أزمة الخطاب الإسلامي عند الإخوان المسلمين  

بـحـث بــاب الله

مقدمة

تتناول الدراسة خطاب جماعة الإخوان المسلمين أقدم الجماعات الإسلامية حديثا بعد أنصار السنة المحمدية، والجماعة الأم التى انشق عنها أكثر جماعات العنف والتطرف في التاريخ الحديث، واختارت الدراسة هذه الإشكالية موضوع الدراسة في معالجتها لقضايا التطرف؛ لأن خطاب جماعة الإخوان المسلمين أحد أهم المؤثرات في الخطاب الإسلامي المعاصر، وأهم الروافد الخفية المغذية للتطرف في عالمنا؛ لذا يرصد الباحث من خلال اتباع منهج تحليل خطاب المؤسس الأستاذ حسن البنا، وبعض كتابات منظري الجماعة الجوانب المضمرة في خطاب الإخوان المسلمين من خلال المحاور التالية: حتمية الصراع، فخطاب الجماعة يؤكد دوما ضرورة المواجهة فى الطريق نحو التمكين، المركزية المطلقة بزعم امتلاك الفهم الصحيح للإسلام في دنيا الأباطيل وعالم التحريف، الانعزالية، الخطاب الآحادي، التكفير الصامت، الخطاب المختلط (بريق الصفيح) الذى تختفي معه الحدود بين المطلق والنسبي، والثوري والإصلاحي، والدعوي والحزبي، والوعظي والجهادي، ثم باب الله حيث وقعت الجماعة في دينية عاش المسلمون ينفونها عن الإسلام لقرون في طروحاتهم لعلاقة الدولة بالإسلام.. فلم تغتال الجماعة مخالفيها فحسب، بل اغتالت الدين، وقوّضته فى نفوس العامة.

فخطاب الجماعة حوّل التنافس السياسي إلى معركة وجودية دينية انتصارهم يمثل انتصارا للإسلام، وخسارتهم تمثل هزيمة للإسلام أمام خصومه من أعداء الإسلامية، فدائما على الجمهور من منظورهم أن يختار بين الإسلام أو اللاإسلام، وإمعان الجماعات في تعميق مركزيتها للحق واحتكارها للفهم الصحيح الشمولي للإسلام أوصل أتباعها إلى حافة هوة التكفير.

وترى الدراسة أن خطاب الجماعات الإسلامية نسق فكري واحد قد يختلف في درجة حِدَّة الخطاب وتنوع الأداة إلا أنه يصدر عن نوع واحد من التفكير يقوم على مجموع محاور الدراسة، فلا تختلف جماعات اليوم عن أسلافها قديما في التمايز بالإسلام عن المسلمين.

  (1) حتمية الصراع

يقوم خطاب جماعة الإخوان المسلمين على ثنائية فكرية متضادة بين الحق والباطل، والإسلام والكفر، والصديق والعدو، فهي تؤكد دومًا أنا أو الشيطان، فالجماعة تمثل الإسلام والحق والذات الخيرة في قطبية متقابلة لا يلتقى طرفاها.

فخطاب الجماعة يجعلك في لحظة اختيار دائم في مفترق طرق، فأنت مهدد دوما بالانزلاق إلى طريق الغرب المشيطن قولا واحدا في ثقافتهم، متى ابتعدت عن طريقهم، فالطريق كما رأى الأستاذ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين طريقان لا وسط بينهما “أما الأول فطريق الإسلام وأصوله وقواعده وحضارته ومدنيته، وأما الثانى فطريق الغرب ومظاهر حياته ونظمه ومناهجه.

وعقيدتنا أن الطريق الأول –طريق الإسلام، وقواعده وأصوله- هو الطريق الوحيد الذى يجب أن يُسلك وأن تُوجه إليه الأمة الحاضرة والمستقبلة.”([1])

بهذا الخطاب الإخواني يبدو مفهوم الإسلام العقدي والتعبدي مختلطا بمفهوم حضارة إنسانية أُنتجت في دولة يحكمها المسلمون، فيصبح المنتج البشري -من منظورهم- في ظل حضارة المسلمين هو ملك ديني إسلامي لا يقل في ربانيته وخصوصيته عن العقيدة والعبادة الإسلامية، ويأتى الغرب -وفق هذا الفهم- في صورة اللص المعتدى، والسارق المارق الذى سلب الأمة حضارتها الدينية، فهي –من منظورهم- جزء أصيل لا ينفصل عن دين هذه الأمة، وكأن الحضارة الإسلامية نتاج إلهي وليس بشريا، متجاهلين طبيعة الحضارات الإنسانية القائمة على التلاقح والتبادل، فالحضارة الإسلامية نتاج عقل عربي وغير عربي، ومسلم وغير مسلم، وسني وشيعي، نتاج نقل وترجمة عن حضارات قديمة أُنجزت إلى حاضر كان يتكوّن، ويتشكل أضافوا إليه في عملية تبادل وتلاقح حضاري لا يتوقف ما دامت الإنسانية، فهي سنة كونية لا عيش لدولة ولا حياة لحضارة إلا باتصال وتبادل مستمر.

ويختزل مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الثقافة والعلم والمشروع الاستعماري الغربي كل ذلك في كلمة واحدة هي الغرب الذي يحتفظ بدور ممثل الشيطان فى معركته المتجددة مع الإسلام من منظور الجماعة التى تحتكر دور البطولة المطلقة في تمثيل الإسلام تمثيلا حصريا في ذاك الصراع الوجودي.

فالغرب فى خطاب الجماعة لا يخرج من دائرة العدو المتربص والمتآمر الحاقد، قد تلجأ إلى مهادنته، وليس مصالحته، فما بينهما حرب تعرف المهادنة، وليس خصومة تصفو إلى صلح، ومثل هذا الالتفاف مشروع عند بعض المعاصرين من قيادات جماعات العمل السياسي، إذ لا مانع عندهم من مجاراة الغرب بأداء سياسي حزبي تروج فيه كلمات الغرب الأثيرة من حقوق الإنسان والديمقراطية، وحقوق المرأة والمواطنة مصطلحات لم تفكر جماعة مثل الإخوان المسلمين يوما أن تشرحها مجرد شرح لقواعدها التنظيمية مكتفية باختزال ثقافتهم في كلمة إسلامية، يُلقنون قواعدهم تفاصيلها من شروح رسالة التعاليم للبنا، وما كتبته بعض الأقلام الموثقة من كُتّاب الصحوة الإسلامية.

فخطاب الجماعة يُخرج الصراع مع الغرب من أبعاده السياسية والاقتصادية والاستراتيجية ليجعل منه صراعا وجوديا بين الأديان، ويؤجج الصراع بكلمات الإسلامية والصليبية، ويسكبون زيت الاجتزاء النصي لحوار هنا أو لقاء هناك؛ لتظل نار الصراع متوهجة، ولا يخفى أن تديين الصراع يُدخل أبناء الجماعة أكثر وأكثر في نفق التنظيم، ويوثق من تلاحم أبناء الصف وحدةُ الشعور بالكراهية والعدائية للغرب وأنصاره المحيطين بالجماعة، فيوجد الدافع الداخلي للانعزال عن هذا المحيط الملوث بالأفكار والأشكال الغربية، وهذا يُمد التنظيم بقدرة ذاتية على الصمود والمواجهة مدعوما بأقوى سبب للبقاء هو الدين الذى يخوضون معركته، ويستشهدون تحت رايته، فكلما ازداد الضغظ تقاربت أجزاء التنظيم وازداد تماسكه، ويظل النسق الفكري المُشكِّل لوجدان وعقل أبناء الصف الإخواني نسقا دينيا ملخصه “نخوض معركة الإسلام أمام عدوه اللدود الغرب” وتُغيب كل المفردات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية عن أبعاد المواجهة، وتظل كلمة دينية الصراع هي المشكّلة لفكر ووجدان أبناء الصف الإخواني.

وتنظر الجماعة -وفق فكرة الصراع بين الإسلام والغرب- إلى حركة التاريخ بمنظور الغالب أو المغلوب، فالتاريخ فى عصوره المتعاقبة يمثل كل عصر فيه كتلة واحدة إما شرقية إسلامية وإما غربية لا إسلامية، فيرى حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين أن “قيادة الدنيا في وقت ما شرقية بحتة، ثم صارت بعد ظهور اليونان والرومان غربية، ثم نقلتها النبوات الموسوية والعيسوية والمحمدية إلى الشرق مرة ثانية، ثم غفا الشرق غفوته الكبرى ونهض الغرب نهضته الحديثة، فكانت سنة الله التى لا تتخلف، وورث الغرب القيادة العالمية، وها هو ذا الغرب يظلم ويجور، ويطغى ويحار ويتخبط، فلم يبق إلا أن تمتد يد شرقية قوية يظللها لواء الله، وتخفق على رأسها راية القرآن، ويمدها جند الإيمان القوى المتين؛ فإذا بالدنيا مسلمة هانئة.”([2])

وتتسع دائرة الصراع وتتنامى المواجهة على نحو مستمر فكل من يقف خارج دوائر الجماعة فقد اختار موضع المواجه لها، فالجماعة لا تخوض صراعا مع الغرب فحسب بل والأنظمة الحاكمة التى تراها حلفاء تابعين للغرب وكذا المؤسسات الدينية الرسمية في مقدمتها الأزهر الشريف([3])، ففكر الجماعات فكر اتهامي مسكون بأشباح التآمر العالمي، فدوما الإسلام يتعرض –في نظرهم- لمؤامرة كونية كبرى؛ ليس من الغرب المتهم الأول بل من شركائه في الجريمة والمتمثلين في الأنظمة العربية الحاكمة التى تصبح في نظرهم ليست أنظمة شرعية تحمى قانونا عاما يحفظ كيان الدول، ويصون مؤسساتها من انفعاليات خطابية يغيب عنها أي شكل إجرائي لبناء الدول، وتتحول العلاقات الدولية والمصالح الاستراتيجية بين الأنظمة العربية والغرب إلى مخططات مشتركة للنيل من الإسلام، فكل أشكال العلاقات الدولية اختزلت في عقل الجماعات إلى علاقة دينية بين الإسلام والكفر في صراعه المتجدد، وتحول الصراع إلى “عادات إسلامية تحارب عادات أعجمية في كل نواحى الحياة.”([4])

ولا يقف الأمر بالجماعات عند هذا الحد في الصراع، فدائرة المواجهة فى اطراد تزايدي، فهناك أعوان الغرب من المسلمين من دعاة الإسلام الإصلاحي (المتنورين) من أمثال: عبدالرحمن الكواكبي ومحمد عبده وسيد أحمد خان ومالك بن نبي ومحمد جابر العبيدي وغيرهم ممن دعا إلى الحوار وإمكانية التبادل الحضاري مع الغرب، فهؤلاء خصوم تعمل كل جماعة على حماية المشروع الإسلامي من خطرهم، فيرى أبو الحسن الندوي وسيد قطب في الإسلام الإصلاحي استلابا بروح التجديد والتغريب، فتشن الجماعات هجوما على الإصلاحيين، وتدخل معهم في صراع لا يقل عن صراعهم الأبدي مع الغرب، فموقفهم من الإصلاحيين ليس موقفا من الشريك المتحاور بل موقف من العدو المتآمر.

فسقط خطاب الجماعات الإسلامية على حد تعبير جمال باروت في نزعة استشراقية معكوسة، فإذا كان الِإسلام وقع ضحية لنيران دراسات استشراقية اتخذت منه هدفا للنيل منه، فقد قامت الجماعات بالدور نفسه مع كل محاولة فكرية إصلاحية، فالجماعة تنهض على فكرة أنها تمثل مركزية الذات الإسلامية الساعية لتطهير الإسلام مما يُعرفون بدعاة الحوار والتبادل والتلاقح مع الحضارة الغربية تلك الروح الشريرة – من منظورهم- التى اجتاحت الخطاب الإصلاحي عند محمد عبده والأفغاني وسيد خان ووصفها الندوي بروح التغريب والتجديد، فيرى أن مهمة الإسلام ليست في استيعاب الغرب ومنجزاته المدنية بل في الهجوم عليه باسم عالمية الإسلام، والتصدى للإصلاحيين بوصفهم ثمار للتوسع الإيديولوجي للغرب في الوعي الإسلامي، فتكونت الإخوان المسلمون في الشرق العربي ردا إسلاميا على أمثال محمد عبده، وتشكلت الجماعة الإسلامية في الهند علي يد أبي على المودودي والتى رأت في النزعة الإصلاحية الإسلامية عند السيد أحمد خان خطرا يُهدد  الإسلام.([5])

فرؤية الندوي للغرب لا تختلف عن رؤية مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا القائمة على الاستئصال والاستبدال، فالإسلام تمكينه واستخلافه مرهون باستئصال سلطان الغرب، فالجماعة بوصفها مجسدة لدعوة الإسلام في القرن العشرين([6]) ليست مدعوة لهداية الغرب بل إلى إخضاعه لرسالة الإسلام العالمية، دعوة لا تقف عند حدود الحكمة والموعظة الحسنة بل استرداد مُلك، واستعادة امبراطورية قديمة “الأندلس وصقلية والبلقان وجنوب إيطاليا وجزائر بحر الروم، كلها مستعمرات إسلامية يجب أن تعود إلى أحضان الإسلام. ويجب أن يعود البحر الأبيض والبحر الأحمر بحيرتين إسلاميتين كما كانتا من قبل. ولئن كان السنيور موسوليني رأى من حقه أن يعيد الامبراطورية الرومانية، وما تكونت الإمبراطورية المزعومة قديما إلا على أساس المطامع والأهواء، فإن من حقنا أن نعيد مجد الإمبراطورية الإسلامية.”([7])

استشهد البنا بفاشية موسوليني على فاشية إسلامية يدعو إليها الإخوان، ويرونها حقا مشروعا، بل فريضة إسلامية، ويرى أن محاولات موسولينى استعادة الإمبراطورية الرومانية تضفى مشروعية على فكرة استعادة الإمبراطورية الإسلامية -من خلال تنظيم الإخوان المسلمين- التى تمثل الحلم الإخواني المعروف بأستاذية العالم، ويحمل خطاب البنا نوعا من الخلط إحدى إشكاليات الخطاب الإسلامي عند الجماعات على نحو ما ستوضح الدراسة، فهو يخلط بيد الدعوة بالكلمة شأن الجماعات الدعوية والوعظية والتغيير بالسلاح وسيلة الجماعات الجهادية، فالبنا يتحدث عن إخضاع أوربا، فيتقارب مع الجماعات الجهادية في سعيهما لإقامة دولة إسلامية كبرى بمفهوم الإمبراطورية أو الخلافة وسيلته قوة السلاح جهادا متجاوزا حدود العمل الدعوي القائم على الحكمة والموعظة الحسنى إلى الإخضاع والقهر.

وبهذا الطرح الإخواني لفكرة الدولة العظمي الإمبراطورية الإسلامية في مواجهة إمبراطوريات العصور القديمة تعيش الإخوان خارج دائرة عصرهم وزمنهم في عصور صراع الامبراطوريات.. تعيش حلم قداسة وتنزيه التاريخ الإسلامي، وكأنه تاريخ صنعه الإسلام النصي المعصوم، وليس تاريخا صنعه المسلمون بلا عصمة أو قداسة.. نظرة الجماعة المتعالية على الغرب تنطلق من نقطة خارج حدود عالمها المعاصر مرتدة إلى حلم الماضي منفصلة عن مكونات الحاضر، ساعية الى مستقبل ليس فى نقطة زمنية آتية بل في نقطة زمنية ماضية حيث كان صراع الامبراطوريات، فتصطدم مع الخط الزمني الطبيعي للبناء والتطور، فالخط الزمني للإخوان ليس متجها إلى لأمام بل راجع إلى الخلف.

وهذا “الإحساس السائد لدى الخطاب الأصولي بجبروت الإسلام وعالميته وقيادته ليس في الجوهر إلا تمويها أيديولوجيا للإحساس بالضعف والقهر والهامشية، يحول مركب القهر إلى مركب قوة ومركب الضعف إلى مركب جبروت، ومركب الاغتراب إلى مركب سيطرة ومركب الهزيمة إلى مركب انتصار من هنا يسيطر على الخطاب الأصولي وعي مؤامراتي يُصور العالم كله منخرطا في مؤامرة مخططة ومرسومة ضد الإسلام.”([8])

ويتحول الصراع مع الغرب إلى رفض وهدم لنموذج الدولة المدنية الحديثة الذى انجزه الغرب، فيصبح مرفوضا ليس لشئ إلا لكون المنشأ غربيا، فعقلية الجماعة ترى أن”الإسلام والمدنية الغربية -وهما يقومان على فكرتين في الحياة متناقضتين تماما- لا يمكن أن يتفقا”([9]) يأتي هذا فى كتابات منظري الإسلام السياسي متمثلا في الإخوان أبرز جماعات الإسلام السياسي في إطار التنظير دون أن يتجاوزه إلى التطبيق المعلن؛ لأنهم لما يصلوا بعدُ إلى مرحلة التمكين، بينما رأيناه واقعا عمليا في تطبيق الجماعات الجهادية من أمثال داعش ومن قبلها تنظيم القاعدة في أفغانستان التى امتزج على أرضها دم العربي وغير العربي فى ملحمة تحريرها من الاحتلال السوفيتي، تلك الملحمة التى تغنى بها الإسلاميون حينها، وحشدوا عاطفة المسلمين خلفها في حرب جهادية إسلامية مقدسة، ثم انقسموا، وتصارعوا، وانتهى الأمر بهم إلى سيطرة طالبان معلنة دولتها الإسلامية؛ لتقدم واقعا عمليا للدولة من منظورها الإسلامي يتنافي مع واقع الدولة المتطورة الحديثة، فخاصمت النموذج الغربي للدولة، ووثبت إلى الخلف مستدعية ممارسات قديمة في نظم الحكم أضفت عليها قداسة الدين مغفلة أن نظم حكم الدول -في عمومها- منجز حضاري متطور يأخذ فيه المتخلف عن ركب الحضارة من المتقدم، فرأوا فى الذهاب للانتخابات لاختيار ممثل الشعب في مجلس نيابي أو لاختيار رئيس الدولة بدعة محرمة ليست من الإسلام، وأن تحديد مدة حكم رئيس الدولة حرام لم يفعله النبي –صلى الله عليه وسلم- أو الصحابة، وأن الشورى تختلف عن الديمقراطية، وأن القول بإلزام الشورى مخالف للإسلام، ومنعت جميع النساء من العمل والذهاب للمدارس، وغير ذلك من الممارسات التى رأتها ممارسات للدولة في نموذجها الغربي، ورأت أن سبب فشل الحركات الإسلامية في العصر الحديث قبول إقامة الإسلام في شكل دولة ليست من الإسلام، فجعلت السوابق العملية لممارسة الحكم في عقود الإسلام الأولى لها صفة الإلزام التشريعي، متجاهلة أنها كانت اجتهاد بشري محدود بزمانه ومكانه، فلما تغيرت بيئته الزمنية والمكانية تغير ما بُني عليه، فأنظمة الدولة متغيرة لا تعرف الدوام، متحركة لا تعرف الثبات متطورة تبعا لتطور الحياة البشرية والنمو المعرفي، فلم يكن فعل النبي –صلى الله عليه وسلم- في بعض شؤون الدولة -وهو جزء من سنته- ملزما للصحابة، وخالفه أبو بكر وعمر بن الخطاب –رضي الله عنهما- تبعا لما استجد من متغيرات في الدولة في عصريهما، فاستحدث أبو بكر بيت مال للمسلمين (الخزانة العامة للدولة) لم تكن في عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وجعل أبا عبيدة بن الجراح –رضي الله عنه- أمينا لها، ولم يُقسم عمر بن الخطاب أرض العراق بين الفاتحين كما قسَّم النبي –صلى الله عليه وسلم- خيبر بعد فتحها بين المقاتلين، ورأى عمر أن الأصلح في زمنه غير ذلك، وجادله كثير من الصحابة في ذلك، ولاسيما أن رأى عمر يخالف ظاهر عموم آية سورة الأنفال: “واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه” (الأنفال:41)

وقال عمر في ذلك: رأيت أمرا يسع أول الناس وآخرهم، وقال أتريدون أن يأتي آخر الناس وليس لهم شيء؟! أي أنه راعي مصلحة الأجيال القادمة، محققا التكافل بين الأجيال، فلا يستمتع جيل على حساب جيل أو أجيال لاحقة، وعلل ابن قدامة الاختلاف بين صنيع عمر وصنيع الرسول الكريم بأن النبي –صلى الله عليه وسلم- فعل ما هو الأصلح في زمنه، وعمر فعل ما هو الأصلح في زمنه.

ونقل عمر بعض أنظمة الفرس والرومان في بناء الدولة، فكان ديوان الخراج والجند، مؤكدا بذلك أن هناك مساحة كبيرة في الدولة هي من أعمال التمدن والعمران والحضارة تتبادل فيها الدول الخبرات، وتتناقل النظم، وينقل اللاحق عن السابق، فلا مكان للانغلاق والجمود في الدولة من منظور الإسلام، فمتى تجمدت الدولة انتهت وتلاشت..([10])

(2) المركزية المطلقة

يقوم فكر الجماعات الإسلامية ويتأسس خطابهم على ادعاء مطلق بتملك الحقيقة الكاملة، والاستحواذ على جميع تفاصيلها، متمثلة في الإسلام الصحيح الذى يدعون إليه، ويقومون على أمره، وتتلاشى المسافات بين النص وفهم النص؛ ليصبحا شيئا واحدا، وتذوب الفواصل بين المسلمين وبين الإسلام، فالجماعة هي الإسلام، فلا عجب أن يُطالعك البنا بعنوان في رسالته إلى الشباب

“دعوة الإسلام في القرن العشرين أو دعوة الإخوان المسلمين”([11])

هكذا جاءت صياغته الإسلام أو الإخوان مترادفات دلالية، وتراها في قوله: “سيقول الناس ما معنى هذا وما أنتم أيها الإخوان؟ إننا لم نفهمكم بعد، فأفهمونا أنفسكم وضعوا لأنفسكم عنواناً نعرفكم به كما تعرف الهيئات بالعناوين، هل أنتم طريقة صوفية؟ أم مؤسسة اجتماعية؟ أم حزب سياسى؟ كونوا واحداً من هذه الأسماء والمسميات لنعرفكم بأسمائكم وصفتكم، فقولوا لهؤلاء المتسائلين: نحن دعوة القرآن الحق الشاملة الجامعة، وطريقة صوفية نقية، وجمعية خيرية، ومؤسسة اجتماعية، وحزب سياسى نظيف، وقد يقولون بعد هذا كله مازلتم غامضين فأجيبوهم: نحن الإسلام.”([12])

وتتحول الجماعة بوعي أو لا وعي –بهذا الخطاب- من كونها مجرد مجموعة من المسلمين إلى كونها مركز الإسلام ومحوره الذي ينبغى أن تدور في فلكه الأفراد والمجتمعات بل وينبغى أن تذوب فيه الدول يومًا ما.

فالدنيا تنتظر الإخوان بوصفها المخلص –وفق رؤية مؤسس الجماعة- “العالم كله حائر يضطرب، وكل ما فيه من النظم قد عجز عن علاجه ولا دواء له إلا الإسلام، فتقدموا باسم الله لإنقاذه، فالجميع في انتظار المنقذ ولن يكون المنقذ إلا رسالة الإسلام التى تحملون مشعلها وتبشرون بها.”([13]) وهنا خلط بين الرسالة بمفهومها النصي قطعي الدلالة قطعي الثبوت المُسلم له بالقداسة والعصمة، وبين فهم الجماعة البشري للرسالة الذى يصيب ويخطئ ويمتلك حلولا ويعجز عن بعضها، فما تقدم جماعة كالإخوان ليس الإسلام بل فهمهم للإسلام.

وبادعاء الجماعة امتلاك الإسلام يُصبح لها حق الوصاية على المجتمع، ويشعر أفراد الجماعة بحالة من التمايز بالإسلام عن المسلمين، فكما يقول البنا “نحن أيها الإخوان ولا فخر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه منزلتكم فلا تصغروا أنفسكم فتقيسوها بغيركم… ما عليه القرآن فهذا هو الإخوان.”([14]) فالجماعة تنطلق من ثقافة التفوق والتميز باعتبارهم ممثلي الحقيقة المطلقة، فتنظر إلى غيرها من القيم والنسق الفكرية نظرة احتقار واستصغار، فهم الإسلاميون الساعون دون غيرهم من المسلمين إلى إقامة الدولة الإسلامية في مفهومها الشامل، أما غيرهم من المسلمين فلديهم قصور ديني في الفهم والتطبيق، يكفيهم تقصيرا أنهم لما ينخرطوا في الجماعة الساعية إلى إقامة دولة الخلافة وأستاذية العالم، ومادام هؤلاء المقصرون من المسلمين في حالة غفلة عن إسلام الدولة، فالأمر يستوجب حالة من التوجيه الذى يتفاوت بين خطاب ناعم رقيق معلن، وخطاب تمييزي حاد في الغرف المغلقة يحفظ لأبناء التنظيم خصوصية تمنعهم من التلاشي فى المجتمع، ويتولد شعور خفي غالبا معلن حينا بالوصاية على المجتمع، ويلقن أبناء جماعة الإخوان بشكل واضح في مقراراتهم الثقافية الأسبوعية تحت عنوان (إرشاد المجتمع)([15]) أنه عليهم دون غيرهم واجب النهوض بأمر الدين واستنهاض همم هؤلاء الغافلين من أبناء الدين الإسلامي.

فالجماعات الإسلامية ترى نفسها حركات البعث الإسلامي، وخطابها خطاب الصحوة الإسلامية في زمن موت وغفلة المسلمين، فكما يقول سيد قطب: “نقطة البدء الصحيحة في الطريق الصحيحة هي أن تبين حركات البعث الإسلامي أن وجود الإسلام قد توقف، هذا طريق، والطريق الأخرى أن تظن هذه الحركات لحظة واحدة أن الإسلام قائم وأن هؤلاء الذين يدَّعون الإسلام ويتسمَّون بأسماء المسلمين هم فعلا مسلمون. فإن سارت الحركات في الطريق الأول سارت على صراط الله وهداه، وإن سارت في الطريق الثاني فستسير وراء سراب كاذب تلوح لها فيه عمائم تحرِّف الكلم عن مواضعه وتشتري بآيات الله ثمنا قليلا وترفع راية الإسلام على مساجد الضرار.”([16])

وتترسخ بذلك رؤية أحادية في التعاطي مع قضايا الواقع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فهم يمتلكون الحق مكلية حصرية، لا تتجاوزهم إلى غيرهم، فلا مكان لنسبية الحقيقة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فمفهوم النسبية لا وجود له في دوغمائية الجماعة، فطرحهم ورؤاهم قطعية لا ظنية احتمالية، وهم من الإسلام في موضع الإحاطة المطلقة التى لا مكان فيها لأي نسبية، إذ يلتبس فهمهم للإسلام بالإسلام، فيختلط الاجتهاد والرأي البشري بالنص القطعي، فيغفلون حقيقة أن طرحهم للإسلام ليس سوى إعمال عقلهم في فهم الإسلام، وكل ما ينتجه العقل هو نسبي وليس حقيقة مطلقة.

ويترتب على التمركز والتمحور حول الذات ممثلة الإسلام الصحيح حصريا، والناطقة الوحيدة باسم الحق حالة من الجمود في الفكر وتوقف حركة التغيير والتطوير، وغياب التعددية، فلا مجال مع الحق الثابت إلى النقد العقلي، أو الاجتهاد الفكري، وتغدو الجماعة بتشرنقها داخل التنظيم قادرة على البقاء عاجزة عن النمو، يُحكم التنظيم سيطرته مغرقا أفراده في غيابات بئره المظلمة، حريصا ألا يبدد ظلمة جموده نور معرفة، فيغيب شعاع المعرفة اللازم لبناء ضوئي لا غنى عنه لنمو الكيانات البشرية كما تنمو النباتات على أشعة الشمس، فلا تقبل الجماعة أي تلاقح فكري يمكنها من إجراء مراجعة أو تعديل مسار.

وهذه الحالة من المركزية في خطاب جماعة كالإخوان المسلمين دفعها إلى إقامة تنظيم شمولي يمارس الدعوة والفن والاقتصاد والحزبية والإحسان (البر) ظنا منها أنها تقدم بذلك نموذجا شموليا صحيحا للإسلام، بينما تحولت الجماعة بهذه المركزية إلى تنظيم شمولي صاحب سلوك استبدادي يسعى إلى السيطرة الشاملة على قواعده ولجانه من خلال قيادة مركزية ساعية من خلال الجماعة إلى السيطرة على مفاصل الدولة متى أتيح لها ذلك بدافع من نية حميدة مفادها إرضاء الله بنشر الإسلام الصحيح وإقامة الدولة الإسلامية، وتحرص قيادات الجماعة على التأكيد والترديد لهذا الدافع الديني كي تلهم قواعدها التنظيمية طاقة روحية للمضي فى الطريق الذى رسمه لهم قادتهم، فيفسدون شمولية الإسلام للدنيا والآخرة باعتقادهم أن المجتمع هو الدولة، وزعمهم الباطل أن الإسلام حاضر في جميع تفاصيل الدولة، وأنهم يمتلكون هذه التفاصيل، وشعارهم الإسلام هو الحل، ويتحول ما تقوم به الجماعة من تطبيق شمولي للإسلام في ذهن العامة إلى منتج مكتمل التصنيع يعلوه ختم صناعة إلهية، وهنا يفقد المجتمع -في ظل طرح الجماعات الإسلامية- التدافع والتنافس الطبيعي للتغيير والتطوير، وتصبغ الدولة بصبغة واحدة هي صبغة تنظيم الإخوان، أو تنظيم الدولة الإسلامية، بلا مراجعة أو مقاربة أو منافسة.

(3) الانعزالية

التمركز حول ذات الجماعة الخيرة في مواجهة إطلاقية الغير الشريرة يُكرس تدريجيا لعزلة نفسية داخل عالم الجماعة التى تمثل بيئة الإسلام النقي المشبع بمشاعر الغيرة على الدين في مواجهة عوالم أخرى من ناقصي الإسلام والمنافقين وغير المسلمين من أعداء الأمة،  فيستدرج أتباع الجماعة إلى كهف العزلة، وهم بين الناس، فتتشكل ثقافتهم من مصادر المعرفة المعتمدة عند جماعتهم، وتتكون علاقاتهم الاجتماعية في محيط الجماعة أو بدافع منها، يتعايشون في أسرٍ أو خلايا داخل الجماعة يجمعهم عدد من اللقاءات الأسبوعية والشهرية، وينظم علاقة الفرد بالجماعة نقيب أو مسئول يمثل القائد والأب والأستاذ والمثل الأعلى للمجموعة التابعة له، ويمثل السمع والطاعة للنقيب أو المسئول ذروة السلم الذى ينتظر من المجموعة التابعة للنقيب أن تصل إليه، فكلما استسلم الفرد لسلطان الجماعة على سائر حياته، ازداد الفرد نضجا تنظيميا، فيشترط البنا على الأخ المراد ترقيته إلى صفوف الإخوة العاملين فى رسالة التعاليم المتضمنة لأركان بيعة الأخ العامل: “أن تحيط القيادة علما بكل ظروفك. وأن تكن دائم الاتصال الروحي والعملي بها، وأن تستأذن فى كل الخطوات الهامة، وأن تعتبر نفسك دائما جنديا في الثكنة تنتظر الأمر”([17]) ويسأل البنا في رسالته الأخ المقبل على البيعة “هل هو مستعد لاعتبار الأوامر التى تصدر إليه من القيادة –في غير معصية طبعا- قاطعة لا مجال فيها للجدل ولا التردد ولا للانتقاص، ولا للتحوير؟ هل هو مستعد لأن يفرض فى نفسه الخطأ، وفى القيادة الصواب إذا تعارض ما أمر به مع ما تعلم في المسائل الاجتماعية التى لم يرد فيها نص شرعي؟ هل هو مستعد لوضع ظروفه الحيوية تحت تصرف الدعوة (الجماعة)؟ وهل تملك القيادة فى نظره الحق فى الترجيح بين مصلحته الخاصة ومصلحة الدعوة (الجماعة).”([18])

ويشترط البنا أيضا “أن يُكثر المطالعة في رسائل الإخوان المسلمين، وجرائدهم ومجلاتهم.. أن يتخلى عن صلته بأي هيئة أو جماعة لا يكون الاتصال بها في مصلحة الدعوة، وبخاصة إذا أمرت بذلك.. أن تقاطع كل محكمة غير إسلامية، فلا تذهب إليها إلا مضطرا، والأندية والصحف والجماعات والمدارس والهيئات التى تناهض فكرتك الإسلامية مقاطعة تامة.. أن تعرف أعضاء وحدتك فردا فردا معرفة جيدة وتعرفهم بنفسك معرفة تامة، وتؤدي حقوق أخوتهم كاملة.. أن تحافظ على الأوراد الإخوانية وألا تقصر في أدائها إلا لضرورة قاهرة.”([19])

فالجماعة تختار مصادره المعرفية، وتحدد إخوانه، فتشبع عاطفته، وتشكل عقله، فيعيش الإخوان بين الناس إلا أنهم في انعزال فكري وشعوري يحميهم من عدوى التخلى عن الإسلام في فهمه الشامل الصحيح الغير سائد في المجتمع، معتقدين أنهم العقلاء في عالم الجنون، الأصحاء في دنيا المرض..

ويصبح الانعزال ضرورة عند سيد قطب لبقاء الجماعة المسلمة التى تهيئ نفسها بذاك الانفصال عن المجتمع لإقامة دار الإسلام فيقول: “أنه لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها العذاب إلا بأن تنفصل عقيدياً وشعورياً ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها حتى يأذن الله لها بقيام دار إسلام تعتصم بها، وإلا أن تشعر شعوراً كاملاً بأنها هي الأمة المسلمة، وأن ما حولها ومن حولها ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيه جاهلية وأهل جاهلية”.([20])

ولا يستثنى من الانعزال المسجد، فمساجد المسلمين صارت مساجد ضرار لا تختلف عن معابد الجاهلية، فيقول: “يرشدنا الله إلى اعتزال معابد الجاهلية، واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح، وتزاول بالعبادة ذاتها نوعاً من التنظيم في جو العبادة الطهور… اعتزال الجاهلية نتنها وفسادها وشرها ما أمكن في ذلك، وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها، لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها، حتى يأتي وعد الله لها.”([21])

تلك الحالة من الانعزال والمركزية تصنع نوعا من الجمود يؤدي إلى حالة من الانشقاقات والانشطارات المتعاقبة لتلك الجماعات قديما وحديثا، فجسم الجماعة الصلب المتجمد لا يتمتع بأي قدر من مرونة تعاطى الأفكار أو مدارسة فكر المختلف ليس من خارج الجماعة بل من داخلها، فمن يملك فكرا مختلفا عليه أن يرحل مع فكره، معلنة عبارتها الشهيرة التى يرددها أبناء الصف الإخواني “الدعوة تنفى خبثها” وحقيقتها “التنظيم ينفي خبثه” وكأنها النار التى تجلى الصدأ عن الحديد، فأي محاولة للتفكير هي شهوة تتجه بصاحبها بعيدا عن الحق الذى استقرت عليه الجماعة، فالعقل الشجرة المحرمة فى جنة الجماعة، وإذا كانت الجماعة ممثلة الحق، فكل من يخالفها ممثل الباطل الذى يجب أن يقف بعيدا عن الحق في مربع العداوة، فالأمور بين البياض والسواد بلا ألوان أخرى، فلا مجال لتعددية قيمية في فكر الجماعات، وهذا يفسر الحالة الانشطارية للجماعات الإسلامية قديما وحديثا، وتعدد أسمائها، وإن احتفظت مع تلك الانقسامات بكون خطابها الأكثر حشدا، وأتباعها الأضخم أعدادا إلا أنه تضخم المرض، فتضخم جسد الجماعات ليس نموا صحيا بل سمنة ركود تذوب متى رفعت الجماعات عن رأسها قبعة شعارات الإسلامية والحاكمية ذاك الصراخ الذي يحتشد حوله بعض الناس؛ متى توقفت الجماعة عن تقديم نفسها كمرادف للدعوة الإسلامية –كما نرى في نصوص مؤسسها- ستصبح تنظيما بأفكار بشرية يقدم فهمه للإسلام، وليس هو الإسلام، وساعتها يُختبر حجمها الحقيقي.

قد يحاول البعض من داخل الجماعة إسماع هذا الجسد المنعزل عن الأصوات الخارجية صوت النقد والمناقشة والمراجعة والتقييم إلا أن الجماعة تسارع برأب الصدع، ونفي الخبث المنشق في عمليات تطهير متعاقبة، فالجماعة لا تميز بين النقد بالدال، والنقض بالضاد، فأي محاولة تقييم ومراجعة داخل فكر الجماعة هي محاولة انشقاقية؛ فالجماعة تحدد بدقة المُدخلات المعرفية لعقول أتباعها الذين يتم تربيتهم تنظيميا وليس إسلاميا، فمصطلح التربية الشائع فى لغة الجماعة ينصرف –فى حقيقته- إلى التربية التنظيمية وفق السمع والطاعة والثقة والعمل الحركي لتنفيذ تكليفات الجماعة أكثر منه تربية روحية وأخلاقية واجتماعية، فالغاية التربوية المنشودة في الأخ هي الالتزام بواجبات الجماعة، ولائحتها الداخلية، وليس القانون العام، وواجبات وطن انفصل عنه، وهو مازال يعيش فيه، فتركز جماعة الإخوان المسلمين على رسائل البنا وتفسير الظلال وبعض كتابات أبناء الصحوة الإسلامية مما راجعته الجماعة؛ لتجمع أبناء الجماعة على معين فكري صافٍ لم يتلوث بأفكار دخيلة عليه قد تصيبه بعدوى التفكير والتساؤل.

(4) التكفير الصامت

إمعان الجماعات في تعميق مركزيتها للحق واحتكارها للفهم الصحيح الشمولي للإسلام أوصل أتباعها إلى حافة هوة التكفير، فأمسك البعض نفسه عن السقوط مكتفيا بوصف المجتمع بأوصاف الغفلة والفسق والضلالة.. وسقط من سقط واصفا المجتمع بالجاهلية والكفر، فالجماعات الإسلامية تشترك في خطاب تمييزي ديني يستتر خلفه التكفير حينا ويظهر حينا آخر تبعا للمناخ العام، فتنشط جينات التكفير في جسد الجماعات فى أوقات المواجهة وأزمنة الصراع، فحين تطلق الجماعات النفير العام لمواجهة خصومها الذين تراهم أعداء الإسلام يكون التكفير إحدى أدوات المعركة، وإن تغيرت أسماء الجماعات قديما وحديثا إلا أنه ظل التكفير أصل الداء، وكما تكفر بعض الجماعات بذنب أحدثته تكفرك جُلّ الجماعات برأي اجتهدت فيه ما دام خالفهم، فهم الصواب والحق والدعوة والإسلام، كل هذه المفردات صارت لها دلالة واحدة تجسدت فيهم، وأصبح الخطأ والباطل والكفر في مخالفيهم.

وفي الوقت الذى كافئ الله المجتهد أصاب أم أخطأ تأكيدا على قيمة إعمال العقل في المسكوت عنه أو ما يحتمل أكثر من دلالة من النصوص، فقال النبي –صلى الله عليه وسلم- “من اجتهد فأصاب له أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر” عاقبت جماعات التشدد المجتهد فكفرت قديما عليا وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو -رضى الله عنهم- وفسّقت جماعات الإسلام السياسي مخالفيها حديثا، ولم تميز عقولهم كون الاختلاف حول مسألة طارئة ليست من العقيدة، وأنه محض اجتهاد في الرأي في أمر عملي يتعلق بالسياسة، غير أن أفكارهم كحمم البركان في تدافعه، سرعان ما تنتقل من سيء إلى أسوء، فتحوّل الاختلاف في الاجتهاد والرأي إلى اختلاف في الدين، فإذا به كفر يستوجب الاستتابة، ثم حرب وقتال ودم، هذه ذروة سنام الإسلام في فهمهم إنه الجهاد، وما عداهم قاعدون عن تلك الفريضة.

فالجهاد عندهم هو حرب مخالفيهم في الرأي الذى جعلوه الإسلام، فخطاب التطرف يختلط فيه الرأي، والاجتهاد الظني بمقطوع الإسلام الثابت يقينا، فجعلوا بذلك اجتهادهم مقدسا، وتحول رأيهم إلى مسلمة يجب قبولها، ومعلومة من الدين بالضرورة لا ينكرها مسلم، وأصبحت قضيتهم قضية عقائدية، لم يكفر الله مجتهدا بخطأ إلا أن هذا لم يُعف الصحابة الكرام من الكفر قديما، ولم يعف مخالفى الجماعات حديثا، فهم –من منظور الجماعات- لديهم مشاكل في فهم صحيح الإسلام الذى يملكونه، فلا عجب أن تردد الجماعات قديما وحديثا “نحن الإسلام” يتحدثون باسمه، وينافحون عنه أعدائه، فمن ليس معهم وهم الإسلام صار عدوا للإسلام، تستباح دماؤهم في فقه بعض الجماعات التى أعلنت تكفيرهم، وأصبحوا أعداء الإسلام وخصومه بديلا لألفاظ التكفير في لغة بعض الجماعات، فكل مخاصم لتنظيم الإخوان –مثلا- مخاصم للفكرة الإسلامية معادي لها..

ومن الألفاظ البراقة والكلمات الرنانة التى استولت على عقول ومدارك أبناء الجماعات قديما وحديثا “الولاء والبراء” الولاء لجماعة المؤمنين ومناصرتها، والبراءة من مخالفهم فدفعتهم للتكفير واستباحة دماء الخصوم بألفاظ الإيمان ودعوى لا حكم إلا لله، مثل “اليعقوبيين الذين ارتكبوا أقسى الفظائع في الثورة الفرنسية، فقد استولت على هؤلاء الفاظ الحرية والإخاء والمساواة. وباسمها قتلوا الناس وأهرقوا الدماء.”([22])

واستهوى الجماعات فكرة البراءة من مخالفيهم تعلنها الجماعات الجهادية، وتسرها جماعات العمل السياسي، ورأت ما رآه الخوارج قديما أن عدم البراءة تفويضا للحاكم، ومتابعة له في ظلمه، ومشاركة له في جرمه، وقد استولت فكرة البراءة على أفهامهم ومداركهم استيلاء تاما، فلا يرون أي حوار، أو طريق للحق يمكن أن يسلكوه مع من سكت عن الظلم، ولم يعلن براءته منه، فقديما رأوا أن من لم يعلن براءته من عثمان وعلي ومن تبعهم من الصحابة صار شريكا لهم فيما رأوه ظلما، أصبحوا به خارجين عن الإسلام، فلا يصحّ إسلام العبد حتى يكون تبعا لأفكارهم، ولا يكتمل إيمانه إلا بالعمل بين صفوفهم، ولا يتحقق ذلك إلا أن تعلن بداية البراءة من هؤلاء الصحابة الكرام، والظالمين من بني أمية، وأصبح كل حديث دون الحديث عن البراءة من اتباع وتفويض وموافقة هؤلاء الصحابة الكرام، ومن جاء من بعدهم من حكام بني أمية هو حديث لغو لا يقفون عنده ولا يهتمون به، لسان حالهم حدثني أولا في البراءة من فعل الظالمين وإلا أنت شريك لهم في ظلمهم. ولم ينج الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز من حكمهم عليه بالكفر، وخروجهم على طاعته، فرأوه أنه خرج عن جماعة المسلمين المتمثلة فيهم؛ لأنه لم يتبرأ من سابقيه من الأمويين، مع إقرار عمر بن عبدالعزيز بأن أهله من الأمويين ممن ظلم، وعمل على ردّ المظالم التى ارتكبوها إلى أهلها، إلا أنه لم ينطق بكلمة البراءة التى طلبها الخوارج..

وظلت تلك السطحية حاضرة فى فكر الجماعات التى تخوض معارك تطهير دائم داخل صفوفها مؤكدة معانى الولاء فى نفوس أنصارها، ومجددة دوما التبرأ من كل فكرة تخالف فكرتهم التى تمثل صحيح الإسلام، فتحوّل الولاء والبراء على ألسنتهم سيفا تقطع به رقاب مخالفيهم، ففي خطاب الجماعات السياسية مثل جماعة الإخوان المسلمين يكون الاغتيال المعنوي لكل من لا يناصر فكرتهم، وفى خطاب الجماعات الجهادية يكون الاغتيال الحقيقي وإهدار الدم.

دافعهم فى ذلك نظرة سطحية وتفكير منقوص لايرى دوما إلا جانبا واحدا، فالاجتزاء والاقتطاع من النص منهجهم فى الاستدلال، ويغيب عنهم النظرة الكلية والمقصد التشريعي وفقه الواقع، ولعل هذا التمسك بظاهر النص من الخوارج قديما ما دفع عليا –رضي الله عنه- ألا يتطرق إلى النصوص في الرد على الخوارج، لأنهم لا يأخذون إلا بظواهرها، بل كان يناقشهم بعمل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لأن العمل لا يقبل تأويلا، ولا يفهم إلا على وجهه الصحيح، فلا يكون فيه مجال لنظراتهم السطحية وتفكيرهم الذى لا يرى دوما إلا جانبا واحدا.

تلك السطحية، والعجز عن التقييم والمراجعة التى انتجت –حديثا- حالة من التبرير المستمر المزيِّف للأسباب الحقيقية، الملوِّن للواقع بأوهام الجماعة، فأصبح الواقع ما تراه الجماعة بعقلها التبريري، وأدمنت التبرير أداة لمواجهة الأزمات، وتفسير القصور، فإذا كان الكذب إخفاء الحقيقة عن الناس، فإن التبرير هو اخفاء الحقيقة عن الصف الإخواني، فهناك المبرر الأمني الذى يدفع الجماعة إلى إجراءات غير مؤسسية في اتخاذ القرارات، وهناك مبرر التربص والمؤامرة الذي يفسر كل تأخر وجمود، وهناك مبرر الآلام الابتلاءات الذي يبرر السكوت عن أي تطوير أو تغيير، وهناك مبرر الفهم القاصر للإسلام الذي يفسر نبذ هذا أوتكفير ذاك في صمت، هذا التبرير ورّط الجماعة أكثر في مزيد من الأخطاء، وحرمها من التقييم والمراجعة.

فالتبرير حيلة دفاعية يلجأ إليها الانسان لمواجهة أزمات طارئة غير متوقعة، يكون التبرير معها بمثابة تبريد نفسي ذاتي فى مواجهة حرارة الأزمات الخارجية، لكن متى أصرّ عليها الانسان، فيخرج من تبرير الى تبرير يصبح مريضا نفسيا في حاجة إلى عقاقير علاجية.. فماذا عن جماعة عاشت التبرير عقودا من الزمن!!!

مغفلة أن التبرير طريق الشيطان الأول حين أوجد لفعله مبررا، ومسوغا قائلا: “رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض” لم يعترف الشيطان بذنبه، بل نسبه إلى الله، أقر إبليس بربوبية الله لكن نفى أن تكون الغواية من اختياره، بل من لله عز وجل، حرّف إبليس سببية الباء من أسباب الله إلى أسبابه هو، فسكت عن الأسباب الحقيقية، واختلق أسبابا أخرى، اتهم ربه لأنه جعله جنيا يمتلك القدرة على الاختيار بين الخير والشر والهداية والضلال، فالله من منظور إبليس هو الذى أضله لأنه ركب فيه الاختيار.

هكذا يخترع من يمشى في هذا الطريق أسبابا غير الأسباب، في طريق الشيطان أو الجماعة تبدأ من نفسك وتنتهى عند نفسك، ترى القدرة على الاختيار التى ركبها الله فيك؛ عبئا تود أن تتخلص منه بالاتباع والانقياد، تبحث عن الأعذار وتوجد المبرارات لنفسك، فيصبح الخطأ دائما ليس منك بل هي أخطاء الآخرين، فلا تعرف طريقا للإصلاح أو المراجعة.

(5) الانفعالية

القمر يلهمك بنوره ما دام في السماء، فإن وضعت قدمك عليه أدركت حقيقته المظلمة، وبدت لك عتمته وحينها ينطفئ القمر أمام عينيك، النهر يحركك تدفق أمواجه ما دمت على ضفته فإن احتضنتك أعماقه لن تعود.. هكذا دوما يظل الجمال والإلهام والأمنية حية في نفوسنا ما دامت بعيدة نرسمها بخيالنا.. فإن لمسناها صارت شيئا آخر جديدا لم نكن نعرفه من قبل، اسمه الحقيقة..

يرى البعض في الجماعات الإسلامية تدينا مشرقا متألقا من بعيد، يحرك عواطفه كلمات الإسلام التي تتردد على الألسنة، حين تعلو الشعارات المثيرة للانفعالات منها القديم مثل: “إن الحكم إلا لله”، ومنها ما استحدث مثل: “إسلامية إسلامية” “التمكين للإسلام” “الإسلام يخوض معركته ضد أعداء الإسلام” تثير هذه الكلمات انفعالات ومشاعر من ينظر إليها من بعيد، فيظن أن هؤلاء فيهم الأمنية التي يرجوها، وأنهم يملكون ما يبحث عنه، فإذا اقترب منهم -وهو ما زال يملك عقلا يفكر به- تبدد الأمل وضاعت الأمنية ولمس حقيقة العتمة التي تعيشها جماعات التدين، فهم لا يعرفون عن فقه الواقع شيئا، ولا يفرقون بين أصول الإسلام قطعية الثبوت والدلالة، وبين الفروع المختلف فيه المتغيرة في أفهام الناس وواقعهم، جعلوا من أنفسهم مركز الاسلام وحقيقته، فيجب على الناس أن يدوروا في فلكهم، من يقترب بعقله من جماعة الإخوان المسلمين سيجدهم يجيدون تحريك الانفعالات والمشاعر، ويفشلون في تحريك العقول بأفكار ترسم خطوات نحو التغيير، لا يعرفون الاجتهاد الذى يتسع للاختلاف دون تخوين أو تكفير، لا يتقنون أدوار البناء بل يعيشون أدوار الضحية والبكاء والعويل، وتمجيد الأحزان، ترتفع أصواتهم بدعوى المظلومية طلبا للثأر، وتغيب مفردات التعايش والتسامح وقبول الآخر، يتحدثون عن أستاذية العالم وينسون أن أول طريقها ليس تنظيما يقتل الإبداع، ويجمد الفكر بل ملكة نقدية متنامية تجعل العقل في حالة عمل دائم تطويرا وتجويدا، عقل لا يعمل بمدخل بيانات واحد اسمه المصادر الإخوانية بل تتعدد مدخلاته ومصادره، فأنَّى وجدت الحكمة فهي ضالته المنشودة التى يبحث عنها.

من يقترب منهم بعقله سيجدهم يملكون أدوات العيش تحت الأرض متماسكين برباط الخوف والشعور بالمؤامرة، وتحفيز الهمم للمواجهة، لكن لا يملكون العيش فوق الأرض؛ لأنهم لا يتحملون تعددية هي ضرورة من ضرورات الدولة، ولا يتحملون الخضوع للقانون العام، فلهم قانونهم الخاص بعيدا عن قانون الدولة، تعرف بلائحة التنظيم لا تحكم على ظاهر الإنسان بل تحكم على الباطن ولاء وبراء حبا وكرها سمعا وطاعة، جماعة تضعفها أشعة الشمس لأن النور يكشف حقيقتهم جمودا وانغلاقا وتقية، يجيدون التفتيش والمحاسبة للمخالف، ولا يملكون محاسبة قياداتهم، يتهمون الناس جميعا بالخطأ ولا يتهمون أنفسهم، هذا وغيره يدركه من يقترب منهم وهو مازال يملك عقلا يفكر به.

أما من يقترب منهم وقد أخرص عقله، وأطلق العنان لانفعالاته ومشاعره تحركه أينما شاءت، فلن يسمع إلا دقات طبول الحرب المعلنة على خصوم الإسلام، ويرى نفسه جنديا من جنود الإسلام في معركته مع المسلمين الذين أصبحوا –في نظرهم أعداء الإسلام، وهنا داء “التمايز بالإسلام” الذى ارتدّ إلى الأمة من فقه الخوارج حين تمايزوا على عموم المسلمين بالإسلام. فيتحدثون باسم الله والإسلام رغم أن الوحي انتهى بمحمد -صلى الله عليه وسلم- من يقترب من جماعة الإخوان المسلمين بعقله سيجد أنهم قمر انطفئ نوره الزائف، وظهرت حقيقة عتمته، ومن يقترب بمشاعره وانفعالاته فقد قرر أن يسكن أعماق البحر..

فالجماعة تتحدّد مواقفها، وتتشكّل أفكارها تبعا لانفعالاتها وميولها حبًّا وكرهًا، فالتصعيد لدرجات السلم التنظيمي داخل الجماعات محكوم بالولاء للجماعة والبراء مماعداها بما يعمق درجات التبعية للجماعة، فلا يستكمل شروط العضوية إلا من تحققت فيه التبعية الفكرية والوجدانية التامة للجماعة.

وبمنأى عن صوت عقل العضو تتكون قناعاته العاطفية التى تصل به إلى تفويض كامل -تحت مسمى الثقة- لقيادة الجماعة المركزية كي تنوب عنه فى التفكير والتقييم والمراجعة، مكتفيا العضو أحيانا بنقل بعض انطباعاته وأفكاره إليها عبر القيادة الوسيطة دون آلية واضحة للتقييم والمحاسبة من القواعد للقيادات، ثم يكون إنهاك القواعد بالعمل الحركي المستمر محتقرة محاولات التفكير بوصفها حالة من التنظير المؤخِّرة عن العمل، ممتدحة دوما حركية الجماعة تحت مسمى العملية والتطبيق للإسلام، وإن جاءت تلك الحركة دائرية تنتهى إلى حيث بدأت مفضية إلى تكرار الماضى على نحو ما كان من جماعة الإخوان المسلمين في مصر بعد قرابة نصف قرن لتصل إلى النقطة نفسها فى سعيها لإقامة دولتها الإسلامية.

تغيب المقدمات المنطقية التى تصنع النتائج، وتضعف أدوات التفكير من الاستقراء والاستنباط والملاحظة والتجريب، فتأتى النتائج ليس من عمليات عقلية بل حالات انفعالية، ثم تُركّب مقدمات لتلك النتائج بعد ذلك، لتبدو منطقية، ويكون التلقين المعرفي من القيادة والأداء الحرفي من القواعد الذى تتجلى دلالته في كلمة “التعاليم” أهم رسائل البنا، والأكثر مدارسة وتلقينا للإخوة، فاستيعاب تلك التعاليم هو طريق الأخ إلى التوثيق.

ويغيب أي حديث عن بشرية قيادات الجماعة، وما يكتنف أدائها من قصور يحتاج إلى تقييم ومراجعة، فهي القيادة التى ضحت على طريق الدعوة، ومُحصت لتنال تلك المكانة الروحية فى قلوب أبناء الجماعة، ويحل محل الخطاب النقدي التقييمي خطاب استسلامي للنتائج يُروج فيه عبارات التسليم بأقدار الله واختياره، وضرورة ابتلاء الصف المسلم؛ ليتبين الصالح من الطالح، ويردد الفكر التلقيني للجماعة عبارات من أمثال “الابتلاء من سنن الدعوات” فتستسلم القواعد التنظيمية لنتائج لم يتدخلوا فى صناعة قراراتها، ولا يملكون محاسبة صانعيها.

ويسجن أتباع الجماعات أنفسهم فى قفص صنعه لهم غيرهم، يفصلهم عن عالمهم الحقيقي، يمنعهم إسكات صوت عقولهم أن يعيدوا اكتشاف ما حولهم عبر عمليات تفكير حقيقية أداتها العقل وليس العاطفة، العقل الذى حثّنا الله على إعماله تعقلا وتفكرا عشرات المرات في كتابه الكريم، “أفلا تتفكرون” “لعلهم يتفكرون”، فحرّفتها الجماعة -فهْما- إلى “لعلهم ينفعلون”، ففى الوقت الذي تتسابق الأمم إلى تطوير أفكارها وإطلاق حرية التفكير، ما زالت الجماعات الإسلامية ترى التفكير شهوة يجب أن يتعفف عنها القواعد، فتحث أتباعها على الانقياد والتسليم المطلق مرددة مقولة: “لا أذاقك الله طعم نفسك، فإنك إن ذقتها لم تذق بعدها خيرا أبدا.”([23]) وكأن التفكر توجه غريزي يتعين على الإنسان ألا ينساق خلفه، إن صحّ هذا في الحيوان الذى تحركه غرائزه بلا فكر، فلا يتسق مع طبيعة الإنسان العاقلة، فتجريد الإنسان من عمليات فكرية قوامها التقييم والمراجعة والمحاسبة والنقد والإبداع هو دعوة إلى بهيمية الإنسان بتعطيل أهم آلة فيه وهي العقل. وسياق النص الذى قامت باجتزائه المراد به شهوات النفس، وليس مواجهات العقل، فأول الطريق ألا يهرب الإنسان من عقله، ولا يكن تابعا لأفكار غيره مهما كان بريقها وأن يعيد اكتشافها من جديد.

ويظل العقل المفكر متهما دائما داخل أسوار التنظيم، مهددا دوما بالنفي مع صاحبه خارج جنة الجماعة العاطفي، فالجماعة لا تبحث عن الأفكار بل تسعى إلى الشحنات الانفعالية التى تخلق حالة من التمازج بين أفراد الصف، والدافعية لحراك جماعي متأجج بالحماسة يبعث على التضحية، فما أشبه خطاب الجماعة الانفعالي حديثا بخطاب جماعات الخوارج منذ قرون، فعبارات الدكتور محمد أبو زهرة في وصف الخوارج قديما أدق وأصدق تعبير في وصف انفعالية خطاب جماعة الإخوان المسلمين: “أشد الفرق الإسلامية دفاعا عن مذهبها، وحماسة لآرائها، وأشد الفرق تدينا في جملتها وأشدها تهورا واندفاعا، وهم في اندفاعهم وتهورهم يتمسكون بألفاظ قد أخذوا بظواهرها، وظنوا هذه الظواهر دينا مقدسا، لا يحيد عنه مؤمن، وقد استرعت ألبابهم كلمة “إن الحكم إلا لله”([24])

ترتب على تلك الانفعالية وإشعال لهيب الحماسة فى نفوس أتباع الجماعات حالة قديمة حديثة في تاريخ المسلمين هي استهداف الخطر، وحب الفداء للجماعة ظنا أن في ذلك فداء للإسلام، فليس هناك أي حدود فاصلة بين الوسيلة والغاية، فالانفعال وحضور مشاعر الغضب لله –بزعمهم- أوقف العقل وسطّح التفكير، وأشعل لهيب الحماسة لاستهداف الخطر، ظنًّا أن فى ذلك فداء للإسلام، فأصبحت الجماعة ليست وسيلة عمل وأداة تغيير بل غاية مقدسة يجب أن تُصان، فهي النواة والركيزة؛ لإقامة دولة الإسلام، فالموت دون أفكارها وأسرارها موت فى سبيل الله، واعتناق فكر قيادتهم واجتهاداتهم محض إسلام يضحون من أجله، وهذه الحالة أقرب ما تكون إلى بحالة الخوارج قديما التى وصفها الدكتور محمد أبو زهرة بالهوس فى فكر الخوارج قائلا: “ربما كان منشؤه هوسا عند بعضهم، واضطرابا في أعصابهم لا مجرد الشجاعة. وإنهم ليشبهون في ذلك النصارى الذين تحت حكم العرب بالأندلس إبان ازدهارها بالحضارة العربية، فقد أصاب فريقا منهم هوس جعلهم يقدمون على أسباب الموت وراء عصبية جامحة، فأراد كل واحد منهم أن يذهب إلى مجلس القضاء ليسب محمدًا –صلى الله عليه وسلم- ويموت، فتقاطروا في ذلك أفواجًا أفواجًا حتى تعِب الحجاب من ردهم، وكان القضاة يصمون آذانهم، حتى لا يحكموا بالإعدام، والمسلمون مشفقون على هؤلاء المساكين، ويظنونهم من المجانين.”([25])

وهذا لا يختلف كثيرا عن تفسير الدكتور باروت لتلك الحالة عند الجماعات الإسلامية المعاصرة في إقبالها على الموت بقوله: “تقوم آلية المجاهدة الداخلية في الخطاب الجهادي على عمليتي الإسقاط والاجتياف، وهما آليتان تميزان الشخصية الاضطهادية، ففى عملية الإسقاط ينبذ المجاهد ما يعكر نقاءه الروحي المتعصب كحواس الحياة والرغبات في العالم الخارجي الكافر المرتد، في الوقت نفسه الذى يجتاف فيه صورة نقية متحررة من لغو الحياة وتأثيراتها. من هنا يعيش المجاهد حالة من هوس اهتياجي ما بين النزوع إلى الحياة والنزوع إلى كراهيتها ورفضها حيث يقترح الخطاب الجهادي “إحياء مبدأ الجهاد بالنفس واليد الذى يمثل تمويها أيدلوجيا لهذا الهوس.”([26])

ولا يخفي عمق الضرر الذى تكبده المسلمون في تاريخهم قديما وحديثا من جماعات الخوارج على الرغم من مظاهر الإخلاص التى تجلت في هيئتهم، كما وصفها عبدالله بن عباس -رضي الله عنه- حالة الزهد والتعبد التى كان عليها الخوارج حين لقيهم مرسلا من قبل –على –رضي الله عنه- ليناقشهم أفكارهم، فرأى منهم جباها قرحة لطول السجود، وأيديا كثفنات الإبل عليهم قمص مرحضة.([27])

فالمظهر الإسلامي والحرص على الموت ليس دليل حق ولا مؤشر صحة فهم، وليس هذا تفتيشا في قلوبهم، حتى لا نقع فيما وقعوا فيه من نصب محاكم تفتيش لأنصارهم قبل خصومهم يقيسون بها درجة الاتباع والولاء، فلا نشكك في نوايا الكثير من أنصار الجماعات الذى انبهر ببريق شعاراتهم، لكننا نناقش أفكارهم، ونشكك في صحتها، وسلامة فهمهم، فالإخلاص -إن قلنا بوجوده أو نفيه- لا يثبت أو ينفى حقيقة، ولا يثبت صحة فكرة من عدمها، بل الفهم والإعمال الصحيح للعقل هو السبيل إلى ذلك، فالإخلاص بلا فهم هو إخلاص المنحاز إلى فكرته صائبة كانت أو خاطئة، سلمية كانت أو قاتلة، داعية إلى وحدة أمة أو مشرذمة مقسّمة لأبنائها، متى استحوذت الانفعالات استولت على مدارك أصحابها فسددت منافذ المعرفة إلى العقول “حبك الشئ يُعمى ويصم.” وضاعت معها مفاهيم الخطاب الإصلاحي الإسلامي بنزعته العقلية التى ترسى نوعا من التوأمة والحوار ما بين الدين والعقل، والإيمان والعلم، والإسلام والمدنية، وتفرق بين النسبي والمطلق.

(6) بريق الصفيح .. خطاب مختلط

تزين جماعة الإخوان المسلمين خطابها بكلمات رنانة وشعارات برّاقة فإن بحثت في جوهره وجدت خطابا مختلطا تختفي معه الحدود بين المطلق والنسبي، والثوري والإصلاحي، والدعوي والحزبي، والوعظي والجهادي، ويظهر الخلط والتخبط في تداول خطابهم لكلمات مثل الخلافة، الدعوة، الشورى، الأمة..

تختزل الجماعات الإسلامية وفي مقدمتها الإخوان المسلمين أزمة المسلمين في غياب السلطة الدينية المركزية ممثلة في الخلافة، فمن دوافع تأسيس البنا لجماعته، ومن أهدافها الخلافة الإسلامية التى سقطت مع الدولة العثمانية، فخطاب الجماعة لا يخلو دوما من تباكي على فردوس الخلافة المفقود، متجاهلين واقع تلك الخلافة في عهودها المتعاقبة من انتقال للسلطة والحكم بالغلبة والشوكة وصولا للخلافة العثمانية، فالخلافة للأمثل قوة، وليس للأمثل خلقا، تغض الجماعة الطرف عن واقع الولايات تحت حكم الإمبراطورية العثمانية، وما لحق بولاية كمصر من ضرر بالغ على شعبها ولغتها، حيث غُيب التعليم فكانت الخرافة، وضاع العدل والمساواة فكانت السخرة والجباية والتمايز العنصري للأتراك والجراكسة على حساب المصريين، تتحدث الجماعة عن شكلية إسلامية ماثلة في الخلافة، وتسكت عن جوهر الإسلام الغائب في ظلها عدلا وحرية ومساواة، يتجاهلون دوافع الهيمنة والسلطوية للدولة العثمانية في سعيها لتوسع إمبراطوري ينافس إمبراطوريات عصرها، فالخلافة كمسمى ديني، والإمبراطورية والملك كتوصيف تاريخي هو توصيف لطبيعة الحكم في فترة زمنية عاشتها الشعوب قبل ظهور فكرة الدولة القطرية، لا يستقيم اليوم محاولة استعادة نظم حكم الأمس، إذ أن الدولة منتج بشري يتنامى مع تطور المجتمعات الإنسانية.

حديث الجماعة عن ضرورة ووجوب إيجاد الخلافة لا يخلو من خلط بين وجود الإمامة بمعنى حكومة وحاكم تدير أمور الناس وبين الإمامة بمعنى الإمامة العظمى والخلافة، فالإمامة بالمعنى الأول ضرورة عقلية وواجب شرعي، فلا يستقيم أمر الناس والدين بلا حكومة وحاكم، وهذا ما ينصرف إليه مفهوم الإمامة، وليست الخلافة كما رأت الجماعات الإسلامية.

تخلط الجماعات بين شمولية الإسلام لمناحى الحياة، والتطبيق الشمولي للإسلام، فلا يميزون بين أن يتواجد الإسلام كمبادئ في الدولة، وزعم أن الإسلام ينبغى أن يكون حاضرا في كل تفاصيل الدولة، يختلط في خطابهم الإسلام في ثوابته وقداسته بالرؤى والآراء الحزبية المتغيرة الغير مقدسة، فيضفون على فكر قياداتهم سمة الإسلامية، فيتحول بذلك التنافس السياسي إلى معركة وجودية دينية انتصارهم يمثل انتصارا للإسلامية، وخسارتهم تمثل هزيمة للإسلام أمام خصومهم من أعداء الإسلامية، فدائما على الشعوب -من منظورهم- أن تختار بين الإسلام أو اللاإسلام.

ومن مظاهر التخبط في خطابهم أن يجعلون طاعة قياداتهم واجبة شرعية فهي طاعة لله لأن فيها التزام بنتائج الشورى، فقرارات قياداتهم هي نتاج عملية الشورى المباركة داخل الجماعة، متجاهلين أن مبدأ إلزام الشورى قبل أن يكون إلزاما للقواعد التنظيمية برؤية قيادة الجماعة، هو إلزام للقيادة برأي القواعد الذى يقدمه ممثلون لهم تم انتخابهم داخليا بشكل معلن يقوم على شفافية وتنافسية وحرية، وهذا أبعد ما يكون عن واقع اختيار القيادات داخل الجماعات، فمثلا جماعة الإخوان المسلمين تختار قيادتها وفق لائحة غير معلنة بعد تفتيش في نفوس أعضائها عن التبعية والانقياد المطلق للتنظيم، فلا يرقى إلى مصاف الإخوة العاملين الذين تُختار منهم القيادة إلا من استجمع أركان البيعة العشرة بداية من الفهم لفكر الجماعة والذى يُطلق عليه في لغة الجماعة الفهم الصحيح للإسلام والإخلاص، والعمل الحركي داخل الصف، والأخوة وصولا للجندية بالطاعة والثقة والتضحية والجهاد والثبات والتجرد تلك الصفات وغيرها يفتش عنها في باطن الأخ وظاهره، وعليه أن يثبت تحقق تلك الصفات فيه، واستكماله لهذه الأركان بممارسة عملية خلال سنوات متعاقبة مليئة بالتكليفات ومواجهة العقبات والصبر على الابتلاءات.

من ناحية أخرى لا يُمنح ذاك اللقب التنظيمي (أخ عامل) بإفراز حرّ شفاف من القواعد بل بتزكية فوقية من نقيبه ونقيب نقيبه متى إطمأنت نفوسهم إلى استكمال الأخ أركان البيعة، وتمّ اختباره بسلسلة من التكليفات التى تكشف عمق ثقته، وعظيم تضحيته وطاعته، ثم يأتى بعد ذلك شرط الأقدمية التنظيمية للأخ العامل التى تصل إلى خمس عشرة سنة كشرط لترشحه لمجلس شورى الجماعة الذى يُختار منه مكتب إرشاد الجماعة ذروة الهرم التظيمي، وتلك الإجراءات ليست لضمانة وصول الأقدر فكريا وإداريا بل لوصول الأكثر نمطية والأنسب ليقوم بدور الحلقة في سلسلة التنظيم استلاما وتوصيلا، والأقرب لصورة الترس في ماكينة التنظيم بما يحفظ بقاء التنظيم، ويضمن عدم إحداث انشقاقات كبيرة داخله، فالغاية ليس التطوير بل البقاء.

أضف إلى ذلك قصور الشكل والطريقة التى تتم بها الشورى داخل جماعة مثل الإخوان المسلمين، فالشورى تلزم أبناء الجماعة بالنتائج التى تفضي إليها متى كان الشكل والطريقة التي تمت بها صحيحة، وهذا ما لم يتوافر في طريقة إجراء الجماعة للشورى.

فمن المسلمات التشريعية أن شكل وطريقة الشورى من المسكوت عنه، ألزم الإسلام بمبدأ الشورى لكنه لم يلزم المسلمين بشكل بعينه لا تتم الشورى إلا به، ولم يحدد طريقة مثلى لممارستها، فشكلها يتطور ويتغير تبعا لتغاير المجتمعات البشرية وتطورها، فيأخذ المتأخر حضاريا من المتقدم حضاريا كيفية تطبيق هذا المبدأ، كما نأخذ عنه في صناعة الآلة، وتطوير الميكنة، نأخذ عنه آليات ممارسة التعددية وتداول الرأي، ففي الوقت الذى قبلت فيه الجماعة المنشغلة بالسياسة المنافسة على المجالس النيابية وفق قواعد إجراءات وآليات الانتخابات البرلمانية التى أرساها الغرب، ولم تر فيها بدعة، رأت أن الأخذ بتلك الآلية داخل هياكلها على طريقة الغرب ووفق ما يتم في مؤسسات المدنيات الحديثة بدعة لا تصح يجب الاحتراز عنها، فالجماعة قبلت بطريقة الغرب في انتخاب وتشكيل البرلمان، ولم تقبل بطريقة الغرب في انتخاب وتشكيل مجالس الشورى داخلها.

أضف إلى ذلك ما تمثله تلك الصورة التنافسية التداولية للرأي من خطورة على تماسك كيان الجماعة الديني، فجماعة مثل الإخوان تشبه الفاتيكان في حرص كليهما على الابتعاد عن أي حالة تنافسية تُفسد العلاقات داخل الكيان الديني لكليهما، فمثلا طريقة اختيار المرشد لجماعة الإخوان المسلمين لا تختلف عن طريقة اختيار بابا الفاتيكان، فجميع من يحمل رتبة تنظيمية معينة فى الجماعة، ومن حصل على درجة لاهوتية معينة فى الكنيسة، ونال أقدمية محددة هو مرشح دون طلب ترشح، ودون تنافس برامج أو طرح أفكار أو حديث عن رؤى مستقبلية حرصا على الأجواء الدينية هادئة بعيدا عن شحناء، أو بغضاء يسببها التنافس، وتعكر الصفو الروحي للجماعة أو الكنيسة.

فاختيار جماعة الإخوان المسلمين لمثل هذا الشكل من الشورى؛ ليتفق مع غايتهم فى حفظ التنظيم متماسكا، وإن ظلّ جامدا لا يتطور ولا يتغير، فالشورى بهذه الطريقة إنما هي تعبير عن مراد القادة، وليس مراد الله كما تظن القواعد.

وبغياب النقاش والمساءلة والتنافسية يسطح الحوار ويركن الأخ في تنظيم الإخوان المسلمين إلى التواكل والتسليم بعقل الجماعة، وتكون السلبية، فتضيع ثقة الإنسان في نفسه وقدرته لصالح ثقته في الجماعة وقاداتها.

وهنا يأتى التناقض بين ما يصلح لجماعة دينية، وما يصلح لمؤسسة حزبية، فالحزبية السياسية تتطلب ممارسات تنافسية داخلية قبل أن تشارك فى منافسات خارج الحزب، كل يقدم نفسه من خلال أفكاره، ورؤياه للمستقبل، واقتراحاته لتحقيق تلك الأفكار بعيدا عن ترديد شعارات انفعالية حالمة تغيب معها الإجراءات، وطرق التنفيذ العقلي الواقعي، فغاية الشورى استجلاء الأمر ومنافسة العقول بعضها البعض منافسة معلنة حول كيفية الإدارة المثلى لهذا الأمر أو ذاك، فمرددوا شعار (الإسلام هو الحل) حديثا لا يختلفون عن مرددي شعار (إن الحكم إلا لله) فى سطحية التناول والتعاطى مع مبادئ الإسلام..

يغلب على الجماعة في علاقتها بفكرة الأحزاب أن تنحاز إلى المنطقة الرمادية التى لا نعرف فيها ما إذا كانت جماعة وعظية دعوية أم حزب سياسي، فنراها تتعالى بنفسها عن الحزبية، وإن كانت تشارك في المنافسة على السلطة منافسة حزبية سياسية، تدعي  الدعوية لخطابها فتعيش شعورا عاما بالأفضلية والشمولية وامتلاك الحق بما يتنافى مع الحزبية بتنافسيتها وبشريتها التى تحتاج دوما إلى مراجعة وتغيير وتقييم وتطوير مستمر لتقديم حلول وطروحات علمية لتغيير الواقع.

ولننظر إلى جذور تلك الازدواجية وذاك التناقض في خطاب مؤسس الجماعة حين ينحو منحى غريبا برفضه الحزبية مستدلا بقوله تعالى: “إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ” متصورا أن الأحزاب السياسية هي من قبيل التفرق والتحزب الديني المذموم في الآية، قائلا: “الإسلام لا يقر نظام الحزبية ولا يرضاه ولا يوافق عليه.”، “أيها الإخوان لقد آن الأوان أن ترتفع الأصوات بالقضاء على نظام الحزبية في مصر، وأن يستبدل به نظام تجتمع به الكلمة وتتوحد به جهود الأمة حول منهاج إسلامي صالح تتوافر على وضعه وإنفاذه القوى والجهود.” وحين يُعرّف بالجماعة قائلا: “الإخوان المسلمون ليسوا حزبا من الأحزاب يؤيد أو يعارض تبعًا لمصلحة حزبية أو جريًا وراء منفعة شخصية، ولكن الإخوان المسلمين دعوة إسلامية محمدية اتخذت من الله غايتها، ومن الرسول -صلوات الله عليه وسلامه قدوتها ومن القرآن دستورها، ولها برنامج واضح الحدود، ظاهر المعالم، يرمي إلى تجديد الإسلام في القرن الرابع عشر، وصبغ الحياة المصرية بالصبغة الإسلامية، وهيمنة تعاليم القرآن على جميع مظاهر الحياة: من تشريع واجتماع وسياسة واقتصاد، كما يرمى إلى تحرير كل شبر في الأرض فيه نفس يردد: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخيرًا نشر الإسلام ورفع راية القرآن.”([28])

فالبنا يقدم الجماعة ليس بوصفها حزبا، فالحزب -من منظوره- تعبير عن مصلحة شخصية محدودة، فالإخوان أكبر من أن تكون حزبا فهي الدعوة الإسلامية فى القرن العشرين، بما تُقدمه من فهم صحيح للإسلام.. ثم يعود لطرح خطاب انفعالي يثير المشاعر ويحرك العواطف بما فيه من نبرة خطابية، وجلبة إنشائية، ويغيب عنه الطرح الإجرائي العقلي، ثم يعود ليتناقض حين يقدم الجماعة بوصفها صاحبة برنامج فكري تجديدي وعمل دعوي وعظي لتغيير المجتمع ثم يجعلها -فى الوقت نفسه- صاحبة مشروع جهادي يهدف إلى تحرير كل مسلم، بل تسعى إلى توسع جهادي إسلامي.

فكلام البنا يحمل تناقضات فكرية بين خطاب إصلاحي وخطاب جهادي، خطاب وعظي وآخر حزبي، بما يوضح أن إشكالية خطاب الجماعة وُجد منذ التأسيس الأول للجماعة، ويظل هذا التناقض كامنا حتى إذا ما اصطدمت الجماعة بنظام حاكم حدثت حال من الانشطار نتيجة تلك التناقضات الكامنة فى تكوين الجماعة، فنرى جماعات منشقة تتبنى الجهاد خيارا، وترى أن المعركة هي معركة التحرير، وأن الجماعة هي جهادية في فكرتها، وثانية تتحدث عن ضرورة التزام المسار السياسي وترى نفسها حزبا تحت التأسيس، وثالثة تتبنى خطابا وعظيا يدعو إلى تغيير المجتمع بعيدا عن الحزبية والجهادية، وترى نفسها جمعية أو مؤسسة أهلية، ويظل التكتل الأكبر متمسكا بمجموع تلك الخطابات متمثلا فى الجماعة الأم (الإخوان المسلمين).

فتكمن مشكلة جماعة الإخوان فى تناقضها، فهي تريد أن تنافس على الحكم منطلقة من كونها جماعة دينية وليس مؤسسة حزبية، فالأحزاب من منظور البنا “أشكال تقليدية أرغمنا أهل الكفر وأعداء الإسلام على الحكم بها والعمل عليها.”([29])

وحين تجبر الجماعة على تأسيس حزب –تمشيا مع الأعراف السياسية للدول الحديثة في التنافس الحزبي- يدعى مرشدها أنه طفل لما يبلغ الفطام يحتاج إلى رعاية الأم (الجماعة)، فتصنع بذلك واقعا سياسيا غريبا تتنافس فيه الجماعة خلف ستار حزبية لا تؤمن بها، فتخلق واقعا مزيفا لحياة حزبية ينافس فيه الدين الثابت الطرح البشرى المتغير،

وبدلا من أن تؤسس قناعات شعبية ببرامجها الحزبية، تُروج لأحزابها بممارسات الجماعة الخيرية والوعظية.

ويظهر الخلط فى خطاب الجماعات الإسلامية في طريقة توظيف اللغة وكلماتها التراثية الأثيرة إلى نفوس الشباب المتدين، إذ تكتسب اللغة دلالات جديدة في معجم الجماعات ليست من طبيعتها، ولا أصل استعمالها بهدف توظيفها فيما يخدم فكرتهم، فالدعوة الإسلامية في لغة الإخوان يراد بها تارة حقيقة اللفظ قرآنا وسنة، وتارة يراد بها دلالة جديدة هي تنظيم الإخوان المسلمين فمتى تحدثت عن الدعوة فهي تتحدث عن الإخوان، ومتى تحدثت عن الإخوان فالمراد الدعوة الإسلامية.([30]) فالانخراط في الجماعة يُسمى الانخراط في الدعوة، والخضوع لتنظيمها بلائحته هو خضوع للدعوة، وحين يكون الحديث عن مصلحة الجماعة والتنظيم يقولون مصلحة الدعوة، ومن ذلك حديث البنا عن الأخ المستكمل لأركان البيعة بقوله: “هل هو مستعد لوضع ظروفه الحيوية تحت تصرُّف الدعوة؟ وهل تملك القيادة في نظره حق الترجيح بين مصلحته الخاصة ومصلحة الدعوة العامة؟”([31])

وتترادف الدلالة اللغوية لكلمتي الجمود والتماسك في لغة الجماعة مع تباين دلالتهما اللغوية، فالتنظيم يظل متماسكا ما دام متجمدا من منظور قيادات الجماعة، وتتحول البيعة في فكر الإخوان من جذور دلالتها الصوفية حين بايع البنا شيخ الطريقة الحصافية السيد عبدالوهاب؛ لينتقل ببيعته له من المحبين إلى التابعين، ليكتسب اللفظ دلالة جهادية جديدة في معجم الجماعة اللغوي يعبر عنه نص قسم البيعة: “أبَايِعُكَ بِعَهْدِ اللهِ ومِيثَاقِهِ عَلَىْ أَنْ أَكُونَ جُندياً مُخلِصاً عَامِلاً فى جَماعَةِ الإخوانِ المُسْلِمِينَ، وعَلَىْ أَنْ أَسْمَعَ وأُطِيعَ فى العُسْرِ واليِسرِ والَمنْشَطِ والمَكْرَهِ إلاَّ فى مَعْصِيةِ اللهِ، وعَلَى ألاَّ أُنَازِعَ الأمر أهله وعَلَى أنْ أَبْذُلَ جُهْدِى وَمَالى ودَمِى فى سَبيلِ اللهِ ما استطعتُ إِلى ذَلِكَ سَبِيلاً، واللهُ عَلَىْ مَا أَقُولُ وَكِيلٌ.”

فينتقل الأخ بهذه البيعة داخل الجماعة من طور إلى طور، فهي باب لا يدخله إلا من استجمع صفات وحقق شروطا عبر سلم تنظيمي طويل من محب، ثم مؤيد، ثم منتسب، ثم منتظم؛ لينتقل بالبيعة للمرشد إلى مصاف الإخوة العاملين المؤهلين لجهاد التمكين.

ولا تختلف البيعة بدلالتها الجديدة عند جماعة الإخوان عن بيعة الجماعات الجهادية ذات التسليح المعلن منذ أول جماعة خرجت من رحم الإخوان جماعة شكرى مصطفى “جماعة التكفير والهجرة” أو “جماعة المسلمين” الذى يرى البعض أنها كانت امتدادا غير منفصل عن جماعة الإخوان المسلمين.([32]) ووصولا إلى تنظيمات داعش وأنصار بين المقدس وغيرها من الجماعات..

فالجماعات ليست مؤسسات أو جمعيات ذات طابع عام، يمكن لأى شخص في المجتمع أن يشارك فيها، ويتمتع بممارسة العمل من خلالها متجاوزا قواعد بنائها التنظيمي، فتنظيم مثل الإخوان المسلمين له طابع التنظيمات الجهادية في البيعة وضرورة استكمال الأخ  أركان البيعة عبر سنوات من الإعداد ليكون مؤهلا للجهاد حتى التمكين، وكذلك له طابع التنظيمات العميقة الممتدة عبر التاريخ مثل الماسونية في الحيطة والحذر والسرية لأقصى درجات التكتم والتخفي، فيُنشأ الأخ على سماع عبارة: “علانية الدعوة وسرية التنظيم” الذي يأخذ شكل دوائر متصاعدة تتماس من خلال عدد محدد من الأفراد يمثلون وحدة إدارية تنظيمية، وكلما ازاداد التصاعد التنظيمي ضاقت الدوائر وانحصرت نقطة التماس في عدد قليل من الأفراد حفاظا على خصوصية أسرار التنظيم في ذروة هرمه الإداري..

وإذا انتقلنا إلى دلالة كلمة أمة فى معجم الجماعات فسنجد دلالتها واحدة، وهي الدلالة الدينية، فمتى أطلقت كلمة الأمة انصرفت إلى الأمة الإسلامية، فالاتحاد والوحدة تقوم على رباط واحد هو العقيدة الإسلامية، ورفض أي تمايز قومي أو عرقي أو جغرافي، فيقول البنا: “لا نسلم بهذه الاتفاقيات الدولية التى تجعل من الوطن الإسلامي دويلات صغيرة ممزقة يسهل ابتلاعها على الغاصبين، ولا نسكت على هضم حرية هذه الشعوب واستبداد غيرها بها. فمصر وسورية والعراق والحجاز واليمن وطرابلس وتونس والجزائر ومراكش وكل شبر في أرض فيه مسلم يقول: لا إله إلا الله، كل ذلك وطننا الكبير الذى نسعى لتحريره وإنقاذه وخلاصه وضم أجزائه بعضها إلى بعض.”([33])

“حدود الوطنية ليست بالأرض ولكن بالعقيدة، هم يعتبرونها تخوما أرضية وحدودا جغرافية، أما نحن فكل بقعة فيها مسلم هى وطن عندنا، ولكن دعاة الوطنية لا يعنيهم إلا تلك البقعة الضيقة من الأرض… فكان من ذلك أن اتسع أفق الوطن الإسلامى وسما عن حدود الوطنية الجغرافية والوطنية الدموية إلى وطنية المبادئ السامية والعقائد الخالصة الصحيحة.”([34])

فالعالم الإسلامي عنده أمة واحدة رباطها الدين، وليس مجموعة أمم وقوميات تتحد في كيان العالم الإسلامي الواحد، كما عرّفها عبدالرحمن الكواكبي بأنها “اتحاد ما بين مجموعة أمم وقوميات، تقوم فيه كل أمة على أساس روابط جنس ولغة ووطن وحقوق مشتركة.”([35])

ولا يخفى ما يحمله مفهوم الكواكبي من اتساق مع الواقع وحفظا للمواطنة، وصيانة للتعدد العرقي والجغرافي داخل بنية العالم الإسلامي، فلا يصطدم مفهوم الأمة الإسلامية عنده مع مفهوم الأمة المصرية أو المغربية أو غيرها من مفاهيم الأمة القطرية؛ لأن مفهوم الكواكبي يحفظ لكل دولة كِيانها ولكل جنسية هويتها ولكل قطر الانتماء إليه، فلا يُمس داخل بنية الأمة العام، بينما يصطدم مفهوم الأمة عند الجماعات بمفهوم المواطنة -أحد أعمدة بناء الدولة المدنية الحديثة- كصفة انتماء للدولة ترسخ قيمة المساواة، فالفرد لا يُعرف بمهنته أو بدينه أو بإقليمه أو بماله أو بسلطته، وإنما يُعرف تعريفا قانونيا اجتماعيا بأنه مواطن عضو في المجتمع له حقوق وعليه واجبات يتساوى فيها مع جميع المواطنين، فالمواطنة بعيدا عن الاعتقاد أو الدين مظلة اجتماعية وثقافية وقانونية جامعة لأبناء الوطن الواحد.([36])

كما أن مفهوم الأمة عند الجماعات الإسلامية يتحول به المسيحيون وغيرهم من المخالفين في العقيدة إلى أقليات غير مسلمة، تُوصف فى خطاب مؤسس جماعة الإخوان المسلمين بأهل الذمة، والأقليات الدينية([37])، وليسوا مواطنين كاملي الأهلية؛ لأنهم وفق مفهوم الجماعات ليسوا من نسيج الأمة التى تقوم على العقيدة المكون الأول والأخير، وهنا نجد تناقضا بين الخطاب السياسي المعلن بكلمات المواطنة، والخطاب التثقيفي لأبناء الجماعة الغير معلن إعلاميا بأن رباط بناء الأمة هو العقيدة وحدها.

وعلى نقيض خطابهم يأتى خطاب أحد الإصلاحيين عبدالرحمن الكواكبي، فرغم أنه متقدم زمنا عن الجماعات الإسلامية المتأخرة إلا أنه كان أنضج رؤية، وأرحب خطابا، ومع ذلك لم يستفد منه منظري فكر الجماعات، فينظر الكواكبي إلي المسيحيين على أنهم مواطنون متساوون مع المسلمين على أساس “الاتحاد الوطني” دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، فأمثاله من الأصلاحيين هم الأقرب إلى إنتاج الدولة المدنية في صورتها الحديثة من الجماعات الإسلامية، فكما يرى باروت أن الكواكبي فكره إرهاص مبكر بقابلية الإصلاحيين لاستيعاب علمانية الدولة، وأنها لا تتعارض مع الإسلام، فينقل عن الكواكبي قوله الصريح بفصل السلطة الدينية عن السياسية، “دعونا ندير حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الآخرة فقط.”([38])

(7) باب الله الدولة الدينية

“الوساطة” صفة أصيلة في الدولة الدينية (الثيوقراطية) التي عرفتها الحياة في العصور الوسطى في أوربا، فرجال الكنيسة هم من يمتلكون مفتاح باب الله، فلا يستطيع أحد من الناس أن يتصل بربه إلا بوساطة من رجالات الكنيسة.

وهذا ما نكرر جميعا دوما نقيضه “لا دولة دينية في الإسلام”، “لا وساطة في الإسلام”، وتلح الجماعات الإسلامية قديمها وحديثها على التأكيد أنه لا مجال لمثل هذه الوساطة في الإسلام أنكروه بألسنتهم، وأبت أفعالهم إلا أن تقول شيئا آخر نحن الإسلام، نحن الدعوة، نحن الحق، فضاع في خطابهم الفواصل بين الجماعة وبين الإسلام، وبين الأداة والغاية، فيصف خطابهم: أي خصومة مع الجماعة بأنها: “خصومة مع الإسلام”، ويتحدثون عن ترك الجماعة بأنه ترك للدعوة الإسلامية، فالدعوة والتنظيم شيء واحد لا ينفصل، فباتت الوسيلة إلى الفكرة لا تنفصل عنها، وبات تقديس الفكرة هو تقديس للوسيلة، وتجمد الجميع عند نقطة واحدة لا يمكنهم أن يتخلوا عنها قيد أُنملة، الجماعة والتنظيم السري –كوسيلة واجبة- لها قداسة الفكرة الدعوية الاسلامية التي ندعو إليها.

فلا عجب أن يصبح مؤسس تنظيم الإخوان المسلمين حسن البنا صاحب الدعوة الإسلامية في وصف أحد منظريها، مرددا اللفظ عشرات المرات، فهو القيادة الدينية الروحية وليس مجرد قيادة سياسية أو فكرية، فيقول: “سلام على روح إمامنا الشهيد حسن البنا في عليائه ما خفق قلب، وعز حق، وكبر لله لسان، وارتفع للدعوة لواء.. سلام على الرجل الخالد والراعى الصادق الذى تمتد حقيقته بعد موته امتداد النبع الجارى والشعاع السارى والأقدار النافذة.”([39])

وقد اختلف خطاب جماعة الإخوان المسلمين في القرن الرابع عشر الهجري عن خطاب جماعات القرن الأول الهجري في درجة المصارحة مع النفس والمجتمع، فعقل الجماعات المتشدد قديما أعلنها واضحة نحن جماعة الإسلام وما عدانا خارجين عن الإسلام، أما خطاب الجماعات التي تقدم نفسها على أنها تمتلك الحل الإسلامي ما زالت تخفيها، فتعلن دوما أنها جماعة من المسلمين، وليست جماعة المسلمين، في الوقت الذى ضاعت فيه كل الفواصل بين الجماعة والإسلام في التطبيق العملي، فصار في العقل الإخواني–مثلا- تنظيم الإخوان والإسلام في الممارسة شيئا واحدا لا ينفصلان، فأوجدت الجماعة وساطة من نوع جديد مفادها: إذا أردت أنت كمسلم الإسلام دعوة وتطبيقا، فاعلم أنه لن يتم إلا عبر وسيط، وبوساطة تنظيم وجماعة تصبح أنت جزء منها، وتصبح هي كل مسيطر عليك، وهنا تتداخل الأسماء وتلتبس الدلالات، فيصبح من يخرج عن التنظيم الذى يقوم بدور الوساطة بينك وبين الإسلام هو خروج عن الدعوة، وليس خروج عن التنظيم، ويصبح مثل هذا المختلف أو الناقد لأداء تنظيم بشري في عيون التنظيم واتباع الجماعة ليس إلا “خبثا” يجب التخلص منه بإخراجه من جسد الجماعة، فالجماعة تعيش حالة من التطهير الديني الدائم لكل صوت ينطق بغير ترانيم الجماعة المقدسة، فالتلقين لا التفكير أبرز شعارات دينية العصور الوسطى هو الحاضر في فكر جماعة كالإخوان المسلمين حديثا، فالجماعة باب الله لمن قصد دينه، فهمها للإسلام هو الإسلام، وتنظيمها هو طوق النجاة، وطريقها سبيل الله الذى أمر باتباعه في كتابه، تسمعها صريحة في قول مؤسسها في المؤتمر العاشر”نحن دعوة القرآن الحق الشاملة الجامعة، وطريقة صوفية نقية، وجمعية خيرية، ومؤسسة اجتماعية، وحزب سياسي نظيف، وقد يقولون بعد هذا كله ما زلتم غامضين فأجيبوهم: نحن الإسلام.”([40])

فتصبح وساطة الجماعة في شكلها التنظيمي بين أنصارها والمشروع الإسلامي من قبيل وساطة الدولة الدينية، وهي ليست وساطة في اعتقاد أو عبادة بل وساطة تحقيق الخلافة، وامتثال طريق الجهاد، ولا يمكن لمسلم أن يحقق لإسلامه الكمال والصحة المرجوة دون الانتماء إلى جماعة تسلك هذا الطريق وتعمل على تحقيق تلك الغاية، وهم لا يختلفون في ذلك عن الذين “اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله” فكلاهما لم يقل بربوبية قيادته ولا دينية دولته لكنهم أتوا من الفعل ما هو أقوى من القول، ففي الوقت الذى أنكروا فيه فكرة الدينية قولا مارسوا الكاهنوت عمليا وواقعيا.

وفي طريق الدينية تبدأ الجماعات من نقطة الهدم، وليس من نقطة البناء، فيهدم الدنيا لهوانها، وطلبا للآخرة، والحقيقة أن ذاك سببه عجزه عن الأخذ بأسباب البناء فيها تفكرا وتعلما، فما أسهل الهدم، وما أصعب البناء، فيرى في هدم المخالف معنويا أو حسيا هو نصرة للحق والعمل الصالح الذى تُبنى به قصور الآخرة، وتعود صكوك الغفران من جديد لكن باسم مختلف.. فالتنظيم هو من يمنحك طريقا إلى الجنة، ويجسد أمام أنصاره الطريق إلى رضا الله والسعادة الأخروية، فيكون ادعاء ملكية الآخرة ضمنيا في لغتهم يوزعون عطاياها جنة ورحمة لمن يتصدق بوقته وماله ويتحرك سمعا وطاعة داخل التنظيم، ومن يُقتل على طريقها فقد لقي الله في سبيل الله، ولا سواء قتلاهم في الجنة، وقتلى غيرهم في النار.

وتختلف دينية خطاب الجماعات عن التدين الحاضر فى نفوس العامة من المصريين الذين ينظرون للإسلام نظرة خالية من التعقيد والتركيب تتسق مع فطرتهم، وبساطة فكرتهم، فهم يعبدون الله بشعائره المفروضة ويتقربون إليه بنوافله، ويسعى المتدين منهم لتحقيق تدينه بمعاملات يراقب فيه ربه قبل أن يراقب الناس، يجد خطاب التدين الشعبي في الإسلام سلوى له فى لحظات الضعف والفقر والاحتياج، فلن تجد في أوساط المصريين -مثلا-فلسفة أو نظرية وضعية تحكم سلوكهم وأفكارهم بل كان التدين التقليدى القريب إلى التصوف بملامحه البسيطة العفوية البعيدة عن أي شكل من أشكال التعقيد، والتشدد والتطرف الذى عرفته دينية خطابات الجماعات هو الملازم دوما لمن قرّر التدين منهم.

ومن مظاهر الدينية فى خطاب الجماعات محاكم التفتيش التى تصنف الناس وفق ضمائرهم، متناسين أنه إن أمكن تصنيف الناس وظيفيا، أو تعليميا أو اجتماعيا، فإنه لا يمكن تصنيف الناس وفق ما في قلوبهم، وما تُضمره نفوسهم، فالإسلام لم يعرف محاكم التفتيش التى تمارسها الجماعات الإسلامية، فأوقف القرآن النبي –صلى الله عليه وسلم- عند حدود التذكرة، “فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر” (سورة الغاشية: الآية 21، 22) أما الجماعات الإسلامية التى رأت شيئا آخر وهو التصنيف الدائم للناس، فهم يتمايزون عن الناس بصحة فهمهم للإسلام، فهم يمتلكون الإسلام الصحيح في دنيا ضاع فيها الإسلام من منظورهم، بل هم الساعون دون غيرهم لإقامة دولة الإسلام، المضحون على طريق ذلك بالعزيز والنفيس بما يُولد شعورا عميقا بالتمايز الإيجابي الذى يمنح صاحبه سلطة إطلاق أحكام من الأعلى على الأدنى.

ومن نماذج هذا التصنيف في الفكر الإسلامي قديما نموذج الخوارج الذين صنفوا الناس إلى جماعة مسلمين متمثلة فيهم، ودار مخالفين تشمل كل من خالفهم، فاستحلوا دمائهم وأموالهم وقالوا بأنهم مخلدون فى النار، ثم لم يقف التصنيف عند هذا الحد، فعادوا إلى أنفسهم يصنفون جماعة المسلمين المتمثلة فيهم إلى قاعدين ومجاهدين، فمن منعه العذر عن الجهاد يكون فى درجة أقل ممن جاهد، فحصروا القيادة في الإخوة المجاهدين الذين عرفوا بطول جهادهم وشدة بأسهم، فأساس الاختيار دوما ينبنى على الجهاد.

وهذا ما استلهمته جماعة الإخوان المسلمين منهم، فهم فى حالة تصنيف مستمر بين من معهم، ومن هو مخالف لهم، ثم يعودون فيصنفون أنفسهم داخل الجماعة عبر مراحل من التصعيد والتوثيق، وبناء على تلك الحالة من التصنيف تأتى القيادة منحصرة –شأن جماعات الخوارج قديما- في الذى حسن جهاده على طريق الدعوة(الجماعة)، وضحى وصبر على الابتلاء من أجلها، فاستحق أن يكون من الإخوة المجاهدين أعلى درجات السلم التنظيمي الذي يفرز قيادات الصف الأول.

فالتصنيف حاضر دوما في لغة الجماعة، فيقول مؤسسها مصنفا عموم الناس: “الإخوان المسلمون يرون الناس بالنسبة إليهم قسمين: قسم اعتقد ما اعتقدوه من دين الله وكتابه وآمن ببعثة رسوله وما جاء به، وهؤلاء تربطنا بهم أقدس الروابط رابطة العقيدة وهي عندنا أقدس من رابطة الدم ورابطة الأرض، فهؤلاء قومنا الأقربون الذين نحنّ إليهم ونعمل في سبيلهم ونذود عن حماهم ونفتديهم بالنفس والمال في أي أرض كانوا ومن أية سلالة انحدروا، وقوم ليسوا كذلك ولم نرتبط معهم بهذا الرباط، فهؤلاء نسالمهم ما سالمونا.”([41])

ثم يعود ويصنف الربط العام ودائرة استهداف الإخوان المسلمين بقوله: “كل الذى نريده من الناس أن يكونوا أمامنا واحدا من أربعة: مؤمن آمن بدعوتنا، وصدّق بقولنا، وأعجب بمبادئنا، وإما متردد لم يستبن له وجه الحق، ولم يتعرف في قولنا معنى الإخلاص والفائدة فهو متوقف متردد، وإما نفعي لا يريد أن يبذل معونته إلا إذا عرف ما يعود عليه من فائدة وما يجره من مغنم، ومتحامل ساء فينا ظنه، وأحاطت بنا شكوكه وريبه، ونحب أن يكون الناس معنا واحدا من هؤلاء أما تلك الغفلة السادرة، والخطرات اللاهية، والقلوب الساهية فما هو من سبيل المؤمنين في شئ.”([42])

ثم يعود ويصنف الإخوان المسلمين أنفسهم، فيقول: “هذه رسالتي إلى الإخوان المجاهدين من الإخوان المسلمين، الذين آمنوا بسموّ دعوتهم وقدسية فكرتهم، وعزموا صادقين على أن يعيشوا بها أو يموتوا في سبيلها، إلى هؤلاء الإخوان فقط أوجه هذه الكلمات الموجزة، وهي ليست دروسا تحفظ لكنها تعليمات تنفذ… أما غير هؤلاء فلهم دروس ومحاضرات، وكتب ومقالات، ومظاهر وإداريات.”([43])

ومن مظاهر دينية خطاب الجماعة عسكرتها باسم الله والدفاع عن دينه، فهم أجناد الله في معركة الإسلام، فيتم ترسيخ معنى الجندية والتأكيد عليها باستمرار حتى العمل المسجدي هو ميدان حرب يجند فيه الأخ، وانتصاره أن يحكم السيطرة على المسجد.([44])

فالجماعة الثكنة العسكرية التى يُعد فيها العضو للجهاد على حد قول البنا: “عليك أن تعمل على نشر دعوتك فى كل مكان وأن تحيط القيادة علما كل ظروفك، ولا  تقدم على عمل يؤثر فيها تأثيرا جوهريا إلا بإذن، وأن تكون دائم الاتصال الروحي والعملي بها، وأن تعتبر نفسك دائما جنديا فى الثكنة تنتظر الأمر.”([45]) ويتكرر وصف الجندية كثيرا فى خطاب البنا “استعدوا يا جنود.. خذوا هذه الأمة برفق وصفوا لها الدواء، فإذا الأمة أبت أوثقوا يديها بالقيود، وأثقلوا ظهرها بالحديد، وجرعوها الدواء بالقوة، وإن وجدتم فى جسمها عضوا خبيثا فاقطعوه، استعدوا يا جنود فكثير من أبناء هذه الأمة فى آذانهم وقر، وفي عيونهم عمى.”([46])

“أمر الله المسلمين أن يجاهدوا فى الله حق جهاده بنشر هذه الدعوة بين الناس بالحجة والبرهان، فإن أبوا فبالسيف والسنان… والناس إذا ظلموا البرهان واعتسفوا فالحرب أجدى على الدنيا من السلم.

ولهذا المعنى نفر المسلمون فى أقطار الأرض فمن أسلم فهو أخوهم، ومن رفض الإسلام جالدوه وقاتلوه حتى يظهرهم الله عليه”.([47])

“سيستخدم الإخوان القوة العملية حين لا يجدى غيرها، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، سينذرون أولا وينتظرون، ثم يقدمون فى عزة وكرامة ويتحملون كل نتائج استخدامهم القوة بكل رضا وارتياح.”([48])

ومن دينية الخطاب الإسلامي عند جماعة الإخوان المسلمين تأثرهم بمبدأ التقية في الخطاب الشيعي القديم، فداخل الجماعة يوجد الخطاب المعلن، والخطاب غير المعلن، فتتعدد الخطابات تبعا لتنوع المخاطبين وتعدد المستويات التنظيمية، فاستلهم البنا فكرة خطاب السيد البدوي –صاحب ضريح طنطا- بوجهيه: المعلن دعوة لمجالس الذكر الصوفي، وغير المعلن الإعداد للجهاد وطلب الحكم الذى سلبه المماليك.([49]) وهذا ليس جديدا على فكر الجماعات الدينية، فقد عرفه الخوارج قديما برغم شهرتهم بأنهم يواجهون خصومهم، ويصارحون بأفكارهم، فالنجدات من جماعات الخوارج كانوا يخفون عقيدتهم.([50])

فحملت جماعة الإخوان وجها معلنا من عمل خيري، ووجه غير معلن من عمل تنظيمي بروح جهادية، وقد رأى مؤسس الجماعة حسن البنا أن الجماعة تمر بمراحل تحدد المعلن من غير المعلن، وتُشكِّل الدوائر التى يقف عندها الأفراد فى علاقتهم بالجماعة، تبدأ “بالتعريف: بنشر الفكرة العامة بين الناس، ونظام الدعوة في هذا الطور نظام الجمعيات الإدارية ومهمتها العمل للخير العام ووسيلتها الوعظ والإرشاد تارة، وإقامة المنشآت النافعة تارة أخرى إلى غير ذلك من الوسائل العلمية وكل شعب الإخوان القائمة الآن تمثل هذا الطور من حياة الدعوة…. ويتصل بالجماعة فيه كل من أراد من الناس، متى رغب فى المساهمة ووعد بالمحافظة على مبادئها، وليست الطاعة التامة لازمة في هذا الطور، بقدر ما يلزم فيه احترام النظم والمبادئ العامة للجماعة.

التكوين: باستخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الجهاد، وضم بعضها إلى بعض. ونظام الدعوة –في هذا الطور- صوفي بحت من الناحية الروحية، وعسكري بحت من الناحية العملية، وشعار هاتين الناحيتين دائما “أمر وطاعة” من غير تردد ولا مراجعة، ولا شك ولا حرج، وتمثل الكتائب الإخوانية هذا الطور من حياة الدعوة.”([51])

فتعيش الإخوان بين خطابين: المعلن أنها تمارس الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة (الخطاب المكي) الذى تختفى فيه الجماعة بتنظيمها خلف الدعوة بمفهومها التقليدي من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، وتركز جماعة كالإخوان في تلك الفترة -التى تعرف في السلم التنظيمي بالتعريف- على الجانب الروحي للإخوة، والذى يكون له أثره في إكساب الإخوان صبغة دينية تجذب المحب للاندماج داخل التنظيم أو مساندته من الخارج بالتعاطف والتبرع لأنشطة الجماعة العامة، والتصويت لصالحها انتخابيا، وهناك خطاب آخر غير معلن خطابات الغرف المغلقة يصدر عن تنظيم سري مركزي يقوم على نظام الطاعة وفق الأنظمة الجهادية، فلا يمكن للأخ داخل التنظيم التعرف على أسراره إلا بعد أعوام طويلة من الإعداد وصولا للبيعة التى تهيئه للدخول في صفوف الإخوة العاملين الذين يقومون بمهمة التمكين فى مرحلة التنفيذ.

وتبنى جماعة مثل الإخوان المسلمين هيكلها الإداري على سرية التنظيم وعلانية الدعوة، فالمعلن هو المعانى الدعوية الوعظية التى تكون فى مرحلة التعريف، وكلما اقترب العضو من مرحلة التنفيذ ازدادت سرية التنظيم الذى يمثل الهيكل الإداري لجماعة مثل الإخوان المسلمين ولا يختلف في بنيته عن التنظيمات الجهادية في السمع والطاعة، فهي إحدى أركان البيعة التى لا يرتقى الأخ إلى صفوف الإخوة العاملين إلا باستكمال أركانها، والطاعة هي “امتثال الأمر وإنفاذه توا في العسر واليسر والمنشط والمكره.. فلا بيعة بغير كمال الطاعة.” ينتفى معها الشك، أو الجدل الداخلي ويكون التسليم والثقة المطلقة في القيادة وهي ركن آخر من أركان البيعة التى نصت عليها رسالة التعاليم قدس أقداس رسائل الأستاذ حسن البنا، وبالطاعة والثقة يكون البنا هيأ جسد الإخوان متمثلا فى قواعده لاستقبال كل ما يأتيه من قيادته، تلك الرأس القادرة على تحريك هذا الجسد الممتد في شكل أسر وكتائب، فشعب فمراكز فإدارات فمحافظات يمينا أو يسارا.

ويتم توجيه النص القرآني لخدمة خطابهم والتأكيد على إسلامية أفكارهم، فالقيادة لها مطلق الطاعة الواجبة شرعا، فيستشهد البنا على وجوب الثقة بالقيادة بقوله: “فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما” والقائد جزء من الدعوة، ولا دعوة بغير قيادة، وعلى قدر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام الجماعة وإحكام خططها ونجاحها في الوصول إلى غايتها، وتغلبها على ما يعترضها من عقبات وصعاب “فأولى لهم طاعة وقول معروف”([52]) فمن الجلي منهج الاستشهاد الخاطئ بالقرآن، إذ يخلط بين وجوب الطاعة الدينية للنبوة المعصومة فيما تبلغ عن ربها، ووجوب الطاعة لقيادة غير معصومة.

(8) الخطاب الديني العام

خطاب جماعة الإخوان المسلمين ليس منفصلا عن الخطاب الديني العام بل هو امتداد له وإفراز سلبي عنه، وأحد أعراض قصور الخطاب الديني العام، فكثيرا ما نتحدث عن تجديد الخطاب الديني ثم لا نتجاوز حدود الترديد اللفظي الخطابي الرنان إلى مستوى الإجراء العملي الاستئصالي خوفا من ألم المواجهة، يحتاج الخطاب الديني العام إلى إصلاح وتجديد يخرجه من حالة الركود والجمود التى غذّت سرطان الجماعات في المجتمعات المسلمة لعقود متتالية، وقصور الخطاب الديني الرسمي لا يراد به الشكل النهائي الذي يخرج عليه الخطاب خطبة أو محاضرة بل تتجلى فى مصادره وطريقة تعامله مع النص، وحالة الخلط بين الخطاب الوعظي والخطاب السياسي، والخطاب الفكري التنظيري..

ومن أبرز مظاهر قصور الخطاب الديني العام عموميته، فهو يقدم خطابا دعويا يخلو من التفاصيل، ويسوق عموميات تستغلها جماعة كالإخوان المسلمين وتوجهها كيف تشاء بما يحقق أغراضها الإسلامية، فمثلا حين يقول الداعية: “علينا أن نجاهد من أجل الإسلام، وأن نحمي ديننا”، “نموت من أجل الإسلام” ثم يسكت عند هذه العمومية، دون أن يفصّل ماذا يريد؟ وكيف يكون ذلك؟ يأتى دعاة الجماعات ليكملوا ما بدأه الدعاة أو الوعاظ الرسميين في عقول العامة، فيقدم كل جماعته على أنه الإسلام، فتصبح جماعته كأنها الإسلام الذى دعا إليه الخطيب أو الداعية.

غياب التفاصيل واختزال الإسلام في كلمات دون تفصيل وتوضيح إحدى إشكاليات الخطاب الإسلامي، التى لا تتمثل فى طرق التواصل بين الدعاة والجمهور فحسب، بل تتجلى فى طريقة اكتساب الدعاة للمعرفة أيضا، فأحكامهم على الأشياء تنطلق ليس من حقائق ومعلومات تستقى من مصادرها، بل عبر وسائط سمعية، وانطباعات وانفعالات تختزل فيها الأحكام في حسن أو سئ، وتتلاشى التفاصيل، فيصبح الكفر والجهاد والحق والخير والإسلام والعدوان كلها مفردات جوفاء بلا ملامح في الخطاب الإسلامي، تساعدك على التعرف عليها وفهمها، فالجمهور هم من يقع عليه عبء تلمس معالم حقيقة تلك الكلمات، فيجده البعض عند ذوى الأصوات الصارخة المنتحبة بالبكاء على الإسلام الضائع من المجتمعات من دعاة الجماعات، وهذا يُفسر قبول البعض بتلك الجماعة أو ذاك، كل حسب ما يوفره له الواقع من التعرف على هؤلاء أو أولئك.

ومن إشكاليات الخطاب الدعوي الرسمي المغذية لخطاب جماعة مثل الإخوان المسلمين أنه لا يركز على تعددية اجتهادية هي إحدى مرتكزات التعامل مع النصوص غير قطعية الدلالة، وعلى الرغم من علم الواعظ بتعدد الآراء فى المسألة أو الحكم يسكت عن جميع الآراء، ويتبنى رأيا يسوقه للجمهور، كأنه الرأي الوحيد في المسألة معززا خطابا دينيا أحاديا يُقصى المخالف، ويراه مبتدعا ومضللا، وليس مجتهدا وصاحب فهم أو ناقل لفهم مجتهد مثله، وهذه إحدى الإشكاليات التى تغذى التعصب الذى يدفع إلى خطاب متطرف يُنتج التكفير والإرهاب باسم مواجهة الإلحاد والكفر، فالجماعات تنطلق في خطابها من قراءة أحادية للنص القرآني أرساها الخطاب الدعوي الرسمي فلا تعترف بغير قراءتها، فليس هناك تعددية تُجدّد فهم الإسلام، بل يصبح الإسلام قراءة خاصة لنص تقدمه الجماعة على أنه النص الذى انحرف عنه العالم الإسلامي، وتتلاشى المسافة بين الفكر والدين، والذات والموضوع.

ومن إشكاليات الخطاب الإسلامي الرسمي غياب الحديث عن المنطقة الشاسعة في التشريع الإسلامي، وهي منطقة المباح والجائز، وتبنى خطاب دعوي يختزل الإسلام في واجب أو محرم، ويجعلك دائما في حالة سؤال عن المسكوت عنه أفي دائرة الحرام والبدعة أم في دائرة الواجب؛ ليضفي عليه قداسة تخرجه عن دائرة الإباحة والجواز والاختيار إلى دائرة الإلزام.

ويضع الخطاب الرسمي رأسه في الرمال، حتى لا يدخل في مواجهات مع خطاب الجماعات الإسلامية، فلا يتبنى مصارحة فكرية ودعوية واضحة حول الكثير من القضايا الشائكة فى العقل والوجدان المسلم تُحدث حالة من التمايز داخل الخطاب الإسلامي الذى أمسى متداخلا، فلو تأملنا في البيئة الإسلامية الأولى لوجدناها لم تعرف ظاهرة الجماعات المتمايزة بالإسلام عن المسلمين، لكن شهدت غلوا في فكر البعض سرعان ما واجه النبي –صلى الله عليه وسلم- دعاته، ففي حديث أنس بن مالك –رضي الله عنه– أنه قال :جاء ثلاث رهط إلى بيوت أزواج النبي – صلى الله عليه وسلم – يسألون عن عبادة النبي – صلى الله عليه وسلم -، فلما أُخبِروا كأنهم تقالُّوها (أي :عدُّوها قليلة(، فقالوا: أين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا (أي: دائما دون انقطاع)، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر (أي: أواصل الصيام يومًا بعد يوم)، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال :أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني”.

وقد جاءت معالجة النبي -صلى الله عليه وسلم- متسمة بالصراحة والمواجهة، مؤكدة على اتساع مناطق المباح والجائز في التشريع الإسلامي، وأن سلطة الإيجاب والتحريم الشرعيتين حيث يكون الفعل واللافعل ليست سلطة بشرية يصطنعها البعض تشددا؛ ليتقرب إلى الله، بل سلطة ربانية حيّزها الله في مناطق محدودة لا يجوز توسيعها.

ويأتى قصور التعامل مع النص القرآني فى مقدمة إشكاليات الخطاب الديني العام، فتأخر الدرس القرآني وجمود البحث القرآني عند مستوى التفسير اللغوي أفسح المجال لتفسيرات متعسفة من الجماعات الإسلامية قديما وحديثا، حذر منها علي بن أبى طالب رضي الله عنه ابن عمه عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- في نقاشه مع الخوارج، الذى يعتمدون على ظاهر النصوص في الاستدلال، فيقول علي بن أبى طالب “القرآن بين دفتي المصحف لا ينطق، وإنما يتكلم به الرجال” ودعاه إلى الاستشهاد بعمل النبي صلى الله عليه وسلم

من إشكاليات الخطاب الديني العام ترسيخ معانى تحقير الدنيا كراهية الدنيا فلا عجب ان يأتى من يتطرف فيقرر هدمها من أبناء بعض الجماعات لأنه لم يتعلم كيف تكون طرق البناء، فيخلط الخطاب الديني بين التزهيد فى الدنيا والإعلاء من الجانب الروحي في التعامل معها، وبين إهمالها وترك السببية كأبرز طرق إعادة بناء وتشكيل الدنيا بما يتفق مع مبادئ الإسلام عدلا ومساواة وحرية وأمنا، الخطاب الإسلامي يهمل الحديث عن دور العقل وإعمال الفكر والتأكيد على مسئولية الفرد في الاختيار والعمل والتمييز بين التوكل والتواكل، وتغذية الفكر السلبي لدى الجمهور بالتأكيد على المؤامرة الكونية التى تُحاك ليل نهار للنيل من الإسلام، وتغذية الاتباع والانقياد والتلقين كمنطلق تعليمي يأخذ فيه التلميذ عن شيخه في حالة من الاستسلام الفكري.

إشكالية الخطاب الديني لا تنفصل عن الركود الفكري والجمود البحثي في التعامل مع التراث والتاريخ الإسلامي وكأنها ليست منتجا بشريا يخضع للتقييم والنقد.

إصلاح الخطاب الديني لا يبدأ من إصلاح خطاب الجماعات الإسلامية بل من خارجهم، حتى لا نسقط فيما نحاول الفرار منه وهو إشكالية توحد الجماعات مع الإسلام، فالخطاب الإسلامي في عمومه به من العلات والأمراض ما يحتاج إلى معالجة، تسبقها مواجهة عقلانية مع تراثنا، وطرق تناوله، ومنهجية الاستدلال في الخطاب الديني، عندما ينطلق الإصلاح من الخطاب الديني العام سيكون قادرا على مواجهة خطاب الجماعات، وإذابة تكتلاته فى العقل الجمعي للمجتمع.

فهرس المصادر والمراجع

المصادر:

– مجموعة رسائل الأستاذ حسن البنا. دار الدعوة. القاهرة. 1411ه-1990م.

– حسن البنا رسالة إلى الشباب.  دار التوزيع والنشر الإسلامية. القاهرة. 1994

– حسن البنا. رسالة التعاليم. دار التوزيع والنشر الإسلامية. القاهرة.

حسن البنا. رسالة نحو النور. دار التوزيع والنشر الإسلامية. القاهرة. 1417-1997.

– حسن البنا.

الدعوة والداعية. ص248. دار الدعوة. القاهرة. الطبعة الأولى.1422ه-2001م.

– حسن البنا- مجلة النذير العدد 3 السنة الثانية 15 محرم 1358م 7 مارس 1939.

المراجع:

– أبو الحسن الندوي. الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية. دار القلم. الطبعة الرابعة. الكويت. 1403-1983.

أبو العباس المبرد. الكامل في اللغة والأدب. ط مكتبة مصر. القاهرة. 1916.

– سعيد حوى. جند الله ثقافة وأخلاقا. دار الطباعة الحديثة 1977 الطبعة الثانية.

– سيد قطب. العدالة الاجتماعية. دار الشروق. القاهرة.

– سيد قطب. في ظلال القرآن. دار الشروق. القاهرة.

– عبدالرحمن الكواكبي. طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. مطبعة دار المعارف. القاهرة.

– محمد أبو زهرة. تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد. دار الفكر العربي. 1996م.

– محمد جمال باروت. يثرب الجديدة الحركات الإسلامية الراهنة. رياض الريس للكتب والنشر. الطبعة الأولى. يونيو 1994.

– محمد عبدالله السمان. حسن البنا الرجل والفكرة. دار الاعتصام. القاهرة. الطبعة الأولى 1978م.

 

([1]) حسن البنا. رسالة نحو النور. ص7،6. ط دار النشر والتوزيع. القاهرة. 1417-1997.

([2]) رسالة نحو النور. ص10،9.

([3]) ينظر: سعيد حوّى. جند الله ثقافة وأخلاقا. ص22. دار الطباعة الحديثة 1977 الطبعة الثانية

([4]) حسن البنا. رسالة التعاليم. ص44. دار التوزيع والنشر الإسلامية. القاهرة. د.ط.ت.

([5]) ينظر: محمد جمال باروت. يثرب الجديدة الحركات الإسلامية الراهنة.149،148. ط رياض الريس للكتب والنشر. الطبعة الأولى. يونيو 1994.

([6]) حسن البنا. رسالة إلى الشباب. ص7. ط دار التوزيع والنشر الإسلامية. القاهرة. 1994.

([7]) السابق. ص15،14.

([8]) يثرب الجديدة ص148.

([9]) أبو الحسن الندوي. الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية. ص165 دار القلم. الطبعة الرابعة. الكويت. 1403-1983.

 

([10]) ينظر: بحثي مفهوم الدولة المدنية في الإسلام. ص130:121.

([11]) رسالة إلى الشباب. ص7.

([12]) حسن البنا- مجلة النذير العدد 3 السنة الثانية 15 محرم 1358م 7 مارس 1939

([13])  ينظر: رسالة إلى الشباب. ص11.

([14]) حسن البنا- مجلة النذير العدد 3 السنة الثانية 15 محرم 1358م 7 مارس 1939.

([15]) البرنامج التثقيفي للجماعة من مكوناته مذكرة “إرشاد المجتمع”، تم تقريرها على الصف الإخواني منذ تولى ا/مهدى عاكف منصب المرشد، ثم تم دمجها فى كتب المنهج التثقيفي التى تم طباعتها تحت عنوان نور الإسلام بأجزائه الثلاثة من دار التوزيع والنشر الإسلامية بالقاهرة المقرر دراسته على أبناء الصف ممن تمّ توثيقهم توثقيا أوليا تحت مسمي أخ منتسب ثم أخ منتظم تمهيدا لترقيته إلى مرتبة أخ عامل..

([16]) سيد قطب. العدالة الاجتماعية. ص216. دار الشروق. القاهرة.

([17]) رسالة التعاليم. ص44.

([18]) رسالة التعاليم. ص22.

([19]) رسالة التعاليم. ص44،43

([20]) سيد قطب. في ظلال القرآن.ج4.ص2212. دار الشروق. القاهرة

([21]) سيد قطب. في ظلال القرآن.ج3.ص1816.

([22]) محمد أبو زهرة. تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد ص 59. دار الفكر العربي. 1996م.

([23]) يقول أبوعلي الرُّوْذباري البغدادي: كنت ذات يوم عند شيخنا الجنيد في بغداد، فجاءه كتابٌ من يوسف بن الحسن يقول فيه: لا أذاقك الله طعم نفسك فإنك إن ذقتها لم تذق بعدها خيرا أبدا. قال فجعلت أفكر في طعم النفس ماهو وجائني ما لم أرضه من الرأي، حتى سمعت بخبر بُنانٍ ـ رحمه الله تعالى ـ مع أحمد بن طولون أمير مصر، فهو الذي كان سبب قدومي إلى هنا، لأرى الشيخ وأصحبه وأنتفع به.فقدِمتُ إلى مصر، فلما لقيتُ الشيخ لقيتُ رجلاً من تلاميذ شيخنا الجنيد، يتلألأ فيه نوره، ويعمل فيه سرُّه، وعلامة الرجل من هؤلاء أن يعمل وجوده فيمن حوله أكثر مما يعمل هو بنفسه.قال: وهمَمْتُ مرةً أن أسأل الشيخ عن خبره مع ابن طولون فقطعتني هيبته، فقلت ـفي نفسيـ : أحتالُ بسؤاله عن كلمة يوسف بن الحسن: « لا أذاقك الله طعم نفسك..»وبينما أهيئ في نفسي كلاماً أجري فيه هذه العبارة، جاء رجل فقال للشيخ: لي على فلانٍ مائة دينار، وقد ذهبت الوثيقة التي كُتِبَ فيها الدين، وأخشى أن ينكر إذا هو علم بضياعها فادع الله لي وله: أن يظفرني بدَيْني وأن يثبته على الحق، فقال له الشيخ: إني رجلٌ قد كبرت، وأنا أحب الحلوى، فاذهب فاشتر رطلاً منها وائتني به، حتى أدعو لك!فذهب الرجل، فاشترى الحلوى، ووضعها له البائع في ورقة ، فإذا هي «الوثيقة الضائعة»! وجاء إلى الشيخ فأخبره، فقال له الشيخ: خذ الحلوى فأطعمها صبيانك، لا أذاقنا الله طعم أنفسنا فيما نشتهي!. ففهمها أبوعلي.

([24]) تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد. ص59.

([25]) تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد. ص59.

([26]) يثرب الجديدة. ص170،169.

([27]) المبرد. الكامل في اللغة والأدب. ج2.ص143. ط مكتبة مصر. القاهرة. 1916.

([28]) حسن البنا. مذكرات الدعوة والداعية. ص248. دار الدعوة. القاهرة. الطبعة الأولى.1422ه-2001م.

([29]) رسالة الشباب. ص12.

([30]) ينظر: رسالة التعاليم ص21،45:43، رسالة إلى الشباب. ص7، مذكرات الدعوة والداعية ص91،63.

([31]) رسالة التعاليم. ص22

([32]) ينظر: ثروت الخرباوي. سر المعبد. ص339:319. ط دار نهضة مصر. القاهرة.  الطبعة السابعة عشرة. 2012م.

([33]) رسالة إلى الشباب. ص13

([34]) مذكرات الدعوة والداعية. ص169.

([35]) عبدالرحمن الكواكبي. طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. ص164 مطبعة دار المعارف. القاهرة. د.ت.

([36])  ينظر: المواطنة. بحث مفهوم الدولة المدنية في الإسلام. ص86:77.

([37]) ينظر: رسالة إلى الشباب. ص22، رسالة نحو النور. ص30

([38]) ينظر: يثرب الجديد. ص161.

([39]) محمد عبدالله السمان. حسن البنا الرجل والفكرة. ص48. دار الاعتصام. القاهرة. الطبعة الأولى 1978م.

([40])حسن البنا. مجلة النذير العدد 3 السنة الثانية 15 محرم 1358م 7 مارس 1939.

([41]) رسالة دعوتنا. ص32.

([42]) رسالة دعوتنا. ص10:7.

([43]) مقدمة رسالة التعاليم.

([44]) ينظر: مذكرات الدعوة والداعية. ص91.

([45]) رسالة التعاليم. ص30.

([46]) رسالة نحو النور. ص30،29.

([47]) مجموعة رسائل الأستاذ حسن البنا. إلى أي شئ ندعو الناس. ص39. دار الدعوة. القاهرة. 1411ه-1990م.

([48]) مجموعة رسائل الأستاذ حسن البنا. رسالة المؤتمر الخامس. ص. 189.

([49]) ينظر: مذكرات الدعوة والداعية. ص34،33.

([50]) تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد. ص73.

([51]) رسالة التعاليم. ص17،18.

([52]) رسالة التعاليم. ص21

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete