أفق القبول: مراجعة لمفهوم التّسامح

 تكوين

يثبت علم الدّلالة أنّ للكلمات نوعين من المعاني: معنى مرجعيّا يحيل على موضوع الكلمة حسّيّا كان أم مجرّدا، ومعنى التزاميّا يحيل على الدّلالات الحافة المتّصلة بالكلمة كأن يحيل اللّون الأحمر مثلا على الخطر أو أن تحيل الشّمس على النّور[1]. وعادة ما تصّنف المعاني الالتزاميّة إلى  معان ذات شحنة إيجابيّة ومعان ذات شحنة سلبيّة. ومن اللّطيف أنّ كلمة “التّسامح” الّتي نهتمّ بها اليوم، يمكن أن تُقرأ دلالاتها الالتزاميّة إيجابا وسلبا.

ما هو مفهوم التسامح؟

1-عندما يكون التّسامح كلمة حقّ يُراد بها “باطل”:

الظّاهر أنّ كلمة التّسامح من حيث جذرها الاشتقاقيّ: (س،م،ح) تحيل على السّماحة بمعناها المعجميّ ذي الحقل الدّلاليّ الإيجابيّ تساهلا ولينا تجاه الغير[2]، وبهذا المعنى للتّسامح يتحدّث الإعلام والرّأي العامّ اليوم عن التّسامح بين الأديان والمعتقدات المتنوّعة والثّقافات المختلفة. وفي هذا الحقل الدّلاليّ تنتظم ملتقيات وندوات وتدور حوارات وتحبّر مقالات وكتب وتنجز أبحاث ودراسات.

غير أنّ هذا المعنى الظّاهر لكلمة “التّسامح” يخفي معنى ضمنيّا لا ينفذ إليه العقل إلاّ عبر التّأمّل رغم أنّ اللاّوعي ينفذ إليه حدسا. هذا المعنى ذو علاقة بوزن كلمة “التّسامح” والفعل المتّصل بها أي “تَسَامَحَ”، وهو وزن “تفاعل”. فهذا الوزن يفيد الاشتراك شأن قولك: تعانق وتحابّ وتعارف، ولكنّه يفيد أيضا التّظاهر بغير الحقيقة[3]. وهذا شأن الفعل: “تجاهل” الّذي يفيد التّظاهر بالجهل، أو “تعالم” الّذي يفيد التّظاهر بالعلم أو “تمارض” الذي يفيد التّظاهر بالمرض. بل إنّ النّحاة العرب القدامى يشير بعضهم إلى أنّ هذا التّظاهر يستدعي بذلا للجهد لتبان الصّورة المرجوّة الّتي هي ظاهرٌ مخالف للحقيقة.

ولا يذهبنّ في ذهنك أيّها القارئ الكريم أنّنا نروم تقديم درس في اللّغة، إنّنا فحسب لا ننسى أنّ اللّغة هي الّتي تنشئ تمثّلاتنا للعالم وترميزنا له، ومن هنا فإنّ الاستناد إليها وتحليل خفاياها ومعالجة أبعادها هي أمور منهجيّة ضروريّة. وبعبارة أخرى، فإنّ اللّغة هي السّبيل إلى كشف كثير من أسرار سلوكنا ومعاملاتنا ومخيالنا.

وفي هذا السّياق، نودّ أن نولي اهتمامنا إلى المعنى الضّمنيّ الّذي تحيل عليه كلمة “التّسامح” والمتّصل بدلالة وزن “تفاعل” على التّظاهر بالشّيء. وهذا المعنى شائع لدى البعض. فمِن النّاس منْ يستعمل هذه الكلمة بما يوحي أنّه مضطرّ أو مجبر على بذل جهد من أجل التّسامح مع من يحمل فكرا مختلفا أو عقيدة أخرى. وكأنّ على المتسامح أن يتعطّف ويتكرّم ويتنازل ويكره نفسه على السّماحة في التّعامل مع المختلف في حين أنّ الأصل هو رفضه وإقصاؤه وإلغاؤه إن لم يكن فعليّا فعلى الأقلّ رمزيّا. ولا تتفرّد اللغة العربيّة بهذا المعنى الضّمنيّ ذلك أنّ المرادفين الفرنسيّ والأنجليزيّ لكلمة التّسامح وهما “tolérance”  و”tolerance” لا يخلوان من الدّلالات الالتزاميّة الّتي تفيد بذل الجهد بل التّعطّف للتّسامح مع الآخر. ولعلّ وجود معنيَيْ الجود والكرم ضمن معاني التّسامح المعجميّة يؤكّدان هذا الحقل الدّلاليّ.

إقرأ أيضًا: التسامح بين ممكنات الواقع وفلسفة الاختلاف

ولا شكّ أنّ هذه الأبعاد الدّلاليّة للتّسامح لم تأت من فراغ وإنّما منطلقها تصوّر ضمنيّ مفاده أنّ هناك فريقا أو جماعة هم على صواب وأنّ هناك فريقا أو جماعة هم الآخرون، والآخرون دوما على خطإ. ولئن كان بعض النّاس -عبر التّاريخ وإلى اليوم- يتقاتلون بطرق مختلفة وأشكال شتّى في سعي إلى إلغاء من يتصوّرونه مختلفا فإنّ البعض الآخر أصبح يدعو إلى التّسامح مع المختلف ليس لأنّ هذا المختلف يمكن أن يكون على صواب، ولكن لأنّه يجب التّكرّم والتّعطّف بهدف عدم إيذاء من هو على خطإ. ويكون ذلك التّكرّم والتّعطّف من باب سماحة النّفس وَجُودها.

وإنّنا لا ننكر أهمّية التّطوّر البشريّ في المرور من السّعي إلى إقصاء الآخر في مرحلة أولى إلى إجبار النّفس على التّعامل مع الآخر وقبول وُجوده عن مضض في مرحلة ثانية، ولكنّنا نعتقد أنّ الفعل الأجدى في تحقيق التّعايش بين البشر على تعدّدهم  واختلافاتهم ليس تعطّفا ظاهريّا يجبر المرء عليه نفسه بشكل من الأشكال، وإنّما التّسامح المنشود هو فعل نفسيّ يؤسّس لإعادة نظر عميقة في ثنائيّة الأنا والآخر. وهذا ما يخرج بنا من التّسامحّ لطفا وكرما إلى التّسامح جوهرا وأصلا. ونسم هذا الضّرب من التّسامح بالقبول. وإنّنا بتأسيس مفهوم القبول، ننشد أن نعود بالتّسامح إلى دلالته الإطيقيّة الجوهريّة بعيدا عن اعتماده مجرّد كلمة شائعة “على الموضة” مثلما تشيع بعض التّقليعات، وبعيدا عن استعمال الكلمة جسدا بلا روح ودالاّ دون مدلول.

الفرق بين التسامح والقبول

2-من التّسامح إلى القبول:

يشيع أن يتصوّر المنتمون إلى دين مّا مثلا أنّ دينهم هو الطّريق الوحيد الصّحيح. وتجدهم يسعون إلى نشره ودعوة الآخرين إلى اعتناقه واتّباع تعاليمه. وليس في هذا الأمر إشكال في ذاته ذلك أنّ طبيعة التّعايش بين البشر تقوم على التّفاعل وعلى سعي البعض منهم إلى إقناع البعض الآخر بفكرة أو موقف. متى يبدأ المشكل إذن؟

يبدأ المشكل عندما تتصوّر مجموعة مّا أنّ على الآخر المختلف إمّا أن يصبح مماثلا للمجموعة يدين بدينها ويرى رؤاها ويقف مواقفها أو أنّه يستأهل الإلغاء والإقصاء أو الشّتم والسّبّ في أضعف الأيمان. ويترسّخ المشكل عندما تجنح مجموعة مّا إلى سلوك فعليّ يهدف إلى إلحاق الأذى بالآخر المختلف. ويدخل في هذا المجال بعض ما يحصل هنا وهناك في العالم من أعمال إرهابيّة تعتدي على المقابر أو على الأشخاص أو على بيوت الدّين أو على مراكز التّرفيه. ولا تخلو العشريّة الأخيرة في العالم من التّمثيل لضروب الاعتداءات المتنوّعة هذه. ويبلغ المشكل أَوْجَهُ عندما يصبح القائمون بترهيب الآخرين والمعتدون عليهم أصحاب إيديولوجيا و”نظريّة” تبرّر للعنف وتعتبره مشروعا بل محمودا، هذا إذا لم يدّع هؤلاء أنّهم يلتزمون ب”أوامر دينيّة” وينفّذون “تعاليم إلهيّة”.

على أنّ هذا الضّرب من الإرهاب على خطره وانتشاره لهو ممّا يتّفق العقلاء على مقاومته والتّصدّي له بالوسائل الملائمة والأساليب النّاجعة. أمّا الضّرب الأخطر من الإرهاب، فهو أن تجد بعض النّاس يُبدون عدم سعيهم إلى إقصاء الآخر فعليّا بالتّعنيف المادّيّ، في حين أنّهم، في واقع الأمر، يقصون المخالف لهم رمزيّا إذ يتصوّرون أنّ تسامحهم إزاءه مزيّة منهم وكرم.

إقرأ أيضًا: الاختلاف وسُبل العيش معًا

وإنّي إذ أشرتُ في بداية المقال إلى ضرورة تذكّر معنى “التّسامح” بصفته مِنَّةً، فذلك لبيان خطر هذه القراءة للتّسامح ومساهمتها في التّمييز المعياريّ بين البشر من حيث هي تُوهم بالجمع بينهم. إنّ هذا المعنى للتّسامح يفرّق البشر إلى جماعات على صواب، تتنازل وتتعطّف وتتكرّم حتّى تتسامح مع سواها من المختلفين المنتمين إلى حضارات أخرى أو ثقافات مختلفة.

إنّ هذا التّنازل الضّمنيّ مزعج ومستفزّ، ونحن ننشد مراجعة مفهوم كلمة التّسامح والسّير بها نحو أفق دلاليّ قريب منها دون أن يحمل معنى المنّة والعطاء، وهو مفهوم القبول. فالقبول لا يدلّ ظاهرا ولا ضمنيّا على إجبار النّفس على التّعايش مع الآخر. ومفهوم القبول هذا ذو جذور فلسفيّة وروحانيّة عميقة في الفكر والفلسفة البشريّين. ويكفي أن نضرب مثالين شائعين أحدهما من ثقافة العرب المسلمين وثانيهما من ثقافة الغرب المسيحيّ.

  • فأمّا المثال الأوّل فيجسّمه قول الإمام الشّافعي:

“رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصّواب“

  • وأمّا المثال الثّاني فيجسّمه ما يُنسب إلى فولتير (Voltaire) من أنّه قال:

“لست أوافقك الرّأي لكنّي أدفع عمري ثمنا لحرّيتك في التّعبير عن رأيك“.

إنّ كلاّ من الشّافعي وفولتير – ولا يهمّنا شخصهما بقدر ما يهمّنا بعد تمثّلهما الرّمزيّ للأنا والآخر- يضع رأيه وموقفه من جهة ورأي الآخر وموقفه من جهة ثانية في نفس المستوى الاعتباريّ. لا يعني هذا أنّ رأي الأنا ورأي الآخر واحد من حيث المضمون والمحتوى ولكنّه يعني أنّ رأي الأنا ورأي الآخر واحد من حيث القيمة الممكنة ومن حيث الصّدق الجائز. فليس هناك موقف بأَوْلى من موقف آخر مبدءا وليس هناك  رأي بأَوْلى من رأي آخر مصادرة. وكلّ النّاس يُؤخذ عنهم ويُردّ.

3-أسس القبول:

يقوم مفهوم القبول على جملة من الأسس الّتي يغفل عنها النّاس وينسونها. وإنّنا نزعم أنّ تذكّرها والتّذكير بها من خلال التّربية والثّقافة والإعلام كفيل  بتجذير القبول في النّفوس وترسيخه في القلوب.

  • 3-1 تذكّر النّسبيّة:

أولى أسس ثقافة القبول ضرورةُ تذكّرِ أنّ المعرفة المطلقة هي للّه تعالى وحده وأنّ طبيعة الحياة البشريّة أن تقوم على الاختلاف وعلى تعدّد وجهات النّظر وعلى كثرة الرّؤى والمقاربات. إنّ ما يجب أن يجمع هذه الرّؤى والمقاربات كلّها هو وعي عميق بأنّها كلّها قراءات بشريّة نسبيّة. علينا أن لا ننسى أنّ المعنى اللّغوي الأصليّ لكلمة “النّسبيّة” يجعل كلّ موقف أو رأي أو مفهوم صحيحا “بالنّسبة إلى” الشّخص الّذي يؤمن به أو “بالنّسبة إلى” الجماعة الّتي تتبنّاه. وهذا ما يقتضي أنّ نفس الموقف أو الرّأي أو المفهوم لن يكون صحيحا بالنّسبة إلى من لا يؤمن به أو لا يتبنّاه.

استحضار النّسبيّة، استحضار أنّ كلّ شيء هو شيءٌ “بالنّسبة إلى” يذكّرنا دوما أنّ هناك موضوعا تحدّده الذّات وأنّ المواضيع تختلف باختلاف الذّوات الّتي تتمثّلها. ولو لم يكن الأمر كذلك لما ميّز الفيلسوف إيمانويل كانط بين الموضوع (l’objet) والشّيء (la chose).

  • فأمّا الموضوع، فهو نسبيّ لأنّه لا يكون إلاّ في علاقة بالذّات
  • وأمّا الشّيء فمتصوَّرٌ لا يمكن تمثيله، ولذلك يوسم ب”الشّيء في ذاته” (la chose en soi)، ولا يكون إلاّ مفترضا فحسب.

إنّ تذكّر النّسبيّة هو من وجوه تسليم المرء بحدوده البشريّة، ذلك أنّ القول الفصل ليس من سمات هذا العالم النّسبيّ المتحوّل الزّائل، وإنّما القول الفصل لله تعالى وحده. فهو الذّات المطلقة الواحدة الّتي لا تتحدّد ب”النّسبة إلى”، وهي الذّات المطلقة الّتي يتحدّد بها وحدها الكون كلّه بما فيه ومن فيه. والنّاظر في القرآن يتبيّن أنّه، شأنه في ذلك شأن الرّسالات الدّينيّة والرّوحانيّة الأخرى، يؤكّد هذه الحقيقة الجوهريّة.

ماذا قال الله عن الاختلاف؟

فاللهّ تعالى يكرّر في مواضع كثيرة من كتابه الكريم أنّ البشر يختلفون وأنّ الله تعالى هو الّذي ينبّئهم بما اختلفوا فيه. يقول الله تعالى:

  • “فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون“[4]
  • “ثمّ إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون“[5]
  • “إلى الله مرجعكم جميعا فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون“[6]
  • “ثمّ إلى ربّكم مرجعكم فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون“[7]
  • “إنّ ربّك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون“[8]
  • “وليبيّننّ لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون“[9]
  • “الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون”[10]
  • “إنّ ربّك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون[11]
  • “إنّ ربّك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون“[12].

هذه الآيات كلّها، وقد قصدنا عرضها على تقارب معناها، تؤكّد أمرين أوّلهما أنّ الاختلاف بين النّاس لازم وضروريّ، وثانيهما أنّ الله تعالى هو الوحيد الّذي يقضي في هذا الاختلاف. ولا يكون هذا القضاء الإلهيّ في هذه الدّنيا النّسبيّة حيث الاختلاف لازم، وإنّما في الحياة الأخرى. ولعلّنا نذهب إلى أنّ تكرار إسناد فصل الاختلاف بين البشر إلى الله تعالى وحده لا يمكن أن يكون عفوا، وإنّما هذا التّكرار هو من حكمة الله تعالى، فهو عزّ وجلّ يعلم صعوبة قبول الغير من قبل بعض النّفوس البشريّة لا سيّما الميّالة منها إلى النّمطية والقلقة من وجود الإمكان الآخر. ومن هنا يكون تعدّد الآيات المذكّرة بامتلاك الله تعالى وحده الحقيقة متناسبا مع توهّم بعض النّاس مشاركته إيّاه فيها.

إقرأ أيضًا: التنمية حرية: كيف نؤسس مجتمعا يقبل الاختلاف؟

  • 3-2:  تذكّرْ أنّ كلّ الآراء والمواقف لازمة أنطولوجيّا:

تصوّرْ كونا لا يوجد فيه إلاّك. أينما تلتفت لا تجد إلاّ صورا عن ذاتك بالمواقف ذاتها والآراء نفسها والتّمثّلات عينها. هذا الكون لا يمكن أن يكون إلاّ “فانتازما” أو خيالا، بل لعلّ الخيال نفسه يعجز عن تمثّله وتمثيله ذلك أنّ الوجود يقوم بالضّرورة على ثنائيّة الأنا والغير. هذه ثنائيّة أساسيّة، وهي شرط وجود سائر الثّنائيّات الأخرى. لا ننسى أنّ كلّ شيء في الكون له بالضّرورة مقابل. في هذا السّياق نفهم قوله تعالى: “سبحان الّذي خلق الأزواج كلّها ممّا تنبت الأرض ومن أنفسهم وممّا لا يعلمون“[13]. الكون أزواج، وهذه الأزواج تشمل كلّ شيء. لا يوجد نهار دون ليل ولا أبيض دون أسود ولا طول دون قصر ولا جمال دون قبح. كلّ عنصر مفتقر بالضّرورة إلى مقابله ليكون. وكذا علاقة الأنا بالآخر أو النّحن بالغير.

يمكن أن نقول إنّ وجود الغير هو شرط وجودك. إنّ منافسك في مباراة كرة القدم، ذاك الّذي تريد بكلّ السّبل الانتصار عليه، هو من يوفّر بوجوده إمكان تحقّق اللّعبة نفسها. وإيديولوجيّتك الّتي تُقسم أنتَ أنّها الصّواب عينه وأنّها من سيحلّ مشاكل البشر الاقتصاديّة والاجتماعيّة، هل يكون لها من قيمة لو لم تكن الإيديولوجيا الّتي تَعْتَبِرُها “خاطئةً” موجودة، ولو لم تكن تلك الإيديولوجيا “الخاطئة” تجد حظوة لدى بعض النّاس؟

إنّ وجود الأنا والآخر ضروريّ لتحقّق لعبة الحياة ذاتها. ووجود الأنا والآخر يقتضي أنّ حيواتنا وتجاربنا مختلفة ومتنوّعة، وهذا التّنوّع هو ما يصنع تعدّد الهويّات. ومن هذا المنظور، فإنّه يكون من المفيد أن يتذكّر المرء أنّ لكلّ واحد منّا دورا في الحياة لا بدّ أن يكون مختلفا عن دور الغير، وإلاّ فكيف ستُكتب الحكاية؟  كثير من الفلاسفة والمفكّرين يشبّهون الحياة بخشبة مسرح كبرى فيها شخصيّات متنوّعة. ولا يمكن أن تكتمل المسرحيّة إلاّ بوجود أدوار مختلفة. قد يعترض البعض مستندا إلى ما يُسمّى مسرح الممثّل الواحد (the one man show). وهذا اعتراض شكليّ لأنّ الممثّل الواحد يقوم داخل المسرحيّة ضرورة بأدوار مختلفة.

استبطان مفهوم الدّور هذا هامّ وأساسيّ. إنّه يجعلك تعي بحدود دورك وبحاجتك إلى الآخر بالقوّة وبالفعل. إنّ مشاركتك في مسرحيّة الحياة تفترض تفاعلا مع سواك واعترافا بوجوده كما هو. ذلك أنّنا إذا اتّفقنا على أنّنا مجرّد أدوار في الحياة، فكيف يمكن أن لا نقبل الآخر؟ بل كيف يمكن أن نحكم على الغير أصلا؟

ماذا نعني بالحكم هنا؟ نعني بالحكم هنا أن يكون لنا موقف مّا من الآخر أو أن يكون لنا رأي فيه. وهذا مبدئيّا أمر عاديّ. المشكل يبدأ عندما ننسى أنّنا بإزاء حكم نسبيّ ونتصوّر أنّ حكمنا هو الحقيقة المطلقة. بعبارة أخرى، يبدأ المشكل عندما لا نحكم على الآخر من منظور الدّور أو الشّخصيّة وإنّما نحكم عليه من منظور الشّخص.

هذا التّمييز مفتقر إلى توضيح، ولعلّ الأمثلة كفيلة بالتّوضيح:

من يَقُل “حكما على الآخر”، يَعْنِ ضرورة تلوينا إيجابيّا أو سلبيّا. يمكن أن تحكم على صديقك بأنّه طيّب ورقيق. يمكن أن تحكم على حبيبك بأنّه فائق الجمال. هذا حكم إيجابيّ عادة. ويمكن أن تحكم على زميل لك بأنّه بخيل أو أن تحكم على زوجك بأنّه أحمق، وهذا حكم سلبيّ عادة. إذا كنت واعيا أنّ حكمك، مهما يكن، هو مجرّد تمثّل فرديّ للكون ممكن وأنّه لا يمثّل حقيقة مطلقة، إذا كنت تقبل أنّ بعضهم يرى صديقك مملاّ أو حبيبك متصنّعا أو زميلك مدبّرا أو زوجك ذكيّا، فلا إشكال. إنّ الحكم من لوازم التّعامل ببين البشر لأنّه متّصل بالمنظور البشريّ النّسبيّ لقراءة الخير والشّرّ. ولكن المفروض أن يكون حكما خفيفا لا مباليا متلائما مع مفهوم ارتداء الدّور. ألا تترجم العربيّة حرفيّاjouer un rôle  أو play a part ب”لعب دورا”. إنّنا جميعا “نلعب” الأدوار المنوطة بعهدتنا، وفي كلّ مسرحيّة أو شريط صراعات وخلافات ومصالح متضاربة وأحكام متنوّعة. ولكنّ ذلك كلّه يكون في سياق اللّعب. لا ننسى أنّ الحياة الدّنيا لعب ولهو[14]. واللّعب متقابل مع الجدّ، والحكم في سياق اللّعب ليس نفسه الحكم المتّسم بصرامة الجدّ. يمكن طبعا أن تتساءل: كيف تتأكّد أنّ حكمك خفيف لا مبال؟ المقياس هو بكلّ بساطة أن لا يكون قلبك مليئا بالكره تجاه الغير، المقياس هو أن تسير في الحياة بخفّة الممثّل يفعل ما يجب فعله دون تماه ولا تصديق، المقياس هو أن يمرّ ذاك الحكم كومضة أو بارقة تحيل على الإجرائيّ دون أن يكون لها بالجوهريّ وثيق علاقة. يمكن مثلا أن تحكم على ابنك بأنّه كسول، ويمكن أن تبذل مساعي وجهدا لتشجيعه على النّشاط ونبذ التّراخي، لكن المهمّ أن لا يكون قلبك حزينا مفعما بانفعالات الأسى أو القلق أو النّدم وما إلى ذلك ممّا ينتج عن الأحكام الجادّة الّتي يصدّقها المرء بل يغرق في تصديقها ويغرق بالنّهاية فيها.

إنّ الممثّل يعرف جيّدا أثناء أدائه للدّور أنّه مجرّد شخصيّة. صحيح أنّ عليه أن يتماهى معها ويرتديَ سلوكها وأهواءها ورؤيتها للكون، ولكن دون أن ينسى أنّه القائم بالدّور. تصوّروا ممثّلا ينسى أنّه يقوم بدور مّا، ويواصل تقمّص دوره حتّى بعد إسدال ستار المسرحيّة. تصوّروا فنّانا شهيرا يقوم بدور “سقراط”، ويعود إلى منزله على أنّه سقراط، ويجالس أصدقاءه بالمقهى على أنّه سقراط، ويعارك زوجته على أنّه سقراط. في هذه الحال، إمّا أن نعتبر هذا الشّخص مازحا مستفزّا…أو أن نعتبر أنّه قد جُنّ. ألم يقل المحلّل النّفسيّ جاك لاكان (Lacan): “إنّ الممثّل الّذي يعتقد أنّه ملك هو مجنون، ولكنّ الملك الّذي يعتقد أنّه ملك لا يقلّ عنه جنونا“[15]؟

إنّ استحضار مفهوم الدّور وما ينتج عنه من حكم خفيف لامبال على الغير هو من أسس القبول النّفسيّة العميقة.

  • 3-3 تذكّر أنّ فيك كلّ شيء/ قبولك الآخر هو قبول لنفسك

يقبل عموم النّاس عيوبهم بيسر شديد، هذا إذا أقرّوا بها واعترفوا. وفي مقابل ذلك يعسر على جلّهم أن يقبل ما يعتبره عيوبا لدى الآخرين.

وعموما، يندر أن ينظر الإنسان في مختلف وجوه ذاته نظرة مجرّدة محايدة أو على الأقلّ نظرة تقرب أكثر ما يمكن من التّجرّد والحياد. في أغلب الأحيان يؤلّف الإنسان عن نفسه صورة معيّنة ويصدّقها ويحاول أن يحيا استنادا إليها، في أغلب الأحيان يحاول الإنسان أن يبرّر ما يبدو له “سلبيّا” في ذاته، ويفتخر، ظاهرا أو ضمنيّا، بما يبدو له “إيجابيّا” في ذاته. في حال التّبرير، عادة ما يُسقط المرء ما يراه “سلبيّا” على الآخر. فهو قد عنّف صاحبا أو حبيبا لأنّ ذاك الصّاحب أو الحبيب “استفزّه”، وهو قد اعتدى على غيره لأنّ ذاك “الغير” قد ألحق به أذى. لسان حالنا يقول: “أنا شتمته لأنّه ترك سيّارته وسط الطّريق” أو “هل تريد منّي أن لا أضربه وهو الّذي أهان ابنتي؟”… وقد يحوّل المرء ما يبدو سلبيّا إلى إيجابيّ ومحمود باسم الظّروف والسّياق والمقام. فهو قد انتحل أفكار أطروحته لأنّه لن يجد وقتا لإتمامها ولأنّه سيبقى عاطلا إن لم ينتحل. ثمّ إنّ جلّ من يدرّسون في الجامعات انتحلوا أبحاثهم ومستواهم العلميّ ضحل، أليس كذلك؟ وهو قد دفع رشوة لأنّ قضاء شأنه لن يتمّ إن لم يدفع رشوة. فما ذنبه إذا كانت البلاد كلّها تعمل وفق مبدأ الرّشوة، وما ذنبه إذا كان الفساد ينخر كلّ المجالات؟ أمّا عن خيانته لزوجته، فأمر عاديّ، إنّها لم تعد تحمل أيّا من وجوه الفتنة الّتي جذبته إليها في بداية علاقتهما. لا تتجمّل ولا تتأنّق ولا تتعطّر، أضف إلى ذلك أنّها بلغت من العمر عتيّا، فما الّذي سيجلبه إليها. ثمّ إنّ كلّ الرّجال يفعلون ذلك، فلماذا تريدون منه أن يكون الاستثناء؟

لندع جانبا هذه الآليّات الّتي نعتمدها عادة لتبرئة ذواتنا من كلّ شيء، ولنحاول أن ننظر في أنفسنا نظرة محايدة قدر الإمكان. سأبدأ بنفسي، أو بما قيل لي إنّها “أنا” ولا أظنّ أنّ الأمر يختلف بالنّسبة إليك كثيرا أيّها القارئ الكريم. أنا أعترف أنّ في نفسي كلّ الصّفات الممكنة الّتي أستحضرها والّتي لا أستحضرها. أكاد أسمعك أيّها القارئ وأنت تحتجّ: كيف؟ في نفسكِ القاتل؟ في نفسكِ السّارق؟ في نفسكِ المرتشي؟ وأنت تحدّثيننا عن القبول؟

قبل أن تتسرّع وتردّ الفعل، وما أسرع ردود أفعال الإنسان. هل تسمح صديقي القارئ بأن أوضّح لك أنّي إذ أقررتُ أنّ كلّ الصّفات الممكنة موجودة في ذاتي وذاتك أيضا، فأنا أعني أنّ هذه الصّفات موجودة بالفعل أحيانا وبالقوّة أحيانا أخرى. سأستعير مثالا أورده ديجاردان (Desjardins)[16] في واحد من كتبه: شائع أن تنزعج الأمّهات من أبنائهنّ لسبب أو لآخر بل إنّ منهنّ من تكيل على ابنها الدّعاء، ومن فرط إرهاق اليوميّ قد تصرخ إحداهنّ بأعلى صوتها: “”يا ربّ تعبت ومللت هذه الحياة”.”[17]. إنّ هذه الصّرخة تفيد ضمنيّا رغبة في غياب هذا الوضع وفي غياب الشّخص المسؤول عنه[18]. هي رغبة في قتل رمزيّ للابن. أرجو أن لا تقرؤوا كلماتي قراءة قانونيّة حيث المقام نفسيّ، ولكلّ مقام مقال. ما أعنيه من خلال هذا المثال هو أنّ القاتل موجود بالقوّة في كلّ نفس من نفوس البشر، وقد يحوّلها البعض إلى قتل فعليّ. ولا شكّ أنّ محاسبة القاتل الفعليّ من المنظور القانونيّ أمر لازم، في حين أنّ القتل الرّمزيّ الّذي نمارسه جميعا دون وعي لا يستدعي محاسبة قانونيّة. لكن ممّا لا شكّ فيه أيضا هو أنّ نوازع القتل جميعها موجودة بالقوّة لدى جميع البشر.

ضربتُ مثال القتل، ويمكن أن نضرب مثال العنف. مَنْ منّا لم يشعر يوما برغبة في تعنيف إنسان، وإن يكن بتبرير أنّه يقوم بتربيته أو يصلحه أو لعلّه ينتقم للظّالم. أحيانا تظهر نزعات العنف القائمة هذه من خلال بعض العبارات اللّغويّة المستعملة كأن يقول البعض حول من يخالفونهم الرّأي: “يستأهلون أن تُكسر رؤوسهم” أو يقولوا: “ليتهم ينقرضون”.

وفي مقابل ذلك، لا يذهبنّ في ظنّك صديقي القارئ أنّ أشدّ البشر إجراما لا يحمل في نفسه أٍرقى ضروب الحنان، أو أنّ أكثر السّياسيّين انتهازيّة عاجز عن أن تكون له لفتات عطاء وحبّ للغير.

إنّ فينا جميعا كلّ شيء، قال المسيح: “من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر“[19]، نعم، فينا جميعا الخطايا، لكن فينا جميعا كذلك ما يُعدّ خصالا إيجابيّة. يمكن أن نتذكّر قوله تعالى: “ونفس وما سوّاها- فألهمها فجورها وتقواها“[20]. استعمال العطف بالواو هنا شديد الأهمّيّة، ففي كلّ نفس جوهرا فجور وتقوى، ومهما يكن اختلافنا في تحديد مرجع الفجور والتّقوى، فالإقرار بوجود كليهما هو ما يعنينا الآن.

لو انتبهنا قليلا ونظرنا في أنفسنا نظرة وصفيّة هادئة محايدة للاحظنا أنّ جلّ ما يستفزّنا إلى عدم قبول الغير وإلى الحكم على الآخرين بعنف هو ممّا نحمله في أنفسنا بدرجات متفاوتة ودونما وعي في أغلب الأحيان. يمكن أن نعوّد أنفسنا كلّما ارتفع فيها صوت النّقد أو الحكم على “عيب” لدى الآخر أن نتساءل عن وجود ذلك العيب في ذواتنا، حينها سنكتشف أنّنا نتّصف بكلّ “عيوب” العالم. ويمكن أن نجرّب إذ نعجب بسلوك لدى الآخر أن نبحث عن صدى له في أنفسنا، وسنكتشف أنّ فينا كلّ “حسنات” العالم. لا بدّ أن نذكّر هنا أنّ استعمال لفظي “حسنات” و”عيوب” هو استعمال معياريّ نسبيّ قد يختلف من منظور شخص إلى منظور آخر. على أنّ الأهمّ هو إقرارنا أنّ في النّفس البشريّة كلّ شيء. وفي هذا السّياق تقول إيتّي هيلتسوم الكاتبة اليهوديّة الّتي ماتت في محارق النّازيّين: “يجب أن نتعلّم أن نحيا مع أنفسنا مثلما نحيا مع جماهير من البشر، وحينها نكتشف في أنفسنا كلّ وجوه البشر الطّيّبة والشّرّيرة…وهذا أعسر ضروب التّعلّم لدى الإنسان”[21].

بل لعلّ أكثرَ ما ننتقده لدى الغير بعنف يهزّنا، إنّما هو موجود فينا. وعندما نقول إنّه موجود فينا، فليس معناه أنّنا نمارسه ضرورة، وإنّما معناه أنّه يحتلّ حيّزا هامّا من أفكارنا أو يلامس عناصر عميقة في نفسيّتنا. وهذا يكاد يكون أمرا بديهيّا لأنّه لا يمكن أن ننزعج، والحكمُ من وجوه الانزعاج، ممّا لا علاقة لنا به. مثلا، بعض من ينزعجون من الأنظمة الاستبداديّة ويلعنون الكِلْيانيّين ليل نهار، يحملون في أنفسهم “دكتاتورا” صغيرا يخفيه قناع مناضل في مجال حقوق الإنسان. وكم معارضٍ أمضى حياته يناضل ضدّ الحكم المطلق، فإذا به يتحوّل بعد بلوغه كرسيّ السّلطة إلى مستبدّ أبشع من ذاك الّذي كان ينتقده. وقس على ذلك كلّ ما يزعجك ممّا تحكم عليه. إنّ ما تحكم عليك يستفزّك، يثيرك، يَسكنك وإلاّ لما حكمت عليه.

من جهة أخرى، قد تجد شخصا يقرّ في كتاباته أنّه “متسامح” تجاه الآخرين وأنّه يقبل الاختلاف وتعدّد وجهات النّظر والرّؤى، فإذا به، إذ يوضع على محكّ التّجربة، يفاجئك بممارسات وضروب سلوك موغلة في الإقصاء والرّفض والحكم على الآخر.

إنّ تذكّرنا دوما أنّ فينا جميعا كلّ شيء، الفجورَ والتّقوى، قد يكون سبيلا من سبل تعويد أنفسنا على قبول ما نراه “أخطاء” لدى الغير بنفس السّماحة الّتي بها نقبل “أخطاءنا” ونتغاضى عنها.

العفو والتسامح

4-هل يعني القبول غياب المحاسبة؟  بين الحكم الفرديّ والمحاسبة الجماعيّة:

لا بدّ من أن نوضّح أنّ حديثنا عن التّسامح والقبول لا يعني قبول الجرائم والاعتداءات بأنواعها، وبياننا أنّ الحكم الفرديّ على الآخر فاسد وخطل لا يعني أن لا تمارس التّجمّعات البشريّة عقوبات على من يخرق العقد الاجتماعيّ. قد تختلف هذه العقوبات وتتنوّع وفق السّياقات التّاريخيّة لكن مبدأ وجود قوانين على البشر الالتزام بها هو مبدأٌ قائم في كلّ المجتمعات. بل إنّ البعض يعتبر أنّ المحاسبة تجسيم للعدالة. فـ”غياب المحاسبة هو قمّة الظّلم“[22].

ومع ذلك، فإنّ تنفيذ أحكامٍ وعقوباتٍ على من يخرق القانون الجماعيّ لا يغيّر شيئا فيما أسلفناه من قيام الحياة البشريّة على الأدوار. نفترض مثلا أنّ شخصا مّا ارتكب جريمة سرقة، ونفترض أنّنا في مجتمع يعاقب السّارق بالسّجن. سنجد أنّ السّارق يقوم بدور السّارق والقاضي يقوم بدور القاضي والسّجّان يقوم بدور السّجّان إلخ…

ظاهريّا ونسبيّا، ووفقا لترميزنا البشريّ هناك مذنب وضحيّة، هناك جلاّدون ومظلومون…وفقا لترميزنا البشريّ نجد مبدأ العقوبات والقصاص. ظاهريّا علينا أن نسعى إلى تحقيق محاكمة “عادلة” لكلّ من أخطأ. نقول “عادلة” بالمعنى البشريّ النّسبيّ للعدالة طبعا. وهو معنى يختلف من مجموعة بشريّة إلى أخرى ومن زمان إلى سواه، بل قد يختلف من الحكم الابتدائيّ إلى حكم محكمة الاستئناف أو حكم محكمة التّعقيب.

إقرأ أيضًا: التعصب عند بعض روُاد النهضة.. مفهومه وسبل مواجهته

ظاهريّا ونسبيّا، المذنبون مسؤولون عن أعمالهم ولذلك يُعاقبون. وفي حالات نادرة، إن ثبت، وفق اختبار طبّيّ دقيق أنّ شخصا غير مسؤول عن أفعاله، فإنّه لا يعاقب.

من منظور المطلق، الأمر مختلف. من منظور المطلق ليس هناك لا مذنب ولا ضحيّة. هناك فقط أشخاص يقوم كلّ منهم بدوره كما ضبطه الله تعالى، هناك فقط “أقلام تكتب الحياة“[23]. من منظور المطلق، ليس هناك مسؤوليّة لأحد على شيء، فكلّ إنسان وليد ظروفِ حياةٍ وسياقاتِ تنشئةٍ وتراكمِ تجاربَ. ومن ثمّ فإنّ كلّ فعل هو نتاج لجميع ما سبقه، لا يمكن أن نحاسب “الفاعل” المفترض على ما سبقه. المسؤوليّة من منظور المطلق ليست إلاّ مجرّد خيال ووهم[24].

إنّ من يضع نصب عينيه منظور المطلق قد يعفو عن الجميع. ولكن هل يمكن العفو عن الجميع؟ وما الّذي نعنيه بالعفو هنا؟

  • 4-1 هل يمكن العفو عن الجميع؟[25]

عرضنا لأسس عدم الحكم على الآخر، وميّزنا بين الحكم الشّديد الجامد الّذي يصدّقه صاحبه، والحكم الخفيف اللاّمبالي الّذي هو من لزوم الشّخصيّة أي من لزوم أدوارنا البشريّة في الحياة. وإذا كان الامتناع عن الحكم أو تخفيفه ممّا يمكن “تفعيله” على جميع البشر، فإنّ العفو مخصوص بمن ألحق بك أو بذويك ضررا مّا. لا معنى للحديث عن عفو عن شخص أو جماعة لا تعرفهم أو لا علاقة لهم بك. ولو نشدنا تعريفا للعفو لأقررنا أنّ العفو لا يقتصر على التماس عذر للغير، وإنّما يقوم العفو على شرطين ضروريّين وكافيين:

  • الشّرط الأوّل أنّك لا تطالب ب”استرجاع حقّ” ممّن أذاك
  • والشّرط الثّاني أنّك لا تحمل تجاه من أساء إليك حقدا ولا ضغينة.

فأمّا أن لا تطالب باسترجاع حقّ، فمن أمثلته أن لا تسعى إلى القصاص ممّن قتل أخا أو قريبا وأن لا تقبل دية أو فدية ماليّة. العفو ينسف جوهريّا مبدأ: “العين بالعين والسّنّ بالسّنّ“. وقد تجسّم هذا الموقف في التّاريخ بعد فتح مكّة مثلا إذ عفا الرّسول صلى الله عليه وسلّم عن قومه الّذين أذوه، ووسمهم بـ”الطّلقاء”. وقد روى أبو الوليد الأزرقي “أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دخل يوم الفتح البيت. فصلّى فيه ركعتين. ثمّ خرج وقد لبط النّاس حول الكعبة، فأخذ بعضادتي البيت فقال: الحمد لله الّذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ماذا تقولون وماذا تظنّون؟ قالوا: نقول خيرا ونظنّ خيرا: أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرتَ فأسجح. قال: فإنّي أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الرّاحمين“[26]. إنّ هذا المستوى من العفو هو مستوى إجرائيّ يتجسّم عبر سلوك عمليّ وفعل ظاهر.

وأمّا الشّرط الثّاني للعفو، وهو أن لا تحمل تجاه من أساء إليك حقدا وضغينة، فدرجة راقية لا يبلغها إلاّ ندرة من الأصفياء. وهذا المستوى ليس إجرائيّا ولكنّه نفسيّ جوّانيّ عميق يجعل المرء يتذكّر دوما أنّ الحقد والضّغينة لا يلحقان الضّرر إلاّ بحاملهما. إنّ هذا المستوى يجعل الإنسان يتذكّر أنّ التّخفّف من الحقد والكره سبيل راحة وسلام. إنّ من لا يحقد ومن لا يبغض هو من يستفيد وهو من يطمئنّ. وليس من الصّدفة أن تعمد اللّغة إلى عبارة “جحيم” الحقد بما في صورة الجحيم من آلام وعذاب. وليس اعتباطا أن يكون من سمات العلاقات في الجنّة غياب الغلّ والحقد: “ونزعنا ما في صدورهم من غلّ إخوانا على سرر متقابلين“[27]. إنّ العفو جنّة الإنسان، والحقد جحيمه. بقي فقط أنّه يجوز لكلّ منّا أن يؤوّل جحيمه وجنّته أخرويّين أو دنيويّين أو أخرويّين ودنيويّين في آن واحد.

في نهاية المطاف، هل يمكن العفو عن جميع النّاس؟ نعم يمكن العفو عن الجميع. بل إنّ البعض قد يبلغ مرتبة عليا قوامها أن يرجوَ كلّ الخير لمن ألحق به الأذى. ألم يدْعُ الحلاّج بالخير لقاتليه بل ألم يطلب من الله تعالى أن يغفر لهم؟ ألم يقل قَبْل قتله بأشنع طريقة: “وهؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصّبا لدينك وتقرّبا إليك، فاغفر لهم…فلك الحمد فيما تفعل ولك الحمد فيما تريد“[28].  ألم يُنسب إلى عيسى أنّه قال حول قاتليه: “يا أبتاه اغفر لهم لأنّهم لا يعلمون ماذا يفعلون“[29]. نفس القول تقريبا نُسب إلى الرّسول محمّد حول قومه الّذين كالوا له من الضرّ ألوانا: “اللّهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون“[30].

نعم، يمكن العفو عن كلّ شخص، لكن ليس العفو واجبا على كلّ شخص. إنّ العفو في جوهره لا يمكن أن يكون إكراها ولا يمكن إجبار النّاس على العفو. العفو نتيجة وليس هدفا. العفو نتيجة تمشّ روحانيّ أو تجربة نفسيّة مخصوصة أو تراكم خبرات حياة، ولا يمكن أن يكون هدفا أو قرارا أو تنفيذا لأمر. والله تعالى في حكمته البليغة المطلقة لا يأمر بالعفو، ولكنّه يرغّب فيه ويدعو إليه إذ يقول: “…وليعفوا وليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم“[31]. إنّ القرآن إذ يعرض للعفو يذكّر الإنسان بأنّه قد يكون في موضع الآخر، بل الإنسان في موضع الآخر فعلا، أليس أنّ “المؤمن مرآة أخيه”؟ هي لعبة الأدوار مرّة أخرى، فمثلما أنت تنشد عفو الله عطاءً، قد تتذكّر أنّ غيرك ينشد عفوك مِنّةً. الفرق الوحيد، ويا له من فرق، هو أنّ عفو الله حاصل ضرورة، أمّا عفو الإنسان فلا يحصل ضرورة إلاّ عندما يبلغ المرء مرتبة القبول الخالص فتذوب إرادته الوهميّة في إرادة الله تعالى الفعليّة.

  • 4-2 القبول هو جوهر الإرادة الإلهيّة:

إنّ مفهوم القبول الّذي ندعو إلى إفشائه ونشره بين النّاس لا يعني تحوّل النّاس جميعهم إلى نُسخ من بعضهم بعضا بل على عكس ذلك، القبول يعني التّسليم بأن لا أحد هو نسخة من الآخر. إنّه يعني الوعي بما هو موجود غصبا عنّا من اختلاف جوهريّ بين البشر لعلّه سبب الخلق[32]. إنّه يعني قبول إرادة الله تعالى في الكون بصفتها وجها من وجوه حكمته في الخلق. إنّ قبول الآخر هو في جوهره تواضع المخلوق أمام الخالق، تواضع الجاهل أمام العالم، تواضع النّسبيّ أمام المطلق، تواضع الزّائل المتحوّل أمام الخالد الثّابت. إنّ ابن عربي إذ يقرّ بأنّ الطّرق إلى الله تعالى هي بعدد أنفس الخلائق لا يفعل شيئا سوى أن ينحني أمام إرادة الله تعالى أن يكون البشر متفرّدين لا يشبه الواحد منهم الآخر إلاّ بما يحملونه من نفخة الرّوح الإلهيّة فيهم[33].

إنّ القبول يذكّر في دلالته العميقة أنّ البشر جميعهم، مهما تتنوّع صورهم وأشكالهم، ومهما تختلف رؤاهم ومعتقداتهم، ومهما تتعدّد انتماءاتهم وأجناسهم، إنّما يشيرون جميعا إلى أصل واحد وإلى مشترك جوهريّ بينهم. ومن يصوّب قلبه نحو هذا الأصل الواحد لا يمكن إلاّ أن يكون القبول سمته الأساسيّة وبوصلة نفسيّته وسلوكه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش والمراجع:

[1] المعنى المرجعيّ ترجمة لsens dénotatif والمعنى الالتزاميّ ترجمة لsens connotatif. وهذا التّمييز هامّ في علم الدّلالة لاتّصال المعنيين أحيانا حتّى يدقّ التّمييز بينهما ويعسر.

[2] لسان العرب لابن منظور، جذر (س،م،ح).

[3] تختلف معاني أوزان الأفعال باختلاف السّياقات الدّلاليّة، وبالنّسبة إلى وزن: تفاعل، فإنّ المشاركة والتّظاهر هما المعنيان الأساسيّان. ولا ينضاف إليهما إلاّ معنى المطاوعة، وهو استعمال نادر شأن قولك: باعدت زيدا فتباعد.

[4] البقرة2، 113.

[5] آل عمران3، 55.

[6] المائدة5، 48.

[7] الأنعام6، 164.

[8] يونس10، 93.

[9] النّحل16، 92.

[10] الحجّ22، 69.

[11] السّجدة32، 25.

[12] الجاثية45، 17.

[13]  يس36، 36.

[14] ” اعلموا أنّما الحياة الدّنيا لعب ولهو…” الحديد57، 20.

[15] Jacques Lacan : Ecrits, Paris, Seuil 1966, pp-170/171.

[16] ديجاردان هو شيخ روحانيّ فرنسيّ (1925-2011)، له كتابات كثيرة في اللاّاثنينيّة (non-dualité). وميزته أنّه يعتمد أسلوبا معاصرا وواضحا لعرض المفاهيم الفلسفيّة والرّوحانيّة المختلفة.

[17]  بل إنّ هناك أحيانا دعاء مباشر بالموت تعمد إليه بعض الأمّهات: “يرزيني فيك ويصبّرني عليك”.

[18] Arnaud Desjardins, Pour une mort sans peur, Paris, Pocket 2003, p-57.

[19] إنجيل يوحنّا 8: 7

[20] الشّمس91، 7-8.

[21] Hillesum (Etty) : Une vie bouleversée, Paris, Seuil 1995, p-728.

[22] العبارة للفيلسوف إيمانويل كانط، انظر:

Jacques Ricot, Peut-on tout pardonner ?, Paris, Editions pleins feux 2008, p-23.

[23] العبارة الدّقيقة هي: “نحن الأقلام الّتي يكتب الله تعالى بها الحياة”.

انظر: Ramesh S. Balsekar, L’appel de l’être, une expérience spirituelle radicale, Les éditions du Relié, Paris 2016.

[24] Baret (Eric): De l’Abandon, Paris, les deux océans 2016., « La responsabilité est une fantaisie » , p-27.

[25] قيس هذا العنوان على كتاب جاك ريكو المذكور أعلاه.

[26] أبو الوليد الأزرقي، أخبار مكّة وما جاء فيها من الآثار، بيروت، دار الأندلس للنّشر 2010، ج2، ص121.

[27] الحجر 15، 47.

[28] أخبار الحلاّج، كولونيا، الجمل 1999، ص12.

[29] لوقا 23: 34، ولا يعنينا الجدل بين بعض المسلمين والنّصارى حول مسألة صلب عيسى. ما يعنينا ليس الجدل الدّينيّ، وإنّما اندراج هذه الأخبار كلّها في مخيال البشر وثقافاتهم.

[30] صحيح البخاري، دار مطابع الشّعب، (د-ت)، مج3، ج9، ص20.

[31] النّور 24، 22. والأمر في هذا المستوى يفيد الالتماس وفق ما ذهب إليه جلّ المفسّرين.

[32] ” ولو شاء ربّك لجعل النّاس أمّة واحدة ولا يزالون مختلفين-إلاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم وتمّت كلمة ربّك لأملأنّ جهنّم من الجنّة والنّاس أجمعين” هود11، 118-119.

[33] ” فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين” الحجر15، 29.

” ثمّ سوّاه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون” السّجدة32، 9.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete