أفاية وأركيولوجيا صورة الغرب في الفكر  الإسلامي الوسيط.

 تكوين

نحتاجُ اليومَ، وأكثر من أيّ وقت مضى، إلى قراءة كتاب الغَرْب المتخيَّل. نحتاج إلى رؤيته النقدية التي استطاعتْ وضع الوعي المزدوج بالذات والآخر في مستوى المتخيّل، والمخيِّلة، والصورة، والذاكرة والانفعالات المترتبة عليها، بحثا عن فهمٍ أعمق وأشمل لحضور الآخر في وعينا بناءً على مفعول صورته في وجداننا؛ نحتاج إلى تشديدِه على أهمية الرمزيِّ والنفسيِّ، وعلى أثرهما في اتخاذ موقف من الذات والآخر في لحظات التوتُّر، والصراع، والشعور المرير بالهزيمة والفشل والنقص، كما في لحظات الانتشاء بالقوة والانتصار؛ نحتاج إليه لأنه ينبهنا إلى أنَّ سؤال الآخر والغيرية هو عينه سؤال الذات، وأنَّ تحديد الهوية لا يستقيمُ بمعزلٍ عن تحديدنا للآخر. وفي سياقنا الحالي، الموسوم بانفجار مشاعر الرُّهابِ من الآخر والرغبة الجارفة في الانتصار للذات وإثباتها بكل الطرق المتاحة،

في واحدةٍ من أحلك لحظات تاريخ العلاقة بين الإسلام والغرب، تمثل مُقاربة أفاية لموضوع التصور الإسلامي للغرب دعوةً إلى مُراجعةٍ هادئة لموقفنا منه وعلاقتنا به على ضوء فهم نقدي لمسارات تشكُّل الصورة النمطية التي كونها عنه الوعي الإسلامي الوسيط؛ حيث تحملنا المقاربة تلكَ على مساءلة المنظور الذي ظلّ يحكُم رؤيتنا إلى الغرب-الآخر منذ العصور الوسطى[1]، باعتبارها لحظة تأسيسية لتلك الصورة. وقد كانت تلك المقاربةُ تمرينا على تفكيك هذه الصورة النمطية على ضوء تاريخيتها وشروط إنتاجها، موظفةً في ذلك منهجاً نقدياً قوامهُ تعليق الأحكام والبحث عن مخبوءات الصورة وما ظلت تختزنه في رمزيتها من مواقف وأحكام مسبقة حالتْ، ولا زالت تحول، دون بلورة فهم معقول للغرب، بل وكبحت ظهور إرادة معرفة حقيقية ترتفع به إلى مستوى الموضوع العلمي.

يحسُن بنا ألاَّ نحصرَ انشغال أفاية بسؤال الغرب في حيِّزه الأكاديمي الصرف، الذي يرمي في إطاره إلى تفكيك ميكانيزمات الوعي بالغرب في المتخيّل الإسلامي الوسيط، كما إلى مُساءَلة الصورة النمطية التي رَسمتها المسيحية عن الإسلام إبَّان العصور الوسطى، وأن نعتبره، إضافة إلى ذلك، دعوةً إلى التفكير النقديِّ في المعيقاتٍ التي ما انفكَّت تحولُ دونَ صياغة فهمٍ معقول لهذا الغرب، ولمفارقات حضوره في أفق وجود الذات العربية المسلمة. بل وهي تقفُ، اليوم، عقبةً أمام كلّ حوار مُمكن معه، ورغم وعينا بمسيس الحاجة إلى الخروج من حالة التوتر المزمن في علاقتنا به إلى حالة الحوار والتفاهم. يمكن تعميم كثير من النتائج التي انتهى إليها أفاية في دراسة للتصور الإسلامي الوسيط للغرب على رؤيتنا الراهنة إليه، خاصة وأنه استند على تحليل أثر المتخيّل في بلورة ذلك التصور، صادراً في ذلك عن اقتناعه بأنَّ ‘‘للمتخيّل قدرةً خارقةً على تخطي الأزمنة وتكسير الحدود”، وهذا ما يحفظُ لمقاربته أهميتها ويُبقي على راهنيتها؛ إذ يُمكن تفسير أزمة علاقتنا بالغرب اليوم بدور المخيلة والمتخيَّل في رسم صورته في ذهننا، وعبثاً تُحاول بعض المقاربات- ذات النفس التقني السياسي- تفسير تلك الأزمة من منظور “عقلاني” صرف، غالبا ما يكتفي بردّ تلك الأزمة إلى الحسابات السياسية والاقتصادية، ليذهل بذلك عن دور المتخيل في تشكلاتها التاريخية والمفهومية. بل ويمكن القولُ إنَّ أفاية لم يهدف فقط إلى تحليل مكونات الصورة النمطية الإسلامية عن الغرب، وإنما سعى أيضاً إلى مُساءلة الفكر الإسلامي العربي المعاصر عن مدى استعداده لتجاوز المعيقات الذهنية المتجذّرة في وقائع مواجهاته مع الغرب منذ العصور الوسطى، من أجل بناء منظورٍ قادرٍ على استيعاب أشكال مواجهتنا معه في السياق الراهن، خاصة بعد أن اتَّخذ، الغرب ذاك، صورة إرادة قوَّةٍ، ومعرفةٍ، وهيمنةٍ، ما انفكَّت تفرضُ سيطرتها على العالم بأسره وتختزلُ الإسلام وتاريخه في صورة العدو والخطر المحدق بالحضارة الغربية.

يتساءَل أفاية؛ ‘‘هل تمكَّن الفكرُ العربي الحديث والمعاصر من صياغة تصوُّرٍ مُحدَّدِ الملامح وواضح الصور عن الغرب، باعتباره آخراً يمثِّل إرادة جارفةً للقوة وجموحاً غير منقطع لمعرفة الآخر؟ (..) ما السرّ الذي يجعلُ الغرب من المعرفة هاجساً دائماً ومن الفهم قضيةً كبرى لترتيب شروط التدخل والفعل، في حين أن العالم العربي يركن إلى نوع من التعالي أو إلى ردود الأفعال إما بالاتجاه إلى التبرير، في الماضي والحاضر، أو الهروب من مواجهة الواقع؟’’[2]. يحدّد هذا التساؤل أفق مقاربة أفاية لإشكالية التصور الإسلامي الوسيط للغرب؛ فخلْفَ حفْره في تاريخية ذلك التصور، يكمن هاجسُ فهمِ تشكلِ ‘‘إرادة المعرفة’’ التي حوّلت الإسلام إلى سؤالٍ معرفي في الفكر الغربي، وسببِ ركون الوعي الإسلامي- في تفاعله مع الغرب الحديث- إلى موقفٍ عاطفي يكتفي بالتبرير وينأى بنفْسِه عن ربط الآخر بإرادة المعرفة وحسابات السياسة وعقلانيتها. هو إذن سؤال يَعنينا نحنُ بقدر ما كانَ يعني الفكر الغربي والإسلامي في الماضي، ويتَّخذُ من تفكيك الصورة النمطية عن الغرب مدخلاً إلى تفكيكِ العقل العربي الإسلامي من خلال مُساءَلة رؤيته إلى الآخر وموقفه من إرادة المعرفة المحركة له. بيد أنَّ هذا الأفق المعرفي لا ينبغي أن يحجب عنا القصد البعيد لانشغال أفاية بهذا الموضوع؛ التفكيرُ في إمكانيات الحوار المتعسّر بين الإسلام والغرب، بما يعنيه ذلك من تشخيصٍ لأعطابه ومعيقاته، التي تأتي على رأسها الصورة النمطية التي يرسمها مخيال كلّ طرف منهما عن الآخر.

ترمي مقاربة أفاية، إذن، إلى فهم الممكن والمتعسّر، بل والممتنع أيضاً، في مُعادلة الحوار بيْن الإسلام والغرب، وهي دعوةٌ إلى الوعي بخصوصية هذه المعادلة واقترانها بصورة نمطية لا تنفك تحكم رؤيتنا إلى الذات والآخر. كيف تشكَّلت تلك الصورة؟ وبأي معنى يكون تفكيكُها خُطوةً في طريق فهم الغرب وتبين سبيل لخلق حوار ممكن معه؟

أولاً؛ في بناء منظور تفهمي

يمثل مفهوم المتخيّل أساس المنظور الذي صدر عنه أفاية في تناوله لموضوع الصورة النمطية عن الآخر في الوعي الإسلامي الوسيط. يكشف هذا “المفهوم” عن وعي قلقٍ بانفلات تلك الصورة من كلِّ أشكال العقلنة والصرامة المنطقية وحساباتها الضيقة. فقد جرت عادة العقلانية على استبعاد الخيال والمخيِّلة ونبْذ المتخيَّل، وحاولتْ بناءَ حقيقة العالم والإنسان انطلاقاً من الأنا المفكرة (ديكارت) والذاتية (كانط) التي اعتبرها هايدغر جوهر ميتافيزيقا الحداثة. يفتح إعمالُ مَفهومِ المتخيَّل الباب أمام التفكير في ما حاولتْ العقلانية الكلاسيكية إقصاءه وطمرهُ، لذلك بدت محاولة أفاية كأنها سعي إلى الحفر في هوامش العقل الإسلامي المهملة والمنسية في تضاعيف الخطاب الرسمي المنتظم للعقلانية الإسلامية الكلاسيكية. كان من الطبيعي، والحال هذه، أنْ يستدعي المخزونَ الرمزي للثقافة العربية الإسلامية، وأن يتعقَّب مفعوله وتجلياته في أبرز لحظات المواجهة مع الغرب. وما اكتفى أفاية بالكشف عن الصورة التي كوّنها المخيال الإسلامي عنه، وإنما فضّل الحفرَ في الميكانيزمات اللاواعية، الثقافية والدينية- بل والنفسية أيضاً- التي ظلَّت تقفُ وراء رسمِ تلك الصورة ونحت مفهوم الغرب في المخيال الإسلامي الكلاسيكي. اقتضت هذه المهمة بناء منظور تركيبي تفهُّمي، يعي فرادَة مُشكلَة الصورة النمطية وأبعادَها المتداخلة والمركَّبة، ويرصد أثرها السلبي في كبح تطلع المسلمين إلى الحوار مع الآخر واكتشافه من خارج دائرة المواجهة والنفي. غير أنَّ ذلك لم يقد إلى التخلي عن إمكانية الفهم المعقول للصورة النمطية، إذ المعقولية لا تعني- هنا- العقلانية، وإنما هي تحيلُ على نموذج من الفهم يتبرَّم من المقاربة المنطقية والبرهانية الصارمة للآخر، وينفتح على أثر المتخيل والصورة والذاكرة في صياغة الحقيقة وإضفاء المعنى عليه.

1- اللُّغة والمتخيّل. تتزحزحُ، على ضوء هذا المنظور، “العلاقة التقليدية” بيْنَ التاريخ واللغة؛ وبدلاً من الاكتفاء بإضاءة الأفكار بالوقائع التاريخية واعتبارها المعيارَ الواحد والوحيد لفهم المعنى الذي أضفاهُ المسلمون على الغرب، يفضل أفاية توسيع منظوره باستحضار اللغة والمتخيَّل الديني اللذيْن يشكلان عناصر من رؤيته إلى الوعي الإسلامي الوسيط. ذلك أنَّ الحديث عن المتخيَّل العربي الإسلامي يفترضُ “استدعاء اللغة العربية بكيفية قبلية؛ إنها تمثِّلُ الإطارَ المأصلي للثقافة التي يتكوّن ويتزوّد وينتعش فيها المتخيّل”[3]. بل إنَّ ما يُسَوّغُ استحضار اللغة العربية لفهم التصور الإسلامي للغرب العلاقة الميتافيزيقية التي ما انفكت تربطُ الإنسانَ العربيَّ بلُغته؛ فهي عنده “لغة القرآن، ومن خلالها يُصاغُ المقدَّسُ ويدرَك العالم وتسمى الأشياء والناس والشعوب. لذلك فاللغة العربية –والقول لأفاية- ليست مجرّد أداة للتواصل. إنها الأفق الذهني والكون النفسي واللساني والوسيط الإدراكي، والمفهومي والجمالي للكائن العربي الإسلامي”[4]. خلفَ العبارات التي وظّفها المسلمون في وصفهم للآخر، ووراء التسميات المتعدّدة التي حدَّدوا بها صورَته وهويته في مخيلتهم- من قبيل حديثهم عن النصارى، والصليبيين، والإفرنج- تثوي رؤيةٌ خفيةٌ يتقاطَعُ فيها النفسيُّ بالرمزيِّ والوجدانيِّ والديني، هي عينها التي ينبغي تفكيكُها لفهم آليات الوعي الإسلامي الوسيط بالغرب. على هذا النحو نفسه، يمكن أن نتساءل عن دلالات التسميات التي صاغها الفكرُ المسيحي لتحديد الآخر المسلم وتعيين حقيقته، حيث سيتضح أنَّها اختزلت عناصر نفسية، وثقافية ورمزية ظلَّت تعتمل في المخيال الغربي، وتوجه موقفه من المسلمين وحضارتهم[5].

تكشف اللغة وأفقها الذهني عن العلاقة الوطيدة التي ظلت تجمع الوقائع التاريخية بالتمثلات الدهنية؛ فليس السؤال الأهم، والحال هذه، هو؛ “ما هي الوقائع والأحداث التي قادت إلى تشكُّل صورةِ المسلمين والعرب من الغرب منذ العصر الوسيط؟”، طالما أنَّه سؤالٌ يدفعنا إلى التفكير في المسار التاريخي لتكوُّنِ تلكَ الصورة، لكنه لا يتخطى ذلك إلى التفكير في المضمون الرمزي والنفسي للصورة النمطية عن الغرب، ودور المتخيّل والرمزي في بنائها. بل إنَّ السؤال الأهمَّ، في هذه الحالة هو؛ كيف فجَّرت تلك الأحداث خزَّاناً رَمزياً ونفسياً قادَ إلى تشكل صورة لا واعية عن الآخر، ما تزال تهيمن على المخيِّلة والذاكرة العربية المسلمة، وتتسلّل إلى الوعي عن طريق اللغة وتصوراتها الضمنية عن الآخر؟ واضحٌ أنَّ سؤالاً من هذا النوع لا يفصلُ مشكلة الـ”نحن” عن إشكالية المتخيّل الجمعي والصورة التي رسمها عن الذات والهوية، انطلاقاً من وعي قلق بالتناقض والتزايُلِ الجذري مع الآخر.

هكذا لا يكتفي أفاية بسرْد تاريخ العلاقة بين الإسلام والغرب، وإنما يحاول- عبر استنطاقه بعض التسميات التي أعملها الفكر الإسلامي الكلاسيكي في تعيين الآخر إبّانَ وقائع الاندفاعة الإسلامية، وما تمخض عنها من حملات صليبية واندلاع لحركة الجهاد.. الخ- إظهارَ مفعول الأحداث في تشكُّل صورة نمطية حلّت محلّ الواقع وجيشتْ مشاعر المواجهة والصراع والرغبة الجامحة في نفي الآخر والتغلب عليه. يعني هذا القول، في جملة ما يعنيه، أنَّ استدعاء الصورة والمتخيل لا يعني الانفصال عن التاريخي ووقائعه، بقدر ما يعني تسليط الضوء على تجذر الصورة في السياق التاريخي نفسه.

2- الصورة و“الصورة النمطية”. يُدرك أفاية أنَّ توظيف مفهوم “الصورة النمطية” قد يحتاج، من منظور العقلانية الفلسفية الكلاسيكية، إلى كثيرٍ من التسويغ. فقد دأبت تلك العقلانية على نبذ هذا “المفهوم” وإزاحته من حيز المعنى، ونظرتْ إليه باعتباره النقيض المطلق للعقل والمنطق، بحكم صلته بمجال المشاعر والإحساسات والوجدان.

ما العمل، إذن، عندما يفرض هذا المفهوم ذاته كعنصر من استراتيجية منهجية لفهم ظاهرة تاريخية معينة، كما هو الشأن بالنسبة إلى مشكلة التصور الإسلامي الكلاسيكي للغرب؟ يتطلب الأمر، في هذه الحالة، تجنب الفهم العقلاني المستهجن للصورة، والوعيَ بأهميتها وفعاليتها في فهم موقف المسلمين من الغرب. يقولُ أفاية؛ ‘‘أما الصورة النمطية فعلى الرغم من الاستعمال الاستخفافي الذي تتعرَّض له، سيما حين تشتغل على أحْكام مسبقة، وعلى آليات التبسيط، فإنَّ لها دوراً كبيراً في الثقافة. ولهذا السَّبب يتعيّن الانتباهُ إلى ما يُقال وإلى ما لا يُقال، ما يفكر فيه وما ينْفَلتُ لآليات التفكير في حقْل ثقافيٍ محدَّد، والانتباه إلى طابع الديمومة الذي يميِّزُ الحديثَ عن الهوية والاختلاف، الإسلام والنصرانية، العرب والغرب..الخ. [وهذه] موضوعات لا يَكفي للاقتراب منها انتهاج أساليب عقلانية دَقيقة، وهي أساليبٌ مطلوبةٌ في كلّ الأحوال، لكن استدعاء أدوات أخرى للفهم والتحليل يبدو ضرورياً لاقتراح فهمٍ أكبرَ لقضايا تتداخلُ فيها مُستوياتٌ لا تستجيبُ، دائماً، لمقتضيات الضبط العقلي”[6]. تنتظمُ مقاربة أفاية في رؤية فلسفيةٍ مُغايرة للتقليد العقلاني الكلاسيكي، أي في إطارِ الاتجاه الفلسفي الذي فضَّل مُراجعة الأحْكام النمطية المسبَقة التي كرَّستها تلك العقلانية عن الصورة والمتخيَّل والمخيِّلة، وذهب بعيداً في إحياء هذه المفاهيم المنبوذة بغية إعادة صياغةِ فهمِنا للإنسان وصلته بالذات والآخر والعالم.

في مقام الصورة النمطية ينْهضُ المتخيَّل برسم رؤيتنا إلى العالم على نحوٍ مُغاير لمنطق العقلانية ومفهومها عن الواقع؛ فهو “يتجاوز الموجودَ ويتخطَّاهُ، لكنَّه يتمثَّل المعنى الضمني للواقع في كلّ لحظة”[7]. ويبقى الأهم، في هذا المقام، فعالية المتخيَّل وأثره النفسيُّ في بناء تصورنا للذات والآخر. وهو يضطلِع، من هذه الجهة، بدَورٍ مهم في تحديدِ علاقتنا بالذات والعالم. وعلى ضوء هذا المعطى يمكن أنْ نَفهم دعوة أفاية إلى إعادة التفكير في تصوُّرنا لعلاقة العقلانيّ بالمتخيّل؛ ففيما ‘‘يوحي العقلانيُّ بعلاقة باردة، معقولة مع الموضوع’’، فإنَّ المتخيل يحيلُ على ‘‘حقلٍ من الرموز والعلامات المتفرقة والمختلطة. ينتزع الذات من رتابة ودودها ومن عيْنيَّتِها المباشرة. يخلقُ لها كلَّ عناصر الدهشة، يطمئنها ويستفزُّها في نفس الآن’’[8].

واضحٌ، إذن، أنّ طبيعَة الموضوع هي التي فرضتْ- هنا- الاختيارَ المنهجي، ودفعت أفاية إلى التحرُّك على مستوى الصورة والمتخيَّل، وإعادة الاعتبار لمفهوم الحُكم المسبق نفسه، طالما أنه يتعذر فصل الصورة النمطية عن الأحكام المسبقة غير المفكر فيها؛ تلك الأحكامُ التي استهلكها الوعي من دون أن يخضعها للمساءلة الواعية والنقدية، لكنها ظلت توجِّه المواقف وترسم صورة الغرب في ذهن المسلمين وتحدد معنى وجوده بالنسبة إليهم. فالصورة النمطية تنهض بدور الوسيط العفوي، اللامفكر فيه، بين الإنسان وواقعه، لتنسجَ بذلكَ علاقةً تلقائية بين الوعي ومعطيات العالم؛ علاقةٌ تتنطع من قبضة العقل وحساباته الصارمة والدقيقة، ويستدعي فهمُها استحضارَ الكيفية التي عيّنَت بها الذات نفْسَها في إطار تجربة مواجهتها التاريخية مع الآخر وتمثلها له. وبدلا من البقاء في حيّز التحليل التاريخي لوقائع تلك المواجهة- وهو ما جرت عليه عادة بعض الباحثين في تاريخ العلاقة بين الإسلام والغرب، من العرب والمستشرقين- فضّل أفاية استشكال الموضوع من منظور ‘‘آليات اشتغالِ الخطاب العربي الإسلامي في عملية تمثله للآخر الأوربي اللاتيني’’[9]. لمفهوم الخطاب، هنا، دورُه المنهجي المهم؛ إذ يجنِّبُنا توظيفُهُ القراءةَ التاريخية الحرفية، الوقائعية، لعلاقة المسلمين بالغرب في العصر الوسيط، لأنه يستبعدُ التفسير الميكانيكي لتشكل صورة الغرب في المخيال الإسلامي، ويعمل على فهم رمزيتها وآليات اشتغالها اللاواعية. وبدلاً من الاكتفاء بردّ تلكَ الصورة إلى هذا الحدَث أو ذاك، يُتيحُ مفهومُ الخطاب البحث عن مَخبُوءاتها النفسية، وهواجسها الدينية، ودلالتها الرمزية، وقد كانَ هذا الاختيارُ خُطوة ضروريةً في طريق تفهُّم هذا الموضوع من حيث هو خبرةٌ تاريخية مَعيشة كان لها وقعُها على الوجدان العربي الإسلامي، وحدّدت علاقته بذاته وبالعالم.

يرمي أفاية، إذن، إلى “الوقوف على ما أنتجهُ الخطابُ العربيُّ الإسلامي الوسيط من طرق الإدراك وتمثل الآخر، والتساؤل عمّا عبّر عنه من إرادة للمعرفة بالآخر، باعتباره اختلافاً دينياً وخَصما حضارياً أو عدوا عسكرياً أو شريكاً تجارياً، والعمل على صياغة ما كونه هذا الخطاب من صورة نمطية ما زالت بعض تعبيراتها تمتدُّ إلى صلب السؤال العربي الراهن عن الذات والآخر، عن الإسلام والغرب”[10]. يعيِّن مفهوم الخطاب، هنا، الأفق النظري لهذه المقاربة، ويفرض على الباحث نموذجاً فكريا واختياراً فلسفياً يهدف إلى الانعتاق من سلطة القول الرسمي ومراكزه، والتفكير في هوامشه ومنسياته، بما يفرضه ذلك من استحضار لعلاقة الحقيقة بالسلطة وكيفيات تدبير المعنى، ولإرادة المعرفة الثاوية في تضاعيف الصورة النمطية عن الغرب.

لذلك يبدو قاموس فوكو حاضرا بقوة في مقاربة أفاية، كما هو بيِّنٌ من حفره الأركيولوجي في التمثُّلات والصور والأحكام المسبقة، وانشغاله بالمحددات اللاواعية لرؤية الثقافة الإسلامية الكلاسيكية إلى الذات والآخر، وبحثه في هوامش العقل الإسلامي ومنسياته، كما من اعتداده بمفهوم” إرادة المعرفة” في تقييم النتائج المفارقة التي انتهى إليها كلٌّ من الوعي الإسلامي والغربي بالآخر. متى أخذنا هذا المعطى بعين الاعتبار، تبيّن لنا سبب تشديد أفاية على صلة المعرفة بالسلطة في الثقافة العربية الكلاسيكية، وحاجتنا المنهجية إلى توظيفها في تفكيك آليات إنتاج المعنى والصورة في الفكر الإسلامي العربي الوسيط.

3- الباراديغم الديني. يقولُ أفاية؛ “إنَّ الاجتهادات العَربية الإسلامية في موضوع التعامل مع الآخر حكمها باراديغم ديني محدَّد ومثَّل الأفق للنظر والحكم والتقويم، حتى ولو تدخلت مستويات فكرية أخرى، سيما في مجال الجدل الكلامي، فإنَّ المتخيَّل اتكأ في اشتغاله على القاعدة الدينية وجعل منها المرجع والملجأ في النظر إلى الآخر وتسميته والحكم عليه’’[11]. يمثِّلُ هذا القول واحدةً من الخلاصات التي انتهى إليها أفاية في تفْكيكِه للصورَة النمطيَّة التي رسمها المخْيالُ الإسلاميُّ العربي الوسيط عن الإسلام، وهو يشدِّدُ في أعقابها على هيمنة “باراديغم ديني” على الوعيين العربي الإسلامي والمسيحي إبان العصور الوسطى. متى استحضرنا وَقْعَ مفهوم الباراديغم، وبُعده الشمولي، ودلالته على الرؤية القبلية الحاكمة للوعي في مختلف مستوياته، أدركنا أنَّ الصورة الإسلامية عن الغرب كانت متجذِّرة في المخيال الديني ومنه انتهلَت في تسويغ وجودها وتحديد رؤية المسلمين إلى ذاتهم. ولا شكّ في أنّ هذه الملاحظة تصدق أيضاً على المخيال الغربي الذي كان راسخاً في المنظور الديني، ومنه أخَذ في تبرير مواقفه العدائية من الإسلام والمسلمين[12].

يعني هذا القول أنَّ “الباراديغم الديني” شكَّل الإطارَ الذهنيَّ العام الذي تحرَّك فيه الوعي الإسلامي والغربي معاً، مما يجعل من الصورة النمطية التي كونها الواحد منهما عن الآخر ترجمة لهذا الباراديغم ونتيجة مفعوله على مستوى المخيلة واللاوعي والوجدان، بل إنه سوّغ علاقة التوتر التي فرضها مجرى الأحداث والمواجهة بين العالمين الإسلامي والمسيحي في ذلك الإبّان.

على أنَّ الإقرار بقوّة الباراديغم الديني وسطوته على الثقافتين الإسلامية والمسيحية لا يعني ركونَ أفاية إلى تفسيرٍ دينيٍ يختزلُ كل مكونات تصورهما للآخر في بعده العقائدي؛ فهو يؤكد، في سياق تناوله للوعي المسيحي، على أنَّ العامل الديني أفضى إلى تشكُّل إرادة معرفة مثلَّت لحظة تحوُّلٍ في تاريخ الوعي الغربي بالإسلام، وهو ما استلزم منه التنبيه على التداخل بين الديني والمعرفي في نسيج هذا الوعي[13]. أمَّا في حالة الفكر الإسلامي العربي، فإنَّ توظيف مفهوم “الباراديغم الديني” فتح الباب أمامَ إعادة الاعتبار للدينيِّ والدعوة إلى استحضار دوره- إلى جانب اللُّغة العربية- في تشكُّل المخيال الإسلامي عامة، ورؤيته إلى الآخر على وجه التحديد.

كان للباراديغم الديني مفعولان متناقضان إذن؛ ففيما شكَّل حافزاً على الارتفاع بالآخر إل مستوى الموضوع المعرفي في حالة الفكر المسيحي الغربي، فإنه أسهم في بقاء الفكر الإسلامي في دائرة الموقف الانفعالي والوجداني من الآخر، وهذا ما يعني أن العامل الديني ليس دائما عائقا أمام تفتق إرادة معرفة بالآخر، لكنه قد يكون منبعا لتبرير موقف عقائدي منه. لذلك ينبغي التساؤل عن كيفية تدبير الحقيقة في ظل هذا الباراديغم الديني، وصلته بإرادة القوة ومسار الوقائع والأحداث، بدلا من الاكتفاء بالاستناد على العامل الديني لتبرير تشكل فكرة منغلقة عن الذات والهوية.

إن هذا الفهم الدينامي للباراديغم الديني، وللمفاهيم المتعلقة به؛ كمفهوم الهوية، والذات، والآخر، هو ما يتيح توسيع فهمنا لمفهوم العقل العربي الإسلامي؛ فالديني ليسن عنصرا ماهويا وجوهرانيا في نسيج ذلك العقل، وإنما هو فعالية ينبغي أن نلحظ تقاطعاتها مع مختلف مكونات الوعي. هكذا لا تحصر مقاربة أفاية العقل في الآليات القبْلِية لإنتاج الحقيقة والمعنى، أي في العقل المُكَوِّن للمعرفة على نحو ما نلفيه عند الجابري في نقده للعقل العربي[14]، وتوسع الباب أمام الدراسة النقدية لما يحاول مفهوم العقل العربي إبعاده بشكل من الأشكال؛ للصورة والمخيلة والمتخيّل، وأثر ذلك كله في تشكل الوعي العربي الإسلامي الكلاسيكي.

على أن الأمر لا يتعلق، في حالة صورة الغرب، بمفهوم عقلانيٍ يمكن تعقُّبُه وِفَق مُقْتَضيات المنطق وقوانينِ العَقل، وإنما بصورة تَضرب بجذورها في الثقافة وتشكلاتها اللاواعية العميقة؛ وهذا ما يفسِّر الحاجة إلى البحث عن أثر الدينيّ ودوره في هذه الثقافة كما صياغة موقفها الآخر، وتمثُّلها لفكرة المغايرة والاختلاف. إنَّ ‘‘المتخيّل الديني- يقول أفاية- الذي من خلاله يتمُّ التقاط الأشياء وإدراك الآخر، يتقدَّم باعتباره مجموعة الاعتقادات المعطاة للإدراك والتفكير والعيش، واتخاذها بوصفها حقيقة لا مجال لإخضاعها للتفهم النقدي بالمعنى الوضعي لتدخل العقل’’[15]. واضح أنَّ الوعي بأهمية الدينِّي ما كانَ له إلا أن يقود إلى مُراجعة فكرة العقلانية وتَصْيِيرها أكثر انفتاحاً على ما اعتبرته نقيضا مطلقا لها كالاعتقاد والإيمان، والاعتراف بأنَّه منبع للمعنى يمتلك معقوليته الداخلية الخاصة به[16]. وعندما يتعلق الأمر بالتاريخ وأحداثه، فإنَّ الديني يخرج من إطاره الفردي ليتخذ صورة عامل محرك لمسار الأحداث، وهذا ما يتضح من وقائع الحروب الصليبية التي ظلت المرجعية الدينية منبعا لا ينضب لتسويغها.

تمثل هذه العناصر، مجتمعةً، المنظور التفهُّمي الذي يصدر عنه أفاية في مقاربته لمشكلة صورة الغرب في المتخيّل العربي الإسلامي الوسيط. يمكن القول إننا أمام منظور فرضَته طبيعة الموضوع المنفلت من أرباق العقل والعقلانية، والمتجذِّر في الجانب الآخر من الحقيقة؛ في المتخيَّل والعاطفيِّ والنفسي والانفعالي؛ في سياسة القُوة وصلتها بتدبير الذات والآخر. وما كان هذا المنظورُ مجرَّد اختيارٍ منهجي ينحصر أثره في دائرة الغرب المتخيل في العصر الوسيط فقط، بقدر ما إنه منظور صالح لفهم الغرب وتفكيك تمثلنا له في سياق علاقتنا المتأزمة به اليوم وهو يتخذ أبشع صور التوحش واللاإنسانية[17]. يتداخل في هذا المنظورِ النفسيُّ بالرمزي والعاطفي والوجداني، وتعبر اللغة عن تمزُّقات الذات في سعْيها إلى تعيين نفسها في مرآة الآخر الذي يتخذ أكثر من صورة في مخيالها؛ صورة المغاير الديني، والخطر الداهم، والأفق التاريخي لإمكانية تحققها كذلك.

ثانياً؛ في تشكُّل الوعي الإسلامي بالغرب

ما هي أهمُّ مَلامِح الصورة التي رسمها الوعيُ الإسلاميُّ الوسيط عن الآخر؛ النصراني؛ الذمي؛ الصليبي؛ الإفرنجي؛ الغربي؟

لم يرد أفاية لجوابه عن هذا السؤال أنْ يكُونَ تأريخاً لمسارات تشكل تلكَ الصورة، وإنما بناءً لفهم تركيبي وللمفهوم الضمني الذي رسخته، في الوعي الإسلامي الكلاسيكي، عن الآخر والمغايرة. في سياق هذا الفهم التركيبي يحضرُ الخطاب القرآني ورؤيته إلى الآخر، والتصوُّر الإسلامي للذمي ووضعه القانوني والأخلاقي في الإسلام، والسجال الكلامي واللاهوتي مع النصارى، والمواقف التي تمخضت عن المواجهة مع المسيحية في فترة الفتوح وفي حقبة الحملات الصليبية، والخطاب الخلدوني ورؤيته التاريخية. يحسن بنا ألاَّ ننظر إلى هذه الخطابات من حيث تعاقُبها الزمنيُّ، وأنْ نبحث فيها عن الحضور المتوتر والمزمن لإشكالية الآخر وهاجسِ الاختلاف والمغايَرة، مع التساؤُل عن الكيفية التي قادَ بها هذا الحضور إلى تبلْوُر وعيٍ بالهوية أخذ في التضخُّم والانغلاق في خضم تفاعله مع الغرب معَ مرور الوقت وتعاقب الأحداث. نسج أفاية، انطلاقاً من التقاطع القائم بين كل هذه الخطابات، ‘‘مرجعية معيارية’’ ظلَّت تمثل المنبع القيمي والمعرفي للحُكم على الآخر وتحديد موقعه بالنسبة إلى الوعي الإسلامي باعتباره الأنا التي تملك سلطة الحكم ووضع المعايير والقيم.

بيد أنَّ هذه المرجعية تكوّنت في سياق المواجهة مع الآخر؛ حيث حدَّد الخطاب القرآني موقفه من الآخر انطلاقاً من مواجهته مع المعترضين على الدعوة النبوية، من مُشركين، وكفَّار ومنافقين وأهل الكتاب. كما أنَّ السجال الكلاميَّ تحدَّد في سياقٍ لاهوتيٍ طغت عليه مواجهة الخصوم من الملل الأخرى، وبرزتْ فيه الحاجةُ إلى الدفاع عن الأنا الإسلامية ضدَّ الطاعنين على الدين الإسلامي من النصارى خاصةً؛ كما أنَّ الدعوة إلى الجهاد المقترنة بحركة الفتح الإسلامي، وما ترتب عليها من مواجهة مع الحركة الصليبية فيما بعد، حملت في طيَّاتها رؤيةً إلى الآخر تنضح بالاعتزاز بالذات وتضخُّم الهوية في مقابل موقف سلبيِ متوجسٍ من الآخر، يختزله في بعده الضدي والصراعي[18].

لذلك شكَّلت المواجهة مع الآخر\الغرب المختلف السياق الذهني والتاريخي لتشكل صورته النمطية في المخيال الإسلامي[19]، وهذه ملاحظة تصدق، بالمثل، على تمثل الغرب هو الآخر للإسلام والمسلمين[20]. وإذا كانَ تحليلُ أفاية لمكونِّات الصورة التي رسمها كلُّ طرف عن الآخر قد ركّز على جذورها الدينية، فإنَّ الأهم من ذلك النتائج التي خلص إليها تحليلُه لمسار كل واحدة منهما، بتشديده على ما انتهى إليه الفكر الإسلامي من ركون إلى العاطفة والتبرير في التعامل مع الآخر، وما أفضى إليه الوعي الغربي بالآخر من تفتق لإرادة معرفة مكنته من تحويل الآخر والاختلاف إلى موضوع للمعرفة والمساءلة والفهم العقلاني. يتعلق الأمر بمفارقة على مستوى النتائج رغم وحدة المنطلق الديني؛ فإرادة المعرفة التي تقف وراء الاندفاعة الغربية كانت سليلة النهضة والثورة العلمية التي أعادت بناء العقل الغربي برمته على أساس معرفة إنسانية جديدة بالعالم، ويبدو أن انتفاء شروط ظهور مثل هذا الانقلاب المعرفي في سياق الوعي العربي الإسلامي يبقى من أهم أسباب بقائه في دائرة المنظور الديني، وعدم إقدامه على تحويل الغرب إلى موضوع للمعرفة.

1- ينطلق أفاية من تحليل التصوُّر القرآني عن الآخر. يترجم هذا الاختيار اقتناع صاحبه بمركزية النص القرآني في الثقافة العربية، وبالدور الذي نهض به في بنائها. نقرأ له قولَه في هذا المعرض؛ إنَّ ‘‘مرجعيات النظر الإسلامي للآخر تتكئ، أولاً وقبل كل شيء، على قاعدةٍ دينية تأسيسية. فالدين هو الذي يمنَح المعنى للأشياء، للظواهر وللآخرين. لذلك فإنَّ البحث عن ملامح الآخر يفترض العودة، بكيفية ما، إلى النصّ المرجعي الذي يزوِّدُ النظر ببعض عناصر الإدراك والوعي ويُطَعِّم المتخيّل بما يحتاجُ إليه من صور وأشكال’’[21]. لا يصدر هذا الاعتراف بأهمية القول القرآني عن نزعة تبجيلية أو موقف عقائدي، وإنما هو سليل وعيٍ بمفعول القرآن في تشكل المخيلة العربية الإسلامية عامة، ورؤيتها إلى الآخر بشكل أخصَّ. ودرءاً لكلِّ تعالٍ بالخطاب القرآني عن التاريخ ووقائعه، يَعْمَدُ أفاية إلى قراءة هذا التصوُّر على ضوء صلته بما سمّاه ‘‘الشغَف النبوي’’[22]، وهذا يعني أنه لم يفصل الخطاب القرآني عنْ الفعل النبوي؛ فلم يُعْنَ به كخطابٍ عقائديٍ متعالٍ عن شرطه التاريخي، وإنما سعى إلى فهم الموقف القرآني من الآخر من خلال سجاله مع المعترضين على النبيِّ ودعوته[23]. ينهضُ مفهوم الشغف النبوي بدور مفصليٍ في تحليل أفاية؛ فهو يكشفُ عن مدى التداخل بين النفسي والوجداني والرمزي في الفعل النبوي، ويحفظ لصاحبه صفة المبادرة والقدرة على الفعل[24]، عوض صهره في عوامل خارجية أو محددات بنيوية، اجتماعية وسياسية، سابقة له، ويفتح الباب أمامَ فهم تفاعل خُصومه مع رسالته من خلال تفهم الصورة التي كوّنوها عنها. فالشعور بالتقابل والاختلاف تمّ على مستوى الوعي والعاطفة والوجدان، ووجّه تمثُّل الخصومِ لانتساب النبي إلى التاريخ الديني التوحيدي[25].

يُسجِّل أفاية البُعدَ التنويريَّ والإنسانيَّ للدعوة المحمدية، ولا يَني يُشدِّد على انفتاح الخطابِ القرآني على الاختلاف وقبول الآخر، واعتداده في ذلك بآلية التصوير، فيحدِّد المغايِر له ويسمِّيه بتسمياتٍ دقيقة، من قبيل المشركين، والكفار، والمنافقين …الخ. كما يرصدُ اهتمامَ القرآن بالعقل والدعوة إلى إعماله، وهو ما يفرض طرح سؤال يربطُ مشكلة المتخيَّل والعقل بالتصوّر القرآني للآخر؛ ‘‘هل الدعوة المستمرة إلى التفكير والتعقُّل والتدبّر داخل المتن القرآني تسمحُ لنا بالقول بأنَّ الموقف من الاختلاف تحكمه مقاييس تخضع لضوابط العقل-بالمعنى القرآني- أم أنَّ الجهاز الرمزي الذي يشغله الخطاب القرآني يطغى على حيثيات الرؤية ليجعل من التخْييل عُنصراً حاسماً في إدراك الآخر؟’’[26]. ليس هذا السؤال دعوة إلى البحث في علاقة العقل بالمتخيَّل في الخطاب القرآني، لأنَّ الأهمَّ هو ما يشي به السؤال من وعيٍ بخصوصية “نموذج العقلانية/المعقولية” الذي تتعيّنُ في إطاره الدعوة القرآنية إلى العقل والعقلانية. فالمتخيّل ليس تفصيلا بسيطاً بالنسبة إلى القوْل القرآني، بقدر ما هو تعبيرٌ عن “انتفاضة الحياة من خلال الطاقة الجمالية للغة” على حدّ تعبير محمد أركون[27]. لذلك يعتبر أفاية أنَّ عقلانية الخطاب القرآني “تندرجُ، بشكلٍ محايِثٍ، ضمْن متخيَّل دينيٍ تحرِّكه تصوُّراتٌ متعاليةٌ تمثل اللغة الدينية مرتكزها الوحيد”[28]. بذلك نكونُ أمام دَعْوةٍ إلى التدبُّر والتعقل لا تُلغي الخيال، بل وتستثمره عبر آليات السرد القصصي والتخييل، وانطلاقا من هذه الآليات استطاع الخطاب القرآني التأسيس لرؤية ‘‘تتحدَّد في المتخيل الديني العام على أساسِ وَحْدة الانتماء الإنساني والعقائديّ من جهة، وعلى قاعدة التمايز والاختلاف من جهة ثانية’’[29]. في الخطاب القرآني تتجاورُ آياتٌ تدعوا إلى تقبُّل الآخرِ وتسوغ الحقَّ في الاختلاف مع أخرى تنبذ الكفَّار والمشركين وتعتبرهم النقيض المطلق للذات والحقيقة. من هنا الطابع المركب للتصور القرآني للآخر، والذي يجعله مفتوحاً على أكثر من تأويل في نظر أفاية[30].

2- أتاحَت حَرَكة الفتح الإسلامي للذات الإسلامية فرصة الوعي بقوَّتها وفرادتها وتميُّزها كتجربة حضارية فريدة استطاعت فرض نفسها على المشهد التاريخي. وقد زكَّى نجاحُ تلكَ الحركة لدى المسلمين اقتناعهم بصدق دينهم وحتمية نجاحهم التاريخي، وسرعانَ ما انعكس الشعورُ بالتفوُّق على موقف المسلمين من الآخر[31]. نقلت الأحداثُ الوعيَ الإسلامي من سياق إثبات الذات والدفاع عن حقِّها في الوجود ومشروعية رسالتها، إلى مستوى إثبات سموُّها وعلوّ قدرها قياساً إلى غيرها. سيضطلعُ المخيالُ الديني بدورٍ حاسمٍ في تشكُّل هذا الوعي المتضخِّم بالهوية المبنية على الشعور بالتناقض الجذري مع الآخر، وهذا ما تُرْجِم سياسياً بتحويل الآخر إلى ذميٍ أو عبْد، وصياغة مدونة فقهية تكفَّلت بتحديد وضعه القانوني، وسوَّغت طرق معاملته والحكم عليه. تشكِّل وضعية الذميِّ وأحكامُه الفقهية خير نموذج لفهم رؤية الإسلام إلى الآخر في هذه المرحلة من تاريخه، لأنها تترجم الشعور بالتفوق والانتصار الحضاري على الآخر، كما تعكسُ واقع توسُّع الإسلام، وانفتاحه على ثقافات وأديان جديدة باتت تشكل مكوِّنات مِفصليةً ضمن نسيجه الاجتماعي والثقافي. لذلك يحْسنُ وضعُ مشكلة الذمي في سياقها التاريخي لفهم رمزيتها في الأفق الثقافي للتصوُّر الإسلامي للآخر، بدل قراءتها من منظور اختزالي يسقط عليها أحكام الأقليات كما صاغها الفكر السياسي والأخلاقي الحديث والمعاصر.

قد يكون مجانباً للصواب الزعم بإمكانية فهْم مشكلة الذميِّ، فقط، انطلاقاً من منظومة الأحكام الفقهية ورؤيتها المعيارية، لأنَّ من شأْن ذلك أن يختزلها في بعديها العقائدي والتشريعي، وأن يحولَ دونَ الوعي بالظاهرة التي كانت أبعادها تعتمل في أعماق الوجدان الإسلامي الوسيط؛ ظاهرةُ المثاقفة. حاولت التشريعات الفقهية صياغة الإطار ‘‘التعاقُدي’’ لوضعية الذميِّ داخل المجتمع الإسلامي، فحدَّدت ‘‘حقوقه’’ و‘‘واجباته’’ في ظلّ صلته بالدولة والمجتمع، وميّزته بوضوح عن العبْد. بيْدَ أنَّ هذا المعطى يعني، في جملة ما يعنيه، أنَّه ‘‘بالرغم من الوعي الحادّ بالتفوق واستمرار “أهل الكتاب” في مواصلة نهجهم “المنحرف”، عملت الجماعة الإسلامية، في اختلاف الفترات والحساسيات السياسية، على ترتيب الاختلاف الديني بطرق لم يكن من الممكن تصوّرُ درجة التسامح التي عبَّرت عنها في حينه’’[32]. على أنَّ هذا الوعي بواقع التسامح لا ينفي هيمنة بعض الأحكام المسبقة على الوعي الإسلامي بالآخر الذمي، وهذا ما وصفه أفاية بـ‘‘الجهل بالآخر’’ الذي ظلَّ يكبحُ مسار المثاقفة التي فرضتها قوَّة الأحداث وانفتاح المجتمع العربي الإسلامي المتزايد على شعوب وثقافات جديدة. لذلك لم ينحصر الآخر، في الوعي العربي الإسلامي، في ‘‘الآخر الداخلي’’، المنتمي إلى الجماعة؛ الآخر الذي يعيش في أكناف الأمَّة والدولة وتشمله أحكام ‘‘دار الإسلام’’ مثلما هو الأمر بالنسبة إلى الذمي والعبد، وإنما تضمن، أيضاً، “الآخر الخارجي/البرّاني” الذي تسري عليه، بالضرورة، أحكامُ “دار الحرب”.

نهضت المدوَّنة الفقهية بدورٍ مهمٍ في تحديد وضعية الآخر على مستوى علاقته بالدولة والمجتمع، كما مكّنَ تطويعُ أحكامها من توْسيع دوائر وجوده بين ظهرانيْ الجماعة الإسلامية متيحاً له التصرفَ بحرية أكبر بلغتْ درجة السماح للبعض بنقد الإسلام وحياة المسلمين كما هو واضح من نموذج يوحنا الدمشقي[33] والراهب السمعاني[34]. غير أنَّ ذلك لم ينف هيمنة شعور قوي بالتميز والتفوق لدى المسلمين رغم سجالهم اللاهوتي مع خصومهم، حيث غدت المقارنة هنا، كما يلاحظ أفاية، عاملاً مفصلياً في معادلة الوعي بالذات والآخر؛ إذ إنَّ الاختلاف “يقوم، في هذه الحالة، على الحكم والمقارنة بين ذات عربية إسلامية تكشف همم قومٍ “أرفع من جميع الأمم وأفخر”، وبين باقي الأمم والديانات والشعوب”[35]. وما كانت المدونة الفقهية وحْدَها مصدر تسويغ وضعية المختلف وتحديد وضعه المعياري في الوعي الإسلامي، بل إن هذا الأخير تغذى، أيضا، من كتب الملل والنحل، والمقالات[36]، وسرعان ما انتبه المسلمون، بفضل كتب الرحالة والمؤرخين والجغرافيين، إلى أنَّ هناك أمما أخرى تندُّ عن التصنيف المعياري الفقهي الذي سعوا إلى إدراك الغير من خلاله. يرصدُ أفاية أثر هذا المعْطى في تمثُّل الوعي الإسلامي للآخر؛ لأنه ضخّ قدراً من النسبية في صورته عنه؛ ‘‘فعلى الرغم من الشعور البارز بالتفوق الديني والحضاري، والإقرار بمساواة الكائنات البشرية، فإنّ منطق الانتشار والفتح، وواقع الاحتكاك بالآخرين جعل المثقف المسلم يضفي بعض النسبية على أحكامه’’[37]. اكتشف الوعي الإسلامي بالذات والآخر نسبيته تحت وقع التوسع الحضاري، وسرعان ما انتقل من لحظة الإثبات المطلق والجذري للذات إلى مستوى إدراك حضور الآخر كعامل محدد لذاته نفسها، فكان عليه أنْ يلجأ إلى المقايسة والمقارنة لإدراك الفارق وتبيّن حقيقة الاختلاف وطبيعته الصراعية. وحتى في حالة مفكر بياني متشدد في دفاعه عن العروبة كالجاحظ، فإنَّ انفتاحه على الثقافة اليونانية والفارسية مثّل علامةً، في نظر أفاية، على “مدى استعداد الوعي العربي الإسلامي للاعتراف بقدرات الآخرين، والتسليم باختلافهم مهما كانت الفروق الدينية والحضارية. وهي علامة بارزة على قدرة الوعي العربي الإسلامي، بمستوياته العقلانية والمتخيلة، على التمييز والمقايسة والحكم”[38].

3- سيبلغ هذا الحسُّ بالمقارنة ذُراه مع اشتداد المواجهة مع الغرب المسيحي خلال الحملات الصليبية، حيث شكّل الشعور بالخطر منطلقاً لتمثل الآخر والذات هذه المرة[39]. ورثت الحملات الصليبية الأحكام النمطية عن الإسلام التي رسّخها السجالُ اللاهوتي ومناظرات يوحنا الدمشقي مع المسلمين. ولا تكمن قيمة هذه المناظرات، فقط، في أنها عكستْ تصوُّر المسلمين للآخر الديني والحضاري، وإنما في أنها تمُدُّنا بفكرة واضحة عن الصورة التي ارتسمت في المخيال المسيحي عن الإسلام أيضاً. فإلى أنّ تلك المناظرات اتخذت طابع نقدٍ جذري للمعتقد الإسلامي كما لسيرة النبي وحياة المسلمين، فإنها أتتْ تعبر عن المكانة التي شغلها المسيحيونَ في كنف الدولة الإسلامية، لاسيما في العهديْن الأُمَوي والعباسي، وهي عينُها المكانة التي أسعفتهم بإمكانية مجادلة المسلمين والاعتراض على عقيدتهم بمختلف الطرق والوسائل المتاحة لهم. ارتسمت، في أعقاب هذه المناظرات والردود، معالمُ صورةٍ سلبية عن الإسلام كان قوامُها الطعن على مشروعية رسالته ومضمونها الإيماني والعقائدي[40]، وذمُّ مظاهر الحياة اليومية للمسلمين وتشبيهها بالطقوس الوثنية المتنافية مع روح التوحيد، والإمعان في شيطنة النبي والتشديد على نبوته ‘‘المزعومة’’. علاوة على ذلك، فإنَّ خطورة هذه الصورة ليست تكمن، فقط، في فشوُّها بيْنَ مختلف قطاعات الثقافة المسيحية؛ وإنما في صيرورتها، فيما بعدُ، نبعاً لا ينضب للأحكام السلبية عن الإسلام لم يتوقَّف الوعي الغربي- المسيحي الروماني كما اللاتيني- في الانتهال منه والاتكاء عليه لصياغة تمثله للإسلام والمسلمين[41]. وسرعان ما ستتخذ الصورة تلكَ طابعاً نمطياً عندما أمستْ جُزءاً من الأحكام الثقافية اللاواعية المنتظمة للوعي الغربي الحديث والمعاصر كما هو بيِّن من قوة حضورها في الخطاب الاستشراقي [42].

هكذا بات الوعي الغربي كما الإسلامي يتغذى على صورة نمطية عن الآخر هي حصيلة قرون من المواجهة بينهما، وفي سياق الصراع وما يفجِّره من مشاعر الضدية والتنافر، “تحلّ الصورة محل الواقع” من دون أي اهتمامٍ بصلاحيتها المعرفية وأسسها العلمية. يضحى الأهم، في مثل هذه الحالة، مفعولُ هذه الصورة ودورها في تجيش المشاعر وتحديد المواقف[43]. روجّت الصليبية، كما يلاحظ منتغومري وات ومكسيم رودنسون، صورةً حالكة عن الإسلام[44]، صار فيها قرين الوثنية، والعنف، والشبقية[45]. وقد أضاف إليها الغربُ المسيحيُّ بعض الصفات التي استقاها من سعيه إلى التعرُّف على العرب والمسلمين، تتعلَّق بسلوك المسلم ولونه وعرقه المتخيّل. قد نجدُ في هذه الإضافة تجسيداً لـ‘‘إرادة معرفةٍ’’ جنينية بالآخر أخذت تتشكَّل في الوعي الغربي المسيحي، غير أنَّ ذلك لا ينفي أنَّ “تعزيز الوعي المسيحي بالذات كانَ في حاجةٍ إلى تقديم الآخر في أكثر أشكاله عُدوانيةً وتشوُّها. والتأكيد على خصوصية الهوية المسيحية الأوروبية اقتضى، في سياق الإدراك الوسيطي، التبرم من العربي المسلم”[46].

يمكن النظر إلى الحركة الصليبية كردّ فعل على الاندفاعة الإسلامية، ورغم نجاح هذه الأخيرة في صدّ الخطر المسيحي عبر حركة الجهاد، فإنَّ الغرْب المسيحيَّ بقي موضوعا يستبد بالوعي العربي الإسلامي. “لقد أوجد له تسمية طغى عليها الاعتبار الإثني، لكنها لم ترق، كأغلب التسميات، إلى توفير شروط للإحاطة بهوية الآخر. نجد عناصر هنا، يقول أفاية، ومعالم مشتتة هناك، إلا أنَّ نظرةً متكاملة تتخذ من الغرب المسيحي اللاتيني موضوعا للتأمل والتفكير والدراسة، فذلك ما يصعب ادعاء العثور عليه في هذه المرحلة”[47].

في علاقة المد والجزر التي ربطت الاندفاعة الإسلامية بالمد المسيحي، والتي عرفت تبادلاً لمواقع القوة والضعف والهزيمة والانكسار بين الطرفين، ظلّ المخيال الديني ينهض بدور محوري في تحديد تمثل المسلمين للآخر وموقفهم منه، وظل استدعاء الصورة النمطية عنه فعلاً يفرض نفسه في لحظات المواجهة والصراع. قد نستنتج من هذا المعطى أن طغيان المخيلة والصورة كان من بين الأسباب التي حالت دون الارتفاع بسؤال الآخر المسيحي إلى مستوى الموضوع المعرفي، وأن المقاربة العقلانية الهادئة، التي تسعى إلى الفهم، ظلت ترزح تحت وطأة المخيال وقوة انفعالاته التي زادتها المواجهة مع الغرب حَّدة وكثافة، وما استطاعت خلق أسباب تطورها، خلافا للفكر المسيحي الغربي الذي تمكن من بلورة إرادة معرفة اتخذت من الإسلام موضوعا لها.

انتهت العصور الوسطى بتصاعُد الحضارة الغربية وانحسار المدّ الإسلامي العربي، وقد كانت تأملات ابن خلدون خير شهادة على مدى رسوخ الوعي الشقي بهذا الوضع الجديد في الوجدان العربي الإسلامي. غير أن الأهم أن حالة الانحسار تلكَ اقترنت بتبدد إرادة المعرفة في العالم الإسلامي، لأنها فرضت واقعا من الانغلاق والتشرنق على الذات حال دون مواصلة الانفتاح على الآخر والإفادة منه. يقول أفاية؛ “للتاريخ مكره الخاص، لأنَّ الأنساق الفلسفية التي بناها العربُ والمسلمون بتأثيرٍ من الفلسفة الإغريقية، جاءَت تتويجاً لقدرة الثقافة العربية على الاستفادة من انفتاحات الآخرين. لكن انحسار هذه الإرادة من المعرفة أدى إلى انغلاق في النظر وخروج من التاريخ’”[48]. هناك، إذن، علاقة وثيقة بين الانزواء على الذات وتبدد إرادة المعرفة، وبين هذه الأخيرة وشرط التقدم الحضاري والتاريخي. لا يشكك أفاية في أنَّ ما أنجزه العرب المسلمون من تقدم حضاري كان نتيجة قدرتهم على الانفتاح وإرادة المعرفة التي كرستها، وأن خبوَّ تلك الإرادة أتى يجسد شعورا بالضعف والانحسار الحضاري، كرسه منطق المقارنة الذي استند عليه الفكر الإسلامي في بناء صورته عن ذاته وعن الآخر. لقد سبق لأفاية أن رصد ضعف “الفضول المعرفي” عند المسلمين في ما يتعلق بتعرفهم على الحضارة البيزنطية، فقد ‘‘اقتبس الإسلام من التجربة التاريخية البيزنطية بعض أساليب التنظيم الإداري والتدبير السياسي، ولم يكن فضوله المعرفي يرقى إلى مستوى الاطلاع على الأسس الفكرية الدينية والتاريخية التي جعلت من بيزنطة، وقتئذٍ، نموذجاً”[49]. يبقى الفضول المعرفي مفتاح فهم ضعف إرادة المعرفة الذي طغى على الوعي الإسلامي في لحظات تراجعه الحضاري والتاريخي؛ فالانفتاح الحضاري على الآخر، والتفاعل الندي معه، مثَّل بيئة لتشكل وعي بالذات والآخر لا يمكن فصله عن مظاهر التقدم الحضاري الذي عرفه الإسلام في اندفاعته التاريخية، ولا غرابة أن يكون خبوُّ ذلك الفضول، والركون إلى التصنيفات النمطية التبسيطية والمريحة، والاكتفاء بأحكام معيارية جامدة في تعاملنا مع الآخر، علامة فارقة على تقهقر حضاري.

خاتمة.

لا يعني هذا القول، ودرءاً لكل سوء فهم، أن أفاية يكتفي بردّ الصورة التي كوّنها الوعي الإسلامي العربي عن الغرب إلى ضعف إرادة المعرفة وانحسارها لدى المسلمين، بقدر ما يعني أنَّ فهم تلك الصورة يستدعي استحضار هذا العامل بالضرورة. تتضح أهمية إرادة المعرفة عندما نعقد مقارنة بقوة حضورها لدى الغرب المسيحي المنتصر، الذي حوّل الآخر، العرب والمسلمين، إلى موضوع للمعرفة والبحث، وذهب بعيداً في بناء صورة له مغايرةٍ لتلك التي تحدَّرت إليه من مرحلة الصراع المسيحي الإسلامي. لذلك يبقى كل تفكير في علاقتنا بالغرب تفكيرا في الصورة النمطية التي كوناها عنه، وفي مدى قدرتنا على الانفلات من قبضتها والوعي به انطلاقا من إرادة معرفة جديدة. لا ينكر أفاية أنَّ محاولات جادة لإعادة بناء فهمنا للغرب شهدها الفكر العربي الحديث والمعاصر. ولا يمكن أن ننكر، أيضاً، أن المفكرين العرب استطاعوا إنتاج خطاب نقدي يسائل الغرب ويفكك منطلقاته المعرفية وأسس تصورنا له في الآن ذاته. بل ويحاول تصحيح الصورة النمطية التي تكونت عن الغرب في المخيال العربي بعد مرحلة الاستعمار والهيمنة الإمبريالية، بالدعوة إلى التمييز فيه بين الغرب المتوحش والغرب الإنساني؛ غرب الإنسانوية والأنوار والحرية ودولة الحق..الخ، الغرب الذي رأى فيه عبد الله العروي المتاح للبشرية جمعاء. بيد أنَّ قوة الأحداث الراهنة ومأساوية الصدام بين الإسلام والغرب سرعان ما كشفت عن ضعف هذه الدعوة وهشاشة أسسها، وإلى انتعاش الصورة النمطية القديمة عن الغرب، وسرعان ما دبَّ في أوصال الوعي العربي شعور بالإحباط والكفر بالغرب وشعاراته، لتتعالى الأصواتُ الداعية إلى التخلي عن الفكر الغربي وفلسفته، واعتبارها جزءاً من رؤيته الاحتقارية إلى الإسلام والعرب. هل نحن أمامَ الموقف العاطفي نفسه الذي هيمن على تاريخ تمثلنا للغرب، أم أنَّ الأمر يتعلق بعطب في عقلانية الغرب نفسها، التي ما فتئت تولد فينا ردود فعل غير عقلانية كلما تعلق الأمر بأسئلة الهوية والذات والمصير؟!

يقول أفاية في خاتمة الغرب المتخيّل؛ ‘‘إلاَّ أنَّ الغرْب لم يعد غرباً حتى بالنسبة إلى ذاته، جغرافيا ودينيا وفلسفياً وعرقياً (..) والعروبة، ذاتها، مطالبة بالتفاوض على مكانتها في زمن العالم (..) وإعلان إرادة حقيقية للمعرفة وللفهم لتطوير بعض الانفتاحات الإبداعية داخل الفكر العربي. فالغرب، في وجوده الواقعي والافتراضي، لا نفع معه الارتكان إلى مواقع ارتكاسية، بل هو يستفيد منها لسحقها أكثر أو لاستغلالها في الصراع الدولي على المواقع والمصالح’’[50]. نجد في هذا القول دعوةً إلى التمسُّك بالعقلانية وعدم الانجرار وراء مواقف ارتكاسية لن تخدم غير الغرب، وهذا ما يفسر حاجتنا إلى الغرب المتخيّل ومنظوره التركيبي والتفهمي وحسِّه النقدي، لفهم الصورة التي نحن بصدد رسمها اليوم، في هذا السياق تحديدا، عن الغرب، كما حاوَل أفاية فهم الصورة التي رسمناها عنه بالأمس.

_____________________________________________

المصادر والمراجع:

[1] – نترك جانبا النقاش الذي أثاره بعض المؤرخين حول مشروعية الحديث عن عصور وسطى في التاريخ الإسلامي. انظر؛ توماس باور، لماذا لم توجد عصور وسطى إسلامية؟ ؛ الشرق وتراث العصور العتيقة، ترجمة عبد السلام حيدر، بغداد، منشورات الجمل، 2020، ص. 13.

[2] – نور الدين أفاية، الغرب المتخيّل؛ صورة الآخر في الفكر العربي الإسلامي الوسيط، الدار البيضاء؛ المركز الثقافي العربي، 2000، ص. 308.

[3] – أفاية، الغرب المتخيل، مرجع سابق، ص. 31.

[4] – المصدر نفسه.

[5] – عبد الإله بلقزيز، ما قبل الاستشراق: الإسلام في الفكر الديني المسيحي، بيروت؛ مركز دراسات الوحدة العربية، 2021، ص. 34.

[6] – المصدر نفسه، ص. 24.

[7] – المصدر نفسه، ص. 27.

[8] – المصدر نفسه، ص. 31.

[9] – المصدر نفسه، ص. 37.

[10] – الصفحة نفسها.

[11] – المصدر نفسه، ص. 307.

[12] – عبد الإله بلقزيز، ما قبل الاستشراق، ص. 45. انظر كذلك؛ عبد الإله بلقزيز، نقد الثقافة الغربية، في الاستشراق والمركزية الأوربية، بيروت؛ مركز دراسات الوحدة العربية، 2017، ص. 23.

[13] – أفاية، الغرب المتخيّل، ص. 307.

[14] – محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، بيروت؛ مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة العاشرة، 2009، ص. 23.

[15] – أفاية، الغرب المتخيل، ص. 78.

[16] – المصدر نفسه، ص. 289.

[17] – عبد الإله بلقزيز، الغرب؛ صور ومفارقات: سردية نقدية، بيروت؛ منتدى المعارف، 2022، ص. 36.

[18] – والتر كايجي، الغزوات الإسلامية الأولى على الأناضول وردود الفعل البيزنطية في عهد الإمبراطور كونسطانس الثاني، ضمن كتاب؛ إيمانويلا غرايبو (وآخرون)، المواجهة بين المسيحية الشرقية والإسلام المبكر، ترجمة شرين حداد، بيروت؛ المركز الأكاديمي للأبحاث، 2016، ص. 119.

[19] – الصفحة نفسها.

[20] – إدوارد سعيد، الاستشراق؛ المفاهيم الغربية عن الشرق، ترجمة محمد عناني، القاهرة؛ رؤية،2008، ص. 114

[21] – أفاية، الغرب المتخيّل، ص. 288.

[22] – المصدر نفسه، ص. 80..

[23] – أبو موسى الحريري، قس ونبي؛ بحث في نشاة الإسلام، بيروت؛ دار لأجل المعرفة، 2005، ص. 24. انظر أيضا؛ ملحم شكر، المسيحية واليهودية المتنصرة في الضاحية العربية-البيزنطية عشية الفتح الإسلامي، بيروت؛ منشورات الجمل، 2020، ص.382.

[24] – في هذا السياق عينه شدد هشام جعيط على أهمية شخصية النبي وأثر مبادراته في تشكل الدعوة الإسلامية ونجاحها؛ انظر؛ هشام جعيط، تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، بيروت؛ دار الطليعة، 2007، ص. 22.

[25] – أفاية، الغرب المتخيل، ص. 73.

[26] – المصدر نفسه، ص. 77.

[27] — ذكره؛ المصدر نفسه، ص. 77.

[28] – الصفحة نفسها.

[29] – المصدر نفسه، ص. 78.

[30] – المصدر نفسه، ص. 80.

[31] – نجيب جورج عوض، المسيحية الأموية؛ يوحنا الدمشقي كمثال سياقي لتشكل الهوية مطلع الإسلام، ترجمة بيدة عامر، بيروت؛ الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2024، ص. 157.

[32] – المصدر نفسه، ص. 98.

[33] – Jean Damascène, Ecrits sur l’Islam, (présentation, commentaires et traduction par Raymond Le Coz), Paris, CERF, 1992,  p, 211.

[34] – انظر حول هذه المسألة؛ عبد المجيد الشرفي؛ في الردّ على النصارى (إلى نهاية القرن الرابع/العاشر)، بيروت؛ دار المدار الإسلامي، الطبعة الثانية، 2007، ص.288.

[35] – أفاية، الغرب المتخيّل ، ص. 117.

[36] – المصدر نفسه، ص. 118.

[37] – المصدر نفسه، ص. 119.

[38] – الصفحة نفسها.

[40] – هشام جعيط، أوروبا والإسلام؛ صدام الثقافة والحداثة، بيروت؛ دار الطلبعة، الطبعة الثانية، 2001، ص. 12.

[41] – Norma, Daniel, Islam et Occident, op, cit, p. 49.

[42] – رتشارد سوذرن، صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى، ترجمة رضوان السيد، بيروت؛ دار المدار الإسلامي، الطبعة الثانية، 2006 ص.80.

[43]– يقول سوذرن؛ “أما فيما يتصل بحياة النبي محمد، فإنّ المؤلفين الغربيين ورثوا معلوماتٍ قليلة متحيزة عن البيزنطيين. هذه المعلومات يمكن إيجازها كما يلي؛ محمد رجل مسيحي الأصل، تزوج أيَّماً ثريةً، وكان مصاباً بالصرع. وتحدد هدفه بسحق المسيحية عن طريق اشتراع حرية جنسية واسعة. وعلى أساس من هذه المعالم القليلة (والمضللة) بنى الغربيون في القرن الثاني عشر بناءً ضخما من الحكايا. وقد اعتاد المؤلفون اللاتينيون أن يطرحوا على أنفسهم أسئلةً عن محمد الإنسان، وعن أسباب انتشار دعوته؛ ثم يجيبون عليها بأنه كان ساحراً استطاعَ بسحره وسعة حيلته أن يقضي على الكنيسة في إفريقيا والشرق، وأن يثبّت دينه ويغري الناس باتباعه بحرية جنسية أتاحها لمعتنقي دينه”. المرجع نفسه، ص. 67.

[44] – Maxime Rodinson, La fascination de l’Islam, Paris, La découverte, 1989, p.35.

[45] – جعيط، أوروبا والإسلام، ص. 14.

[46] – أفاية، الغرب المتخيّل، ص. 142.

[47] – المصدر نفسه، ص. 193.

[48] – المصدر نفسه، ص. 252.

[49] – المصدر نفسه، ص. 204.

[50] – أفاية، الغرب المتخيل، ص. 317.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete