أنثروبولوجيا الشريعة الإسلامية -3 إشكالية الدين والقانون

أسباب النزول

-1-

في هذه المقال أناقش أسباب النزول كمظهر صريح من مظاهر التفاعل بين النص القرآني والواقع الاجتماعي، أو كيف كان النص يعبر عن الواقع ويتلقى منه بقدر ما كان يوجه الواقع ويملى عليه.

هذا التفاعل الطبيعي يفرض نفسه على أي نص لغوى، لكن الفكر الديني الكتابي – ربما على نحو لا شعوري – ينزع إلى تغييبه أو تجاهله بدافع تكريس المعنى المطلق للدين وتأكيد فكرة الوحي المفارق القادم من خارج الاجتماع.

يظهر التفاعل بشكل أوضح في القرآن المدني بفعل طبيعة المشاغل التي تحول إليها لمواكبة النشاط السياسي الاجتماعي المتفاقم للجماعة المسلمة بعد الهجرة إلى المدينة. هذا النشاط الذي غلب عليه الطابع الحربي مغطى تماماً في النص المدني، ويكاد يستغرق مساحته الموضوعية. ويمكن من خلال هذا النص ودون حاجة إلى روايات خارجية تكوين صورة مجمعة عن حركة الجماعة المسلمة وهي تتطور في المدينة في اتجاه التحول إلى دولة. كانت هذه الحركة تشير إلى ” مشروع سياسي ” واضح يكاد يطغى على ” المشروع الديني ” المبكر الذى بدأ في مكة، وهو سياق يؤدى بشكل طبيعي إلى تزايد الحاجات التشريعية، التي جرى التعبير عنها من خلال ” النص ” (الآلية الاعتيادية الحاضرة للتعبير الديني الكتابي).

كيف عبر النص عن هذه الحاجات التشريعية؟

-2-

من الواضح أن القرآن كان يقدم معالجة تشريعية جزئية لبعض الحاجات. وظلت قاعدة النظام التشريعي المعتمد في المدينة هي أن: الأصل هو القانون العرفي السائد في المحيط العربي، والاستثناء هو التعديل الذي يستدعي تدخل النص، والذي غالباً ما كان جزئياً، (أي لا ينطلق من قطيعة جذرية مع العرف الجاهلي، فجميع الأحكام التشريعية المنصوصة ترجع إلى أصول وسوابق              جاهلية).

لم يصدر القرآن لائحة قانونية جاهزة تستبق أسئلة الواقع، بل كانت الأحكام التشريعية تظهر في الآيات بشكل متقطع کرد فعل مباشر لوقائع وأحداث معينة. ومن هذه الزاوية تمثل أسباب نزول الآيات جزءاً من بنية الخطاب الذي يحمله النص، ومن ثم شرطاً لازماً لفهم دلالته.

لكن لأن الآيات لم تهتم – في الغالب – بالإشارة إلى أسباب نزولها، ستبدو صياغات النص بعد عملية جمع القرآن، اختزالية وغامضة، أعنى بحاجة إلى آليات خارجية لإنتاج دلالاتها، وستظهر الحاجة إلى علم التفسير الذى سيعتمد على “الروايات” الواردة في “أسباب  النزول” ، وهي روايات آحاد ظنية الثبوت، ولا تغطي جميع الآيات والوقائع ، وكان يمكن، بالنظر إلى سياقات تجميعها، ألا توجد من حيث الأصل. هذا المشكل لم يظهر – بالطبع – أمام المخاطب الأول، الذي كان يعايش الوقائع وقت نزول الآيات، ويدرك المسكوت عنه في صياغاتها البنيوية.

أدت عملية جمع القرآن وما نتج عنها من تخالف بين الترتيب الزمني للنزول وترتيب المصحف على مستوى السور والآيات، إلى تكون “ثقافة كتابية ” فرضت منهجية الاستنباط من ” نص واحد طويل” لم ينزل أصلاً كنص واحد طويل. وهو ما أسفر عن تزايد الغموض، وظهور تناقضات متعددة في جسم النص، جرى علاجها بكثير من التكلف والاضطراب عبر آليات التأويل الأصولية والفقهية.

-3-

بوجه عام، كان النص يتحاور مع الواقع بشكل آني ومتجدد فانعكست عليه، خصوصاً في شقه التشريعي، حركية الواقع وظرفيته الاجتماعية. وطوال فترة التنزيل – حيث كان النص بالدرجة الأولى آلية عمل متقطعة، وليس وثيقة للمعرفة المقدسة- لم يظهر أن النص يقصد إلى إصدار منظومة قانونية نهائية تشرع لمستقبل العالم، بقدر ما كان يقصد إلى معالجة الحالات القائمة الخاصة بهذه الجماعة في هذا السياق الزمني. ولذلك، لم يظهر لدى المخاطبين في الجيل الأول أي إحساس بالحرج من مرونة النص حيال الواقع وتغيره معه في المدى القصير، مثلما سيظهر لاحقاً في المعالجات السلفية لأسباب النزول ونظرية النسخ.

الفوارق واضحة بين النظر إلى وظيفة النص وهو يظهر كرد فعل للوقائع قطعة قطعة ، والنظر إليه بعد تحوله في عصر التدوين إلى وثيقة مجمعة تتمتع بالقداسة ، لا في مضامينها الموضوعية فحسب، بل أيضا في بنيتها اللغوية : المعالجات الظرفية المتغيرة التي بدت طبيعية في ظل النظرة الأولى ، ستظهر بالضرورة في شكل تناقضات داخل النص الطويل ، وسيبدو ذلك بشكل أوضح في الشق التشريعي.

هذا هو الإطار الذى يلزم أن نقرأ فيه ” أسباب النزول “، أعنى من جهة كونها مظهراً من مظاهر الجدل بين النص التشريعي والواقع الاجتماعي المزامن له، يكشف عن تبعية النص للواقع ، وليس کمجرد مبحث من مباحث علم التفسير السلفي الذي يتعاطى مع النص كمعطى نهائي مغلق ومستقل عن أي فاعلية اجتماعية.

وفيما يلي سأعمق النقاش حول هذا الطرح من خلال نماذج تطبيقية لصياغات النص التشريعي في القرآن .

-4-

“يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ، قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ، والفتنة أكبر من القتل، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ، ومن يرتد منكم عن دینه فیمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون” [ البقرة : 17] .

سنقرأ هذا النص مرتين الأولى: بدون أي معطيات من خارج صياغته ، أي مستقلاً عن السياق الثقافي الاجتماعي الذي ظهر فيه، بما في ذلك السبب المباشر لنزوله، والثانية في ضوء هذا السبب المباشر. القراءة المجردة توهم أن النص ينشئ حكماً تكليفياً (قاعدة قانونية) بتحريم القتال في الشهر الحرام باعتباره إثماً كبيراً ” قل قتال فيه كبير” ثم يضيف تحفظاً يفيد أن الصد عن سبيل الله والكفر به وإخراج أهل المسجد الحرام (المهاجرين) منه هو إثم أكبر باعتباره فتنة أكبر من القتل. وفي هذا السياق يتكون انطباع بأن الخطاب موجه إلى المسلمين رداً على سؤال موجه منهم إلى النبي.

لكن مع القراءة الثانية سندرك أن السؤال موجه من القرشيين إلى النبي، وأن الغرض من النص ليس إنشاء الحكم بتحريم القتال في الشهر الحرام، فهذا التحريم مقرر من قبل كحكم ملزم في المحيط الإسلامي بمقتضى العرف العربي السائد. بعد الإلمام بسبب النزول سنعلم أن النص كان يعالج حالة واقعية بعينها تتعلق بسرية عبد الله بن جحش المعروفة، والتي جرت أحداثها في السنة الثانية من الهجرة في إطار النشاط الحربي المبكر للرسول قبل موقعة بدر. وسنعلم أن التحفظ كان يعنى استثناء قتال المشركين من حكم التحريم، ويهدف إلى رفع الحرج عن مجموعة من المسلمين قاتلت في الشهر الحرام، وهو معنى لا يصرح به النص المجرد ، لكنه كان في غاية الوضوح بالنسبة إلى المخاطبين الأوائل به ، بحكم معاينتهم للوقائع.

في سبب نزول الآية تتفق المصادر على الرواية التالية:

“عن عروة ابن الزبير أن رسول الله بعث سرية من المسلمين ، وأمر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي ، فانطلقوا حتى هبطوا نخلة، فوجدوا بها عمرو بن الحضرمي في عير تجارة لقريش في يوم بقى من الشهر الحرام ، فاختصم المسلمون فقال قائل منهم: لا نعلم هذا اليوم إلا من الشهر الحرام ، ولا نرى أن تستحلوه لطمع أشفيتم عليه، فغلب على الأمر الذين يريدون عرض الدنيا، فشدوا على ابن الحضرمي فقتلوه وغنموا عيره، فبلغ ذلك  كفار قريش، وكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين، فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على النبي فقالوا : أتحل القتال في الشهر الحرام”. وتضيف المصادر أن “رسول الله قال لابن جحش وأصحابه: ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام، ووقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً. فعظم ذلك على أصحاب السرية وظنوا أن قد هلكوا وسقط في أيديهم، وأكثر الناس في ذلك، فأنزل الله تعالى “يسألونك عن الشهر الحرام” فأخذ رسول الله العير فعزل منها الخمس، فكان أول خمس في الإسلام، وقسم الباقي على أصحاب السرية، ( النص منقول من الواحدي ، أسباب النزول ، من 58-60. وانظر القرطبي الجامع ج 2 ، وتاريخ الطبري ، سرية عبد الله بن جحش ).

واضح من الرواية أن تحريم القتال في الشهر الحرام كان قاعدة معترفًا بها من قبل المسلمين قبل نزول الآيات، وأن هذا التحريم يدخل في إطار الدين رغم مصدره العرفي الجاهلي وسياقاته الوثنية المعروفة. وهذا ظاهر من الموقف الاستنكاري للنبي حيال فعل أصحاب السرية، ومن إحساس هؤلاء بالوقوع في الإثم. بحسب الرواية، كان الغرض من النص هو الرد على تشهير القرشيين بالنبي باعتباره خارجاً على العرف المتفق عليه من جهة، والتخفيف من عقدة الذنب التي ظل يعانيها أصحاب السرية حتى نزول الآيات.

نحن هنا حيال فعل من أفعال المعالجة السياسية يأتي في إطار إدارة الصراع مع قريش، وليس حيال فعل تشريعي موجه إلى العالم على وجه التأبيد. يتعلق الأمر في الحقيقة بمسار الواقع الذي كان يتطور مع اعتبارات السياسة العملية ، وهو ما كان ينعكس على النص: فالنص الذى تبنى حكم التحريم المستمد من النظام الجاهلي ، عاد فأباح القتال في الشهر الحرام بشكل استثنائي لصالح الجماعة المسلمة. ومن هذا النص استخرج ” الفقه ” أحكاماً محكمة منسوبة إلى الدين المطلق، أي نهائية مؤبدة ( مفترضا أو متصوراً في سياقه الثقافي استمرار بقاء هذا النظام الاجتماعي ) ، وتكلم الفقه عن نسخ قاعدة التحريم بآية السيف (مفترضاً أو متصوراً استمرار القتال كفريضة مؤبدة بمعطيات الثقافة العربية. وفى كلتا الحالتين كان الفقه يستند إلى روايات منسوبة إلى النبي: فبعض الروايات تنقل عن جابر قوله ” كان رسول الله لا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يغزى” ( انظر النحاس ، الناسخ والمنسوخ ص 33 ، 34 ) ، بينما يؤكد الطبري أن ” الأخبار تظاهرت عن رسول الله أنه غزا هوازن بحنين وثقيفاً بالطائف ، وأرسل أبا عامر إلى أوطاس لحرب من بها من المشركين في بعض الأشهر الحرم .. وأن أهل العلم بسير رسول الله لا تتدافع أن بيعة الرضوان على قتال قريش كانت في ذي القعدة ” ( تفسير الطبري ، م 2 (الآية 217 من سورة البقرة )

-5-

العرف الجاهلي

يقدم هذا النص في حد ذاته ، نموذجاً دالاً ليس فقط على “آنية” المعالجة ، بل أيضا على “محلية” المضمون الذي كان يعالجه النص المدني في مجملة. ندرك الآن بوضوح بعد المسافة التي تفصل بين الواقع الاجتماعي الراهن عبر العالم بأطره الثقافية والاقتصادية والسياسية، والواقع الاجتماعي الذى كان يعالجه النص، والذى يعكس ثقافة الغزو القبلية المعروفة في الجزيرة العربية أوائل القرن السابع. والمعنى الضروري هنا هو أن التشريع يتبع الاجتماع وأن النص الديني لا يستطيع أن يستثنى ذاته من هذه التبعية وهو يمارس الفعل التشريعي.

كان التشريع الإسلامي يعتمد العرف “الجاهلي” ليس فقط كمصدر يستعير منه خياراته المنصوصة، بل “كأصل عام” يسرى في ما لا يرد بشأنه نص. وكان هذا المفهوم واضحاً في وعى الجيل الأول الذي عاصر النص، وتشير الشواهد إلى أنه ظل حاضراً، مع تغير طفيف في وعى الجيل الثاني؛ بدليل أن بعض التابعين اعتبر هذه الآية نفسها ناسخة لحكم تحريم القتال في الشهر الحرام رغم أن هذا التحريم لم يرد في نص سابق عليها ، مما يعنى أن الحكم المنسوخ ( تحريم القتال في الشهر الحرام) كان ثابتاً بمقتضى الأصل العرفي . و يصح ذلك أيضا على حكم “الخمس” الذى أخذه النبي بالتأسيس على هذا العرف الأصلي، قبل أن يعود النص إلى تبنيه صراحة في سورة الأنفال التي نزلت بعد غزوة بدر.

سيتراجع هذا الوعى بشكل تدريجي تحت تأثير الثقافة الجديدة التي تشكلت في عصر التدوين ، والتي أعادت بناء “الإسلام” كديانة  “مكتوبة ” تحت شعار القطيعة الكاملة مع ( الجاهلية ) ..

-6-

في مرحلة التدوين اللاحقة، وبعد تبلور الفقه وظهور علم الأصول، سيتم تغييب هذا المفهوم، أو بالأحرى سيتم تغيير إسمه تحت مصطلح جديد هو “السنة التقريرية ” فبدلاً من الإقرار بأن “العرف الجاهلي ” كان معتمداً في الإسلام المبكر كمصدر تشريعي يمثل الأصل العام، وبأنه كان يجد طريقه إلى النص الإسلامي بحكم الواقع ، سيتم إلحاق المفردات المستمدة من هذا العرف بالشريعة عبر مفهوم  “السنة”، وفى هذه الحالة سيمكن اعتبار هذه المفردات حالات استثنائية ، وليست صادرة عن القاعدة العامة ، فالقاعدة العامة في التشريع الإسلامي هي             ” النصوص” ، التي صارت متوفرة – الآن – بما يكفى نتيجة لعملية التنصيص الواسعة لأخبار الآحاد التي تم تجميعها وتنصيبها في موقع النص الملزم تحت مسمى السنة. وداخل هذا المصطلح الأصل الغالب هو السنة القولية أو الأحاديث، والاستثناء هو السنة العملية والسنة التقريرية (ناقشت سابقاً حجم الدور الأصولي الإنشائي الذي لعبه الشافعي في إنجاز هذه العملية).

إقرار الرسول بأحد الأعراف الجاهلية يمنحها شرعية نصية ، و هو يتم عادة عبر فعل صادر عن أحد “الصحابة” وبالطبع لا يغير هذا من طبيعة الفعل من جهة صدوره عن العرف الجاهلي ، لكن طريقه طرحه في الأدبيات السلفية تشير إلى رغبة كامنة في القطع مع المرحلة السابقة على الإسلام، وهو طرح ينطوي على نوع من ” تدليس المتن”  لأنه يحاول إخفاء المصدر الأصلي للفعل الذي لم يخترعه الصحابي اختراعاً ، بل نقله عن محيطه الاجتماعي الجاهلي.

بوجه عام، كان هذا التوجه يتفاقم في الثقافة السلفية مع تطور التدوين المنظم ، حيث كانت حساسيته “الدفاعية” تتضخم حيال منظومته الفقهية ذات الأصل ” الإلهي المفارق” وسأقدم نموذجاً لهذا التفاقم في الحساسية الدفاعية من خلال معالجة القرطبي – وهو نموذج تفسيري متأخر نسبياً (ت سنة 671هـ) لحكم “الخمس” في تفسيره “الجامع لأحكام القرآن” مقارنة بالمعالجات المبكرة لهذا الحكم في كتب السير والتاريخ واللغة ؛ يشرح القرطبي : ” وقال لهم عبد الله بن جحش : اعزلوا مما غنمنا الخمس لرسول الله ففعلوا، فكان أول خمس في الإسلام . ثم أنزل الله ” واعلموا أنها غنمتم من شيء فإن لله خمسه” ( الأنفال آية 41). فأقر الله ورسوله فعل عبد الله بن حجش ورضيه وسنه للأمة إلى يوم القيامة، وهو أول غنيمة غنمت في الإسلام: ( الجامع ، الأنفال ، آية 41 ) .

بحسب الشرح الذى يقدمه القرطبي، يبدو وكأن عبد الله بن جحش (وهو ابن عمة النبي) هو أول من اخترع حكم تخصيص حصة من غنائم الحرب للرئيس، وفى هذا تجاهل للحقائق المعروفة عن التقاليد القبلية السائدة قبل الإسلام، حيث كان شيخ القبيلة يتحصل على ربع الغنائم والأسلاب التي يستولى عليها محاربوها حتى ولو لم يشارك في القتال. وهي حقائق منتشرة في المصادر العربية ويفترض العلم بها من قبل القرطبي وداخل المحيط الفقهي ففي “شرح ديوان الحماسة” على سبيل المثال، يقول أبو عبيدة ” كان رئيس القوم في الجاهلية إذ غزا بهم فغنم أخذ من جماعة الغنيمة ومن الأسرى والسبي على أصحابه المرباع، وهو الربع، فلذلك قال: لك المرباع منها والصفايا.. وحكمك والنشيطة والفضول” فصار هذا المرباع الذي كان في الجاهلية للرئيس خمساً. وكانت الصفايا من جماعة الغنائم والأسلاب والكراع قبل القسمة، وهو أن يصطفى لنفسه شيئاً: جارية، أو سيفاً ، أو فرساً أو ما شاء. وبقى الصفى على حاله في الإسلام : اصطفى النبي سيف منبه بن الحجاج ذا الفقار يوم بدر ، واصطفى جويرية من بني المصطلق يوم المريسيع فجعل صدقتها عتقها وتزوج بها، واصطفى صفية بنت حيي ففعل ذلك بها” ( انظر المرزوقي ، شرح ديوان الحماسة ص 316. والزبيدي ، تاج العروس، 5228 ).

ليس ثمة خلاف على أن المرباع هو أصل الخمس، وواضح أن المصادر العربية المبكرة خصوصاً في كتب السيرة واللغة، تقرن بينهما بصورة طبيعية من دون شعور بالحرج عند التأريخ لتقاليد القبيلة العربية، ينقل ابن منظور عن الأصمعي: ” ربع في الجاهلية وخمس في الإسلام ، فكان يأخذ بغير شرع ولا دين من الغنيمة ويصطفى منها، ثم يتحكم بعد الصفي في أي شيء أراد. وكان ما شذ منها وفضل من خرثي ومتاع له، فأحكم الله سبحانه الدين بقوله “واعلموا أنها غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول” فأبقى الصفى لنبيه وأسقط حكم الجاهلية” ( اللسان، 462114 وانظر الأصفهاني، الأغاني ، 12/48 و ابن حبيب، المحبر ، 253 ) .

في الواقع ، نحن حيال تمدد طبيعي للتشريع كفعل مستمد من بيئته الاجتماعية ، الأمر الذى يتجاهله الطرح الفقهي انطلاقاً من فكرة النص .

-7-

آية القصاص: نموذج إشكالي

” يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر، والعبد بالعبد ، والأنثى بالأنثى ، فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ” ( البقرة : 178 ) .

في هذه الآية مثال آخر لنص تشريعي مشكل. فصياغة النص المجردة لا تكفي للكشف عن دلالته، بل تحتاج إلى معطيات خارجية لا تظهر – لنا- إلا من خلال أسباب النزول التي كانت معلومة بالطبع بالنسبة إلى المخاطب الأول. نموذج واضح للتداخل بين النص والواقع المحلى الذي يعالجه، سبب النزول هنا جزء ضمني من بنية النص لازم لإنتاج دلالته وليس مجرد عامل خارجي يلقي مزيداً من الضوء عليه. في بعض النصوص لا يتعلق المشكل ابتداء بالدلالة بل بالبنية، حيث يتعين استكمال البنية قبل الحديث عن الدلالة. (انظر على سبيل المثال نص الآية 3 من سورة النساء و إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ) ، فالربط بين اليتامى والزواج من مثنى وثلاث ورباع ، ينتج صياغة إشكالية بحيث إن المعنى لا يستقيم إلا بافتراض “محذوف” معلوم من المخاطبين لحظة الخطاب ، ولا يكشف عنه البناء المجرد للآية. هذه القطعة المحذوفة من بنية النص تتعلق بالواقع التفصيلي للجماعة المسلمة في المدينة و هي، كما سنفهم من الروايات ومن الآية 127 من السورة، تهدف إلى حماية يتامى النساء الصغيرات وهن تحت وصاية الرجال. قارن – أيضا – بين الآية 12 والآية 176 من السورة ذاتها، في تناول كل منهما لحكم ” الكلالة”. الواضح هنا أن النص يتعلق بحالة خاصة تفصيلية وظرفية معلومة بالنسبة إلى المخاطبين به. عدم إيرادها في النص يجعل من العسير فهمه على غير المخاطب الأول، وهذا ليس شأن النص ” التشريعي” العام الذي يقصد منه تكليف الكواف عبر العالم على وجه التأبيد .. انظر – أيضا – في الإشكالات التي تثيرها الآية 158 من سورة البقرة على مستوى الصياغة البنيوية . تفسير الطبري ج 2 ، وانظر في سياق نزولها ، الواحدي ، أسباب النزول ص 34 و صحيح البخاري ، ج 3 ، ص 195.).

في آية القصاص ، احتاج النص في معالجات التفسير والفقه السلفية ، إلى كثير من العنت والتكلف للوصول إلى تأويل سائغ أو مفهوم لبنيته غير المكتملة ، وأسفرت هذه المعالجات في النهاية عن نتائج متناقضة ومجافية للروح الأخلاقي الإنساني :

بحسب الصياغة المجردة تعالج الآية حالة القصاص عندما يقتل الحر حراً، أو يقتل العبد عبداً، أو تقتل الأنثى أنثى. فليس فيها إشارة إلى حالة الحر بالعبد، أو العبد بالحر، أو الذكر بالأنثى، أو الأنثى بالذكر. لكننا سنعلم من رواية سبب نزولها أنها قصدت معالجة هذه الحالات الأخيرة، فالمصادر تروى أنها نزلت ” في حيين من أحياء العرب كانت بينهما دماء، وكان لأحدهما طول على الآخر، فقالوا : نقتل بالعبد منا الحر منكم ، وبالمرأة الرجل” ( الواحدي ، أسباب النزول ، ص 46 ) .

إذن فالآية – ببساطة – تأمر بأن يقتص من القاتل، وتنهى عن القصاص للقتيل من غير قاتله ، وليس فيها ما يدل على ” ألا يقتل الحر بالعبد، وألا يقتل الرجل بالمرأة ” ومع ذلك فهذا المعنى الأخير هو ما انتهى إليه الفقه مستنداً إلى الآية : ينقل القرطبي عن على بن أبى طالب والحسن البصري ” أن الآية نزلت مبينة حكم المذكورين ليدل ذلك على الفرق بينهم وبين أن يقتل حر عبداً أو عبد حراً ، أو ذكر أنثى أو انثى ذكراً . وقالا : إذا قتل رجل امرأة فإن أراد أولياؤها قتلوا الرجل ووفوا أولياءه نصف الدية ، وإن أرادوا استحيوه وأخذوا منه دية المرأة. وإذا قتلت امرأة رجلاً فإن أراد أولياؤه قتلها قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإلا أخذوا دية صاحبهم واستحيوها” (القرطبي ، الجامع ، م 1 ، ج 2 ) .

هذا تأويل حسابي غريب، ينزل بقيمة النفس الإنسانية إلى مرتبة الأشياء التي يعوض عنها بالأموال ، وهو ينم عن غلاظة الفقه وهو يفرق ببساطة فيما يتعلق بحرمة النفس بين إنسان وآخر، ويسند ذلك إلى إرادة الله . يقول القرطبي ” والجمهور من العلماء لا يقتلون الحر بالعبد ، للتنويع والتقسيم في الآية ، وقال أبو ثور لما اتفق جميعهم على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفوس كانت النفوس أحرى بذلك ، ومن فرق منهم بين ذلك ناقض. وأيضا فالإجماع فيمن قتل عبداً خطأ أنه ليس عليه القيمة ، فكما لم يشبه الحر في الخطأ لم يشبه في العمد. وأيضا فإن العبد سلعة من السلع يباع ويشترى ويتصرف فيه الحر كيف شاء ، فلا مساواة بينه وبين الحر ولا مقاومة ” (الجامع ، السابق، ص 164).

ما يستوقفني في هذا الفقه هو هذا الجمع المدهش بين السذاجة والخشونة الروحية ؛ كيف يمكن لنفوس البشر أن تكون موضوعاً لتقنيات الصنعة الفقهية ؟ وكيف يمكن تقديم ذلك بهذه الدرجة من “اليقين”، وتصديره كحكم إلهى مقدس؟ يقول الفقيه المالكي ابن العربي ” لقد بلغت الجهالة بأقوام أن قالوا يقتل الحر بعبد نفسه ، ورووا في ذلك حديثاً عن الحسن عن سمرة أن رسول الله قال ” من قتل عبده قتلناه ” وهو حديث. ضعيف، ودليلنا قوله تعالى ” ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل” (الإسراء: 33)، والولي ها هنا هو السيد ، فكيف يجعل له سلطاناً على نفسه. وقد اتفق الجميع على أن السيد لو قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته إلى بيت المال. وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً قتل عبده متعمداً فجلده النبي ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقده به” (القرطبي، السابق ، ص 165 ) .

يدعى ابن العربى وقوع الإجماع على حكم القتل الخطأ إذا قتل الحر عبده، ويقيس عليه قتل العمد، ورغم أن كلا الحديثين من أخبار الآحاد، يرد الخبر الذى ينتصر للعدالة ، وبالنتيجة تقرر مصائر النفوس الإنسانية ( وهى مسألة من صميم المطلق الأخلاقي ) بناء على رواية ظنية يتصادف وجودها أو غيابها.

وتأسيساً على المنهج نفسه ينتهى جمهور الفقه – كما يصرح القرطبي – إلى أنه ” لا يقتل مسلم بكافر لقوله ( ص ) “لا يقتل مسلم بكافر ” أخرجه البخاري عن على بن أبي طالب. ولا يصح ما رووه من حديث ربيعة أن النبي قتل يوم خيبر مسلماً بكافر لأنه منقطع، ومن حديث البيلمانى وهو ضعيف عن ابن عمر عن النبي مرفوعاً. قال الدارقطني لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك الحديث .. ولا يصح في الباب إلا حديث البخاري، وهو يخصص عموم قوله تعالى ” كتب عليكم القصاص في القتلى.. ” ( القرطبي السابق).

في النموذجين السابقين استخدمت روايات الحديث على نحو مناقض لدلالة النص القرآني، واستخدمت آليات الإسناد بشكل انتقائي في غير صالح المساواة بين البشر.

وفي المصادر الشيعية نقرأ ” قال الصادق: ولا يقتل حر بعبد ، ولكن يضرب ضرباً شديداً ويغرم دية العبد ، وهذا مذهب الشافعي . وقال إذا قتل رجل امرأة فأراد أولياؤها أن يقتلوه أدوا نصف ديته إلى أهل الرجل، وهذا حقيقة المساواة فإن نفس المرأة لا تساوى نفس الرجل ، بل هي على النصف منها . فيجب إذا أخذت النفس الكاملة بالنفس الناقصة أن يرد فضل ما بينهما ” ( الطبرسى، مجمع البيان في تفسير القرآن ، م، ص 282 ، 283.).

هذه اللغة الصادمة للحس الأخلاقي، تبدو غريبة على الذوق الثقافي المعاصر فهي تنقلنا إلى مناخات تاريخية بعيدة ، حيث كانت العبودية جزءاً من النظام الاجتماعي ، وحيث كان بالإمكان الحديث عن المرأة كنفس ناقصة حتى في ما يتعلق بحقها في الحياة، والحديث عن ” نصف” نفس إنسانية يمكن التعويض عنها بالمال .

تقدم هذه النقول نماذج واضحة للاضطراب السائد في معالجات التفسير والفقه السلفي نتيجة لتجاهل التداخل البنيوي بين النص القرآني والواقع الاجتماعي المزامن له،. في الحالة الماثلة تعامل التفسير كالعادة مع الآية “كنص ” نهائي مكتمل البنية (وله تكون سابق في اللوح المحفوظ) وليس كآلية عمل تعالج واقعاً زمنياً بعينه. ونتيجة لذلك انتهى الفقه إلى نتائج معاكسة لروح الدين وجوهره الإنساني ثم صدرها إلى المستقبل بوصفها أحكاماً إلهية مؤبدة .

-9-

سلفيًا، يحضر مبحث “أسباب النزول” في مدونات التفسير لتعلب دوراً مساعداً في كشف دلالة النص أو تأويله. ورغم الحديث السلفي المتكرر عن أهميتها، لم تقف الممارسات التفسيرية والفقهية على علاقة التداخل بين النص القرآني والبيئة الاجتماعية المزامنة له، بل صارت تتجه إلى القطع بينهما لحساب القول بالأصل المفارق المسبق للقرآن في اللوح المحفوظ. فهذه المقولة تقطع الطريق مسبقاً أمام أي نقاش حول التفاعل الطبيعي بين النص والاجتماع، وتفقد أسباب النزول دلالتها الحقيقية كمظهر مباشر لهذا التفاعل.

في الفقه ، سيتم تدعيم هذا التوجه – ضمن آليات أصولية متعددة – بقاعدة تقول: ” العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”. وهي تعنى أن الحكم التشريعي الوارد في الآية ينطبق على الحالات المشابهة، ولا يقتصر على الحالة الفردية التي تسببت في نزولها. لكن هذا التعميم سيتمدد بتنظيرات الفقه تمددًا زمانيًا، فورود الحكم في نص يعنى أنه صار مؤبداً وصالحاً لكل مكان، بغض النظر عن السياق الاجتماعي الذي استدعى وروده وفرض على النص مقاييسه وحاجاته، وبغض النظر عما إذا كان هذا السياق الاجتماعي لا يزال قائماً بهياكله وأبنيته الاقتصادية والثقافية.

بطبيعة الاجتماع يتجاوز الزمن أي أحكام تشريعية مهما كانت واردة في نص ديني، وكأمثلة واضحة في القرآن وروايات الحديث، يمكن الإشارة إلى جميع الأحكام التي تتعلق بالرقيق والإماء (في العتق والفداء و الزواج والعقوبات ) ، والأحكام التي تتعلق بالقتال ( الأشهر الحرم ، وتوزيع الغنائم، والأخماس، والصفايا. فضلاً عن أحكام الجزية، وشن الحرب على أساس الدين من حيث المبدأ) وكثير من الأحكام الواردة في العقوبات ( كالرجم ، وقطع اليد، أو قطع الأرجل من خلاف ) وكثير من الأحكام الخاصة بالمرأة والطفل.

القاعدة التي يمكن تعميمها هنا هي أن التشريعات النصية تصدر دائما عن واقعها التاريخي، وأنها لا تملك البقاء في المجتمعات المعاصرة إلا بقدر ما بقيت هذه المجتمعات منتمية بهياكلها الاقتصادية وأطرها الثقافية إلى مناخات النصوص القديمة.

 

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete