على عدم استقرارها الجوهري.
لذا هل يمكن القول إن التفكيكية ثورة منهجية مضادة للثورة المنهجية للبنيوية؟ “ثورة منهجية” محورها التاريخ، واحدة استبعدته وأخرى قرَّبته. وهل نحن بانتظار أحداث مفصلية في تاريخ البشرية لنشهد ولادة منهج، أو مناهج فلسفية جديدة؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1] Keith A. Reader with Khursheed Wadia, The May 1968 Events in France Reproduction and Interpretations, Macmillan Press LTD, London, 1993, p. 125.
[2] Julian Bourg, From Revolution to Ethics May 1968 and Contemporary French Thought, Mc Gill-Queen’s University Press, London, Montereal and Kingston, 2007, p. 75.
[3] Julian Bourg, From Revolution to Ethics May 1968 and Contemporary French Thought, ibid, pp 129-135.
[4] Richard Wolin, The Wind from the East French Intellectuals the Cultural Revolution and the Legacy of the 1960s, Princeton University Press, U.S.A, 2020 pp. 89-97.
[5] David Drake, French intellectuals and Politics from Dreyfus Affairs to the Occupation, Palgrave, Macmillan, New York, 2005, pp 25-30.
[6] جون ستروك، البنيوية وما بعدها من ليفي شتراوس إلى داريدا، ترجمة محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 206، 1996، ص. 8.
[7] جون ستروك، البنيوية وما بعدها من ليفي شتراوس إلى داريدا، مرجع سابق، ص. 8.
[8] Edward Craig, Routledge Encyclopedia of Philosophy, Routledge, London, New York, 1998, V.9, p. 174.
[9] معن زيادة، الموسوعة الفلسفية العربية، مرجع سابق، ص. 198.
[10] جون ستروك، البنيوية وما بعدها من ليفي شتراوس إلى داريدا، مرجع سابق، ص. 17.
[11] جون ستروك، البنيوية وما بعدها من ليفي شتراوس إلى داريدا، مرجع سابق، ص. 10.
[12] Michel Foucault, Remarks on Marx Conversation with Duccio Trombadori, Translated by R. James Goldstein and James Cascaito, Semiotext, U.S.A, 1991, p. 55.
[13] Michel Foucaut Politics Philosophy Cultures Interviews and other writings 1977 – 1984, Translated by Alan Sheridan and others, Routledge, New York, London, 1990, p. 22.
[14] جون ستروك، البنيوية وما بعدها من ليفي شتراوس إلى داريدا، مرجع سابق، ص. 10.
[15] ، جون ستروك، البنيوية وما بعدها من ليفي شتراوس إلى داريدا، مرجع سابق، ص. 14.ص. 13 – 14.
[16] جون ستروك، البنيوية وما بعدها من ليفي شتراوس إلى داريدا، مرجع سابق، ص. 14.
[17] المرجع نفسه، ص. 14.
[18] المرجع نفسه، ص. 16.
[19] Edward Craig, Routledge Encyclopedia of Philosophy, Routledge, London, New York, 1998, V. 9, p. 187.
[20] William A. Darity Jr, International Encyclopedia of the Social Sciences, 2nd edition, Macmillan Reference, U.S.A, 2008, V. 8, p. 183.
[21] Claude Levi-Strauss, We Are All Cannibals and other essays, Columbia University Press, New York, 2013, p. vii.
[22] Ibid, p. 7.
[23] Edward Craig, Routledge Encyclopedia of Philosophy, ibid, V. 2, p. 835.
[24] جون ستروك، البنيوية وما بعدها من ليفي شتراوس إلى داريدا، مرجع سابق، ص. 23.
[25] المرجع نفسه، ص. 24.
[26] المرجع نفسه، ص. 24.
[27] John D. Caputo, Deconstruction in A Nutshell Conversation with Jaquces Derrida, Fordham University press, New York, 1997, p. 6 -7.
[28] John D. Caputo, Deconstruction in A Nutshell Conversation with Jaquces Derrida, ibid, p. 6 -7.