أزمة استبعاد العقل النقدي ودوغما التلقين والقياس في نظم التعليم

بحسب إميل دوركايم، فإنّ عملية التربية ترتبط بشكل عضوي بقواعد التنشئة الاجتماعية الممنهجة، التي ترسيها وتمارسها الأجيال السابقة على الأجيال المستهدفة بالتعلم؛ بهدف إعدادها لمواجهة مختلف التحديات؛ من خلال تنمية القدرات العقلية والإدراكية، وخلق نوع من التفاعل الاجتماعي والأخلاقي، الذي يتطلبه المحيط الثقافي ويؤطره الوسط الاجتماعي. هذا التوصيف يضيف إليه جورج باين بعدًا منهجيًا خاصًا، باعتبار التربية علم يصف ويفسر النظم والعمليات الاجتماعية؛ بهدف توصيف وتقييم دور الفرد ونشاطه ضمن شبكة العلاقات، التي يكتسب من خلالها خبراته.

وعليه يمكن تحديد الأطر التي تقوم على أساسها سوسيولوجيا التربية وهي: منظومة القيم المراد ترسيخها، وطرق التدريس، والتقويم.

إذا ما انتقلنا بهذا الشق النظري نحو حقل التعليم، ربما نجد أنفسنا أمام جملة من النظم التي تشكلت ضمن حواضن اجتماعية كلاسيكية، وأطر ثقافية  تتفرع منها وتنبثق عنها عدة مدخلات وأنساق أخلاقية، يكرسها نمط معياري جامد، وفهم واحد للدين والثقافة والشخصية، وإطار سياسي يهدف إلى تثبيت الاجتماع عند لحظة معينة؛ بداعي الحفاظ على الاستقرار، بوصف التعليم أحد أبرز أدوات الضبط الاجتماعي.

العقل النقدي ومهارة كسر التفكير

يمكن القول إنّه بات من الضروري الإنصراف بشكل كلي عن المنهاج الدراسي القائم على التلقين لمحتوى مستهدف، إلى منهاج يقوم على تحديد الأولويات لمهارات مستهدفة يكتسبها الطالب مع نهاية برنامجه التعليمي، مع تنمية ملكات العقل النقدي كضرورة معرفية، والابتعاد قدر الإمكان عن المنهج القياسي. فالسؤال وحده هو القادر على فتح نوافذ جديدة للتفكير، والإبداع في السؤال، يحرك التفكير في اتجاهات ربما لم يكن العقل يعلم بوجودها.

وتفضي ملكة العقل النقدي المتطورة، إلى تمكين الإنسان من مهارة تفكيك تفكيره بشكل منتظم، وبالتالي التماهي مع عناصر التفكير المترابطة، والأجزاء المكونة له، وهي مهارة لا علاقة لها بحفظ المفاهيم والأحداث وتخزين المعلومات، وإنّما تتعلق بفهم مجموعة مترابطة من الوظائف التي يتضمنها التفكير بشكل كلي، ذلك أنّ تفكير أي إنسان يحتوي جملة من العناصر المكونة له، والمترابطة فيما بينها، تمامًا مثلما يحتوي جسد الإنسان على أعضاء وأنظمة فسيولوجية مترابطة.

إنّ آلية تكسير التفكير إلى عناصر ومكونات، ترتكز بشكل كبير على مهارة تكسير السؤال إلى تساؤلات فرعية، ومحاولة الإحاطة بإجابات متعددة للسؤال الواحد، ذلك أنّ الإجابة المطلقة، تعني ببساطة أدلجة المعرفة وبناء أسيجة مغلقة حولها.

وبحسب أندرو روبرت بيكر، فإنّ مهارات التفكير النقدي، ربما تكون أهم المهارات المستخدمة في إصدار الأحكام وحل المشكلات؛ ذلك أنّ القدرة على التفكير النقدي حول مسألة ما؛ لتحليل سؤال أو موقف أو مشكلة إلى أجزائها الأساسية، يساعد على تقييم دقة البيانات وصدق المعلومات، وبالتالي كفاءة المعرفة، ويصف بيكر التفكير النقدي بـالسكين الحاد، الذي يفصل الحقيقة عن الوهم، والصدق عن الأكاذيب، والدقة عن التضليل.

والتفكير النقدي هو تفكير واضح ومعقول وتأملي؛ يركز على تحديد ما يجب الاعتقاد به أو القيام به. ويعني طرح أسئلة استقصائية تنطوي على الشك وتحدي الافتراضات المسبقة، والخروج اللحظي من آلية القبول الأعمى، إلى آفاق البحث بشكل دائم عن المسكوت عنه، لأنّ هناك دائمًاً رواية لم ترو بعد.

العقل القياسي وأدلجة المعرفة

في تعريفه للأيديولوجيا، يقول ديستات تريسي، إنّها العملية الفكرية التي تنبثق من خلالها النظريات والفروض المتوائمة مع الأنساق الاجتماعية والعمليات العقلية السائدة في المجتمع، وتتجلى على شكل مجموعة من الأفكار المصاغة في صورة تبدو منظمة. وهو التعريف الذي يبدو منسجمًا إلى حد كبير مع مآلات العقل القياسي، القائم على الحفظ والترادف أو التشابه، إلى الحد الذي يجعل العقل البشري أمام عدد لا نهائي من الأفكار الدوغمائية المغلقة والمنتهية معرفيًا.

وإذا كان كارل ماركس يرى أنّ الأيديولوجيا هي مجموعة الأفكار التي تضعها السلطة السائدة في المجتمع؛ بغرض توجيه الأفراد نحو أهداف تصب في صالح هذه السلطة، وذلك في مسعاها نحو تكريس ممارساتها، وتغذية مكونات وجودها، قبل أن تتحول إلى صور كاذبة يرسمها الناس عن أنفسهم ويعيشون في ظلها. بالمثل فإنّ أدلجة التعليم، عبر قتل ملكات العقل النقدي، وتغذية منطلقات العقل القياسي، يكرس في نهاية الأمر بلنية معرفية هشة، يملكلها أفراد درجوا على التبعية والانقياد للسلطة الأبوية في المجتمع.

ويمكن القول إنّ كل معرفة قياسية، هي بالضرورة معرفة أيديولوجية جامدة، تربط بين الوعي والمحيط السوسيوثقافي، الذي ساعد في تكوينها وتشكيلها، والسلطة المراد خلق بنية ذهنية دوغمائية، تحافظ على وجودها، أيّا كان نوعها.

ويرى كارل منهايم أنّ الإجابات الناجزة والمغلقة، تفضي في النهاية إلى تكوين عقل تابع وجامد، وغير قادر على الابتكار، ما يؤدي إلى طرح جملة من الأفكار المشوهة والمبتورة، تفضي بدورها إلى  تجميد المجتمع وإلغاء ديناميته.

وعليه، فإنّ استبعاد العقل النقدي، يؤدي بالضرورة إلى فرض نسق شمولي متعالي، يهيمن بدوره على سائر الأنساق المجتمعية الأخرى بشتى أبعادها الاجتماعية والنفسية والدينية، ما يؤدي إلى اضطراب علاقة الواقع بالمجال المحيط، ومحاولة تبرير الجمود عن طريق خلق عوالم معرفية متخيلة، تحاول من خلالها الأيديولوجيا تقديم رؤية جديدة لهذا الواقع، تصل إلى حد الاختلاق، وتجميله بشيء من المثاليات والأماني مستحيلة التحقق. هنا يلتهم العقل القياسي كل أنماط التفكير الأخرى، محاولا استيعاب كافة العناصر والمكونات المعرفية، وصياغتها بشكل يتوائم مع ما يسعى إليه من أهداف .

وعليه، يمكن تحديد عناصر الجمود القياسي المعرفي، ووضعه في السياق المناسب له، حيث يعبر في مجمله عن النظام الاجتماعي والثقافي والسياسي، الذي يحدد مواقف الأفراد وتوجهاتهم تجاه كافة الإشكاليات التي تواجه الاجتماع.

التفكير النقدي والشك الإيجابي

يقوم التفكير النقدي في الأساس على منهج الشك في المعلومات والبيانات والأجوبة الجاهزة، وفي ظل التفكير النقدي، كل شيء وأي شيء يخضع للسؤال. وإذا كان التفكير النقدي شديد الارتباط بالمنطق، بوصف الأخير يشير إلى علم أو فن التفكير، وعلى الرغم من أنّه باستخدام المنطق، يقوم الإنسان بتقييم الحجج ويسعى جاهدًاً للتمييز بين الاستدلال الجيد والسيئ، وبالتالي تقييم الأفكار، إلّا أنّ الاستدلال قد يكون كاذبًا في كثير من الأحيان، بوصفه آلية تعمل على استخراج جواب أو نتيجة؛ بناء على معلومات مسبقة، قد تكون صحيحة أو خاطئة.

وبناء على ذلك، يمكن القول إنّ العقل النقدي يسبق الاستدلال، لأنّه ببساطة يشكك أولا في صحة المعلومات، ويفكك البنى المعرفية؛ بحثًا عن الحقيقية، أو مقاربة لها؛ وبالتالي فهو يرتبط بالمنطق، لكنه يفوقه في القدرة على اكتشاف عوالم معرفية أكثر اتساعًا.

العقل الديني وأدوات التعلم الغائبة

ربما يكون مفهوم تجديد الخطاب الديني، من أكثر المفاهيم شيوعًا، وأكثرها لغطًا، لأنّ فعالية التعاطي مع النص الديني، تنبع من تجديد الفكر الديني، من خلال طرح التساؤلات الصعبة، والبحث عن مقاربات لها، ذلك أنّ أزمة الخطاب الديني ترجع إلى الفشل في تكوين العقلية النقدية؛ وبالتالي افتقاد عملية إنتاج المعرفة إلى حواضن يمكنها فعل ذلك، وهو أمر يرجع بالأساس إلى قصور عملية التعليم، إذ يفرض المعلمون رؤية أحادية للدين، بعد أن تمر عبر  أفكارهم ومواقفهم الخاصة، في سياق عملية تواتر قائم على الاستظهار، وقتل أي محاولة للسؤال، في محاكاة لما يطلق عليه دوركايم، الوعي الجماعي، حيث تهيمن الأفكار الثابتة، وتفرض نفسها على النسق الاجتماعي، لتقدم رؤية واحدة للمقدس، لا تقبل النقاش أو اللا يقين، أو هي كما يشير فرديناند ديوموند، تقدم تبريرًا معينًا لرؤية مسبقة للعالم  أو لنسق محدد من القيم  المهيمنة على كل مظاهر النشاط والإنتاج الفكري والروحي في المجتمع، قبل أن تتجلى في شكل مجموعة من التوجيهات السلوكية، التي توجه المؤمنين نحو غايات نهائية، تندرج تحت مسمى “التأطير الاجتماعي للفرد”.

ويعمل نسق التعليم الديني التقليدي، على  اكساب كل الأحداث اللاحقة والسابقة معناها ودلالتها، عبر معنى واحد للنص، ويعيد ترتيب البنى المعرفية وتصنيفها في إطار من القداسة، مع الرجوع والإحالة دائمًا على نص (مؤسس أو ثواني) كمرجعية نهائية مطلقة، يكسب الإيمان بها مكانة اجتماعية؛ ما يعني تشكيل ذاكرة جماعية مشتركة، وفق تصور واحد.

هذا التطرف العقلي، يؤدي بالضرورة إلى جمود الرؤية، وتسطيح المعرفة، وتأويلها ولي عنقها، لتناسب رؤية مسبقة، لا تقبل الشك.

وعلى الرغم أنّ الدول العربية لها خبرات ممتدة عبر مئات السنين، تشكل تراكمًا تراثيًا في مجال التعليم الديني، فإنّها ظلّت أسيرة للتكرار والتلقين، كما أنّ التحولات الاجتماعية والسياسية، تقتضي إعادة هيكلة مناهج التعليم الديني، ونقد مكوناته القائمة على التراكم التراثي، وإخضاعها لمتطلبات المرحلة وفكر العصر.

لقد اقتصر التعليم في العالم الإسلامي قديمًا على علوم الدين، وارتبط العلم والتعليم بما نشأ وقام على النص وكتب الفقه والتفاسير، ويشكل تحديث حقل التعليم الديني أهمية كبيرة، في خضم صراع هائل تتنازعه متغيرات اجتماعية وسياسية متعددة، بحيث بات التعليم الديني متهمًا بتكريس التخلف والعنف، وفي ضوء التطور المنهاجي الذي تشهده مناحى العلوم كافة، أصبحت التحديات التي يواجهها التعليم الديني كبيرة، وسط مطالبات بالتطوير والتنقيح والانفتاح؛ عبر تنمية مهارات العقل النقدي، والذي يتم عبر مداخل متعددة هي:.

المدخل السوسيولوجي: ويهدف إلى ضبط مفاهيم سوسيولوجيا التربية، وتحليل مكونات عناصرها الرئيسية، وتحديد مدخلات التربية ومخرجاتها وآلياتها، وتطبيق ذلك على حقل التعليم.

المدخل المنهجي: وفيه يتم تحديد الأطر المنهجية في مجال التعليم، وكيفية تطبيق المنهاجيات الحديثة، واخضاع كافة البنى المعرفية للبحث الموضوعي المحايد.

المدخل المقارن: وذلك بهدف إلقاء الضوء على التطور الذي حدث في حقل التعليم، وتنمية منطلقات العقل النقدي، بلا حدود أو أطر مغلقة.

ويمكن القول إنّ البيئة التي يمكن أن تتشكل فيها مهارات التفكير النقدي، تقوم على آلية تتناول المعرفة بطريقة تحليلية ونقدية، تبدأ بالسؤال عن مصدر المعلومة، ووجهات النظر المتعددة، وإخضاع البنية المعرفية بالكلية  للأسئلة الهادفة والمتكررة والمتعمدة بشكل مستمر ومتواصل، ذلك أنّ الأسئلة ببساطة، هي التي توجه تفكيرنا، نحو النظر إلى الهياكل الأساسية المشتركة بين جميع أشكال التفكير، وسبر أغوار المعايير الأساسية لتقييم التفكير، وبالتالي توليد أسئلة قوية تمكننا من الوصول إلى أسس التفكير، وتحديد نقاط القوة والضعف فيه.

ولا يقاس نجاح البرنامج التعليمي بكم المعطيات، وماذا قدم المعلم؛ فالتعليم القائم على الكفاءة هو الذي يختبر قدرات الطالب ليدعمها ويطورها، عبر آلية الانطلاق من معارف وخبرات الطالب وآماله وطموحاته وتساؤلاته، إلى العالم الواسع بلا حدود.

 

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete