تكوين
الملخص
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل أنثروبولوجيا الفقر عند أوسكار لويس، مع التركيز على مفهوم “ثقافة الفقر” بوصفه مدخلًا لفهم العلاقة بين البنية الاجتماعية والمعنى الثقافي. تنطلق الدراسة من اعتبار الفقر ظاهرة اجتماعية متعددة الأبعاد تتجاوز الحرمان المادي لتشمل الخبرة اليومية والقيم وأنماط التفاعل الاجتماعي. وقد اعتمد لويس المنهج الإثنوغرافي والسردي لفهم كيفية تفسير الفقراء لواقعهم وإعادة إنتاج هويتهم داخل شروط بنيوية مقيدة. ويبيّن التحليل أن “ثقافة الفقر” تمثل استراتيجيات تكيف اجتماعي تتشكل في سياق اللامساواة، وليست تفسيرًا ثقافويًا للفقر. كما تناقش الدراسة الانتقادات الموجهة لهذا المفهوم، خاصة ما يتعلق بخطر اختزال الفقر في أنماط سلوكية ثابتة. وتبرز أهمية الروابط الاجتماعية وشبكات الدعم في تحويل المعنى الثقافي إلى ممارسات تضامنية. وتخلص الدراسة إلى ضرورة الجمع بين التحليل الثقافي والبنيوي لفهم الفقر بوصفه تجربة اجتماعية مركبة.
الكلمات الافتتاحية: الفقر، ثقافة الفقر، أنثروبولوجيا، السرد، تجربة اجتماعية.
Abstract :
This study aims to analyze the anthropology of poverty according to Oscar Lewis, focusing on the concept of the “culture of poverty” as an approach to understanding the relationship between social structure and cultural meaning. The study considers poverty as a multidimensional social phenomenon that goes beyond material deprivation to include daily experience, values, and patterns of social interaction. Lewis employed ethnographic and narrative methods to understand how the poor interpret their reality and reproduce their identities within constrained structural conditions. The analysis shows that the “culture of poverty” represents social adaptation strategies formed in contexts of inequality, rather than a cultural explanation of poverty. The study also addresses criticisms of this concept, particularly regarding the risk of reducing poverty to fixed behavioral patterns. It highlights the importance of social ties and support networks in translating cultural meaning into solidaristic practices. The study concludes by emphasizing the need to combine cultural and structural analysis to understand poverty as a complex social experience.
Keywords: Poverty, Culture of Poverty, Anthropology, Narrative, Social Experience
المقدمة
يُعد الفقر اليوم ظاهرة اجتماعية متعددة الأبعاد، تتجاوز حدود الحرمان المادي لتشمل الخبرات اليومية للأفراد والجماعات، بما في ذلك القيم والسلوكيات وأساليب التكيف الاجتماعي والثقافي. فالفقر لا يعني مجرد نقص الدخل أو الموارد، بل هو تجربة حياتية متشابكة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية مع السياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ما يجعل فهمها يتطلب دراسة دقيقة للعلاقات بين الفرد والمجتمع والهياكل البنيوية التي تحدد فرص الوصول إلى الموارد والسلطة. إن دراسة الفقر، كتجربة اجتماعية شاملة تتطلب، الانتقال من النظرة التقليدية، التي تركز على المؤشرات الاقتصادية البحتة، إلى منظور يدمج الأبعاد الإنسانية والمعنوية للحرمان. فالفقر يشمل المعاناة اليومية، ومحدودية الخيارات، والضغط النفسي والاجتماعي الناتج عن القيود البنيوية؛ وهو ما يجعل تحليل الحياة اليومية للفقراء ضروريًّا، لفهم كيفية تكيفهم وصياغة استراتيجيات للبقاء.
في هذا السياق، جاء عمل أوسكار لويس ليقدم إطارًا منهجيًّا جديدًا لدراسة الفقر، حيث جمع بين التحليل البنيوي والمقاربة الإثنوغرافية والسردية. وقد ركز لويس على أن الخبرة اليومية للفقراء لا تُفهم بمعزل عن البنية الاجتماعية، بل تتشكل من خلال شبكة علاقات متشابكة تتضمن الأسرة والجيران والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية. وأظهر أن الفقراء ليسوا جماعة متجانسة، بل هم فاعلون اجتماعيون قادرون على ابتكار حلول للتكيف مع ظروفهم الصعبة، ما يعكس قدرة الإنسان على التكيف ضمن قيود اقتصادية واجتماعية معقدة.
يُعدُّ مفهوم «ثقافة الفقر» عند لويس من الأدوات الأساسية لفهم العلاقة بين البنية الاجتماعية والمعنى، فهو يبرز كيف تولد الظروف المعيشية للفقراء أنماطًا خاصة من القيم والسلوكيات تساعدهم على مواجهة القيود اليومية، دون أن يُفهم ذلك كتبرير للحرمان الاقتصادي. ويشير هذا المفهوم إلى أن الثقافة ليست معزولة عن البنية، بل هي وسيلة لفهم كيفية تعامل الأفراد والجماعات مع بيئتهم، وتحويل التحديات اليومية إلى استراتيجيات للبقاء والتكيف الاجتماعي.
تعتمد هذه الدراسة على تحليل السرد والمعنى الذي يقدمه لويس من خلال مقابلاته الإثنوغرافية، حيث يُظهر كيفية تشكيل الفقراء فهمهم للواقع الاجتماعي، وإعادة إنتاج هويتهم الفردية والجماعية، ضمن سياق التحديات الاقتصادية والاجتماعية. فلا يقتصر عمل السرد الذاتي والمقابلات على جمع المعلومات، بل يكشف عن عمليات التأويل والتكيف الرمزي والاجتماعي، ما يمكّن الباحث من فهم أعمق للعلاقات بين الموارد، والمعاني، والقيم. علاوة على ذلك، تركز هذه الدراسة على المقارنة بين مقاربة لويس والمقاربات البنيوية والنقدية المعاصرة، حيث تُبيّن كيف تختلف الرؤى حول الفقر بين من يعدُّه نتيجة للقيم والسلوكيات، وبين من ينظر إليه بوصفه نتيجة لعوامل هيكلية وسياسية واقتصادية أوسع. ويساعد هذا التحليل على إبراز حدود مفهوم «ثقافة الفقر» والإشكاليات المرتبطة بإعادة إنتاج الصور النمطية، مع تأكيد أهمية دمج الأبعاد البنيوية والثقافية لفهم الفقر بطريقة أكثر شمولية. ختامًا، يتيح النظر إلى الفقر، بوصفه تجربة اجتماعية متكاملة، فهمًا أعمق للعلاقة بين البنية والمعنى، ويقدم أساسًا متينًا لتطوير سياسات اجتماعية أكثر دقة، تضع في الحسبان القدرة التكيفية للفقراء، والقيود البنيوية، والمعاني الثقافية التي تشكل حياتهم اليومية. ومن خلال هذه الرؤية، يصبح من الممكن الانتقال من قراءة الفقر بوصفه مؤشرًا اقتصاديًّا محدودًا، إلى فهمه بصفته تجربة حياة كاملة تتضمن الموارد، والعلاقات، والهوية.
أولًا: الإطار النظري والمنهجي لأنثروبولوجيا الفقر عند أوسكار لويس
لفهم الفقر، بوصفه ظاهرة اجتماعية متعددة الأبعاد، من الضروري الانطلاق من الإطار النظري والمنهجي الذي اعتمده أوسكار لويس في تحليله، والذي يجمع بين مقاربة ثقافية وإثنوغرافية دقيقة. ويميز هذا الإطار بين البعد البنيوي للفقر، المتمثل في التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية والسياسات العامة، والبعد الثقافي والنفسي، المرتبط بتجارب الأفراد اليومية وأساليب تفاعلهم مع محيطهم الاجتماعي. في هذا السياق، يُعتبر المنهج الإثنوغرافي أداة مركزية تمكّن الباحث من التعمق في حياة الفئات المهمشة، لفهم كيفية تشكّل الهويات والمعاني الفردية والجماعية ضمن بيئات معقدة متعددة الأبعاد. اعتمد لويس في ذلك على السرد الذاتي والمقابلات الإثنوغرافية، مركزًا على الروابط بين التجربة اليومية للفقراء والهياكل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المحيطة بهم. ومع ذلك، يشير النقد المعاصر إلى أن لويس لم يوفّر وزنًا كافيًا للعوامل البنيوية الكبرى التي تنتج الفقر، مثل السياسات الاقتصادية المؤسسية والتاريخ الاستعماري، مما قد يؤدي إلى تضخيم دور الثقافة على حساب الهيمنة الاقتصادية والسياسية.[1]
ومن خلال هذا الدمج بين التحليل البنيوي للظروف الاجتماعية والفهم الثقافي للخبرات اليومية، يمكن للباحث أن تجاوز النظرة الاقتصادية الضيقة للفقر، واعتباره تجربة اجتماعية متكاملة تشمل الموارد المادية والمعاني الرمزية والقيود المجتمعية. هذا الإطار المنهجي يسمح بفهم العمليات التي تساهم في إنتاج واستمرار الفقر، مع إبراز العلاقة المتبادلة بين الهياكل الاجتماعية والمعاني الثقافية، دون اختزاله في بعد واحد فقط. وبناءً على ذلك، يشكل هذا الإطار نقطة الانطلاق لدراسة مفهومي “ثقافة الفقر” و”السرد والمعنى”، بما يتيح تحليل الفقر بصورة شاملة تربط بين البنية والمعنى، وبين الواقع الاقتصادي والتجربة الثقافية اليومية، وتبرز كيفية تشابك الموارد والفرص والقيود في تشكيل حياة الفئات المهمشة.
-
الفقر بوصفه تجربة اجتماعية متكاملة
لا يمكن اختزال الفقر في حدود غياب الموارد أو انخفاض الدخل، فحسب، بل ينبغي أن يُنظر إليه على أنه تجربة اجتماعية متكاملة تتضمن أبعادًا متشابكة تشمل الجوانب الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والنفسية، والسياسية. تتجلى هذه الأبعاد في هيكل العلاقات الاجتماعية، وضعف شبكات الدعم، والضغوط اليومية التي تمس الهوية والكرامة الشخصية. ومن هذا المنطلق، قدّم الأنثروبولوجي الأمريكي أوسكار لويس رؤية معمقة للفقر عبر مفهومه الشهير “ثقافة الفقر”[2]. واعتمد المنهج الإثنوغرافي والمقابلات السردية لدراسة الأسر الفقيرة في المكسيك والولايات المتحدة، ما مكّنه من تجاوز الفهم الضيق للفقر، بوصفه حالة مادية، إلى فهمه، بوصفه نمط حياة متكاملًا يشمل القيم والمعتقدات وأساليب السلوك المتجذرة في الخبرة اليومية.
ويرى لويس أن الفقراء لا يشكّلون جماعة متجانسة ذات خصائص ثابتة، بل يعيشون أوضاعًا تتمايز بحسب مواقعهم داخل البنية الاجتماعية. وما يميز سياقات الفقر ليس التجانس، بل تشكّل أنماط تفاعل خاصة تنبع من موقع اجتماعي هشّ، حيث تتداخل القيود البنيوية مع آليات التكيّف الرمزي واليومي. وفي هذا الإطار، تطوّر الأسر الفقيرة استراتيجيات عملية لتنظيم توزيع الموارد المحدودة، وتحديد الأدوار داخل الأسرة، بما يضمن استمرارية الحياة في ظل شروط عدم الاستقرار[3]. كما تبني شبكات دعم متبادل لمواجهة القيود الاقتصادية غير أن هذه الديناميات لا يمكن فصلها عن البنى الاجتماعية والسياسية الأوسع؛ إذ يرتبط الفقر بأنماط الإنتاج وسياسات الدولة وأشكال التفاوت في توزيع الموارد. مع ذلك، فقد أثار مفهوم “ثقافة الفقر” جدلًا نقديًّا واسعًا، إذ قد يُفهم التركيز على القيم والسلوكيات على أنه إرجاع للفقر إلى عوامل داخلية. فقد أكدت كارول بي ستاك أن الشبكات الاجتماعية بين الفقراء تمثل استراتيجيات تكيف ضمن أوضاع اقتصادية صعبة، وليست نمطًا ثقافيًا سلبيًّا ثابتًا.[4] كما أبرز ويليام ج. ويلسون أن ضعف الاندماج في سوق العمل وتراجع الفرص الاقتصادية يمثلان عناصر حاسمة في تكوّن الفقر الحضري.[5] بناءً على ذلك، يصبح من الضروري اعتماد منظور مزدوج يجمع بين التحليل الثقافي والتحليل البنيوي لفهم الفقر في شموليته.
-
مفهوم «ثقافة الفقر» وأبعاده النظرية
يعرف لويس “ثقافة الفقر” بأنها منظومة من القيم والتصورات والسلوكيات التي يكتسبها الأفراد نتيجة العيش في ظروف الحرمان المزمن، والتي تساعدهم على مواجهة تحديات الحياة اليومية في بيئات محدودة الموارد، دون تبرير الفقر أو قبوله بوصفه قدرًا محتومًا. وبذلك، يضع لويس الأساس لفهم الفقر بوصفه تجربة تُنتج أنماطًا خاصة من التفاعل الاجتماعي والتنظيم الرمزي للحياة اليومية، تنبثق من التفاعل الاجتماعي المستمر داخل بيئة محددة، وتشمل تنظيم الوقت والعمل، وأنماط الأسرة والسلطة، والعلاقات الاجتماعية بين الأفراد.
وانطلاقًا من هذا التصور، يؤكد لويس أن “ثقافة الفقر” ليست سمة جوهرية أو شخصية ثابتة، بل هي وظيفة تكيفية تمكّن الأفراد من الحفاظ على كرامتهم وهويتهم في مواجهة الإقصاء واللامساواة[6]. بهذا المعنى، يشكّل المفهوم أداة لفهم كيفية تحويل الضغوط البنيوية إلى خبرة حياتية يومية تحمل معنى ثقافيًّا، وكيفية تفاعل الأسر الفقيرة مع محدودية الموارد عبر شبكات دعم مرنة، وأساليب تنشئة تعيد إنتاج القيم الاجتماعية، وتؤسس لاستراتيجيات البقاء، وعلى الرغم من الأهمية التحليلية لهذا الطرح، فقد أثار نقاشًا واسعًا وتعرض إلى بعض النقود داخل الحقل السوسيولوجي والأنثروبولوجي. فقد رأى عدد من الباحثين أن التركيز على القيم والسلوكيات قد يوحي بأن الفقر ظاهرة داخلية أو شخصية، متجاهلًا القوى البنيوية الاقتصادية والسياسية التي تنتج اللامساواة[7] وتعيد إنتاجها. كما أن تعميم أنماط معينة من السلوك قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الصور النمطية عن الفقراء، ولا سيما إذا لم تُوضع هذه الأنماط في سياقها التاريخي والاجتماعي المحدد. ومن هنا يتبلور إشكال منهجي أساسي يتعلق بكيفية توظيف المفهوم، دون تحويله إلى أداة للتفسير الاختزالي. فيبرز التحدي المنهجي في استخدام مفهوم “ثقافة الفقر”: كيف يمكن الاستفادة من هذا المفهوم لفهم الخبرة اليومية، دون الوقوع في فخ التفسير الاختزالي أو التعميم المفرط؟
على الرغم من هذه الانتقادات، تحتفظ قراءة لويس بقيمتها التفسيرية، لا سيما إذا ما أُدرجت ضمن تحليل بنيوي أشمل. فتظل قراءة لويس ذات قيمة كبيرة، لأنها تكشف عن كيفية إعادة الفاعلين الاجتماعيين إنتاج ذواتهم ضمن شروط الهيمنة والنقص، وكيفية تطوير الجماعات استراتيجيات التكيف والتفاوض مع واقعها اليومي. فـ”ثقافة الفقر” لا تُقدَّم بوصفها حكمًا سببيًّا نهائيًّا، بل بصفتها توصيفًا للتجربة الاجتماعية، ومفتاحًا لفهم المعنى اليومي للفقر والسرد الفردي للجماعات المهمشة. فهي تتيح للباحثين الانتقال من التحليل الاقتصادي البحت إلى دراسة الروابط الاجتماعية والتضامن، ثم إلى فهم إعادة إنتاج الهوية الفردية والجماعية ضمن شبكات الدعم والتفاعل المجتمعي. وفي ضوء ذلك، يشكّل مفهوم “ثقافة الفقر” جسرًا بين الخبرة الذاتية للفقراء والبنية الاجتماعية الأوسع، ويوفر إطارًا نظريًّا لفهم الفقر بوصفه ظاهرة متعددة الأبعاد تجمع بين المادي والرمزي والثقافي في آن واحد. ومن خلال هذا الإطار، يصبح من الممكن النظر إلى الفقر، ليس بوصفه حرمانًا اقتصاديًّا فحسب، بل أيضًا بوصفه تجربة حياتية شاملة تتداخل فيها الموارد المادية مع المعاني اليومية، وتنعكس على الهوية الفردية والجماعية، بما يفتح المجال أمام مقاربات أكثر دقة وحساسية في دراسة الظاهرة ومعالجتها.
-
السرد والمعنى وحدود التفسير الثقافي في أنثروبولوجيا الفقر
يندرج هذا المحور ضمن محاولة تفكيك العلاقة الجدلية بين السرد، بوصفه أداة لفهم التجربة، والمعنى الثقافي، والبنية الاجتماعية التي تحدد شروط العيش. ويركز لويس في تحليله للفقر على الربط بين التجربة اليومية للفقراء والموقع البنيوي الذي يحتلونه داخل النظام الاجتماعي العام، مؤكدًا أن الثقافة ليست عنصرًا منفصلًا، بل هي جسر يوضح كيفية تفاعل الفقراء مع واقعهم، وإعادة إنتاج القيم والمعاني، في ظل القيود البنيوية. وبهذا، ينتقل التحليل من الوصف الإثنوغرافي إلى التأويل السوسيولوجي الذي يربط بين التجربة المعيشة والبنية المحدِّدة لها.
-التحليل المعرفي للمعنى:
يمثل هذا البعد مدخلاً أساسياً لفهم كيفية تشكّل الرؤية إلى العالم داخل سياقات الفقر، إذ لا يتعلق الأمر فقط بالعيش في وضعية حرمان، بل بطريقة إدراك هذا الحرمان وتأويله. يرى أوسكار لويس أن الفقراء في المجتمعات الحديثة لا يختبرون الحرمان المادي وحده، بل يطوّرون إطارًا معرفيًا خاصًا بهم يساعدهم على فهم العالم الاجتماعي الذي يعيشون فيه. هذا الإطار يتشكل من خلال خبراتهم اليومية، ويعكس إدراكهم لموقعهم داخل البنية الاجتماعية، وكيفية تفاعلهم مع المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، إضافة إلى قدرتهم على صياغة توقعات حول المستقبل رغم القيود المفروضة عليهم. بهذا المعنى، لا يقتصر المنهج الإثنوغرافي عند لويس على جمع البيانات أو وصف الممارسات، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أساليب التفكير التي يعتمدها الفقراء في تفسير واقعهم. فهو يسعى إلى الكشف عن الكيفية التي تُترجم بها الضغوط البنيوية إلى معانٍ يومية، وكيف تتحول التجربة الفردية إلى إطار جماعي يعيد إنتاج القيم والتصورات داخل المجتمع. ومن خلال هذا التفكيك، يصبح السرد وسيلة منهجية لاستخراج البنية العميقة للمعنى، وليس مجرد تسجيل لحكايات فردية.
ان التحليل المعرفي للمعنى عند لويس يوضح أن الثقافة ليست مجرد انعكاس للوضع الاقتصادي، بل هي منظومة معرفية تُنتج من خلال التفاعل المستمر بين الأفراد والبنية الاجتماعية. فهي تمثل وسيلة لفهم الذات والآخر، وتحدد أنماط التكيف مع الظروف الصعبة، كما تتيح للفقراء بناء استراتيجيات للبقاء والحفاظ على الهوية والكرامة في مواجهة الإقصاء واللامساواة. ومن هنا، يصبح الفقر ليس مجرد حرمان مادي، بل تجربة معرفية معقدة تتداخل فيها الموارد المحدودة مع التصورات الذهنية والرمزية، لتشكّل في النهاية إطارًا يفسّر علاقة الأفراد بالبنية الاجتماعية، ويكشف عن قدرتهم على إعادة إنتاج المعنى في حياتهم اليومية[8]. وعليه، فإن حدود التفسير الثقافي تظهر عندما يُفصل المعنى عن شروط إنتاجه البنيوية، أو عندما تُختزل الثقافة في سلوكيات ثابتة دون النظر إلى ديناميتها وتاريخيتها.
-التركيب بين المعنى والبنية:
يتمثل أحد أهم إسهامات أوسكار لويس المنهجية في تقديمه لفهم الفقر بوصفه ظاهرة مزدوجة تتداخل فيها البنية الاجتماعية والاقتصادية مع الإطار الثقافي والمعنوي. فالجانب البنيوي للفقر يتجلى في الشبكات الاقتصادية والسياسات الاجتماعية وأنماط توزيع الموارد التي تُنتج اللامساواة وتحدد فرص الأفراد في التعليم والعمل والحراك الاجتماعي. أما الجانب الثقافي والمعنوي فيتجسَّد في استجابة الفقراء لهذه الضغوط البنيوية، من خلال إعادة إنتاج أنماط من السلوك والقيم التي تمنح حياتهم اليومية معنى خاصًّا، وتساعدهم على التكيف مع واقعهم الصعب. وفي هذا التصور، لا تُفهم الثقافة بوصفها عنصرًا مستقلًّا أو قائمًا بذاته، بل تُقدَّم من حيث هي نتاج تفاعلي للفعل الاجتماعي داخل سياق محدد، حيث يتشكل المعنى الفردي والجماعي في ظل علاقات اجتماعية واقتصادية أوسع. فالثقافة، هنا، ليست مجرد انعكاس للوضع المادي، بل هي إطار معرفي يفسّر كيفية تفاعل الفقراء مع واقعهم، وإعادة إنتاجهم للقيم والمعاني في مواجهة الإقصاء والحرمان.
يتيح هذا التركيب بين المعنى والبنية مقاربة أكثر شمولًا للفقر، إذ يُنظر إليه ليس كحالة اقتصادية أو ثقافية منفصلة، بل كتجربة اجتماعية متكاملة تنبثق فيها المعاني اليومية من التفاعل المستمر بين القيود البنيوية وإمكانات الفاعلين الاجتماعيين. ومن خلال هذا المنظور، تصبح الثقافة أداة تفسيرية لفهم الفقر ضمن أبعاده الاجتماعية والسياسية، دون أن تتحول إلى تبرير له أو اختزال لسببه[9]. فهي تكشف عن قدرة الأفراد على تحويل الضغوط البنيوية إلى خبرة يومية تحمل دلالات رمزية، وعن كيفية بناء استراتيجيات للبقاء والتضامن وإعادة إنتاج الهوية في ظل ظروف اللامساواة. وبذلك، يقدّم لويس إطارًا نظريًا يربط بين الاقتصاد والسياسة والثقافة، ويُظهر أن الفقر ليس مجرد حرمان مادي، بل هو عملية اجتماعية معقدة تتداخل فيها البنية والمعنى، وتنعكس على الهوية الفردية والجماعية، بما يسمح بفهم أعمق لأبعاده المتعددة والمتشابكة.
-التفسير النقدي للمعنى:
رغم تأكيد أوسكار لويس على مركزية المعنى في فهم تجارب الفقراء، فإن مقاربته لا تنزلق إلى توصيف ثقافي محض أو اختزال الظاهرة في أنماط سلوك فردية. فهو ينطلق من افتراض منهجي مفاده أن المعنى لا يتشكل في فراغ، بل في سياق بنيوي محدد، الأمر الذي يفرض الربط الدائم بين التجربة الذاتية وشروطها الاجتماعية. بل تقوم على تحليل تفسيري يسعى إلى تفكيك الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تُنتج أنماطًا محددة من الفعل والمعنى، كما يظهر في دراسته الكلاسيكية أطفال سانشيز حيث أبرز كيف تتشكل الرؤى والممارسات اليومية في سياقات من الحرمان البنيوي والهيمنة الاجتماعية[10] ومن خلال هذا المثال الإثنوغرافي، يتضح أن السرد الفردي يصبح مدخلاً لقراءة البنية، وأن التجربة الخاصة تكشف عن منطق اجتماعي أوسع. وهنا تتجلى أهمية مفهوم “ثقافة الفقر” لا بوصفه توصيفًا جوهريًا لسمات ثابتة، بل كأداة تحليلية لفهم الكيفية التي تتبلور بها أنماط التفكير والسلوك داخل شروط اجتماعية مقيدة. في هذا الإطار، لا تمثل النظرية عنده دعوة إلى تبنّي وجهات نظر الفقراء كما هي، وإنما محاولة لفهم كيفية تشكّل هذه الرؤى في ظل ضغوط البنية الاجتماعية، وكيفية ترجمتها إلى خبرات ومعانٍ يومية. فالثقافة، بحسب لويس، لا تُفهم كسبب نهائي للفقر، بل باعتبارها وسيطًا معرفيًا يربط بين الخبرة الذاتية والبنية الاجتماعية، بما يسمح بتحليل كيفية عيش الفقر وتمثّله في الممارسة اليومية دون اختزاله في بعد ثقافي مغلق أو تفسير فردي ضيق. [11]
وانطلاقًا من هذا التصور الوسيط للثقافة، ومن هنا، يقدّم لويس منظورًا نقديًا للمعنى، إذ يوضح أن الثقافة ليست مجرد انعكاس للوضع الاقتصادي، بل هي نتاج تفاعلي يفسّر كيف يحوّل الفقراء الضغوط البنيوية إلى خبرة يومية تحمل دلالات رمزية ومعانٍ اجتماعية. هذا المنظور يتيح للباحثين تجاوز الثنائية التقليدية بين البنية والثقافة، عبر فهم الفقر كتجربة معقدة تتداخل فيها العوامل البنيوية مع التصورات الذاتية، وتنعكس على الهوية الفردية والجماعية. كما يسمح بإعادة التفكير في علاقة الفاعلية بالهيمنة، إذ يبيّن أن الفقراء ليسوا مجرد ضحايا سلبيين للبنية، بل فاعلون يعيدون تأويل واقعهم ضمن حدود الإمكانات المتاحة لهم. ومع ذلك، يظل هذا المنهج عرضة للنقد؛ فبعض الباحثين يرون أن التركيز على المعنى قد يؤدي إلى إغفال القوى البنيوية الكبرى التي تنتج اللامساواة وتعيد إنتاجها، أو إلى إعادة إنتاج الصور النمطية عن الفقراء إذا لم يُوضع في سياقه التاريخي والاجتماعي. لكن قوة مقاربة لويس تكمن في قدرتها على إبراز العلاقة الجدلية بين البنية والمعنى، وبين الضغوط البنيوية والتجربة اليومية، بما يجعلها إطارًا غنيًا لفهم الفقر كظاهرة اجتماعية متعددة الأبعاد.
–الإسهام المنهجي في العلوم الاجتماعية:
يُعدّ أحد أبرز إسهامات أوسكار لويس في العلوم الاجتماعية تقديمه لمنهج تحليلي يربط بين الخبرة الفردية للفقراء والمعنى الثقافي والبنية الاجتماعية، بحيث لا يُختزل الفقر في مجرد مؤشر اقتصادي أو عوز مادي، بل يُفهم كحالة اجتماعية متكاملة تتضمن منظومة من الدلالات والقيم وسياقات السلطة والهيمنة[12]. هذا المنظور يتيح النظر إلى الفقراء ليس كضحايا سلبيين للظروف، بل كفاعلين اجتماعيين قادرين على إنتاج معنى ضمن القيود البنيوية التي تحدد سلوكهم وموقعهم داخل المجتمع.
وانطلاقًا من هذا التصور، يتضح أن المقاربة التي يقترحها لويس لا تكتفي بوصف أوضاع الفقر، بل تسعى، أيضًا، إلى تفكيك بنيته الرمزية والاجتماعية، بما يسمح بفهم أعمق للعلاقات التي تنتظم داخله. ومن هذا المنطلق، تُعد نظرية لويس دعوة إلى اعتماد بناء نظري متعدد الأبعاد لتحليل الفقر، يدمج بين الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ويساعد في فهم كيفية تشكّل الروابط الاجتماعية ضمن هذه الخبرات. وإذا كان هذا التحليل يكشف عن الطابع المركّب للفقر، فإنه يبرز في الآن ذاته الوظائف الاجتماعية التي تؤديها الثقافة داخل الأوساط الفقيرة. كما يوضح هذا الإسهام أن الثقافة الفقيرة لا تحدد السلوك الفردي فحسب، بل توفر، أيضًا، أطرًا للتضامن الاجتماعي وأشكالًا من الدعم المتبادل بين الأفراد والأسر والمجتمعات. وهكذا يصبح الفقر مجالًا لفهم كيفية تحول المعنى الثقافي إلى فعل اجتماعي وممارسات تضامنية تتجسد في استراتيجيات البقاء والتعاون، رغم القيود البنيوية التي يعيشها الفقراء.
وبذلك تنتقل المقاربة من تحليل الثقافة، بوصفها نسقًا من القيم، إلى عدِّها قوة فاعلة في إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية داخل شروط الهشاشة. ويفتح هذا التوجه المنهجي المجال أمام مقاربة جديدة للفقر، بوصفه ظاهرة اجتماعية متعددة الأبعاد، حيث تتداخل البنية الاقتصادية والسياسية مع المعنى الثقافي والرمزي، بما يسمح بتحليل أعمق للعلاقة الجدلية بين الفرد والمجتمع، وبين المعنى والبنية، وبين الثقافة والسلطة.
ثانيًا: الفقر والروابط الاجتماعية: من الثقافة إلى التضامن
يعكس الانتقال من تحليل الفقر، بوصفه تجربة اجتماعية وثقافية، إلى دراسة الروابط الاجتماعية، فهمًا أكثر شمولًا للفقر، بوصفه ظاهرة متعددة الأبعاد. فلا يقتصر تأثير الفقر على نقص الموارد المادية، بل يمتد ليشمل العلاقات المتشابكة بين الأفراد والمجتمعات، حيث تتداخل القيم والمعاني الثقافية مع أنماط التفاعل الاجتماعي. وتشكّل الثقافة الفقيرة إطارًا لتفاعل الأفراد مع الآخرين، محددة طرق بناء الدعم المتبادل، وممارسات التضامن، واستراتيجيات البقاء اليومي. ويقوم الفقراء من خلال هذه الثقافة بتأسيس شبكات اجتماعية محلية تعتمد على التعاون، والمشاركة الرمزية، والمساندة المتبادلة، لتجاوز القيود الاقتصادية والاجتماعية، وإعادة إنتاج القيم الثقافية والهوية الجماعية، ما يظهر كيفية تحول المعنى الثقافي إلى فعل اجتماعي ملموس. وتكشف دراسة الفقر من زاوية الروابط الاجتماعية أن الثقافة ليست مجرد منظومة رمزية، بل هي، أيضًا، قوة فاعلة في بناء التضامن وتشكيل استراتيجيات البقاء، ما يفتح المجال لفهم أعمق للفقر، بوصفه تجربة اجتماعية تتقاطع فيها البنية والمعنى، وتنبثق منها ممارسات تضامنية فعالة.
- الروابط الاجتماعية في الفقر: بناء الشبكات والدعم المتبادل
لا يقتصر فهم الفقر على مجرد تحديد مستويات الدخل أو الموارد المادية المحدودة، بل يتجاوز ذلك ليشمل شبكات العلاقات الاجتماعية التي تنشأ داخل المجتمعات الفقيرة، والتي تمثل أداة مركزية للبقاء والتكيف الاجتماعي[13]. وقد أظهرت الدراسات الكلاسيكية، مثل أعمال أوسكار لويس، أن الفقراء يعيشون في سياقات اجتماعية معقدة، حيث تلعب الأسرة الممتدة، والجوار، والمجتمعات المحلية دورًا محوريًّا في تنظيم الحياة اليومية، وضمان الدعم المادي والمعنوي، ونقل القيم والمعايير الثقافية الضرورية للحفاظ على التماسك الاجتماعي[14]. وهذه الروابط ليست مجرد علاقات تبادلية محدودة، بل تمثل، أيضًا، شبكات دعم متكاملة تقوم على التضامن، المساعدة المتبادلة، والمشاركة الرمزية في الأعباء اليومية، ما يسمح للفقراء بمواجهة القيود الاقتصادية والاجتماعية المفروضة عليهم[15].
يمكن قراءة هذه الظاهرة في ضوء ما يسميه روبرت كاستيل “الحماية القريبة protection rapprochée”، حيث كانت المجتمعات، منذ العصور الوسطى، تعتمد على آليات تنظيمية محلية لضمان حماية الأفراد الأكثر ضعفًا[16]. وقد تمثلت هذه الآليات في الاستخدام الجماعي للأراضي (communaux)، وتوزيع الواجبات والأعمال المنزلية(corvées)، وكذلك الالتزامات الفئوية والإشراف المباشر من قِبل السلطات المحلية أو الأعيان. وعلى الرغم من فعاليتها في الحد من الفقر المدقع، لم تكن هذه الشبكات التضامنية المباشرة خالية من الجوانب السلبية، إذ كانت تولّد أحيانًا اعتمادًا مفرطًا على المجتمع، وتهميشًا للأفراد الأضعف، أو مظاهر استغلال رمزي، كما يتضح من المثال الكلاسيكي لشخصية “أحمق القرية idiot du village” التي بقيت ضمن المجتمع، ولكن بشروط محدودة من الإدماج الاجتماعي[17]. فهذه الروابط ليست مجرد علاقات تبادلية محدودة، بل تمثل شبكات دعم متكاملة تقوم على التضامن، والمساعدة المتبادلة، والمشاركة الرمزية في الأعباء اليومية، ما يسمح للفقراء بمواجهة القيود الاقتصادية والاجتماعية المفروضة عليهم.
ولا تقتصر أهمية هذه الروابط الاجتماعية على البعد الاقتصادي، بل تشمل، أيضًا، الأبعاد الرمزية والثقافية التي تؤسس للهوية الاجتماعية والفهم المشترك للواقع اليومي للفقراء. فالتفاعل المستمر بين أفراد الشبكة وممارسات الدعم المتبادل يساهم في إعادة إنتاج القيم الاجتماعية والاعتماد المتبادل بين الأجيال، ويحوّل تجربة الفقر من مجرد حرمان مادي إلى منظومة اجتماعية متكاملة[18]. وعليه، لا يُنظر إلى الفقر على انه ظاهرة فردية أو عرضية، بل بوصفه واقعًا اجتماعيًّا مركبًا، حيث تتداخل الموارد المحدودة، والقيم الثقافية، والهياكل المحلية، في شبكة معقدة من التضامن والتبادل.
في العصر الحديث، ومع التحولات الاقتصادية والاجتماعية، ظهرت مظاهر التخصص والمؤسساتية في تقديم الدعم الاجتماعي، حيث تولى فاعلون محددون، مثل القساوسة، وموظفو البلديات، وأطر المؤسسات الاجتماعية، دورًا محددًا في توزيع المساعدات، ومراقبة الاستحقاق، وتنظيم التدخلات الدقيقة[19]. ومع ذلك، ظل عنصر الدعم المتبادل داخل الشبكات الاجتماعية المحلية قائمًا، مؤكدًا قدرة الفقراء على خلق استراتيجيات تكيّفية مستمدة من الروابط التقليدية التي تراكمت عبر التاريخ. وبذلك، لا تكون الشبكات الاجتماعية مجرد أداة للبقاء المادي، بل تكون، أيضًا، عنصرًا أساسيًّا لإنتاج معنى الحياة اليومية، وتأمين البنية الرمزية والثقافية للفقراء.
عند تناول الروابط الاجتماعية التقليدية داخل المجتمعات الفقيرة، يظهر بوضوح أن هذه الشبكات لا تعمل على التكيف مع الظروف اليومية، فحسب، بل تمثل، أيضًا، فضاءات لإنتاج معانٍ ثقافية وسلوكيات تضامنية. فالثقافة الفقيرة، بما تحتويه من قيم وممارسات، تتجاوز البقاء الفردي، لتشكّل أطرًا للفعل الجماعي وللتضامن بين الأفراد والأسر والمجتمعات المحلية. ومن هنا، يمكن الانتقال إلى دراسة الفعل الاجتماعي، بوصفه استجابة للفقر البنيوي، أي كيفية تحوّل الخبرة اليومية للفقراء، وشبكات الدعم المحلية، إلى ممارسات تضامنية وإستراتيجيات جماعية تعكس مقاومة القيود الاقتصادية والاجتماعية، وتؤكد الدور الحيوي للثقافة في توجيه هذا الفعل الاجتماعي.
- من الثقافة إلى التضامن: الفعل الاجتماعي كاستجابة للفقر البنيوي
لا يمكن فهم الفعل الاجتماعي، في سياق الفقر البنيوي، بوصفه مجرد تعبير ثقافي أو سلوك فردي معزول، بل ينبغي تحليله، أيضًا، بوصفه استجابة اجتماعية مركّبة لشروط موضوعية تتسم بالتهميش، واللاعدالة، والإقصاء البنيوي. فلا يُختزل الفقر، في هذا الإطار، في نقص الموارد المادية أو ضعف الدخل، بل يشكّل بنية اجتماعية كاملة تعيد تشكيل أنماط التفكير، والعلاقات الاجتماعية، واستراتيجيات الفعل داخل الجماعات الهشة. من هذا المنطلق، يصبح الفعل الاجتماعي أحد المفاتيح الأساسية لفهم كيفية تفاعل الأفراد والجماعات مع أوضاع الحرمان، وكيفية تحويل المعاناة المادية إلى ممارسات ذات معنى اجتماعي وقيمي. وفي هذا السياق، يبرز تصور ماكس فيبر للفعل الاجتماعي باعتباره سلوكًا يحمل معنى ذاتيًا موجّهًا نحو الآخرين، وهو ما يسمح بتحليل أفعال التضامن، والتعاون، والمساعدة المتبادلة داخل المجتمعات الفقيرة، بوصفها أفعالًا دلالية لا يمكن فصلها عن السياق الاجتماعي الذي تنتج فيه[20]. فالأفراد في أوضاع الفقر لا يتحركون بدافع الحاجة المباشرة، فحسب، بل يضفون، أيضًا، على أفعالهم معانٍ أخلاقية، ورمزية، وقيمية، تتجلى في الالتزام المتبادل، والتكافل، والدعم الاجتماعي، ومشاركة الموارد المحدودة. وبهذا المعنى، يصبح الفعل الاجتماعي وسيلة لإعادة إنتاج الروابط الاجتماعية في ظروف تتسم بالهشاشة، كما يتحول إلى أداة لمقاومة التفكك الاجتماعي الناتج عن التهميش البنيوي.
وينبغي لمقاربة الفعل الاجتماعي ألا تظل حبيسة المستوى الذاتي أو الرمزي فقط، بل ينبغي لها، أيضًا، أن ترتبط بالبنى الاجتماعية الأوسع التي تؤطر إمكانات الفعل وحدوده. وهنا، يكتسب تصور إميل دوركايم للتضامن الاجتماعي أهمية مركزية، حيث ميّز بين التضامن الآلي والتضامن العضوي، مبرزًا أن التماسك الاجتماعي لا ينبع من التشابه أو التقسيم الوظيفي، فحسب، بل، أيضًا، من وجود منظومة قيم ومعايير مشتركة تسمح بإعادة إنتاج الروابط الاجتماعية في سياقات التحول الاجتماعي والاقتصادي.[21] وفي المجتمعات التي تعاني من الفقر البنيوي، غالبًا ما يتعرض هذا التماسك للاهتزاز، نتيجة ضعف المؤسسات، وتراجع الحماية الاجتماعية، واتساع فجوات اللامساواة، وهو ما يجعل التضامن الاجتماعي يتجاوز كونه نتيجة تلقائية للتفاعل الاجتماعي، ليكون شرطًا أساسيًّا لإعادة بناء النظام الاجتماعي من الداخل. في هذا الإطار، يتحول التضامن من قيمة أخلاقية مجردة إلى ممارسة اجتماعية ملموسة تتجسد في شبكات الدعم المتبادل، والعلاقات القرابية، والجوارية، والاقتصاد غير الرسمي، والعمل الجماعي، والمبادرات المحلية التي تهدف إلى تعويض غياب الدولة أو قصور السياسات الاجتماعية. فلا يُفهم التضامن هنا بوصفه مجرد عاطفة إنسانية أو واجب أخلاقي، بل، أيضًا، بوصفه آلية اجتماعية لإنتاج الحماية، وتقاسم المخاطر، وتخفيف آثار الفقر البنيوي، وإعادة تنظيم الحياة اليومية داخل شروط الهشاشة. وبهذا المعنى، يصبح الفعل الاجتماعي وسيلة لإعادة بناء النظام الاجتماعي من الأسفل، في مواجهة اختلالات النظام الاجتماعي من الأعلى.
ومن منظور سوسيولوجي نقدي، قدّم بيير بورديو إطارًا تحليليًّا يسمح بفهم العلاقة المعقدة بين البنية والفعل داخل سياق الفقر البنيوي، من خلال مفهومي الهابيتوس والحقل (الاجتماعي). فالهابيتوس لا يعكس فقط خضوع الأفراد لشروطهم الاجتماعية، فحسب، بل يتجسد، أيضًا، في استعدادات ذهنية وجسدية تمكّنهم من التكيّف مع واقعهم، وتطوير استراتيجيات بقاء، وإنتاج ممارسات اجتماعية تتجاوز الامتثال السلبي للهيمنة[22]. ففي أوضاع الفقر، لا يتحرك الأفراد في فراغ، بل داخل حقول غير متكافئة، تحدد إمكانات الفعل، لكنها لا تلغي قدرة الفاعلين على المناورة، والتحايل، وإعادة توظيف الموارد الرمزية والاجتماعية المتاحة.
وفي هذا الإطار، يمكن فهم أشكال التضامن داخل المجتمعات الفقيرة، بوصفها استراتيجيات اجتماعية تنبثق من داخل شروط الهيمنة نفسها، لكنها لا تقتصر على إعادة إنتاجها، بل قد تسهم في تعديلها أو التخفيف من آثارها. فشبكات الدعم المتبادل، والعمل الجماعي، والمبادرات المحلية، والتضامن الأسري والجماعي، لا تمثل وسائل للبقاء، فحسب، بل تعكس أيضًا قدرة الفاعلين على إنتاج أشكال بديلة للتنظيم الاجتماعي، وإعادة تعريف علاقاتهم بالموارد، وبالسلطة، وبالمؤسسات. وهنا، يتضح أن الفعل الاجتماعي ليس مجرد انعكاس ميكانيكي للبنية، بل هو، أيضًا، ممارسة اجتماعية تتضمن دائمًا هامشًا من الإبداع، والمبادرة، والقدرة على إعادة صياغة الواقع الاجتماعي.
ومن منظور نقدي أوسع، يتيح الربط بين الفعل الاجتماعي والفقر البنيوي تجاوز التفسيرات الثقافوية التي تختزل الفقر في أنماط سلوكية أو قيم ثقافية خاصة بالجماعات الفقيرة، كما ذهب إلى ذلك بعض الاتجاهات في أنثروبولوجيا الفقر. فبدل تفسير التضامن أو الاعتماد المتبادل بوصفهما سمات ثقافية ثابتة، ينبغي فهمهما بوصفهما استجابات اجتماعية تاريخية لشروط موضوعية من التهميش، والحرمان، وانعدام الأمان الاجتماعي. فلا تُفهم الثقافة هنا بوصفها سببًا للفقر، بل بوصفها وسيطًا يعبر من خلاله الفاعلون عن تجاربهم، ويطوّرون من خلاله آليات للتكيّف، والمقاومة، وبناء المعنى، داخل سياقات الهشاشة.
فالانتقال من الثقافة إلى التضامن يقتضي إعادة توجيه التحليل من تفسير الفقر بوصفه نمط حياة، إلى فهمه بوصفه بنية اجتماعية غير عادلة تولّد أشكالًا متعددة من الفعل الاجتماعي. فلا يظهر التضامن بوصفه خاصية ثقافية مسبقة، بل بوصفه نتيجة لعلاقات اجتماعية تتشكل داخل شروط الفقر البنيوي، حيث يصبح الفعل الاجتماعي وسيلة لإعادة إنتاج الحياة الاجتماعية، وتخفيف آثار الإقصاء، وبناء أشكال بديلة للانتماء الاجتماعي. وبهذا المعنى، لا يعود التضامن مجرد قيمة أخلاقية أو ممارسة إنسانية، فحسب، بل يتحول، أيضًا، إلى أداة تحليلية لفهم كيفية اشتغال المجتمعات الفقيرة، وكيفية تحويل المعاناة المادية إلى طاقة اجتماعية قادرة على إنتاج المعنى، وبناء الروابط، وإعادة تنظيم الفضاء الاجتماعي من الداخل.
يتيح تحليل الفعل الاجتماعي، في سياق الفقر البنيوي، في نهاية المطاف، تجاوز الثنائية التقليدية بين البنية والثقافة، من خلال إدماج الفاعل الاجتماعي في قلب التحليل السوسيولوجي، دون إنكار وزن الشروط الموضوعية التي تؤطر أفعاله. فلا يمكن اختزال الفعل الاجتماعي، لا في الامتثال ولا في المقاومة، فهو يتجسد، أيضًا، في طيف واسع من الممارسات اليومية التي تتراوح بين التكيّف، والتحايل، والدعم المتبادل، والتنظيم الجماعي، وإعادة إنتاج المعنى الاجتماعي داخل شروط الهشاشة. وهكذا، يصبح التضامن استجابة للفقر البنيوي، من جهةٍ، ومدخلًا لفهم إمكانات التغيير الاجتماعي من داخل المجتمعات المهمّشة نفسها، من جهةٍ أخرى.
ولا تقتصر دراسة الفعل الاجتماعي داخل المجتمعات الفقيرة – كما تناولناه من خلال شبكات الدعم المتبادل وممارسات التضامن – على تحليل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل تمتد، أيضًا، لتكشف أثر الفقر في إعادة تشكيل الإدراك الذاتي والهوية الاجتماعية للأفراد والجماعات. فالتجارب اليومية للفقراء، والاعتماد على الدعم المتبادل، والتفاعل ضمن شبكات محلية، تترك بصمة واضحة على طريقة تصورهم لأنفسهم، وعلى شعورهم بالانتماء والكرامة داخل مجتمعهم. ومن هذا المنطلق، يصبح من الطبيعي أن يرتبط فهم الفقر والفعل الاجتماعي بالتحليل الأعمق للهوية، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة، حيث تتقاطع المعاناة المادية، وممارسات التضامن، والقيم الثقافية، لتشكّل تجربة فريدة للهوية في سياق الهشاشة. وعليه، يمكن الانتقال بسلاسة من دراسة الروابط الاجتماعية إلى محور أوسع يعنى بالفقر والهوية، لفهم كيفية مساهمة الفقر في إعادة إنتاج أو تشكيل الذات والانتماء الاجتماعي.
ثالثًا: الفقر والهوية
إضافةً إلى تجسده في الحرمان المادي، يمثل الفقر تجربة اجتماعية وثقافية تؤثر بعمق في تكوين الهوية الفردية والجماعية، وفي تمثلات الذات والانتماء والكرامة والمعنى. فهو يعيد تشكيل إدراك الأفراد لمكانتهم في المجتمع، ويؤثر في أنماط العلاقات الاجتماعية وشبكات التضامن، حيث تتحول المعاني الثقافية إلى أفعال اجتماعية ملموسة تعزز التعاون والمساندة المتبادلة. وتتأسس الهوية، في هذا السياق، عبر تفاعل مستمر بين الخبرة اليومية والقيود البنيوية، لتنتج أشكالًا خاصة من الوعي بالذات والانتماء الجماعي. وبذلك، يظهر الفقر بوصفه حرمانًا، من جهةٍ، وعملية بنائية مركّبة تُعيد إنتاج الذات والجماعة، وتشكل فضاءً لإنتاج المعنى، والمقاومة الرمزية، واستراتيجيات التضامن في مواجهة القيود الاقتصادية والاجتماعية، من جهةٍ أخرى.
-
إعادة تشكيل الذات الفردية:
يشكّل الفقر تجربة وجودية معقدة تؤثر تأثيرًا مباشرًا في تصور الفرد لذاته، وقدراته، ومكانته داخل المجتمع، بحيث لا يقتصر أثره على النقص المادي فحسب، بل يمتد، أيضًا، إلى إعادة بناء وعي الذات، وإدراك الكرامة، واتخاذ القرارات ضمن قيود يومية محددة. فالأفراد الفقراء يواجهون تحديات متعددة تتراوح بين الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ما يدفعهم إلى تطوير استراتيجيات معرفية وسلوكية للتكيف، تشمل تنظيم الوقت، وتوزيع الموارد، وإدارة العلاقات الاجتماعية ضمن شبكة دعم محدودة. وبهذا المعنى، يصبح الفقر قوة تشكيلية للذات، إذ يُجبر الأفراد على إعادة ترتيب أولوياتهم، وتكوين خبرات حياتية متجددة، وبناء معنى شخصي قادر على مقاومة الإقصاء البنيوي.[23]
ووفقًا لأوسكار لويس، يعيش الفقراء خبرة مركّبة تجعلهم قادرين على إنتاج أنماط سلوكية وثقافية تعكس قدرتهم على البقاء والتكيف، مع الحفاظ على نوع من الاستقلالية الرمزية. فلا تسعى العائلة الفقيرة، على سبيل المثال، إلى تلبية الاحتياجات المادية، فحسب، بل تعمل، أيضًا، على تنظيم توزيع العمل، وضبط الموارد، وتحديد الأدوار والمسؤوليات، بما يعكس قدرة الأفراد على إدارة حياتهم اليومية ضمن ظروف محدودة الموارد. ومن هنا، لا تكون الذات الفردية، في سياق الفقر، مجرد كيان سلبي متأثر بالحرمان، بل تكون كيانًا نشطًا يُعيد إنتاج نفسه، يوميًّا، عبر استراتيجيات التكيف، والمقاومة الرمزية، والتوظيف الذكي للموارد المتاحة.[24]
يُمكن رؤية هذه الديناميكية بوضوح في رواية الخبز الحافي لمحمد شكري، حيث تصوّر السيرة الذاتية للفقر في المغرب قدرة الفرد على تطوير مهارات التكيف، وإعادة ترتيب أولوياته، وبناء معنى شخصي لتجربة الحرمان اليومي. فالراوي يوضح كيف أن الفقر يحاصر الذات، من ناحيةٍ، ويشكل فضاءً للتجربة، والتعلم، وإعادة إنتاج الهوية ضمن قيود اجتماعية واقتصادية محددة، من ناحيةٍ اخرى.[25] إضافة إلى ذلك، يُبرز الفقر دور الخبرة اليومية في إعادة إنتاج الهوية الفردية، إذ تتداخل التفاعلات مع الأسرة والجوار والمؤسسات المحلية في صناعة وعي جديد بالذات، قادر على مقاومة شعور العجز والإقصاء البنيوي. فالذات الفردية، في سياق الفقر، هي عملية مستمرة من المراقبة الذاتية، وإعادة التقييم، والتكيف الرمزي، بما يسمح للفرد بتحقيق درجة من التوازن النفسي والاجتماعي، داخل شبكة من القيود الاقتصادية والاجتماعية. كما أن هذه العملية تُمكّن الأفراد من الحفاظ على الكرامة الشخصية، وإيجاد معنى لخبراتهم اليومية، وبناء تصور للذات متسق نسبيًّا مع شروط الحرمان الهيكلي.
وعليه، يمكن القول إن إعادة تشكيل الذات الفردية، في سياق الفقر، لا تكون مجرد عملية انفعالية أو نفسية، فهي عملية اجتماعية-ثقافية مركّبة، تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية البنيوية، والمعنوية، لتنتج شخصية فاعلة ضمن حدود القيود البنيوية، وقادرة على التكيف، والمقاومة الرمزية، وإعادة إنتاج المعنى الشخصي. ويُظهر هذا التحليل أن الفقر لا يحدّ من إمكانات الذات فحسب، بل يفرض، أيضًا، إعادة تشكيل مستمرة للهوية الفردية، بما يضمن البقاء النفسي والاجتماعي، ويُتيح للفرد الفقير ممارسة نوع من الوكالة داخل شبكة معقدة من القيود والفرص المتاحة. وفي حين أن التحليل السابق يبرز كيفية إعادة تشكيل الفرد لهويته الذاتية في سياق الفقر، يتضح أن هذه العملية لا تحدث بمعزل عن البيئة الاجتماعية المحيطة به. فالخبرات اليومية، والتفاعلات مع الأسرة والجيران، والمشاركة في المؤسسات المحلية، تشكل الهوية الفردية، وتُسهم في بناء الهوية الجماعية والمجتمعية؛ إذ تتشابك ممارسات البقاء والتكيف الفردية مع العلاقات الاجتماعية الواسعة لتشكيل شبكة من القيم، والأعراف، والروابط التي تعكس قدرة المجتمع على الصمود أمام الحرمان والتهميش. ومن هنا، يصبح من الضروري الانتقال من دراسة الذات الفردية إلى النظر في الهوية الجماعية بوصفها مجالًا يتجلى فيه التضامن الاجتماعي، والمشاركة المجتمعية، وإعادة إنتاج المعنى الاجتماعي والثقافي للفقر.
- الهوية الجماعية والمجتمعية
يمتد أثر الفقر من إعادة تشكيل الذات الفردية إلى إعادة إنتاج الهوية الجماعية، إذ يشكل الفقر تجربة مشتركة تتقاطع فيها حياة الأفراد داخل المجتمع، وينشأ عنها شعور بالانتماء المشترك، لكنه أيضًا شعور بالإقصاء البنيوي. وتشير الدراسات الكلاسيكية والمعاصرة إلى أن الجماعات الفقيرة تطور شبكات دعم متبادلة، سواء داخل الأسر الممتدة أو بين الجيران. وتسهم هذه الشبكات في التخفيف من آثار الحرمان، وتتيح للفقراء تطوير استراتيجيات جماعية للبقاء[26]. ولا تقتصر هذه الشبكات لا تقتصر على الدعم المادي، بل تشمل، أيضًا، الدعم النفسي، والاجتماعي، والمعرفي، ما يعكس قدرة الجماعات على إعادة إنتاج معنى وجودها في ظروف صعبة. ووفقًا لأوسكار لويس[27]، تُظهر المجتمعات الفقيرة قدرة ملحوظة على توليد ثقافة البقاء، حيث تتشكل الأعراف والسلوكيات اليومية، بما يضمن التكيف الجماعي، وتنظيم الموارد المحدودة، وتوزيع المسؤوليات بين الأفراد. فالعائلة، على سبيل المثال، تعمل على تلبية الاحتياجات المادية، وتُعدّ نفسها بوصفها هيكلًا اجتماعيًّا قادرًا على صيانة الروابط بين الأجيال، وتوفير الدعم الرمزي للأطفال والبالغين، على حد سواء. وبذلك، يكون الفقر حرمانًا، من جهةٍ، ومجالًا لتوليد معرفة اجتماعية وثقافية مشتركة، وإعادة إنتاج هويات جماعية تتسم بالمرونة والقدرة على الصمود، من جهةٍ أخرى.[28]
علاوة على ذلك، يؤكد سيرج بوغام[29] أن الفقر يُعيد إنتاج الهويات الجماعية المهدورة أو المهمشة، حيث تتعرض الفئات الضعيفة للتهميش الرمزي والاجتماعي، ما يفرض عليها إيجاد أشكال بديلة من الاعتراف والكرامة. وتتشكل هذه الهويات الجماعية في مواجهة الإقصاء، وتستند إلى خبرات مشتركة من الحرمان والمعاناة، لتولّد شعورًا بالتماسك الاجتماعي، ووعيًا مشتركًا بالحقوق والواجبات داخل المجتمع. من ثمَّ، يصبح الفقر عنصرًا مركبًا من التفاعلات بين الفرد والمجتمع، وبين الذات والهياكل الاجتماعية، وبين الحرمان والقدرة على إنتاج المعنى الجماعي.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن التضامن الاجتماعي بين الفقراء لا يقتصر على توفير الحاجات اليومية، بل يشمل، أيضًا، آليات للحفاظ على الكرامة الشخصية والجماعية، وإعادة إنتاج المعنى الثقافي للفقر، بما يحد من التأثير السلبي للإقصاء البنيوي. كما تتجلى هذه الهوية الجماعية في مشاركة الفقراء في الفعاليات المجتمعية، وتنظيم المبادرات المحلية، والتدخل في الحماية الاجتماعية، ما يخلق مساحة للتفاعل الرمزي والثقافي بين الأفراد والجماعات، ويعزز شعورهم بالوكالة الاجتماعية، على الرغم من القيود المادية.
فالهوية، في سياق الفقر، تتشكل على مستويين متداخلين: الفردي، حيث يعيد الشخص إنتاج ذاته وقدراته الرمزية؛ والجماعي، حيث تعيد الجماعة إنتاج شبكة من القيم، والروابط، والمعاني المشتركة التي تتيح التكيف والبقاء الاجتماعي. ويُظهر هذا التحليل أن الفقر حالة اقتصادية، من جهةٍ، وعملية اجتماعية وثقافية مستمرة، تتفاعل فيها الذات والهياكل، وتؤدي إلى إعادة إنتاج هويات قادرة على مواجهة القيود البنيوية، والحفاظ على الكرامة، والمساهمة في استمرارية الحياة المجتمعية، من جهةٍ اخرى. وعلى الرغم من المساهمات المهمة لأوسكار لويس في تحليل الفقر والهوية[30]، فقد تعرضت مقاربته لانتقادات منهجية مهمة؛ أبرزها التركيز المفرط على الثقافة والسلوكيات اليومية للفقراء، ما قد يهمّش دور الهياكل الاقتصادية والسياسية في إنتاج الفقر وعدم المساواة.[31] كما أشار بعض الباحثين إلى أن تصوير الفقر على أنه ثقافة مستقلة قد يُعمّم خصائص محددة على مجموعات فقيرة متنوعة، متجاهلاً التفاوتات الداخلية والتجارب الفردية المختلفة[32]. ومن ثمَّ، من الضروري التعامل مع مفهوم “ثقافة الفقر” على أنه أداة تحليلية ضمن سياق أوسع يوازن بين التأثيرات الثقافية والهياكل البنيوية، مع الانتباه إلى أن الفقر لا يُنتج هوية واحدة، بل مجموعة من التجارب المتباينة التي تتأثر بالسياقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
خاتمة
في ضوء ما سبق، يتضح أن أنثروبولوجيا الفقر عند أوسكار لويس تمثل مساهمة منهجية وفكرية بارزة في فهم الفقر، من حيث هو تجربة اجتماعية متكاملة، تجمع بين الأبعاد المادية، والثقافية، والمعنوية، والسياسية. وقد أبرز لويس أن الفقر ليس مجرد حالة اقتصادية أو نقص في الموارد، بل هو منظومة حياة متكاملة تنبثق فيها القيم والسلوكيات والمعاني اليومية، وتتفاعل مع البنى الاجتماعية والهيكلية التي تحدد شروط وجود الأفراد والجماعات الفقيرة. وبذلك، يتحول الفقر من مجرد مؤشر اقتصادي إلى تجربة حياتية تتشابك فيها الأبعاد البنيوية مع الخبرة الذاتية، والرمزية، والثقافية، ما يستدعي مقاربة متعددة المستويات لفهمه.
وقد أظهرت القراءة النقدية وجوب ألا يُفهم مفهوم “ثقافة الفقر” على أنه سبب نهائي للفقر، بل بوصفه أداة معرفية تساعد في فهم كيفية مواجهة الفقراء للقيود البنيوية، وكيفية إنتاج معنى حياتهم اليومية، ضمن شبكات اجتماعية محدودة، تقوم على التضامن والدعم المتبادل. ومن خلال هذا المنظور، يظهر الفعل الاجتماعي، في سياق الفقر، على أنه سلوك فردي متكرر، من جهةٍ، وممارسة جماعية متكاملة تحمل أبعادًا ثقافية، واجتماعية، ورمزية، تعكس قدرة المجتمعات المهمشة على التكيف وإعادة إنتاج هويتها ضمن قيود الحرمان، من جهةٍ أخرى. وهكذا، تتضح العلاقة الجدلية بين الثقافة والفعل، وبين المعنى والبنية، وبين الفرد والمجتمع، بما يسمح بفهم كيف تتولد استراتيجيات البقاء داخل سياق اجتماعي غير عادل.
وعلى مستوى الهوية، يبرز التحليل كيفية مساهمة الفقر في إعادة تشكيل الذات الفردية، إذ يفرض على الأفراد تطوير استراتيجيات تكيف، وإعادة ترتيب أولوياتهم، وإدارة الموارد المحدودة، والحفاظ على الكرامة الشخصية، حتى في مواجهة القيود البنيوية والإقصاء الاجتماعي. وفي الوقت ذاته، تعمل الجماعات الفقيرة على إنتاج هوية جماعية مشتركة، تعتمد على الروابط الاجتماعية، وممارسات التضامن، ونقل المعاني والقيم عبر الأجيال، ما يضمن صمود المجتمع المحلي واستمرارية شبكة الدعم المتبادَل. ومن هذا المنطلق، لا يكون مجرد حالة نقص، بل سياقًا يؤطر عملية إنتاج الهويات الفردية والجماعية، ويكشف قدرة الفاعلين على المناورة، والتكيف، والمقاومة الرمزية ضمن شروط محددة.
وفي اختام، يمكن القول إن أنثروبولوجيا الفقر عند لويس توفر إطارًا تحليليًّا متعدد الأبعاد، يربط بين السرد الفردي والمعنى الثقافي والبنية الاجتماعية، وبين الثقافة والفعل، وبين الهوية الفردية والجماعية. إنها دعوة لإعادة التفكير في الفقر لا بوصفه ظاهرة فردية أو اقتصادية بحتة، بل من حيث هو ظاهرة اجتماعية مركّبة تتداخل فيها الأبعاد الرمزية والهيكلية، وتتيح فهم التفاعلات بين الفاعل الاجتماعي والقيود البنيوية، وقراءة كيفية تحويل تجربة الحرمان إلى فعل اجتماعي، ومعنى ثقافي، وهوية جماعية قادرة على مقاومة الهيمنة وإعادة إنتاج الحياة ضمن الإمكانيات المتاحة. كما تؤكد هذه الأنثروبولوجيا ضرورة الجمع بين التحليل النقدي والبعد الإنساني لفهم الفقر بطريقة حساسة، ومتوازنة، وواقعية، بحيث يمكن للباحث والممارس الاجتماعي، على حد سواء، تقدير التجربة الفقيرة بوصفها مساحة معرفية وثقافية تعكس مقاومة الإنسان وصموده في مواجهة الظلم الاجتماعي والاقتصادي. وأخيرًا، يظل السرد الفردي والتجربة اليومية للفقراء مدخلين أساسيين لفهم الفقر، بوصفه واقعًا ماديًا، من جهةٍ، ومن حيث هو حياة مليئة بالمعنى، والثقافة، والتحديات التي تشكّل القدرة على الصمود الاجتماعي والإنساني، من جهةٍ أخرى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لائحة المراجع.
- Augé, M. (1977). Pouvoirs de vie, pouvoirs de mort. Paris : Flammarion, p. 81.
- Bloch, M. (1939). La société féodale. Paris : Armand Colin, p. 69.
- Bourdieu, P. (1980). Le sens pratique. Paris : Les Éditions de Minuit, pp. 88–120.
- Bourdieu, P. (1980). La distinction : Critique sociale du jugement. Paris : Les Éditions de Minuit, pp. 101–105.
- Castel, R. (1995). Les métamorphoses de la question sociale. Paris: Fayard, chap. I, pp. 15–28.
- Choukri, M. (1973). Al-Khoubz al-Hafi (Le pain nu). Beyrouth: Dar al-Kitab al-Arabi, p. 15.
- Durkheim, É. (1998). De la division du travail social. Paris : Presses Universitaires de France, pp. 129–141.
- Fossier, R. (1970). Histoire sociale de l’Occident médiéval. Paris : Armand Colin, 382 pp.
- Hoggart, R. (1957). The Uses of Literacy: Aspects of Working Class Life. London: Chatto & Windus, p. 68.
- Lamont, M., & Small, M. L. (2008). How Culture Matters: Enriching Our Understandings of Poverty. In A. C. Lin & D. R. Harris (Eds.), The Colors of Poverty: Why Racial and Ethnic Disparities Persist (pp. 76–102). New York: Russell Sage Foundation.
- Lewis, O. (1961). Les Enfants de Sanchez: Autobiographie d’une famille mexicaine. Paris : Gallimard, pp. 48–52, 109–111.
- Lewis, O. (1966). La vie dans les quartiers pauvres de Mexico et Porto Rico. Paris: Seuil, p. 48.
- Lewis, O. (1966). La vida: A Puerto Rican Family in the Culture of Poverty. San Juan & New York: Random House, pp. 1–75.
- Lewis, O. (1966). “The Culture of Poverty”. Scientific American, 215(4), 19–25. Disponible en ligne : PDF
- Valentine, C. A. (1968). Culture and Poverty: Critique and Counter-Proposals. Chicago: University of Chicago Press, pp. 3–12.
- Paugam, S. (2009). La disqualification sociale. Essai sur la nouvelle pauvreté. Politiques sociales et familiales, n° 98, pp. 111–113.
- Small, M. L. (2009). Unanticipated Gains: Origins of Network Inequality in Everyday Life. New York: Oxford University Press, pp. 45–78.
- Stack, C. B. (1974). All Our Kin: Strategies for Survival in a Black Community. New York: Basic Books, pp. 45–47.
- Townsend, P. (1979). Poverty in the United Kingdom: A Survey of Household Resources and Standards of Living (pp. 31–60). London: Allen Lane / Penguin Books.
- Watts, M. J. (1983). Silent Violence: Food, Famine, and Peasantry in Northern Nigeria. Berkeley: University of California Press, pp. 687.
- Weber, M. (1971). Économie et société. Paris : Plon, pp. 28–35.
- Wilson, W. J. (1987). The Truly Disadvantaged: The Inner City, the Underclass, and Public Policy. Chicago: University of Chicago Press, pp. 1–254.
[1] Watts, M. (1983). Silent Violence: Food, Famine, and Peasantry in Northern Nigeria. Berkeley : University of California Press.
[2] Lewis, O. (1966). La vie dans les quartiers pauvres de Mexico et Porto Rico. Paris : Seuil, p. 48.
[3] Ibid. 52.
[4] Stack, C. B. (1974). All Our Kin: Strategies for Survival in a Black Community. New York: Basic Books, pp. 45–47.
[5] Wilson, W. J. (1987). The Truly Disadvantaged: The Inner City, the Underclass, and Public Policy. Chicago: University of Chicago Press, pp. 14–19.
[6] Lewis, O. (1966). “The Culture of Poverty”. Scientific American, 215(4), 19–25.
[7] https://users.ssc.wisc.edu/~gwallace/Papers/Lewis%20(1966).pdf,
[8] https://link.springer.com/article/10.1057/s41290-022-00170-5
[9] Small, M. L. (2009). Unanticipated Gains: Origins of Network Inequality in Everyday Life. New York: Oxford University Press, pp. 45–78.
[10] Lewis, O. (1961). Les Enfants de Sanchez : Autobiographie d’une famille mexicaine. Paris : Gallimard, pp. 109–111.
[11] Valentine, C. A. (1968). Culture and Poverty: Critique and Counter-Proposals. Chicago: University of Chicago Press, pp. 3–12.
[12]Lewis, O. (1966). “The Culture of Poverty”. Scientific American, 215(4), 19–25.
[13]Castel, R. (1995). Les métamorphoses de la question sociale. Paris : Fayard, chap. I, pp. 15–28.
[14] Lewis, O. (1961). Les Enfants de Sánchez : Autobiographie d’une famille mexicaine. Paris : Gallimard, pp. 109–111.
[15] Hoggart, R. (1957). The Uses of Literacy: Aspects of Working Class Life. London: Chatto & Windus, p. 68.
[16] Fossier, R. (1970). Histoire sociale de l’Occident médiéval. Paris : Armand Colin, 382 pp.
[17] Augé, M. (1977). Pouvoirs de vie, pouvoirs de mort. Paris : Flammarion, p. 81.
[18] Bloch, M. (1939). La société féodale. Paris : Armand Colin, p. 69.
[19] Castel, R. (1995). Les métamorphoses de la question sociale. Paris : Fayard, chap. I, pp. 15–28.
[20] Weber, M. (1971). Économie et société. Paris : Plon, pp. 28–35
[21] Durkheim, É. (1998). De la division du travail social. Paris : Presses Universitaires de France, pp. 129–141.
[22] Bourdieu, P. (1980). Le sens pratique. Paris : Les Éditions de Minuit, pp. 88–120.
[23] Watts, M. J. (1983). Silent Violence : Food, Famine, and Peasantry in Northern Nigeria. Berkeley : University of California Press, pp. 687.
[24] Lewis, O. (1961). Les Enfants de Sánchez : Autobiographie d’une famille mexicaine. Paris : Gallimard, pp. 48–52
[25] Choukri, M. (1973). Al-Khoubz al-Hafi (Le pain nu). Beyrouth: Dar al-Kitab al-Arabi, p. 15
[26] Paugam, S. (2009). La disqualification sociale. Essai sur la nouvelle pauvreté. Politiques sociales et familiales, n° 98, pp. 111–113.
[27] Lewis, O. (1961). Les Enfants de Sánchez : Autobiographie d’une famille mexicaine. Paris : Gallimard, pp. 48–52.
[28] Bourdieu, P. (1980). La distinction : Critique sociale du jugement. Paris : Les Éditions de Minuit, pp. 101–105.
[29] Paugam, S., op. cit., pp.112-113.
[30] Lewis, O. (1966). “The Culture of Poverty.” Scientific American, 215(4), 19–25.
[31] Wilson, W. J. (1987). The Truly Disadvantaged: The Inner City, the Underclass, and Public Policy (pp. 1–254). Chicago, IL : University of Chicago Press.
[32] Lamont, M., & Small, M. L. (2008). How Culture Matters: Enriching Our Understandings of Poverty. In A. C. Lin & D. R. Harris (Eds.), The Colors of Poverty: Why Racial and Ethnic Disparities Persist (pp. 76–102). New York: Russell Sage Foundation.