أصول الفقه من التجديد إلى التحديث: دراسة ونقد

 تكوين

 لم ينقطعْ النظر في أصول الفقه تأليفًا ودراسة وتمجيدًا ونقدًا منذ أقدم العصور الإسلاميّة وصولًا إلى عصرنا. لقد أدرك العلماء بمختلف تخصصاتهم القيمة الجوهريّة لأصول الفقه، فتوِّجَ إدراكهم هذا بجعلها موضوع أحد أهم العلوم الإسلاميّة. هذا العلم وصفه أبو حامد الغزالي (ت 505 هـ) بأنّه أشرف العلوم، لأنّه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل. فلا هو تصرفٌ بمحض العقول بحيث لا يتلقّاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد” [1]

إلاّ أنّ أهميةَ هذا العلم لم تقتصرْ على مذهب دون آخر، ولم تحتكرها فترة زمنية بعينها أو منطقة جغرافية محدّدة، وإنّما اشتركت في إدراك هذه الأهمية كلُ المذاهب الإسلاميّة تقريبًا وأغلب العصور والمناطق لذلك فإنّ أصعبَ مُهمّات البحث الحديث الإحاطة بكلّ ما ألّف ضمن هذا العلم من مؤلفات عامّة لأصول الفقه كلّها أو خاصّة بأصل منها فحسب. كما أنّ من أعسر المُهمّات، مُلاحقة حركة تحقيق المخطوطات الخاصّة بهذا العلم فهي تصدر في الشرق والغرب لأنّ المهتمّين بقضايا أصول الفقه والمتخصصين فيها من العرب ومن المسلمين ومن غيرهم، وكثيرٌ منهم يكتب بغير العربيّة: الإنجليزية والألمانية والفارسيّة وغيرها من اللّغات.

إنّ مجالَ أصول الفقه إذن كبحر متلاطم الأمواج، لكثرة قضاياه وتشعب تاريخه والتباس مصطلحاته في كثيرٍ من الأحيان. والظن أنّه مجال مغلق أتى فيه الأوائل بما لا يترك للأواخر فرصة للإضافة إليه ليس سوى موقفٍ تبسيطي للقضايا لا يدرك أنّ كل معرفة إنسانية تتنزّل في التاريخ وتتفاعل مع سياقها الاجتماعي والسياسي والثقافي تأثّرا وتأثيرًا.

إنّ صلةَ أصول الفقه بالواقع وبالتاريخ ليست وليدة اليوم ويكفي أنْ نفتح أكثر من كتاب قديم في أصول الفقه منذ أوّل كتاب وصلنا، وهو “رسالة” الشافعي (ت 204 هـ)، وصولًا إلى كتب مختلف المذاهب السنيّة وغير السنية، لنلاحظ تغير المباحث والمواقف والخلفيات والغايات وتغير ترتيب الأصول حسب المذاهب. وكلُّ هذه التغييرات ليست سوى تجلياتِ التطوّر في الرأي والاجتهاد داخل حقل الأصول السنية وغير السنية.

إنّ التغييرَ والمراجعة سُنة من سُنن الاجتماع البشري والفكري الإنساني. ومن لا يتغير ولا يتطوّر ولا يتجدّد؛ يجمد وينطفئ نوره. والعلوم –ومنها علم أصول الفقه– لا تصمد في وجه الزمن بغير تجديد أثوابها. قد يُسمّى هذا التجديدُ مراجعةً للقديم أو تجويدًا له أو تجاوزًا لنقص فيه أو سهوٍ. وقد يكون نقدًا جزئيًا أو شاملًا من داخل المنظومة عينها أو من خارجها. قد يمسُّ هذا التجديدُ مضامينَ العلم أو أفكاره وقد يتعلّق بآلياته ومناهجه. وفي كلّ حالة من هذه الأحوال يثبت صاحب كلّ تجديد ظاهري أو جوهري وجزئي أو شامل، أنّ أصولَ الفقه مجالٌ خَصِبٌ للاجتهاد البشري، وإن رسمت حدود لهذا الاجتهاد منذ ضبط البِنية الرباعيّة التقليديّة للأصول انطلاقًا من رسالة الشافعي (قرآن فسنّة فإجماع فقياس).

على هذا الأساس، اخترنا التركيز على مسألة “أصول الفقه من التجديد إلى التحديث: دراسة ونقد“. وقد يُثير هذا العنوانُ كثيرًا من التساؤلات عن الفَرْقِ بين التجديد والتحديث وعن الحدود الفاصلة بينهما. والمقصود من هذا، اجتهاد بسيط منّا نميز به بين دلالتين زمنيتين مختلفتين يُحيل إليهما المصطلحان. وبناء على هذا، اخترنا أنْ يكونَ مصطلحُ التجديد خاصًا بكل موقف تجديدي في أصول الفقه منذ العصور القديمة وصولًا إلى عصر النهضة.

وقد آثرنا مصطلحَ التجديد لأنّ شحناتَه الدلاليّة القديمة تطغى على دلالاته الحديثة. ويكفي أنْ نُذكّر بحديث مجدّد القرن تعضيدًا لما نذهب إليه. أمّا مصطلح التحديث، فخصصناه بكلّ تغيير حاول المحدثون ابتداء من عصر النهضة إدخاله على أصول الفقه تحت تأثير قيم العصر الحديث ومستجدّاته ومكتسباته في كلّ المجالات.

إنّ مبتغانا من التوقف عند مسألة تجديد أصول الفقه في الفكر الإسلامي القديم؛ إعادة النظر في تاريخ علم أصول الفقه وفي مقاربة قضاياه؛ قصد دراسة نقاط التحول وتقويمها ونقدها عن طريق بيان حدود قطيعتها مع السائد الأصولي.

وفي هذا الصدد، لا نقدّر أنّه من المفيد للبحث الحديث؛ قَصْرُ النظر على منظومة فكريّة مذهبيّة واحدة فكلّ تجديد ونقد ومراجعة وقطع خيوط الوصل مع الماضي مهما كان مصدر هذا التجديد يجدر بالباحث المعاصر تقديره واعتباره والتطرق إليه، ذلك أنّ هذا الباحثَ حتى إن كان ينتمي إلى مذهب من المذاهب فهو مطالبٌ -وهو يتصدّى لبحثه- أنْ يتجرّدَ من ثوب المذهب ويرتدي لباس الباحث الساعي في الحقيقة سعيًا يتأسس على الموضوعية في المقام الأوّل.

أمّا تحديثُ الأصول في الفكر الإسلامي الحديث فقد برزت إرهاصاته منذ أنْ شبّهها الطهطاوي (ت 1873م) بالقوانين الحديثة يقول: “فما سُمّي عندنا بعلم أصول الفقه يُسمَّى ما يشبهه عندهم بالحقوق الطبيعيّة أو النواميس الفطريّة. وهي قواعدُ عقليّة تحسينًا وتقبيحًا يؤسّسون عليها أحكامهم المدنيّة…”[2].

ولئن اتّهم هذا القول بأنّه يُسوِّي بين متناقضات ولا يلتفت إلى أصول المفاهيم فإنّه في نظرنا وليد هاجسِ الاندماج في مكتسبات العصر الحديث والسّعي إلى بيان عدم التعارض بين العلوم التراثيّة والعلوم الحديثة. وهو ما تجلَّى في اعتماد الطهطاوي مفهوم جَلْبِ المصلحة ودَرْءِ المَفْسَدَةِ القديم مقابلًا لمفهوم المصلحة العامّة الحديث[3].

إلاّ أنّ جيلَ الطهطاوي لم يكنْ يُدرك بَعْدُ عُمق الهُوة التي أضحت تفصل بين المفاهيم الأصولية وما ترتب عليها من أحكام تشريعية والمفاهيم والقيم القانونية والأخلاقية والسياسية الحديثة، ذلك أن عددًا من عناصر المنظومة الأصولية أصبح انسجامَه مع قيم العصر الحديث محلَّ نظر.

وعلى هذا الأساس، برز تسرب القيم الحديثة إلى فكر العلماء المحدثين على غرار قيمة المساواة، وهو ما تجلى مثلًا في مواقف الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور في عِدَّةِ مسائل من الإجماع، فقد رفض إقصاء العامة من مفهوم الإجماع الأصولي الذي لا يُعتدُّ عادة بغير الفقهاء وعلماء الدين وصرّح أنّ “عقولَ الأمة بخاصتها وعامتها عقول قيمة، وهو معنى كونها وسطًا وأنّ العامةَ تأخذ نصيبًا من العصمة التي يراد لها أنْ تكونَ حكرًا على العلماء”3.

ومن تجلياتِ أزمة المنظومة الأصولية التي استدعت تحديثها معارضة بعض مبادئها لقيم ومبادئ حديثة مثل حق الاختلاف ونسبية الحقيقة، ومن ذلك تبنيها مبدأ عِصْمة الأمة أو الجماعة أساسًا عقليًا لشرعنة الإجماع اعتمادًا على تأويل الآية 115 من سورة النساء “ومن يُشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهُدى ويتبع غيرَ سبيل المؤمنين نولِّهِ ما تولَّى ونُصْلِهِ جهنم وساءت مصيرا”. وقد انتُقد هذا الـتأويلُ قديمًا وحديثًا وداخل الفكر السني وخارجه، ومن ذلك موقف الباحث المصري محمد توفيق صدقي (ت1920م)، فقد رأى “أنه لم يَرِدْ في القرآن أن المؤمنين لا يُخطئون، أو أن طريقَهم واحدٌ لا يسيرون في طريق الباطل… والذي نَعْلمه أن المؤمنين يجوز عليهم جميعًا الخطأ، ويجوز أن يسيروا في طريق الباطل، فمن خالفهم فيه أثابه الله، ومن لم يتّبع سبيلهم الحق عذّبه الله”4.

إن تحديثَ النظر في أصول الفقه غيرُ ممكنٍ في نظرنا المتواضع من غير التزام الباحثين بأنْ ينأوا بأنفسهم عن التمجيد ودون اعتماد منهج مقارني وتاريخي ونقدي في الآن ذاته. فالمقارنة بين المواقف في القضية الواحدة توقف الباحث على نقاط الالتقاء والافتراق بين العلماء والمذاهب، وتظهر بعض المواقف المخصوصة والمتميّزة. أمّا الجانب التاريخي فَيَهَبُ للبحث حيويةً وعمقًا، ذلك أنّه يُمكِّنُ من دراسة القضايا الأصوليّة في ضوء تفاعلها مع الواقع التاريخي ويسمح بإبراز المواقف المهمّشة في تاريخ أصول الفقه، أمّا البُعد النقدي، فهو بُعد ضروري متأصّل في التراث غير غريب عن تقاليد المسلمين فكرًا وأدبًا فكيف نغيّبه بتعلّة إجلال أبناء الماضي؟ ألم يقل مُحمّد عبده عن حقّ: “فلولا الانتقاد ما شبَّ علمٌ عن نشأته ولا امتدّ ملك عن منبته، أترى لو أغفل العلماء نقد الآراء وأهملوا البحث في وجوه المزاعم، أكانت تتسع دائرة العلم وتتجلّى الحقائق للفهم ويعلم المُحِقُ من المُبْطِلِ”[4].

تجديد أصول الفقه في الفكر الإسلامي القديم

  • أ – زاوية النظر المذهبية

يُمكن في هذا المستوى، النظر في تجديد أصول الفقه في إطار المذاهب السنية، من ذلك التوقف عند التجديد في المذهب الحنفي، فما قام به أبو بكر الرازي الجصاص (ت370ه) يُعَدُّ خروجًا عن النسق الشافعي في مستوى القضايا أو المناهج، فلئن رأى كثيرٌ من الأصوليين والمتكلّمين أنّ الخبرَ المتواتر لا يَثْبُتُ إلا بتوفّر شروط معيّنة في رواته أهمّها عددهم، وتساءلوا عن أدنى عدد يحصل بروايتهم التواتر. وقد آثر فريقٌ منهم تحديد عدد معيّن يتحقّق التواتر بخبرهم، فقال بعضهم: أقلّ العدد أربعة قياسًا إلى شهود الزنا، وقال آخرون: خمسة قياسًا إلى اللعان، وقيل: سبعة قياسًا إلى غَسْلِ الإناء من وُلُوغِ الكلب سبع مرات، وقيل عشرة انسجامًا مع الآية: “تلك عشرة كاملة”[5]، وقيل اثنا عشر عدد نُقباء بني إسرائيل، واعتمدت في هذا المجال الآية: “وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا”[6] وذكر بعضهم أن عددَهم عشرون، بدليل الآية “وإن يكنْ منكم عشرون صابرون”[7] ويذكر آخرون أن عددَهم سبعون اتباعًا للعدد المذكور في الآية “واختار موسى قومه سبعين رجلًا لميقاتنا”[8].

وقد نقد الجصاصُ هذه المواقف قائلًا: “وليس لما يقع العلم به من الأخبار عدد معلوم من المخبرين عندنا، إلاّ أنّا قد تيقنا أن القليلَ لا يقع العلم بخبرهم، ويقع بخبر الكثيرِ إذا جاءوا متفرّقين لا يجوز عليهم التواطؤ في مجرى العادة”[9]. وإذن فإنّ البديلَ لفكرة العدد المضبوط الضروري لإفادة المتواتر العلم، فكرةُ العدد الكثيرِ مُضافًا إليها فكرةُ تَفرُّق الرواة تفرّقا لا يُجيز عليهم الاتفاق على الكذب عادة. والواضح أنّ هذا الأصوليَ الحنفي أدرك أنّ مقياسَ العدد وحده ليس ضمانةً كافية لحصول العلم بالمتواتر، لأنّ إمكانَ التواطؤ بين الأفراد ممكنة حتى إنْ كَبُرَ عددهم.

ولئن حمل الشافعي على الاستحسان حملته المشهورة فإنّ الجصاصَ أعاد النظر في هذا الموقف سعيًا منه في شرعنة هذا الأصل التشريعي. والطريف في هذا الصدد، انتصار الجصاص للعقل، في أثناء دفاعه عن الاستحسان، واعتباره أن المسائلَ الشرعية يجدر بها أنْ تتلاءمَ مع الأمور العرفية البشرية والدنيوية، يقول: “ولأنّ العقلاء يوجبون العمل بالراجح بعقولهم في الحوادث، والأصل تنزيل الأمور الشرعيّة على وزن الأمور العرفيّة، لكونه أسرع إلى الانقياد، ولهذا قال (ع): “ما رآه المسلمون حسنا…”[10].

وعندما ننظر في تجديد أصول الفقه خارج الإطار السني نستطيع التوقف عند بعض مواقف الخوارج والإباضية، فمن المعلوم أن تراثَ الخوارج الأصولي لم يصلنا لذلك فإننا لا نعرف عنهم سوى بعض المواقف الأصولية المتناثرة في المصادر، وهي تُخبر عن نزعة نقدية تجديدية للمنظومة الشافعية، ومما وصلنا من عناوين مؤلفاتهم كتاب “الجامع في أصول الفقه” لأبي بكر البردعي (ت. 340 هـ) وكتاب “الردّ على الشافعي في القياس” للقرطلوسي.

وتفيدنا كتبُ الإباضية في الأصول المطبوعة على غرار كتاب “العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف” لأبي يعقوب يوسف الوارجلاني الذي عاش في القرن السادس للهجرة، في تَبَيُّنِ بعض نقاط الاختلاف والتجديد الموجودة في الرؤية الأصولية الإباضية. يقول الورجلاني في هذا السياق: “فأمّا معرفة الفقه وأصوله فإنّها غيرُ مضبوطةٍ لكثرة الاختلاف في فصولها وقلّة الاتفاق على أصولها وكثرة التنازع في محصولها، لأنّها بُنيت على أمارات وإشارات وعلامات. وبراهينها مقصورة على تلويحات وتنبيهات. ولم تكنْ براهينها عقليات مطردات منعكسات، فحججها غيرُ مقطوعٍ بها ولا متفقٌ عليها”[11]. وهذا الموقف لا يُعدُّ غريبا لأنّه صادرٌ من فقيه غير سنّي. والمعروف أنّ العلماءَ غير السنيّين، هم الذين اشتهروا أكثر من غيرهم بنقد عدد من الأصول السنيّة التي اعتُقد على مدى قرون أنّها حقائقُ بدهيّة.

وما يستحق التوقف عنده كذلك من زاوية تاريخية ومقارنة التجديد الذي أحدثه الشيعة في هيكل أصول الفقه، فلئن تأخر التدوين الشيعي في أصول الفقه، فإن ممثليه حرصوا منذ البداية على إظهار خصوصيتهم بسبب الخلافات العقائدية مع أهل السنة، ومن ذلك خصوصًا ما تجلى في مواقفهم في مسائل الأخبار والإجماع والقياس، ففي مسألة الخبر، يُمكن مثلًا دراسةُ الموقف من خبر الآحاد، من قبيل موقف ابن عقيل العماني، وهو فقيهٌ متكلّم شيعي بغدادي، عاش في النصف الأوّل من القرن الرّابع، عُرف بإنكاره حجّيّة أخبار الآحاد. وأصبح هذا الموقفُ في القرن الخامس من أهم ميزات المدرسة العقليّة الشّيعيّة التي قادها الشّيخ المفيد والشريف المرتضى. وفي هذا المجالِ بيَّنَ الشّيخ المفيد أنّ خبرَ الواحد لا يُفيد العلم بنفسه وإنّما بقرينة تتّصل به. وبلغ المنحى التجديدي أوجَّهُ عن طريق رفض حُجيَّةِ خبر الآحاد عند الشّريف المرتضى، وأصبح منذ ذلك الوقت محورَ صراعٍ عنيف وطويل في تاريخ الإماميّة الفكري.

ويمكن التوقفُ أيضًا عند ابن إدريس الحلي، فهو يُعَدُّ محطةً رئيسة في التجديد الأصولي، ذلك أنه نقد الشيخ الطوسي نقدًا حادًا بعد مئة عام من الجمود في الفكر الاجتهادي الإمامي الشيعي. ومن أهم المجددين في هذا المجال كذلك الشيخُ مرتضى الأنصاري (ت 1281هـ) الذي لا يزال كتابُه الأصولي متنًا دراسيًا في الحَوْزَةِ العلمية في النجف.

ويجدر بنا عدم إهمال التجديد الذي ميزَ مواقف المعتزلة، وقد ظهرت أهم تجليات هذا التجديد في تبني ممثلي هذه الفرق لمواقف مخالفة للمواقف السنية في مسائل الأخبار والإجماع والقياس والاجتهاد وغيرها. فما هو موقفهم من خبر الآحاد وخبر التواتر؟ هل هناك موقف منسجم وموحد يجمعهم أم هناك خلاف بين مختلف ممثليهم؟ وما موقفُهم من الإجماع؟ هل تبنوا رفض حُجيته مثلما ذهب إلى ذلك إبراهيم النظّام أم أن موقفَهم من هذا الأصل التشريعي لان وهادن الموقف السني بعد القرن الثالث للهجرة؟ وما مختلف مواقفهم من مسألة إعجاز القرآن التي كانت مُستندًا رئيسًا لشرعنة حُجية القرآن عند علماء أصول الفقه؟ وإلى أي مدى نأى موقفُهم من الصرفة عن الموقف السني؟

يمكن في هذا السياق أنْ نُشيرَ إلى مثال من أمثلة المواقف الاعتزالية الأصولية، ويتمثل في موقف القاضي عبد الجبار الذي بدا متحمسًا لإثبات حُجية الاستحسان، حين ردّ حُجج نفاته مُعتبرًا أنّ نقدَ الاستحسان بوصفه ما لا دليل عليه؛ ضَرْبٌ من التخليط، لأنّ علماءَ المذهب الحنفي أنفسهم تبرّؤوا من هذا القول.[12] وهكذا دافع القاضيُ عن حُجية الاستحسان، لأنّه طريقة من طرائق الاجتهاد لا يُسَوِّغُ إنكارها، يقول: “وهذا أقوى من الدليل الذي تعلّق به الحكم المعدول عنه في نظائره طريقة معقولة صحيحة في الاجتهاد، لم يمتنعْ أنْ يُعبّر عنها بعبارة نختارها لهذا الضرب من الاجتهاد وتمييزها عن سائر ضروبه وأقسامه”[13].

وقد احتذى أبو الحسين البصري حذو أستاذه القاضي عبد الجبار فخصّص في كتابه “المعتمد في أصول الفقه” بابا موسوما بـ “القول في الاستحسان” أيَّد فيه الموقفَ الحنفي المتأخّر الذي ورد ردًّا على موقف النفاة من الشافعيّة بالخصوص[14]. وتطرق إلى الاختلاف في حدّ الاستحسان مُنتهيًا إلى حدّ يُبرز أنْ تبنيَه للاستحسان يندرج ضمن تصوّر أكبر، هو الأخذُ بالاجتهاد وضروبه المتنوّعة يقول: “وينبغي أنْ يُقال: الاستحسان هو تركُ وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه هو أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الأوّل”[15].

ونقدّر أنه من غير المفيد الاقتصار على بحث المواقف الأصولية للمعتزلة بمعزل عن مقارنتها مع المواقف السنية والشيعية، فالنظر في التفاعل بين مواقف ممثلي الفرق، أمرٌ مطلوب والحفر في أثر المعتزلة في فكر الفرق الأخرى مستحسن والنظر في اختراقهم للمنظومات المخالفة في القضايا الأصولية مرحّبٌ به[16].

ولا يُمكن في سياق البحث في تجديد الأصول تغييبُ دور المتكلمين سواء كانوا من السنيين أو من غيرهم. والمهم في رأينا تجاوز ما هو معروفٌ من تجديد المتكلمين على صعيد منهج التأليف الأصولي مقارنة بمنهجِ الفقهاء والاهتمام بفكرهم النقدي في قضايا بعينها على غرار الأخبار أو الإجماع أو القياس. نُشير في هذا الصدد إلى أنّ من أهمّ المسائل التي خالف فيها الأشعري النسق الشافعي مسألة “هل كل مُجتهد مُصيبٌ؟”، فهو يرى أنّ كلّ مجتهدٍ مُصيبٌ، مخالفًا جمهورَ الأصوليين ومنهم الشافعي الذين قالوا إن الحقَ واحد. فما هي وجوه تجديد الأشعري والمتكلمين بعده في الإطار السني؟ وهل حافظ المتكلمون بعده على مواقفه أم شقّوا مسالك أخرى في مختلف القضايا الأصولية؟ وما مسائلُ الخلاف بين المنظومتين الكلاميتين السنية وغير السنية؟

  • ب – زاوية النظر الأصولية

يُمكننا اعتماد هذا المنظور من النظر في مدى التجديد الذي شمل كلَ أصل من الأصول التشريعية من ذلك مثلًا السنة، ويمكن النظرُ في هذا المجال في التجديد الحنفي لمباحث الأخبار انطلاقًا من عيسى بن أبان (ت220ه) أو في تجديد النظر النقدي فيها في الإطار الاعتزالي. فمنذ القرن الثالث رأى الفقيهُ الحنفي عيسى بن أبان أن الخبرَ الخاص أو خبرَ الآحاد، لا يُمكن أنْ يُقبل في نسخ النصّ القرآني، إلا إذا اشتُهر عند الناس دون إنكار منهم. يقول في كتابه “الحجج الصغير”: “لا يُقبل خبرٌ خاص في ردّ شيء من القرآن ظاهرُ المعنى أنْ يصيرَ منسوخًا حتى يجيء ذلك مجيئًا ظاهرًا يعرفه الناس ويعلمون به، مثل ما جاء عن النبي أن لا وصية لوارث…”[17].

وعندما نتوقف للبحث في تجديد الإجماع بوصفه أصلًا من أصول الفقه قديمًا يلفت انتباهنا تضخم منزلة هذا الأصل التشريعي بعد الشافعي إلى أنْ وصلَ في القرن الخامس للهجرة إلى درجة عَدِّه عند الغزالي أعظمَ أصول الدين، وهذا ما جعل ابن قُدامة يتساءل: كيف لا يكون كذلك وهو “الذي يحكم به على كتاب الله وسنّة رسول الله”18. ويمكن النظرُ في مواقف تجديدية نقدية لنظرية الإجماع السنية، إنْ داخل الإطار السني وإنْ خارجه، فعلى الصعيد الأول يُمكن النظرُ في تجديد المتكلمين لنظرية الإجماع الأصولي، أمّا على الصعيد الثاني فبالإمكان البحث في نظرية الإجماع عند المعتزلة من الرفض إلى الإثبات وبيان وجوه الالتقاء والانفصال بينها وبين النظرية السنية أو الشيعية في الإجماع.

وحين نولّي وجوهنا نحو تجديد أصول الفقه الفرعية تواجهنا اشكالية تقديم المصلحة على النص في المذاهب الإسلامية عامة وعند نجم الدين الطوفي خاصة. ويمكن عدُّ الغزالي من القائلين بتقديم المصلحة على النصّ، بشرط كونها ضرورةً قطعية كُلية. ويتمثّل وجهُ تقديم المصلحة عنده في تخصيصها عموم النص، من ذلك تجويزه قتل الأسارى المسلمين الذين يَحتمي بهم الغزاة، لأنّ في ذلك مصلحةٌ كلية، هي حفظ حياة الأمّة. نجم الدين الطوفي توسَّع في هذه المسألة مُصرحًا بأنّ رعايةَ المصلحة ينبغي تقديمها على النصّ أو الإجماع في حالة التعارض بينها. وكان مُستند الطوفي في هذا الرأي، تأويل الحديث “لا ضرر ولا ضرار” يقول في هذا الصدد: “وأمّا معناه (الحديث) فهو ما أشرنا إليه من نفي الضرر والمفاسد شرعا، وهو نفي عام إلاّ ما خصّصه الدّليلُ، وهذا يقتضي تقديم مُقتضى الحديث على جميع أدلّة الشّرع وتخصيصها به في نفي الضرر وتحصيل المصلحة لأنّا لو فرضنا أنّ بعضَ أدلّة الشرع تضمن ضررًا، فإنْ نفيناهُ بهذا الحديث كان عملًا بالدليلين، وإن لم ننفهِ، كان تعطيلًا لأحدهما، وهو هذا الحديثُ، ولا شكّ أن الجمعَ بين النصوص في العمل بها أولى من تعطيل بعضها”.19

ويدلُّ تقديم مقتضى الحديث عند الطوفي على أولويّة دليل رعاية المصالح، يقول: “ثمّ إنّ قول النبي “لا ضرر ولا ضرار” يقتضي رعاية المصالح إثباتًا والمفاسد نفيًا”20.

لقد رأى هذا الفقيهُ أنّ النصَّ والإجماع أقوى أدلّة الشرع، وافترض أنّه في حالة توافقها مع دليل رعاية المصلحة لا يوجد إشكال، لكنْ في حالة الخلاف والتعارض بين المصلحة والنص والإجماع يجب تقديم المصلحة، دون أن يعني التقديم تعطيلًا لهما، وإنّما هو تخصيصٌ وبيان لهما بواسطة المصلحة.

  • ج – زاوية النظر الخاصة بالأعلام المجددين من الأصوليين

يُمكن في هذا السياق مقاربة موضوع تجديد أصول الفقه انطلاقًا من العلماء الذين أسهموا في الكتابة في هذه الأصول وفي التفكير فيها بطريق مختلفٍ، ويشمل هذا النظر الأعلامَ السنيين: الجصاص الحنفي والقرافي المالكي والطوفي الحنبلي. والأعلام غيرُ السنيين على غرار: إبراهيم النظام المعتزلي والشيخ المرتضى الشيعي والوارجلاني الإباضي وغيرهم.

  • د – زاوية النظر المنهجية

من الضروري في هذا المستوى، التوقف عند التجديد الأصولي الذي مسَّ مناهج التأليف أو البحث في أصول الفقه على غرار إدخال المقدمات والمباحث الكلامية ضمن المؤلفات الأصولية السنية وغير السنية، وكذلك دمج المنطق ضمن أصول الفقه، وهو ما تجلى خاصة عند الغزالي في مقدمة كتابه “المستصفى في علم أصول الفقه”.

وقد عُدَّ الغزاليُ أوّل من توسع في مزج المنطق بأصول الفقه. فما هو تأثيرُ هذا الفعل على صعيد تجديد منهج الخطاب الأصولي أولًا، وعلى مستوى العلوم الإسلامية ثانيًا؟

  • ه- علاقة أصول الفقه بالسياق الاجتماعي

يُمكن النظر في هذا المحور من خلال دراسة علاقة المصلحة والعرف بالواقع الاجتماعي، فقد أقرَّ قسم مُهمّ من الأصوليّين والفقهاء بدور العرف المؤثر في الواقع بمختلف أنشطته ومظاهره. فهو يؤثر في لغة الناس فيقيّد الألفاظ المطلقة أو يخصّص دلالتها. كما أنّه أساس التعامل التجاري والقانوني، فالعقود كما ينصُّ على ذلك ابن تيميّة “يرجع فيها إلى عرف الناس”21. ويخضع التعامل المالي للعرف أيضا. ويلخص قول الغزالي: “والعرف إنّما يؤثر في المعاملات”22 القيمة الكبيرة التي تمنح للعرف في مجالات التعامل الاقتصادي بين المسلمين.

ويعدُّ العرفُ فيصلًا بين المتخاصمين في نزاعاتهم القضائيّة. فكلُّ دعوى ينفيها العرف –حسب ابن قيم الجوزية- تُعَدُّ مرفوضةً من ذلك أنْ تأتي امرأةٌ بعد سنين عدّة تدّعي على زوجها أنّه لم يكسها في شتاء ولا صيف، ولا أنفق عليها شيئًا. فهذه الدعوى لا تُسمع، لتكذيب العرف والعادة لها، ولا سيما إذا كانت فقيرة والزوج مُوْسِرًا23.

ومن أهم المباحث في هذا الصدد، علاقةُ العرف بتغير الأحكام، فقد أدرك جمعٌ من الفقهاء والأصوليّين أنّ تغيّرَ الزمان والمكان يؤدّي بالضرورة إلى تغيير الأحكام. وهذا ما جعل فقهاء المذهب الحنفي مثلا يُفتون بأحكام كثيرة خالفوا فيها ما نصّ عليه إمام مذهبهم لأنّه بنى اجتهاده فيها على ظروف زمنه. لكن هذه الظروفَ تبدّلت في زمنهم. وهذا ما جعل ابن عابدين يرى أنّ كثيرًا من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيّر عرف أهله أو لحدوث ضرورة أو لفساد أهل الزمان، ذلك أنه لو بقي الحُكم على ما كان عليه أوّلا للزم منه المشقّة والضرر بالناس ولخالف قواعد الشريعة المبِنية على التخفيف والتيسير ودَفْعُ الضرر والفساد. ولهذا يُصرح هذا الفقيه أن مشائخَ المذهب خالفوا ما نصَّ عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم أنّه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به، أخذًا من قواعد مذهبه”24.

2- تحديث أصول الفقه في الفكر الإسلامي الحديث

يتمثلُ المحور الثاني الكبير في تاريخ أصول الفقه، في تحديث هذه الأصول في الفكر الإسلامي الحديث، ولا ريب في أن مدارَ الاهتمام في هذا المحور ينصبُ على كل تجلٍ من تجليات تحديث منظومة أصول الفقه، سواء عن طريق زرع القيم والحقوق الحديثة فيها أو عن طريق شحنها بمفاهيم العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة ومناهجها. ويمكن أنْ نُشير في هذا الشأن إلى عدة محطات مُهمة منها المقاربة القانونية لتحديث أصول الفقه.

فقد سعى كثيرٌ من الباحثين في قراءة جديدة لأصول الفقه تستفيد من المنظومة القانونية والحقوقية الحديثة، ويمكن النظرُ في هذا السياق في مقاربة الباحث الجزائري عمار الطالبي الذي درس العلاقة بين أصول الفقه والاتجاهات المعاصرة في فلسفة القانون قصد التوصل إلى أوجه التشابه بين المجالين25. وقد بين هذا الباحثُ أن البحوثَ الأصولية تكاد تُهمل الدراساتِ الفقهيةَ والأصولية الدستورية، في علاقة الحاكم بالمحكوم والشورى والعدل والحرية، مع أن الحاجة إليها أمسُّ، ومع أن هذه الدراسات وفلسفاتها قد ملأت الآفاق في الأمصار الغربية المختلفة.

وبإمكاننا التوقف عند محاولة عبد الرزاق السنهوري الذي عمل على إدراج مفهوم الإجماع في القانون وعلى تفعيل مبدأ الاجتهاد.

وبمقدورنا أيضا الخوضُ في محاولة عبد الله أحمد النعيم تجديد النظر في أصول الفقه انطلاقًا من ثقافته القانونية والحقوقية سواء كان ذلك في كتابه” نحو تطوير التشريع الإسلامي”26 أو في كتابات أخرى له.

ومن المهم جدًا الاضطلاعُ بدراسة المحاولة التجديدية لأصول الفقه وللإجماع خاصة عند الباحث الباكستاني كمال فاروقي. ولعلّنـا منذ أنْ قدّم النظّامُ اعتراضَه على الإجماع، لا نجد محاولة متميزة لإعادة النظر في مفهوم عصمــة الأمة باستثناء ما قــام به فاروقي. وقد أثارت محاولته كثيرًا من الاهتمام لذلك توقفت عندها الدراسات الخاصة بنقد الإجماع27.

وتعدُّ المقاربة المقاصدية من أهم التيارات الحديثة التي سعت في تحديث النظر في أصول الفقه ذلك أنّ بعض الدارسين يذهبون إلى أن الدراسةَ الشاملة لمقاصد الشريعة من ألزم الضرورات لتجديد علم الأصول وتطويره، ليصبح أكثر وفاء للاجتهاد المعاصر. وقد كانت المقاصد معيارًا من المعايير التي اعتمدها المعاصرون في نقد المنظومة الأصولية القديمة التي أغفلت البحث المفصل في مقاصد التشريع واكتفت بالتلميح إلى هذا المبحث ضمن القسم الخاص بالقياس في المصادر الأصولية. وقد بيَّنَ رضوان السيد أن الدراساتِ الكثيرةَ في مقاصد الشريعة ما جلبت جديدًا، وأن مُمجدي المقاصد لم يجترحوا طريقةً تتمكن بها تلك المقاصد من إنتاج الأحكام من داخل فقه المصالح أو المقاصد، كما لم يمضوا بعيدًا في الاعتراف بها بوصفها فلسفةً للتشريع خوفًا من ظلم النصوص أو تجاوزها.

وهذه الاحترازاتُ وغيرُها، ينبغي وضعها في حسباننا لأن من شأنها على صعيد أول توجيه سهام النقد للتجارِب المقاصدية الحديثة والمعاصرة، وما يعنيه ذلك من تقويم لها وبيان لحدودها وثغراتها، ومن شأنها على صعيد ثانٍ توجيهنا إلى الاعتناء بمقارباتٍ تطبيقية للمقاصد في مجالات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية على غرار مقاربات محمد عبده وعلاّل الفاسي في مسألة تعدد الزوجات ومقاربة محمد الطالبي في مسألة ضَرْب المرأة المسلمة.

ويمكن في هذا المجال الانطلاقُ من موقف تجديد النظر في المصلحة في الفكر الإسلامي عند الشيخ محمد عبده (ت1905م) على سبيل المثال، فهو يرى أنّ الدينَ إنّما جاء لمصلحة النّاس وأنّ من أصوله منع الضرر والضرار18 وبناء على هذا اعتمد في فتاويه التي أصدرها على الأصول الأربعة للتشريع وكذلك على الأصول التكميلية مثل: المصلحة والاستحسان والعرف. ونادى بمنع تعدّد الزوجات اعتمادًا على قاعدة “دَرْءُ المفاسدِ مُقدَّمٌ على جَلْبِ المصالح”19. والملاحظ أنّ التجديدَ في هذه الجوانب العمليّة أهمّ بكثير ممّا وقع على الصّعيد النظري.

وقد تجلت هذه الأهمية عند علاَّل الفاسي ذلك أنّه وظَّفَ النموذج المقاصدي في الدفاع عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية من منظور تجديدي يستوعب القيم الليبرالية المدنية.

وتُعد المقاربةُ التأويلية إحدى المقاربات المهمة جدًا في عصرنا، ومن أبرز ممثليها: محمد مجتهد شبستري، ومصطفي ملكِيان وصادق لارجاني. وهم يسعون في مؤلفاتهم في استيعاب الآليات التأويلية الجديدة في بِناء منظومة أصولية جديدة دون التقيد بالموروث الفقهي الذي يحمل بصمات السياقات الفكرية والمجتمعية النسبية التي ظهر فيها.

ويبدو أنه من قبيل الوفاء للتاريخ الانطلاق من دراسة بواكير تحديث أصول الفقه منذ عصر النهضة الإسلامية في أواخر القرن التاسع عشر على أيدي أعلام منهم: محمد عبده وجمال الدين القاسمي ورشيد رضا ومحمد توفيق صدقي ومحمد الطاهر ابن عاشور وعلاّل الفاسي وغيرهم. ثم يقع الاهتمام بأجيال الباحثين بعدهم على غرار حسن حنفي، فبعض الباحثين يرون أن أهمَ قراءة معاصرة لأصول الفقه كانت لحسن حنفي في كتابه “من النص إلى الواقع”، وكان غرضها تحويل علم أصول الفقه إلى علم سلوكي يُعطي الأولويةَ للواقع على النص. فما مدى وجاهة هذا الحكم؟ كيف نُقَوِّمُ رؤيةَ حنفي بعد سيلِ الكتابات التي كتبت عنه؟ هل بقي وفيًا لمواقفه في الكتاب المذكور؟

وتندرج في هذا الإطار مواقف حسن الترابي، من ذلك مثلًا، موقفه من الإجماع، فقد حاول القطع مع المفهوم القديم القائم على إجماع الفقهاء وتعويضه بمفهوم إجماع الشّعب. ويندرج هذا الرّأيُ في إطار دعوة حسن الترابي إلى “تأسيس ما يُسمَّى بالفقه الشعبي، وهو فقهٌ لا تكون صياغتَه حكرًا على من يُسمّيهم برجال الدّين ولا يكون لهم فيه ميزة عن غيرهم من عموم المسلمين إذ يكون الإجماع فيه إجماع الشعوب المسلمة وليس إجماع الفقهاء”28.

ويرى عبد الله سيد وَلد أباه في هذا السياق، أن الترابيَ كان حازمًا في حُكمه على التراث الأصولي القديم بأنه آل منذ بداية عصوره الأولى “إلى الجمود العقيم بأثر انحطاط واقع الحياة الدينية نفسها فلم يتطور ولم يولد فقهاء”29، إلاّ أنه في الحقيقة اكتفى بإعادة ترميم المنظومة الأصولية باتباع المنهج الانتقائي الترجيحي، عبر اعتماد آليات “القياس الواسع” القائم على إدراك المقاصد (بدل القياس المحدود)، والاستصحاب الواسع (للتصالح مع الواقع)، مع التنبيه إلى عدم قطعية أصول الفقه والتشريع، واختزالها في ثنائية الاستنتاج من أدلة الشرع والاستنباط من بِنية الواقع”.

إنّ دراسةَ موضوع تحديث أصول الفقه يقتضي ممن يقوم به الخوض في منزلة القيم وحقوق الإنسان الحديثة في الكتابات الأصولية والمقاصدية الحديثة والمعاصرة. فمن الجلي أن دوافعَ التجديد المعاصرة تقدحها أساسًا منظومة القيم والحقوق الحديثة، لكنْ ما الإشكالياتُ التي تطرحها هذه المكتسبات الحديثة؟ هل يُمكن تبنيها برمتها؟ ألا تتعارض مع نصوص الشريعة؟ ما البدائلُ المُقترحة للملاءمة بينها وبين الشريعة؟ يمكن أنْ نُشيرَ في هذا السياق إلى حق الاختلاف الذي كرسته المنظومات الحقوقية الحديثة، ذلك أن استثمارَ هذا الحق قد أثر في المواقف الأصولية الحديثة من الآخر المسلم، فقد ظهر بين الباحثين المسلمين في العصر الحديث اتجاه تجديدي يسعى في تخفيف مواقف التعصّب والحصار على مرويات المذاهب غير السنّية. ومن أهمّ النماذج في هذا الشّأن ابن الوزير الذي رجّح قبول رواية المتأوّل والمبتدع الذي عرف بالصدق ولم يكنْ داعية إلى مذهبه. وفي السياق نفسه عبَّر رشيد رضا عن موقف معتدل وغير متعصّب من مرويّات غير السنّيين. من ذلك موقفه المتسامح مع مرويّات الشيعة والنأي بنفسه عن اعتبار الانتماء المذهبي معيارًا من معايير قبول رواية غير السني. ومن ذلك تعليقه وردّه على قول الألوسي: “هو على ما رُوي عن ابن عبّاس صاحب الصور (ع) وقيل: مالك خازن النار، وقيل ملَك من الملائكة غيرهما يأمره الله بذلك. ورواية الإمامية عن الرضا وابن عبّاس، أنّه عليّ كرّم الله وجهه ممّا لم يثبت من طريق أهل السنّة، وبعيد عن هذا الإمام أنْ يكونَ مؤذنًا، وهو إذ ذاك في حظائر القدس”، ويقول رشيد رضا ردًّا عليه: إنّ واضعي كُتب الجرح والتعديل لرواة الآثار لم يضعوها على قواعدِ المذاهب، وقد كان في أئمّتهم من يُعدُّ من شيعة علي وآله مثل: عبد الرزاق والحاكم، وما منهم أحد إلاّ وقد عدّل كثيرًا من الشيعة في روايتهم، فإذا ثبتت هذه الرواية بسند صحيح قبلناها ولا نرى كونه في حظائر القدس مانعًا منها، ولو كنّا نعقل لإسناد هذا التأذين إليه كرّم الله وجهه معنى يُعدُّ به فضيلة أو مَثُوْبَةً عند الله (ت) لقبلنا الرواية بما دون السند الصحيح، ما لمْ يكنْ موضوعًا أو معارضًا برواية أقوى سندًا أو أصحُّ متنًا”30. هكذا يُبرّئ رشيد رضا أصحابَ كتب الجَرْحِ والتعديل من التعصب المذهبي مُبيّضًا أفعالهم.

وقد شَهِدَ الفكرُ الإسلامي الحديث بوادرَ الخروج من المفهوم المذهبي الإقصائي للإجماع بتصوّره القديم وتأكيد مفهوم مُتّسع لكلّ مجتهدي الأمّة مهما كانت انتماءاتهم المذهبيّة. وهو ما تجلى عند الشيخ رشيد رضا في تفسيره على سبيل المثال.

وقد أدرك كثيرٌ من ممثلي الفكر الإسلامي الحديث أنّ الخلافاتِ المذهبيةَ التي مزقت وَحْدة الأمة وتكتلها لمواجهة أعدائها أضحت تقتضي تغيير الموقف من الآخر المخالف مذهبيا والسماح بقبول اجتهاده. وفي هذا الصدد بيَّن جمالُ الدين القاسمي السوري في كتابه “تاريخ الجهمية والمعتزلة”، أن الجهميةَ والمعتزلةَ لهم ما للمجتهدين، وأنّ المعتزلةَ شاركت في الاجتهاد في الفقه والفروع مثلما شاركت في الاجتهاد في الأصول الاعتقادية الكلامية.

خاتمة

يتبيَّنُ في هذا البحث أنّ علمَ أصول الفقه لم يكنْ في أيّ مرحلة من مراحله علمًا جامدًا مغلقًا، كما قد يوحي بذلك التصوّر الشائع الذي يرى أنّ الأوائلَ قد استوفوا قضاياه وأغلقوا أبواب الاجتهاد فيه. فالتتبّع التاريخي لمسار هذا العلم؛ يكشف أنّه ظلَّ مجالًا خَصِبًا للمراجعة والنقد وإعادة البناء منذ نشأته الأولى، وأنّ مسيرتَه لم تخلُ من محاولات متعدّدة للتجديد شملت مباحثه وأصوله ومناهجه.

فقد أظهرت الدراسةُ أنّ التجديدَ في أصول الفقه لم يقتصرْ على مذهب فقهي دون غيره، بل شاركت فيه مُختلف الاتجاهات الفكرية داخل الحضارة الإسلامية. وقد شهدت المذاهب السنية نفسها مراجعات مُهمة لبعض القضايا الأصولية، وهو ما ظهرَ في اجتهادات عددٍ من الأصوليين مثل: الجصاص والقرافي والطوفي، الذين حاولوا إعادة النظر في بعض القواعد الأصولية نظرًا يتلاءم مع مقتضيات الاجتهاد الفقهي.

وبرزت كذلك محاولاتٌ تجديدية أخرى خارج الإطار السني عند المعتزلة والشيعة والإباضية، ذلك أنَّ بعضَ أعلام هذه الفرق اتخذوا مواقف نقدية من بعض الأصول المعتمدة في النظرية الأصولية السنية، وخاصة في مسائل الأخبار والإجماع والقياس.

كما بيَّنَ البحثُ أنّ التجديدَ لم يقتصرْ على مستوى القضايا والأصول التشريعية، ولكن شمل المناهج والآليات المعرفية المعتمدة في التفكير الأصولي، وهو ما يتجلَّى بوضوحٍ في إدماج مباحث الكلام والمنطق ضمن المؤلفات الأصولية، وفي إعادة ترتيب مباحث هذا العلم ترتيبًا يعكس تحوّلات الفكر الإسلامي وتفاعله مع تطورات المعرفة في عصره.

غير أنّ التحوّلَ الأكبر في مسار أصول الفقه، برز عند دخول الفكر الإسلامي مرحلة النهضة الحديثة، ذلك أنّ الحديثَ لم يَعُدْ مقتصرًا على التجديد داخل المنظومة الأصولية، وإنما اتجهت بعض المحاولات إلى تحديث هذه المنظومة في ضوء القيم الفكرية والقانونية والسياسية التي أفرزها العصر الحديث. فقد سعى عدد من المفكرين في إعادة قراءة أصول الفقه في ضوء مفاهيم جديدة مثل المصلحة العامة وحقوق الإنسان والدولة الحديثة، كما حاول بعضهم الاستفادة من مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية في تحليل النصوص الشرعية وبناء الأحكام الفقهية.

وفي هذا السياق ظَهرت اتجاهاتٌ متعددة في تحديث أصول الفقه، من أبرزها الاتجاه المقاصدي الذي سعى في جعل مقاصد الشريعة إطارًا موجهًا للاجتهاد المعاصر، والاتجاه القانوني الذي حاول إقامة جسور معرفية بين أصول الفقه وفلسفة القانون الحديثة، فضلًا عن الاتجاه التأويلي الذي دعا إلى قراءة النصوص الشرعية في ضوء المناهج التأويلية الحديثة.

ومع ذلك فإنّ هذه المحاولاتِ الحديثةَ لم تخلُ من إشكالاتٍ، إذ لا يزال النقاشُ مفتوحًا بشأن حدود التوفيق بين المنظومة الأصولية التقليدية والقيم الفكرية والقانونية الحديثة، وبخصوص مدى قدرة أصول الفقه في صيغته الموروثة على استيعاب التحولات العميقة التي يشهدها العالم المعاصر. ولذلك فإنّ تحديثَ النظر في أصول الفقه لا يُمكن أنْ يتحققَ فقط بإعادة إحياء بعض المفاهيم القديمة أو توسيعها، ولكنْ يتطلّب اعتمادَ مقاربة تاريخية نقدية تُعيد قراءةَ هذا العلم في سياقه التاريخي وتكشف عن إمكاناتِ تطويره في ضوء حاجات المجتمعات الإسلامية المعاصرة.

ويمكن القولُ في الختام، إنّ مستقبلَ الدراسات الدائرة على أصول الفقه يظلُّ رهين قدرة الباحثين المعاصرين على تجاوز ثنائية التمجيد المطلق للتراث من جهة والقطيعة التامة معه من جهة أخرى، وذلك عبر بناء مقاربة علمية متوازنة تستفيد من منجزات التراث الأصولي الغني وفي الوقت نفسه تنفتح على مكتسبات الفكر الإنساني الحديث. فمن شأن هذه المقاربة تيسير استعادة علم أصول الفقه دوره بوصفه علمًا حيًّا قادرًا على الإسهام في معالجة قضايا الواقع وإنتاج اجتهادات فقهية تستجيب لتحديات العصر.

________________________________________________

قائمة المصادر والمراجع:

[1] الغزالي، المستصفى من علم الأصول، ص 4.

[2] – الطهطاوي، المرشد الأمين، الأعمال الكاملة، مصر، المجلس الأعلى للثقافة، 2002، 2/469.

[3] – يقول الطهطاوي: “فقد استبان من هذا احتياج الانتظام العمراني إلى قوّتين عظيمتين، إحداهما القوّة الحاكمة الجالبة للمصالح الدارئة للمفاسد، وثانيهما القوّة المحكومة.. المتمتّعة بالمنافع العموميّة”، مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية، مصر، دار الكتاب المصري، بيروت، دار الكتاب اللبناني،2012، ص456.

ويقول أيضا: “ومع ذلك فمبادئ العلوم الملكيّة السياسيّة التي هي قوّة حاكمة عموميّة، وفروعها مهملة في الممالك والقرى بالنسبة لأبناء الأهالي مع أنّ تعليمها أيضا لهم ممّا يناسب المصلحة العموميّة”، المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

3 – ابن عاشور، التحرير والتنوير، تونس، الدار التونسية للنشر، 1984، 2 / 20.

4 – محمد توفيق صدقي، الإسلام هو القرآن وحده، مجلة المنار، الجزء 12، 1907، ص 918.

[4] – محمّد عبده، الأعمال الكاملة. تحقيق محمّد عمارة: بيروت المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر 1973، ج 2/162.

[5] – البقرة 2/196.

[6] – المائدة 5/12.

[7] – الأنفال 8/65.

[8] – الأعراف 7/155.

[9] – الجصاص، الفصول في الأصول، 3/53.

[10] – المصدر نفسه، 4/132.

[11] – الوارجلاني، العدل والإنصاف، ط1، عُمان: وزارة التراث القومي والثقافة،1984، 1/4.

[12] – المصدر نفسه، 2/199.

[13] – المصدر نفسه، 2/195.

[14] – يقول أبو الحسين: “والذي حصّله متأخّرو أصحاب أبي حنيفة هو أن الاستحسان عدول في الحكم عن طريقة إلى طريقة هي أقوى منها، وهذا أولى ممّن ظنّه مخالفوهم لأنّه الأليق بأهل العلم” المعتمد، 2/295.

[15] – المصدر نفسه، 2/296.

[16]  – انظر مثالا عن اختراق آراء إبراهيم النظّام للفكر السني كتاب الرازي، الرياض المونقة في آراء أهل العلم، تحقيق الأسعد جمعة، تونس-القيروان، مركز النشر الجامعي-منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان،2004، صص234-241.

[17] – الجصاص، الفصول في الأصول، 1/156.

18 – ابن قدامة، روضة الناظر، ص 119.

19 – الطوفي، شرح الأربعين حديثا، ص 16.

20 – المصدر نفسه، ص 17.

21 – انظر ابن تيميّة، كتب ورسائل وفتاوى ابن تيميّة، 29/227.

22 – راجع الغزالي، الوسيط، 5/337.

23 – ابن قيم الجوزية، الطرق الحكميّة، بيروت: دار الكتب العلمية، 1991، ص 110.

24 – يقدّم ابن عابدين مثالا على ذلك أنّ أبا حنيفة كان يرى أنّ غاصب الثوب إذا صبغه أسود، يعتبر ذلك تعييبا له، فيخيّر المالك بين أن يترك الثوب للغاصب ويضمنه قيمته كما غصبه غير مصبوغ، أو أن يأخذ الثوب مع تضمين الغاصب نقصان قيمته بهذا الصبغ وفقا للحكم القياسي في تغييب المغصوب عند الغاصب، فلما تبدّل عرف الناس في اللّون الأسود وأصبح مرغوبا فيه لمّا اتّخذه العباسيون شعارا لهم، قال الصاحبان : “إنّ صبغ الثوب بالأسود يعتبر كالصبغ بالأحمر والأصفر زيادة لا تعييبا له”، رسالة نشر العرف، ضمن رسائل ابن عابدين،2/125.

25  عمار الطالبي، أصول الفقه والاتجاهات المعاصرة في فلسفة القانون، مجلة كلية أول الدين، الصراط، السنة 2، العدد3، سبتمبر 2000.

26 ، عبد الله أحمد النعيم، نحو تطوير التشريع الإسلامي، القاهرة: دار سينا للنشر، 1994.

27 – انظر كتابي فاروقي بالأنقليزية حول الإجماع والتشريع الإسلامي:

1) Ijmà’, and the gate of Ijtihàd, Karachi, 1954.

2) Islamic Jurisprudence, Karachi, 1962.

وقد أصدر قبلهما كتابا حول “الدستور الإسلامي” سنة 1952.

18 ) رشيد رضا، “تفسير المنار”،4/350.

19 ) عثمان أمين، رائد الفكر المصري، الإمام محمّد عبده، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1955، ص 186.

28 – انظر مقالا بجريدة” الأفق الجديد “عنوانه: “جولات فكريّة مع الترابي، على الموقع www.newufuq.com

29 حسن الترابي: قضايا التجديد، نحو منهج أصولي، دار الهادي، 2000م، ص162.

30 – رشيد رضا، تفسير المنار، ط2، بيروت، دار الفكر، 1973، 8/379-380.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete