أنثروبولوجيا الشريعة الإسلامية         

إشكالية الدين والقانون

-1-

تهدف هذه المقاربة إلى مناقشة الأصل الاجتماعي التاريخي للشريعة الإسلامية. الفرضية المطروحة للاختبار هنا هي أن هذه الشريعة بما في ذلك الأحكام الواردة في القرآن هي إفراز طبيعي لسياقها الزمني البيئي والإقليمي، أي منتج مباشر للنظام العرفي السائد في المحيط العربي عند القرن السابع وتطوراته في عصر التدوين الإسلامي.

يشير مصطلح الشريعة الآن إلى منظومة مركبة من الأحكام التفصيلية تغطى مساحة واسعة من الحاجات والعلاقات الاجتماعية التي ينظمها القانون. تشكلت هذه المنظومة تدريجياً بواسطة الفقه عبر القرون الثلاثة التالية لإغلاق النص التأسيسي، وتم التنظير لها بنظام منهجي مرتب سيعرف بأصول الفقه. وبهذا المعنى لم يكن مفهوم الشريعة قد تبلور في عصر القرآن الذي عالج بعض الحالات التشريعية المتفرقة لسد حاجات الجماعة المسلمة الناشئة بشكل آني عملي لا يوحى بالعمومية أو التأبيد. بفعل الفقه تحولت المعالجات القرآنية الجزئية إلى نظام حقوقي شامل ، سيتطور بحكم تديين الدولة إلى معطى سياسي، يمثل جزءاً من بنية الإسلام الملزمة.

كيف جرى هذا التحول؛ أو كيف نقرأ فكرة الشريعة بين لحظة النص المبكرة، ولحظة الفقه المتطورة نسبياً ؟ مقارنة -بالطبع – مع لحظة الواقع المعاصر، حيث يتجدد طرح السؤال البسيط عن مدى التوافق بين أحكام الشريعة والحاجات الحديثة، الناتجة عن هياكل وبنى اجتماعية مغايرة لهياكل وبنى الاجتماع العربي في القرن السابع وما تلاه في مراحل التدوين.

-2-

المجتمع، الدين، الدولة، القانون

بالاستقراء، يوجد قانون حيث يوجد مجتمع ، أي عند وجود حالة فوق بدائية من الاجتماع البشرى تتوفر على حد أدنى من الوعي بفكرة النظام، سواء وجد الدين أم لم يوجد وسواء وجدت الدولة أم لم توجد، فلا وجود لمجتمع بدون شكل من أشكال القانون. في التصور التوحيدي المستمد من قصة الخلق التوراتية بدأ الاجتماع مزامناً لمعرفة الله، ومن ثم فالدين قديم قدم الاجتماع. ومع ذلك فالنصوص التوحيدية تقول بانحراف المسيرة الإنسانية عن هذه الحقيقة، إما بتحريفها أو بنسيانها كلياً، وهو ما يستلزم الإقرار مع التاريخ والأنثروبولوجيا بوجود مجتمعات لم تعرف الدين لكنها عرفت بالضرورة صورة من صور القانون.

تمثل الدولة درجة متقدمة نسبياً في تطور الاجتماع، ومن ثم فحضورها – قياساً إلى المجتمع الخام- يشير إلى شكل أكثر نضجاً من أشكال القانون. تنبثق الدولة عن هذا المجتمع كمنتج أخير لعملية تطور في عوامل الاجتماع كي تعبر عن حالة أكثر تعقيداً. ولذلك فإن عملية الانتقال من الاجتماع الطبيعي إلى الدولة تعنى ظهور مفهوم القانون بالمعنى الضيق.

-3-

الدين والقانون

طوال مراحل التدين السابقة على اليهودية لم يتوفر الدين على شريعة قانونية بالمعنى الدقيق. أعنى لم يمتلك سلطة التكليف الآمرة على الناس خارج مسائل الطقوس واللاهوت. ظلت هذه السلطة حكراً على الملك، ولذلك ظلت علاقة الدولة بالكهنوت تقوم  على نوع من التحالف الصريح أو الضمني ، ولم تؤد إلى توترات واسعة داخل الفضاء السياسي كما سيظهر لاحقا مع التجربة العبرية التي استحدثت مفهوم ” الشريعة الإلهية” ووضعته في مكانة مركزية داخل الديانة على حساب اللاهوت والطقوس.

منذ البداية كشف التدين العبري عن مضمون سياسي اجتماعي صريح، وبدا وكأن الدين يعمل كوسيلة لخدمة أغراض الشعب، الذي يسعى لتحقيق ذاته ككيان متمايز داخل سياق صراعي مزدحم بالجماعات الإثنية في شرقي المتوسط. وفي هذا السياق تبلورت فكرة الحفاظ على نقاء الشعب بإتباع الشريعة، وتطورت فكرة تسييس الدين الذي صار عليه السعي لإنشاء دولته الخاصة.

في الديانات السابقة في الشرق الأدنى ( المصرية ، الكنعانية ، الآشورية ، البابلية) حضرت في صياغات التواصل الإلهي إشارات سماوية ذات مضمون اجتماعي أخلاقي موجهة إلى الملوك وإلى عامة الناس ، ما يجيز قراءتها أحياناً قراءة سياسية، ولكنها لم تكن تحمل شريعة كلية ذات طابع تفصيلي مصممة خصيصاً لشعب بعينه.

ما يستحق النقاش في هذا الصدد هو الموقع الخاص الذي يحتله القانون في الثقافة السومرية والبابلية السابقة على التوراة كما يظهر في قوانين الملك “أور – نمو”(حوالى سنة 2000 ق .م) وقوانين الملك “ليت – عشتار”( حوالي سنة 1800 ق.م) ، وبوجه خاص في قانون حمورابي ( حوالى سنة 1750 ق.م). إلى أي مدى يمكن الربط بين هذا القانون وسلطة الدين ؟ :

في مقدمة قانون حمورابي نقرأ النص الآتي: “… أنا الأمير المحترم الغارق في الصلوات للآلهة العظيمة … أنا الملك الذي طيع أركان العالم الأربعة، أنا ولى عشتار، عندما أمرني ” مردوك” أن أهيئ العدل لشعب الأرض فيفوز بحكم خير، قمت بإحقاق الحق في أرجاء الأرض وقمت بإسعاد الشعب “.

واضح أن القانون يصدر في إطار ” إجرائي” ديني يبدأ بتمجيد الآلهة التي تأمر الملك، لكن الأمر الموجه إلى الملك أمر إجمالي بإقامة العدل، وليس فيه (ولا في غيره من النصوص البابلية المتاحة) ما يشير إلى أن الآلهة هي من وضعت القانون وأملته إملاء على الملك. أي ليس ثمة ما يدل على أنه شريعة منسوبة نصاً إلى الإله، وبالتالي جزء من بنية الدين، على النحو الذي ستعرف به الشريعة في الديانة العبرية والتوحيدية عموماً عبر نصوص مكتوبة، ففي سفر الخروج: ” ثم أعطى موسى عند فراغه من الكلام معه في جبل سيناء لوحى الشهادة: لوحى حجر مكتوبين بإصبع الله” ( 31 -18). “فانصرف موسى ونزل من الجبل ولوحا الشهادة في يده لوحان مكتوبان على جانبهما. من هنا ومن هنا كانا مكتوبين. واللوحان هما صنعة الله، والكتابة كتابة الله منقوشة على اللوحين” (32 : 15 – 17) وعندما كسر موسى اللوحين في فورة غضبه على الشعب ، عاد الرب فكتب له لوحين جديدين : ” ثم قال الرب لموسى أنحت لك لوحين من حجر مثل الأولين ، فأكتب أنا على اللوحين الكلمات التي كانت على اللوحين الأولين اللذين كسرتهما ” ( 34 : 1 – 4).

على عكس ذلك، ينسب حمورابي القانون إلى نفسه صراحة بحسب نص ” الخاتمة” التي تلى متن القانون وهي جزء من مرسوم الإصدار؛ ففي الجزء الأول منها يفتخر حمورابي بسلطاته الإدارية والتشريعية: ” كتبت كلماتي القيمة على مسلتي، وثبتها أمام تمثالي، أنا الملك البارز بين الملوك ، كلماتي مختارة ، وقدرتي ليس لها مثيل”. وفي بقية الخاتمة يصب الملك اللعنات على من محا القوانين ” التي شرعتها، وشوه كلماتي، وغير تعليماتي، ومحا اسمي المكتوب وكتب اسمه بدلاً منه” ( انظر في النقول ” شريعة حمورابي ، نصوص مترجمة إلى اللغة العربية ، دمشق 2008 ، الفصل الأول، مقارنة القوانين ، حرره William H. Meneill, Jeanw W. Senlar ص17-23).

الحضور الواضح للآلهة في هذا السياق التشريعي يلزم فهمه في ظل الروح الثقافي العام للقرن السادس عشر ق.م، الذي يستوعب الأشياء في نطاق إلهي، وحيث يجرى الربط بوجه خاص بين الأفعال الملكية والآلهة وهو ما وظفه الملوك – باستمرار – لإضفاء الهيبة على القوانين والقرارات.

حضور الدين إلى جوار الدولة لا يشير دائماً إلى ثيوقراطية ضيقة. وفي السياق البابلي لم يصبح القانون جزءاً من بنية الدين لأن التعاطي مع هذا المعنى للدين لم يكن وارداً قبل تنظير اليهودية. كان القانون في الطور الثقافي البابلي لا يزال فعلاً من أفعال الملك / الدولة؛ أي كان لا يزال داخل المساحة “العلمانية ” التي تسيطر على المجال العام، لكن الملك كان ينسب نفسه إجمالاً إلى مظلة الآلهة، فكان فعله بهذا المعنى قريباً منها، وبهذا المعنى أيضا يكون الاجتماع البابلي قد أحضر القانون إلى مشارف السياق الديني ، أما اليهودية فسوف تضعه تحت اسم الشريعة في “صلب ” البنية الدينية .

-4-

التطورات المسيحية

في المرحلة المبكرة، حيث بدت المسيحية حركة يهودية خالصة ، استشهد المسيح بنصوص الناموس وأعلن صراحة إلى جمهور اليهود ” لا تظنوا أني جئت لأبطل الشريعة وتعاليم الأنبياء  ما جئت لأبطل بل لأكمل (متى 5 : 17 ). والنصوص والوثائق المعتمدة لا تخفى تكون “كنيسة” (جماعة) من أتباع المسيح في أورشليم ظلت تعتبر نفسها فرقة يهودية وتعلن على لسان يعقوب: “أن من عمل بالشريعة كلها وقصر في وصية واحدة منها أخطأ بها كلها ” (يعقوب 2 : 15).

لكن بولس سيصرح بوضوح أن الشريعة ليست هي صلب الدين كي يكون بإمكان الوثنيين أن يصبحوا مسيحيين من دون التزام كامل بالشريعة: ” فنحن نعتقد أن الإنسان يبرر بالإيمان ، لا بالعمل بأحكام الشريعة. لأن الله واحد يبرر اليهود بالإيمان كما يبرر غير اليهود بالإيمان ” (رومة 3 : 28 – 31 ) ، كان بولس بحاجة إلى الخروج من دائرة اليهودية وهو يطرح ديانته الجديدة القائمة على فكرة التجسد الإلهي في شخص المسيح ، وكان غير اليهودي أقرب إلى تفهم هذه الفكرة من اليهودي المدعو إلى دخول المسيحية.

بوجه عام، تخلت المسيحية المبكرة – طوال مرحلة الاستضعاف- عن مفهوم الشريعة المنصوص عليها في الكتاب، وحضت المسيحيين على الخضوع لقوانين الدولة الرومانية. جرى استدعاء توجيه المسيح “أعطوا ما لقيصر القيصر وما لله لله ” ( مرقس 12 : 17 ) ، وتعاليم بولس ” لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله. السلاطين الكائنة هي مرتبة من الله، حتى أنه من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله”
(رومة 1:13 -2، وانظر 28:3 “الإنسان يبرر بالإيمان، بدون أعمال الناموس” ).

واقعياً، كان من الصعب مواجهة القوة الطاغية للإمبراطورية، أو مقابلة نظامها القانوني العريق بشريعة دينية سامية قادمة من الشرق. وفي هذا السياق يمكن القول بأن الإقرار بالعلمانية من قبل المسيحية المبكرة كان ضرورة مفروضة بواقع الاجتماع السياسي، بقدر ما كان خياراً دينياً يمكن تأسيسه على أصول كتابية من تعاليم المسيح التي تشير إلى نزوعات روحية مجافية للانغماس السياسي ( الدنيوي) ولحرفية الناموس. هذه النزوعات المبدئية ذات الطابع الانسحابي أسهمت في تشكيل المسيحية كديانة لاهوتية طقوسية أكثر منها ديانة تشريعية. وعبر تاريخ تطورها ظلت الانشقاقات الكنسية تدور على لاهوت المسيح، ولم تنتج تراثاً فقهياً قانونياً، بالقياس إلى اليهودية والإسلام.

لكن المعادلة ستتغير عند تحول موازين القوى في أواخر القرن الرابع، مع انتقال الدولة الرومانية إلى المسيحية، وتبلور الكنيسة كمؤسسة ذات بناء نظري وحضور سياسي فاعل، لقد صارت المسيحية تمتلك دولتها الخاصة، كما صارت تمتلك كتابها المقدس الذي يضم نصوص العهد القديم. في البداية ظلت الحدود واضحة بين صلاحيات الدولة (العلمانية) التي تمارس سلطة القانون، وصلاحيات الكنيسة (الدينية) التي تنصب على اللاهوت والطقوس ، إلا أن سلطة الكهنوت ظلت تتفاقم تدريجياً بعد القرن الرابع ، فاكتسبت الكنيسة صلاحيات سياسية وتشريعية واسعة على حساب الدولة. وبدا وكأن المسيحية تستعيد وعيها بمفهوم الشريعة التي يلزم فرضها على العالم بقوة الدولة، وهو ما تم تأسيسه على نصوص من الكتاب.

لقد صارت المسيحية – من موقع القوة – تسفر عن طبيعتها الكامنة كديانة كتابية تنحدر من نسق التدين التوحيدي الذي دشنته اليهودية بخصائصه الحصرية ذات الطابع الشمولي. الأمر الذي أسفر عن خلق حالة مزمنة من التوتر في علاقة الدين والدولة بامتداد العصور الوسطى. وهي الحالة التي ظلت قائمة في الغرب المسيحي حتى اضطرت الكنيسة تحت ضغوط الحداثة إلى التخلي عن نفوذها السياسي التشريعي والإقرار للدولة بمساحتها العلمانية الكاملة. وكالعادة، كان بإمكان الكنيسة إعادة تأسيس موقفها على نصوص كتابية. الأمر الذي يكشف بوضوح عن الاجتماع السياسي كفاعل رئيسي في تشكيل و تطوير الفكرة الدينية.

-5-

الاجتماع السياسي والتشريع القرآني

ارتبط حضور التشريع في الإسلام بتكون مجتمع إسلامي، وهى وضعية لم تتوفر قبل الهجرة إلى المدينة، هذه الحقيقة تظهر بوضوح في تاريخ النص القرآني بمرحلتيه المكية والمدنية: في المرحلة الأولى حيث لم يكن هذا المجتمع قد تكون، لم يتطرق النص إلى أي تكاليف ذات مضمون تشريعي (قانوني)، ولم يعد بمشروع منتظر في هذا الاتجاه.

بعد الانتقال إلى المدينة بدأت ملامح هذا المجتمع في التشكل تدريجياً، وحينئذ بدأ النص يسفر عن نشاطه التشريعي. مع تزايد عدد الجماعة المسلمة واستقرارها النسبي، مثل التنوع القبلي والديني الذي وفره وجود التجمعات اليهودية، واستمرار التهديد القرشي، حوافز للتمايز والاحتشاد السياسي، ظلت تدفع الجماعة المسلمة باتجاه التحول إلى دولة، وعندما أغلق النص القرآني بوفاة النبي سنة 632م كان ثمة كيان سياسي يشبه الدولة، أو كان ثمة دولة في طور الإنشاء والتكوين، وكان النشاط التشريعي للنص قد بلغ ذروته كما يظهر في سورة المائدة.

(ناقشت سابقاً، كيف أن الدولة التي سيكتمل بناؤها بعد وفاة الرسول، لم تنشأ بأمر إلهي صادر باسم الدين كي تقوم بنشره وحمايته كما سينتهي إليه التنظير الفقهي في وقت لاحق، بل نشأت – ككل دولة – نتيجة لتطور عوامل الاجتماع السياسي. أي كانت تصعيداً للمشروع السياسي الخاص الذي أداره النبي محمد بالتجاور مع دعوته الدينية. وهو التجاور الذي فرض الخلط بين الديني والسياسي داخل بنية الإسلام، التي لم يكتمل تشكلها النظري قبل عصر التدوين. الدين في جوهره معنى إيماني أخلاقي، لا يدخل فيه الناس بسيف الدولة ولكن يسهل تسييسه دائماً لصالح أغراض الدولة).

المرحلة المكية من النص توفر فرصة مثالية للتمعن في جوهر الدين بما هو نزوع روحي فردى، وتقدم شاهداً على وجود الدين بدون شريعة، أما المرحلة المدنية فتقدم نموذجًا طبيعياً لكيفية التفاعل بين الدين والاجتماع. حيث تنغمس الجماعة الدينية في حركة الواقع وتعبر عن حاجاتها البشرية في شكل خيارات تشريعية وطقوسية، يتبناها النص (الشكل اللغوي المعتمد للخطاب الديني ) . وقد تم ذلك بالفعل بشكل تدريجي متقطع يكشف عن الطبيعة الجدلية لعلاقة النص بالواقع الاجتماعي، فهو لم يصدر “لائحة” قانونية عامة ومجردة تستبق الوقائع والأحداث، بل كانت الأحكام ترد متفرقة كرد فعل لاحق للوقائع، في إطار منهجية التنجيم.

بالتمعن في إيقاع التطور الذي نتج عن الهجرة، يبدو الفارق واضحاً بين الروح “الديني” الهادئ في مكة، والجيشان الاجتماعي والسياسي الذي صار يعكس اهتماماً دنيوياً صريحاً، ومع تزايد حدة الصراع مع القوى المعادية في محيط المدينة، صعدت العوامل السياسية إلى المقدمة كمحرك أول للتفاعل الاجتماعي، ومثلت علاقة الجماعة المسلمة بهذه القوى المحور الرئيس لنشاط الجماعة، وبالتالي لموضوع النص المدني الذي كان في مجمله سجلاً تفصيلياً لوقائع المواجهة مع قريش وبقية القبائل، واليهود، وبدرجة أخف النصارى.

بالنسبة إلى قريش وبقية القبائل، تضاءلت مادة الحوار النظري الذي سبق تناوله بإسهاب في القرآن المكي وانصب اهتمام النص على معالجة العلاقات العملية التي صارت الآن حربية سياسية ( بدر – أحد – الحديبية -الأحزاب – الفتح – حنين – ثم تبوك) ، ونتج عن ذلك عدد من النصوص التشريعية في مسائل القتال، والغنائم، والخمس، والميراث والزواج والطلاق بين المسلمين والمشركين (انظر خصوصًا سور الأنفال، والممتحنة ، والنساء ، والبقرة ). وبالنسبة إلى اليهود دخل النص في حوار لاهوتي تاريخي (سورة البقرة ) تطور إلى حوار تشريعي (في سورتي النساء والمائدة) قبل أن يشير إلى الحوار السياسي الحربي الذي انتهى بإجلائهم من المدينة ( في سورة الحشر ). أما النصارى، فلم توفر الظروف الديموغرافية أسباباً كافية لاحتكاك سياسي عنيف معهم، ولذلك اقتصرت المواجهة معهم على الحوار اللاهوتي الذي نقرأ نموذجاً له ( في سورة آل عمران ).

التصعيد المتنوع في خطاب النص المدني كان يعكس – ببساطة-التطور التدريجي للواقع السياسي في المدينة بعد الهجرة، وتحول موازين القوة لصالح الجماعة المسلمة في مقابل القرشيين واليهود، بما يؤكد معنى التفاعل الجدلي بين النص والاجتماع، وهو المعنى الذي غيبه التنظير السلفي في عصر التدوين تحت صياغات الفقه الاختزالية والكلام المذهبي، وانتقل بالوراثة إلى الوعي الإسلامي المعاصر.

-6-

التشريع في النص المدني

ظهر النشاط التشريعي للنص المدني منذ البداية في سورة البقرة، ثم في سورة النساء، وظل يتزايد مع تفاقم النشاط السياسي للجماعة المسلمة حتى بلغ ذروته في سورة المائدة، وهي من أواخر سور القرآن ، وثمة اتفاق على كونها آخر ما نزل في أحكام الحلال والحرام”. تبدأ السورة بآية افتتاحية ذات إيقاع حقوقي صريح : ” يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود” ثم تطرح عدداً من الأحكام التكليفية في المعاملات والعقوبات.

لكن أهم جوانبها التشريعية يظهر في الحوار الذي أجرته مع اليهود والنصارى حول الاختصاص القانوني والقضائي. ففي هذا الحوار يعترف النص بـ ” التعددية التشريعية ” كقاعدة طبيعية من قواعد الاجتماع . فهي تستنكر على اليهود استفتاءهم النبي أو احتكامهم إليه في قضية يهودية “وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله” ثم يشير إلى النصارى، وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ” ، قبل أن يتحول إلى الجماعة المسلمة “وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه ومهيمنًا عليه ، فاحكم  بينهم بما أنزل الله” وينتهى من ذلك كله إلى تقرير القاعدة الكلية : “لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً” وهي القاعدة التي ترجع – بحسب الآية ذاتها – إلى إرادة الله الأزلية “ولو شاء ربك لجعلكم أمة واحدة ، ولكن ليبلوكم فيما آتاكم “، في إشارة صريحة إلى أن اختلاف الأمم يستتبع اختلاف الشرائع.

بالطبع ، يلزم قراءة هذه النصوص في ضوء “أسباب النزول” أي في سياق ورودها المبكر، الذي يشير إلى استخدامها في معرض الرد على محاولة اليهود إحراج النبي بسؤاله عن أحكام التوراة. وإلا فإن النبي – حسب المصادر – كان يمارس نوعاً من الهيمنة القضائية داخل محيط المدينة، كما أن التطورات السياسية اللاحقة انتهت بإجلاء اليهود عن المدينة واخضاعها كلياً للسلطة الإسلامية، ما كان يعني إلغاء حالة التعددية الهشة التي أقر بها النبي في مطلع الهجرة حسب وثيقة المدينة. والواضح أننا حيال أفعال سياسية يحركها منطق السلطة المتغير، وليس حيال مبادئ دينية مطلقة.

لكن ما أهدف إلى إبرازه هنا هو أن العقل الفقهي لم يتنبه إلى المعنى الكامن في هذه النصوص: التشريع فعل اجتماعي متغير بالضرورة، لأن اختلاف الأمم ظاهرة لا تتوقف في الزمن ، بل سيرورة طبيعية دائمة بحكم قانون التطور. وهذا عكس المعنى الذي يذهب إليه الفقه في تأسيس الشريعة . الشريعة هي أحكام قانونية تعالج حالات فرعية تفصيلية ، شديدة الارتباط بسياقاتها الاجتماعية (الاقتصادية/ الثقافية) ولذلك فهي تتطور تلقائياً بتطور هذه السياقات. هذه الحقيقة الطبيعية لا تتغير لمجرد ورود هذه الأحكام في نص ديني ، الأمر الذي يقتضي نزع القانون من دائرة الدين في ذاته ، بها هو – حسب التصور التوحيدي- حقيقة كلية مطلقة قادمة من خارج الاجتماع .

وإذا كان الثابت بالاستقراء التاريخي أن الواقع الاجتماعي في بيئة بعينها كان دائماً هو الذي ينتج القانون، ثم يعود فيفرض عليه أن يتغير ليعكس حقائق التطور في الظروف الطبيعية والاقتصادية والسياسية والعقلية ، مما يفسر تعددية النظم القانونية وتطورها عبر الزمن ، فهل استطاع القانون – لمجرد التحاقه بالفقه الديني و اكتسابه وصف الشريعة – أن يجعل ذاته استثناء من هذا الاستقراء ؟

تاريخياً، فرض الواقع الاجتماعي المتغير على شريعة القرآن، مثلما فعل بشريعة التوراة ، أن تتنحى عن هيمتها التاريخية داخل المحيط الإسلامي مع ظهور الدولة الحديثة، عبر مسار تدريجي ظلت الحاجات الفعلية من خلاله تملى علاقاتها الجديدة، ومن ثم قوانينها الوضعية الجديدة.

لكن مفهوم الشريعة ظل حاضراً على المستوى النظري في كتب الفقه ، و يجرى استدعاؤه بغرض التوظيف السياسي من قبل التيارات الأصولية . المشكل هنا أن هذه التيارات ضمن مجمل العقل الإسلامي لا تزال تخلط بين. سلطة الفقه، وهو اجتهاد بشرى تاريخي تشكل في عصر التدوين اللاحق علي إغلاق النص، وسلطة الدين المطلق، وهو معنى يتسع لتصورات ذاتية متعددة، واجتهادات بشرية جديدة .

-7-

لم يقدم النص القرآني منظومة قانونية شاملة ، ولم يصدر في شكل لائحة مرتبة تشير إلى مخطط اشتراعي سابق التجهيز، بل كان يقدم معالجات جزئية متفرقة للرد على وقائع آنية تتعلق بالأحوال الشخصية وبعض المعاملات المالية، والعقوبات، وأسلاب الغنائم والفيء، وبوجه عام لا يمكن اعتبار القرآن كتابًا تشريعياً بالمقارنة إلى التوراة التي يشار إليها بوصفها الناموس أو القانون.

وبمقياس المقارنة إلى مجمل آيات القرآن تبدو حصيلة آيات الأحكام التشريعية قليلة العدد يشير الرازي في التفسير إلى أن ” الآيات الواردة في الأحكام الشرعية أقل من ستمائة آية ، وأما البواقي ففي بيان التوحيد والنبوة والرد على عبدة الأوثان وأصناف المشركين” (ج11 ، ص 88).

ويتكلم الغزالي عن خمسمائة آية . لكن الزركشي يرفض هذا التقدير ويعلق عليه بالقول ” لعل مرادهما المصرح به، فإن آيات القصص والأمثال وغيرها يستنبط منها الكثير من الأحكام” يشير الزركشي إلى الأحكام بالمعنى الواسع في الاستخدام السلفي حيث يمكن استنباط حكم من كل آية، وهو غير المعنى المقصود بأحكام التشريع، ما أعنيه بهذا المصطلح هنا هو الأحكام المتعلقة بقواعد قانونية بالمعنى الفني الضيق، ويمكن من ثم إدراجها تحت قسم من أقسام القانون الخاص أو العام المعروفة ، وهي تنحصر فقهيا بأحكام المعاملات .

عملياً، كانت هذه المعالجات الجزئية مستمدة من الأعراف القانونية السائدة في المدينة ومحيط الجزيرة العربية، وهي الأعراف التي ظلت تمثل النظام القانوني العام للجماعة المسلمة. نحن حيال سريان طبيعي للقاعدة العامة : التشريع هو انعكاس مباشر للواقع الاجتماعي . كان الواقع الاجتماعي في هذه المنطقة محكوماً بقواعد شفوية متراكمة من ممارسات القبلية العربية المشربة على نحو أو آخر بمسحات توراتية، وآشورية بابلية، فضلاً عن مؤثرات الأطراف الفارسية والبيزنطية، وكمبدأ عام تم إقرار هذه القواعد العرفية من قبل “الدين” الجديد، مع بعض التعديلات الجزئية، من دون حاجة إلى تضمينها بكاملها في النص القرآني .

وكثير من الآيات لا يمكن فهمها إلا كامتداد للواقع التشريعي القائم ، وإذا أمكن لنا الحديث عن “انقلاب ” جذري أحدثه القرآن على مستوى اللاهوت ( العقيدة ) ، فليس بإمكاننا الحديث عن انقلاب واضح على مستوى التشريع القانوني. فقط في بعض الأحيان كان هذا الإقرار يأخذ شكل النص كما يظهر مثلاً في تبنى القرآن -كخط عام- لتقاليد الزواج التي كانت سائدة في المجتمع المكي والتي تتشابه مع تشريعات ما بين النهرين، وكما يظهر في التعديل الجزئي الذي أدخله النص على أحكام الوفاة والطلاق بخصوص تنويع مدد العدة ( الممارسات العربية قبل الإسلام عرفت مفهوم العدة وحدت مدته بسنة. وقد وافقها القرآن في هذه المدة في الآية 240 من سورة البقرة التي تعالج عدة المتوفى عنها زوجها في ما يتعلق بنفقتها وسكنها. لكنه عدل المدة إلى أربعة أشهر وعشرة أيام في الآية 234 من السورة ذاتها وهى تتعلق بإمكانية زواجها من آخر، وفي عدة الطلاق جعل المدة ثلاثة قروء ( البقرة 228) أو ثلاثة أشهر بالنسبة إلى اليائسات من المحيض واللائي لم يحضن ( الطلاق 4) . في التوافق الإجمالي للتشريع القرآني مع العرف الجاهلي أنظر على سبيل المثال : جواد على ، المفصل في تاريخ العرب . والألوسي ، بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، و نولدكه، أمراء غسان ، ترجمة بندلي جوزي، وفي امتداد التشريع الأشوري والبابلي إلى الممارسات العربية قبل الإسلام أنظر : Russ Versteeg, Early Mesopotamian Law, Durham, NC, Carolina Academic Press 2000. Schacht, From Babylonian to Islamic Law in Yearbook of Islamic and Middle East Law, Landon and Boston: Kluwer Law 1995)

-8-

بوجه عام، كان النص يتحاور مع الواقع بشكل آني و متجدد فانعكست عليه خصوصاً في شقه التشريعي حركية الواقع وظرفيته، وطوال مرحلة التنزيل – حيث كان النص يشتغل كآلية عمل متقطعة ، وليس وثيقة موضوعة للمعرفة المقدسة – لم يبد أن النص يقصد إلى إصدار لائحة نهائية تشرع للمستقبل، بقدر ما كان يهدف إلى معالجة الأحداث والحالات القائمة، ولذلك لم يظهر أي إحساس بالحرج من حقيقة أن النص كان يغير أحكامه مع تغير الواقع في المدى القصير، مثلها سيظهر لاحقاً في المعالجات السلفية لنظرية النسخ وأسباب النزول. الفارق واضح بين النظر إلى وظيفة النص وهو ينزل كرد فعل للوقائع قطعة قطعة ، والنظر إليه بعد تحوله في عصر التدوين إلى وثيقة مجمعة كنص واحد طويل يتمتع بالقداسة : ظرفية المعالجات المتفرقة التي بدت طبيعية في المرحلة الأولى، ستظهر بالضرورة في شكل تناقضات على سطح النص الطويل .

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete