أنسنة الاقتصاد: رحلة العودة إلى المعنى

 تكوين

“ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”([1])

من صنع الأخطبوط؟

تناولنا في مقالٍ سابق، البداية البسيطة للاقتصاد، والعلاقة التي نشأت بينه وبين الإنسان، تلك العلاقة التي يمكن وصفها في مراحلها الأولى بأنها “بنية خيّرة”، تقوم على التعاون، والتشارك، والتخطيط السليم. غير أن ما تمخّض عن هذه العلاقة كان “شرًّا مستطيرًا”، لا تزال البشرية حتى اليوم تحاول التكفير عن “خطيئتها الأولى”.

كما ناقشنا في المقال نفسه، الفلسفة الكامنة وراء علم الاقتصاد، والتي تتيح لنا مساءلة افتراضاته ومسلماته من خلال “فلسفة الاقتصاد”، والنظر إلى وعوده المستقبلية بعيون الواقع، واضعين الإنسانية في قلب الاهتمام. والآن، يبرز سؤال جوهري آخر: هل يمكن أن نُعيد البُعد الإنساني إلى علمٍ بات يعتمد على الرياضيات ولغة الأرقام وكل ما هو دقيق ومحدد؟ والتي نادرًا ما تُناقش، وإن تمت مناقشتها فتتم بنفس المنطق الرياضي الجاف، وتكون بعيدة تمامًا عن الدفء الإنساني؟ هل من الضروري أنسنة الاقتصاد؟  وما هي بداية الخيط لنسج ثوب الاقتصاد الإنساني؟

سوف نحاول في هذا المقال عرض وتحليل تطوّر مفهوم الاقتصاد من زاويتين: لغوية وتاريخية، وما ترتّب على هذا التطوّر من تحوّلات في الوعي الجمعي. ثم ننتقل إلى نقطة الانعطاف الحاسمة، حين بدأت اللعبة؛ إذ صُوِّر للإنسان أن الأمان يكمن في التملّك، لا من أجل سدّ الحاجة أو ضمان البقاء، بل بدافع رغبة جامحة في الامتلاك والتخزين المطلق، وهي الرغبة التي جرّدته من إنسانيته الخيّرة، وقوّضت روح التشاركية، وأربكت علاقته بالآخر، مما أدى إلى فسادٍ في العلاقات وخللٍ في الذات الإنسانية، ومن قلب هذه الفوضى، نما “الأخطبوط” وتغذّى.

وفي السياق نفسه سوف نحاول إبراز البعد الوجودي والأخلاقي، وربطه بالسؤال الجوهري: ما معنى أن نكون بشراً في عالم يحكمه السوق؟

وانطلاقًا من هذا الفهم، يمكننا أن نقترح بذرة الإصلاح الأولى، وهي ما يمكن تسميته بـ”أنسنة الاقتصاد“؛ العودة إلى الأصل، إلى تلك المعادلة الأولى التي وُضع فيها الإنسان في مركز الاهتمام، وكان ميزان القيم فيها سابقًا لميزان السوق؛ فهل يستطيع العقل الإنساني، بما يحمل من حسٍّ أخلاقي وفهمٍ وجودي، أن يُعيد صياغة هذه المعادلة المختلّة؟

في رحلةٍ للبحث عن المعنى، ومحاولةٍ لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.

تمهيد

اتّسمت البدايات الأولى للبشرية بشيء من الصفاء والبساطة؛ إذ لم يكن الإنسان الأول منشغلاً بغده، ولا بما يملك، بل كان يعيش ضمن لحظة الحاضر، يقتنصها كأنها كلّ ما في الوجود. كانت حياته رائقة، ولم يكن يرى في زمانه سوى لحظة الحاضر التي يحاول اقتناصها بكل الطرق. لم يكن يملك رفاهية التخطيط للمستقبل لأنه لا يعلم إن كان سيستمر بقاؤه أم ينقضي أجله بانقضاء يومه. لذلك لم تكن تشغله إشكاليات كبرى كالتخطيط للمستقبل أو تشييد البنى الاقتصادية أو غيرها. إلا أن الفكر المهيمن بدأ بالتشكل مع الزراعة والاستقرار، واللذين، بدلاً من أن يوفّرا الشعور بالأمان الاقتصادي وتلبية احتياجات الأسرة، دفعا الجميع إلى الرغبة فيما يملكه الآخرون والسعي إلى الاستحواذ عليه.

في كتابه “العاقل: تاريخ مختصر للجنس البشري“([2]) (2011)، يطرح يوفال نوح هراري رؤية مغايرة تمامًا لما اعتدنا عليه بشأن اكتشاف الزراعة؛ فهو يرى أن هذا الاكتشاف لم يكن تقدمًا حتميًّا، بل فخًّا وقع فيه الإنسان طوعًا؛ فعلى مدار التاريخ، صُوِّر لنا أن اكتشاف الزراعة وبداية عصر الملكية كانا ما مكّن الإنسان من بناء الحضارة، وأنهما شكّلا نقطة تحوّل نحو التقدم والازدهار. لكن هراري يطرح سؤالًا مهمًّا ومنسيا في كثير من الأحيان: ماذا فعل الإنسان بالحضارة؟ وماذا قدّمت له الزراعة وتدجين الحيوانات لتحسين حياته؟

يحلّل هراري هذه التساؤلات من منظور غير تقليدي، لم نعتد النظر إليه. فنحن نرى منجزات الحضارة الحديثة على أنها انتصار على الطبيعة، وتحقيق للرفاهية، ونقلة نوعية في حياة الإنسان، من البدائية إلى العولمة والحداثة، بل إلى حدّ الوصول إلى القمر. لكن ما لا نلاحظه هو أن أغلب البشر اليوم يعيشون في معاناة مستمرة، بين دخل محدود لا يكفي لرؤية هذا العالم أو الاستمتاع بمنجزاته الحضارية المزعومة، وبين صعوبات جمة لمجرد الحصول على طعامه.

إقرأ أيضًا: الاقتصاد والفلسفة: حوار الضرورة والكرامة

وفي الواقع، تعاني الأغلبية من الفقر في كل شيء، وتقضي أعمارها تعمل في ظروف أقرب إلى السُّخْرَة. من هنا، يدعونا هراري إلى التأمل العقلي وإعادة التفكير في مسارنا الحضاري، والذى كان في بداياته، يعتمد الإنسان على الصيد وجمع الثمار، وكان طعامه متنوعًا ومتوفرًا لكل من يسعى. كانت حياته بسيطة، مليئة بالحركة والإثارة. بل حتى الحياة القبلية – بمقاييسنا المعاصرة – كانت أشبه بالجنة؛ حيث كانت القبيلة تعيش بروح جماعية، والعلاقات بين أفرادها قائمة على التعاون والتكافل.

هكذا بدأت ملامح العلاقة المعقّدة بين الإنسان والاقتصاد في التشكّل، فمن صنع مَن؟ ومن بدأ الهيمنة على الآخر؟  أم أن سِمة التفكير البشري، حين تحوّلت نحو التملّك، هي من صنعت هذا “الأخطبوط”؟ أهو كائن مستقل خرج عن سيطرتنا؟ أم أنه ببساطة نتاج أفعالنا؟  فنحن من استحضر العفريت… لكن، لماذا لم نعد قادرين على صرفه؟

لقد أصبح الإنسان المعاصر يواجه صعوبة بالغة في توفير حاجاته الأساسية البسيطة، حتى أن الطعام نفسه، الذي كان يُفترض أن يكون أكثر تنوعًا وتوفرًا بفضل تكنولوجيا الزراعة، أصبح في كثير من الحالات أقل تنوعًا وأصعب منالًا، إن التكنولوجيات المتطورة التي تدخلت في إنتاج الغذاء وضاعفت من كميته بشكل لا يُصدق، هي ذاتها التي جلبت الأمراض إلى جسد الإنسان؛ فقد أصبح هذا الأخير لا يستهلك سوى الأطعمة المُصنَّعة التي تروّج لها البنية الاقتصادية التي أنتجتها، والتي لا تعود عليه إلا بالضعف والأمراض. وتظهر المفارقة جلية في أن العلاجات المقدمة لهذه الأمراض تصدر عن المنظومة الفكرية والاقتصادية ذاتها التي كانت سببًا فيها، حتى لينطبق عليها المثل المصري “يقتل القتيل ويمشي في جنازته”.

كان يمكن للاقتصاد أن يحد من هذه الأمراض لو اتبع نماذج إنتاجية أقل ربحية، تبتعد عن استخدام المبيدات والهرمونات وغيرها من وسائل تضخيم الإنتاج. لكنه لا يفعل، بل ولا يستطيع أن يفعل حتى لو أراد، لأنه إن فعل؛ فكأنما يبتر أحد أعضائه؛ إذ سيؤدي ذلك إلى انخفاض وربما انهيار الاقتصادين الغذائي والدوائي.

ولهذا، يبدو أن على الإنسان أن يدور في هذه الدائرة حتى نهايتها، حتى تُعاد هيكلة كل قطاعات الاقتصاد المختلفة ولكي تعمل بكفاءة عالية، ويرتفع الربح إلى أقصى درجاته، فالكل يخدم فقط هذا الأخطبوط ويظل يطعمه دون أن يتساءل عن الجدوى.

ولكن، أليس من حقنا أن نتساءل عن الجدوى؟ فلربما نصل إلى المعنى الذي من خلاله نستطيع أن نقيم أفكارنا وممارساتنا الاقتصادية. ويمكننا ذلك من خلال مراجعة المفهوم، ومعرفة بداياته الأولى، وسريان تطوره التاريخي الذي أصبح يحدّد معناه في الوعي الجمعي.

1- المفهوم بين اللغة، والتطور، والموروث الشعبي

تأتي كلمة “اقتصاد” في اللغة العربية من الفعل “قَصَد”، والذي يعني التوازن والاعتدال والتوسط. وقد شاع استخدامها للدلالة على التوسط في الإنفاق، وتجنّب الإسراف والتفريط. ومن مشتقات هذه الكلمة: “القَصْد” بمعنى النية أو العزم، و”القَصِيد” أي المستقيم، و”المُقْتَصِد” أي من يتّسم بالاعتدال في سلوكه، وفي لسان العرب:” القَصدَ القصدَ تَبْلُغُوا، أَي عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ مِنَ الأَمور فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ”([3]). وعند ظهور مفهوم الاقتصاد، تم فهمه باعتباره دعوة إلى الاعتدال في استخدام الموارد، سواء على مستوى الأفراد أو المجتمعات؛ فعلى مستوى الفرد، يعني الاقتصاد الترشيد في الاستهلاك، وعلى مستوى الجماعة، يشير إلى الإدارة الرشيدة للموارد والإمكانات التي تملكها المجتمعات، وهذا ما يمكننا أن نطلق عليه الاقتصاد الفطري.

أما التطوّر التاريخي للمفهوم، فقد مرّ بمراحل متعددة؛ إذ كان يُستخدم قديمًا بمعنى الزهد والتقشّف، إلى أن تحوّل في العصر الحديث إلى علم قائم بذاته يُعنى بدراسة إنتاج الثروة وتوزيعها، وهو ما يُعرف اليوم بـ “الاقتصاد” (Economy)، وذلك لارتباطه بفكرة التدبير المحكم.

وفي الموروث الشعبي، يتجلّى لنا بوضوح كيف تغيّر مفهوم “الاقتصاد” في الوعي الجمعي، إذ تحوّلت دلالته من الاعتدال والحكمة في الإنفاق، إلى ما يقارب الفقر أو الدونية. فقد أخذ المفهوم منحًى سلبيًا بمرور الزمن، حتى غدا يُستخدم كمرادف للضيق المعيشي أو ضعف الإمكانيات.

نلاحظ تحوّلًا دلاليًّا ورمزيًّا عميقًا في مفهوم “الاقتصاد”، يتجلّى في استخدام كلمة “Economy” – التي تُعرب في التداول الشعبي إلى “إيكونومي”، وليس إلى الكلمة العربية “اقتصادي” – للدلالة على الدرجة الأرخص، أو ما يُعدّ “البديل الأقل رفاهية”. يظهر هذا الاستخدام بوضوح، على سبيل المثال، في تصنيفات تذاكر الطيران، حيث ترمز “إيكونومي” إلى الفئة الأدنى، التي كثيرًا ما تُرتبط بالتقشف أو ما قد يشعر معه الإنسان بالخجل.

بهذا الشكل، انزلق المفهوم من معناه الأصلي الذي يحيل إلى الاعتدال والحكمة في تدبير الموارد، إلى رمز للطبقية الاجتماعية، والتفرقة والحرمان. ولم يكن هذا الانزلاق مجرد تحوّل لغوي عابر، بل هو انعكاس لتحوّل أعمق في نظرة المجتمعات إلى الاقتصاد نفسه: من كونه أداة لضبط التوازن وتحقيق العدالة، إلى آلية لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية وتكريس البنى الهرمية. ومع مرور الزمن، ظهرت وتطوّرت العديد من النظريات الاقتصادية التي حاولت تفسير حركة المال، والموارد، والسوق، ضمن أنظمة متباينة ومتعددة الاتجاهات.

2- الفخّ المزيَّن بالأمان

أما إذا حللنا الأبعاد  الفلسفية والسوسيولوجية، فسوف نجدها تربط بشكل ممتاز بين الفطرة الإنسانية الأولى وفكرة التشارك، وبين تحوّل هذه الفطرة إلى سلوك سلطوي ومادي معقد، حيث تصبح ممارسة السلطة مفسدة للذات، وتُفقدها حكمتها، وتعمي بصيرتها.

ذلك أن السيطرة تُغري، وكلما شعر الإنسان بالقوة، خسر شيئًا من توازنه الأصلي. يشير “ويل ديورانت” في “قصة الحضارة” إلى أن الإنسان البدائي لم يكن يعرف المفاهيم المعقّدة للادخار أو التملّك، بل كان يأكل كل ما تقع عليه يده.  حياته كانت تدور بين نقيضين: إما وليمة وإما مجاعة.

بل إن بعض القبائل كانت تُشدّد على ضرورة أكل الطعام كاملًا في حينه، وتَسخر ممن يترك جزءًا منه أو يحاول اقتصاده، وكأن في ذلك نوعًا من الغباء أو ضعف الفهم. ورغم هذه البساطة، فإن روح المشاركة كانت سائدة. فقد كانت “شيوعية القوت” – كما وصفها ديورانت – ممارسة مألوفة، من يملك طعامًا، يقتسمه مع من لا يملك، ومن أراد طعامًا في سفره، ما عليه إلا أن يطرق بابًا في الطريق، وفي أوقات القحط، كانت الجماعات تستعين بجيرانها، وكأن التضامن أمر بديهي لا يحتاج إلى تنظير([4]). لكن كل هذا تغيّر مع دخول الاقتصاد على خط السلطة، وبدأ استخدامه كوسيلة للهيمنة لا للبقاء فقط.

ومن هنا بدأ الفخ: فخّ “الأمان المزيف”، الذي زُيِّن للإنسان من خلال التملك والتخزين، لكنه في الحقيقة كان بداية فقدانه لحريته وبُعده عن فطرته.

3- أنانية التملك، لا أنانية الغريزة

بدأ التحول الجذري في العلاقة بين الإنسان والآخر، من المشاركة إلى التملّك وبين الجماعة والتنافس، فقد بدأ الإنسان يزرع، و يجني المحاصيل، ومع هذا التحوّل تغيّرت معادلة العلاقات الإنسانية. تقلصت روح المشاركة، وتراجعت فكرة “نحن”، لتحلّ محلها “أنا أولًا”.

تحوّلت نظرة الإنسان للآخر من شريك يعينه على صيد الحيوان، لنأكل ونحتفل معًا، إلى منافس يسابقه في الزمن، ليحصل على نصيب أكبر من الطعام، والمأوى، والموارد. هكذا بدأت فكرة “الملكية”؛ ومعها انطلقت شرارة الرغبة المحمومة في التملك.

أصبحت قيمة الإنسان تُقاس لا من خلال دوره في الجماعة أو حكمته أو سخائه، بل بقدر ما يملك وما يدّخر.  انقلبت القيم رأسًا على عقب، وتحوّل التجمع البشري الحميم إلى مشهد من التربص، والغدر، والسطو الناعم أو الصريح  وفي لحظة فاصلة، تحوّلت أدوات النجاة إلى وسائل هيمنة، وتحوّل الاقتصاد من وسيلة للبقاء إلى غاية تُلغي الإنسان ذاته.

وإذا ما قمنا برصد العلاقة بين النظرة الوجودية للآخر وبين تشكّل الأنانية الاقتصادية والمجتمعية؛ لوجدنا أنه عبر تاريخ الفلسفة الطويل، ظل “الآخر” موضع شكٍ دائم في نظر الإنسان، فنجد في الوجودية، كما عند “سارتر”، الآخر هو “الجحيم” ؛ ذاك الذي يُراقبني، يحاصرني، ويحدّ من حريتي بوجوده وحده. أما هيدجر، فقد رأى أن الإنسان يفقد ذاته حين يذوب في حياة الآخرين، ويتوه وسط “الهم اليومي للناس”. لقد وضعت الفلسفة – خاصة في تياراتها الحديثة – “الآخر” في موقع التهديد المحتمل: فهو ليس شريكًا في الوجود دائما، بل خصمًا يجب الحذر منه أحيانًا، وربما القلق بشأنه بشكل دائم، حتى لا يسبقنا أو يلتهم فرصنا.

تشكّلت رؤيتنا الاجتماعية والاقتصادية على أن الآخر يراقبني، يزاحمني، يسابقني في الحياة، يسعى لاقتناص ما أملك أو ما أسعى إليه. وهكذا تحوّل “الآخر” من كائن يمكن أن أتكامل معه، إلى منافس يهدد أمني واستقراي، وصارت العلاقة به علاقة صراع خفيّ، يخضع لقوانين السوق والمصلحة لا الرحمة والودّ.

4- من الإنسان إلى الاقتصاد: البنية السيئة للعلاقات

حين تسمّمت العلاقة مع الآخر وتوحّش الاقتصاد، بات بالإمكان تفكيك هذا التحوّل الجذري في بنية الاقتصاد: من كونه أداة وُجدت في الأصل لخدمة الإنسان، إلى كيان مجرّد يبتلع الإنسان ذاته. فمنذ أن تحوّل “الآخر” من شريك في الوجود إلى منافس في البقاء، بدأت العلاقات الإنسانية تتشكّل داخل بنية مريضة، لا تقوم على التعاون أو التعاضد، بل على التربص والمنافسة والاقتناء.

لقد أُزيح الإنسان من مركز المعادلة، ليحلّ محلّه “السوق” بوصفه المعيار الأقوى والغاية العليا. لم يعد الآخر يُنظر إليه في بعده الإنساني، بل بات يُختزل إلى “رقم” في معادلة كبرى للعرض والطلب، و”منافس” في سباق محموم للاستهلاك والهيمنة. وفي ظل هذه البنية، تتآكل إمكانية التواصل الإنساني الحقيقي، لتحلّ محلها علاقات قائمة على نزاعٍ مقنّع، وصراعٍ زائف، تغذّيه آليات السوق التي لم تعد تُقيِّم الإنسان بما هو عليه، بل بما يملكه، وتحديدًا بقدرته على الشراء.

وهكذا، لا تكتفي مراكز التسوّق اليوم بعرض السلع، بل تُغري المشترين بالاشتراك في عضويات تُقيّدهم بمنظومة إلكترونية تسجّل كل ما يشترونه، لتُخزِّن هذه البيانات وتُعيد توظيفها في توجيه قراراتهم الاستهلاكية. في مقابل خصمٍ هزيل، يتنازل الفرد طواعية عن خصوصيته، لتتمكن المنظومة الاقتصادية من تحليل قوته الشرائية واستثمارها، وربما بيع بياناته لاحقًا أو استخدامها في إعادة توجيهه وفق مصالح السوق.

ولن يكون مستغربًا، في المستقبل القريب، أن يُصنَّف الأفراد إلى فئات وفقًا لقدرتهم الشرائية، بحيث يُخصص لكل فئة أماكن تسوق “تلائم مستواها”، وربما يُفرض تصنيف استهلاكي جديد مثل ذلك التصنيف الأحمق الذي يصنف بعض البشر إلى “VIP”، سوف نجد أيضا هذا التصنيف داخل مساحات الشراء، ويتحول مع الوقت إلى موضع للتنافس الاجتماعي، لا علاقة له بالحاجة أو القناعة، بل فقط برغبة الظهور في مرتبة أعلى. ولو تأملنا قليلًا، سنجد أن ثقافة الـVIP لا تنفك تتوسع وتتسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية، حتى باتت تحاصرنا من كل جانب، وتُعيد تشكيل ذوقنا وتصورنا لقيمتنا ومكانتنا التي يجب أن يراها المجتمع.

وهكذا، بدلًا من أن يُبنى الاقتصاد لخدمة الإنسان، صار الإنسان يُعاد تشكيله، ذهنًا وجسدًا وسلوكًا، ليخدم الاقتصاد.

لذا، يُعد ما طرحه هراري في كتابه “العاقل” ليس مجرد إعادة قراءة للتاريخ كما يبدو، بل دعوة صريحة لإعادة تقييم ما نعتبره “تقدّمًا”، وما نعتبره “تحضرًا”؛ فهل ما نعيشه اليوم من حياة استهلاكية مفرطة، وضغوط عمل متجددة، وتفاوت طبقي صارخ، هو الثمن الذي كان ينبغي دفعه مقابل بناء الحضارة؟ وهل نحن فعلًا أكثر سعادة وحرية مما كان عليه الإنسان القديم؟ كلّ ما يحيط بنا يصرخ بالنفي؛ فالإنسان، في موقعه داخل الحضارة المعاصرة، لم يعد سوى عاملٍ أو متفرج؛ يُشاهد ويعمل، لكنه لا يشارك. فقط قلّة قليلة هي من تمثّل الاقتصاد، وتملك زمام توجيهه.

فكيف انقلب السحر على الساحر؟ وكيف تحوّل الخادم إلى سيد؟ وهل ما زال هناك مخرج من هذا المأزق الحضاري؟ في اعتقادنا ربما يكون المخرج في أنسنة الاقتصاد ولكن هل يمكن “أنسنة الاقتصاد”؟

5- أنسنة الاقتصاد

Humanizing the Economy

من بين كل هذه التوترات، خرج لنا المارد الجديد: “الاقتصاد الرأسمالي” ورغم بشاعة هذا المولود إلا أننا نحن من صنعه وغذاه حتى صار وحشا نهابه، وصار تعبيرًا عن رأسمالية بلا سقف، بلا هدف إنساني واضح، لا تسعى إلى التوازن كما كان في البداية، بل إلى النمو المطلق، التوسّع الدائم، والاستهلاك الذي لا يعرف الكفاية. لقد بدأ الاقتصاد من فعل “اقتصد” أي وفّر، اعتدل، راعِ الحاجة والضرورة. أما اليوم، فقد انقلب المفهوم: الاقتصاد أصبح يعني “الانفتاح على كل شيء”، “شراء كل شيء”، و”اقتناص الفرص من أي شيء”  وأحدث انقلابًا جوهريًا في العلاقة بين الإنسان والحاجة، وبين الإنتاج والاستهلاك.

الآن نحتاج إلى وقفة تأملية للمفهوم وللمفاهيم التي تولدت عنه مثل مفهوم “الحاجة”؛ ففي الماضي، كانت الحاجة هي محرّك الفعل، ودافع الإبداع، ومفتاح البقاء. لم تكن الحياة تتقدم إلا حين يضطر الإنسان إلى حل مشكلة واقعية، أو تلبية ضرورة مُلحّة. هكذا وُلدت المقولة الشهيرة: “الحاجة أم الاختراع”.

وبالتأمل البسيط سوف نجد أن الحاجة لم تعد هي البداية، بل أصبحت النتيجة.  يأتي الاختراع أولًا، ثم يتولى الاقتصاد الرأسمالي مهمّة خلق الحاجة له، بل تحويله إلى “ضرورة لا غنى عنها”.

يخلق الشعور بالنقص، ويُنمّي الإحساس بعدم الكفاية، ويُقنعنا بأننا نحتاج ما لم نكن نعرف أصلاً بوجوده، بآليات التسويق والإعلان وتشكيل الوعي، تتحوّل المنتجات من سلع ثانوية إلى ضرورات معيشية، ومن كماليات إلى رموز للهوية والانتماء والنجاح، في صناعة مزيفة ورديئة.

هكذا تُصنَع الرغبات، وتُزرع داخلنا، لنصبح مستهلكين دائمين، لا لشيء إلا لاقتصاد ينمو باستمرار، ولكن على حساب عقل الإنسان ووعيه وحريته، إنه اقتصاد لا يلبّي الحاجات، بل يخترع الحاجات ليُشغّل نفسه، إنه سباق محموم لا إلى البقاء، بل إلى التراكم والتضخم والتملك غير المنضبط.

لذا، يتّضح لنا أن المعركة الدائرة بين الإنسان والاقتصاد لا تقوم على الاقتصاد والحسابات والمعادلات فحسب؛ وإنما المعركة الحقيقية التي تُدبَّر في الخفاء هي المراهنة على وعي الإنسان وضميره، وسبيلنا الوحيد للفوز في هذه المعركة يتمثّل في المعرفة، فهي المفتاح لفهم هذا الأخطبوط وتحليل سُبل عمله

يمكننا الآن أن نطرح تساؤلًا جوهريًا: كيف يمكن “أَنسَنَة” الاقتصاد؟

نعني بأنسنة الاقتصاد إعادة الإنسان إلى مركز المعادلة الاقتصادية، بدلًا من الربح؛ والاعتراف بالكفاية هدفًا، لا التراكم اللامحدود. كما نعني أيضا الاهتمام بالطبيعة باعتبارها عنصرًا أساسيًا في المعادلة، لا مجرد مورد يُستنزف، ونشر ثقافة الترشيد التي تتيح لنا أن نحيا في تناغم مع الموارد المحدودة لهذا الكوكب، بدلًا من الانغماس في ثقافة النهم والسيطرة والاستحواذ. ويمكن أن نخطو نحو هذا الهدف من خلال:

  1. التركيز على جودة الحياة، لا مجرد البقاء؛ فالإنسان لا يحتاج فقط إلى أن يبقى على قيد الحياة، بل إلى أن يعيش حياة كريمة، مليئة بالمعنى والرضا.
  2. تحويل المؤشر الاقتصادي من المالي إلى الإنساني، يجب ألا يُقاس النجاح فقط بما تراكم من أموال، بل بما تحقق من رضا وسعادة للإنسان، وراحة للطبيعة وتوازن للكوكب. ليس الناتج المحلي الإجمالي وحده هو المعيار، بل مدى شعور الناس بالكرامة والطمأنينة.
  3. إعادة تعريف مفهوم “القيمة”، علينا أن نُعيد الاعتبار لقيم لا تُقاس بالمال: كأن تكون البيئة نظيفة، أو أن تتم رعاية الأطفال والمسنين برحمة. هذه الأعمال لا تُدرج غالبًا ضمن “القيمة الاقتصادية” لأنها لا تُنتج ربحًا مباشرًا، لكنها تحمل قيمًا أخلاقية وإنسانية رفيعة لا يمكن تجاهلها.
  4. تحليل المفاهيم الاقتصادية الأساسية، من الضروري إعادة النظر في مفاهيم مثل “الحاجة” و”الكفاية”، ووضع ضوابط أخلاقية تُوازن بين مصلحة الإنسان ومصلحة الطبيعة، بحيث لا تُفصل التنمية عن العدالة، ولا الربح عن المسؤولية.

يحلل الاقتصادي الألماني البريطاني إيرنست فريتز شوماخر E.F. Schumacherفي كتابه  “الصغير جميل: دراسة في الاقتصاد كما لو أن الناس مهمون” Small Is Beautiful: A Study of Economics As If People Mattered” (1973)، الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد الحديث، ويوجه نقدًا حادًا لفكرة “زيادة الإنتاج” التي يروّج لها هذا الاقتصاد باعتبارها الحل الشامل لكل مشكلاتنا.

يُبيّن شوماخر أن هذا التصوّر يزعم أن الوفرة ستحلّ الصراعات، وستقضي على الحروب الناتجة عن نقص الموارد. غير أن الواقع يروي قصةً أخرى؛ فالدول الغنية ورغم امتلاكها لكل شىء تقريبًا، إلا إنها لا تعترف أبدًا بحدٍّ للكفاية، بل تسعى باستمرار نحو المزيد. وهنا يطرح شوماخر سؤالًا جوهريًا لبداية تأمله فيقول: “حينما نطرح تساؤلا حول الكفاية ونقول هل هناك ما يكفي للجميع؟ نصطدم مباشرةً بإشكالية معقّدة : ما هو “الكافي”؟ ومن الذي يمكنه تحديده؟ بالطبع لن يكون ذلك الاقتصادي الذي يتعامل مع “النمو الاقتصادي” باعتباره القيمة العليا، لأنه ببساطة لا يمتلك تصورًا لما تعنيه “الكفاية”. وهناك مجتمعات فقيرة تفتقر إلى الضروريات الملحة، ولكن ليس هناك مجتمع غني قال يومًا:”كفى، لقد بلغنا حدّ الاكتفاء”؟”([5])

الواقع يؤكد أن الحروب تندلع في مختلف أنحاء العالم نتيجة الصراع على الموارد الطبيعية والوقود الأحفوري، مما يُظهر أن ما يدّعيه الاقتصاد الحديث بشأن “النمو” و”الوفرة” ليس سوى وهمٍ بعيد عن الواقع؛ فهذا الاقتصاد لا يعرف حدًّا للكفاية، ولا يهتم إلا بالربح، دون اعتبار لتبعات هذا الجشع على الإنسان أو الطبيعة، من هنا، اختار شوماخر عنوان كتابه: “الصغير جميل”، لأنه يؤمن بأن الحجم كلما ازداد، ازداد معه العجز والخلل، وهذا عكس ما يصدره لنا الاقتصاد تمامًا.

ندد شوماخر باستخدام الموارد الطبيعية بهذا الشكل الجنوني، معتبرًا إياه شكلاً من أشكال التعدي  على الطبيعة، محذرًا من أن الطبيعة لن تظل صامتة، بل ستردّ في النهاية، عاجلًا أم آجلًا. وقد سمّى هذا الوضع بـ”هامش التسامح” (Tolerance Margin)؛ وهو الحد الذي إذا تم تجاوزه، تبدأ الطبيعة في الرد بعنف وقسوة. لقد كان ذلك  في عام 1973، أما اليوم ونحن مطلع الألفية الثالثة، فقد تحقق ما حذّر منه شوماخر؛ فالاعتداء المنهجي على الطبيعة قوبل بردٍ عنيف، نلمسه بوضوح في “التغيرات المناخية الحادة”، و”الكوارث الطبيعية” التي تجتاح الكوكب، و”الاحتباس الحراري” الذي لم يعد مجرد توقع نظري، بل واقع ملموس يهدد حياة الإنسان وكوكب الأرض برمّته.

كما حذّر شوماخر من استخدام الطاقة النووية، ليس فقط كسلاح قادر على إبادة البشرية جمعاء، بل أيضًا كرمز للرعب والتهور في مسار التقدم التقني. فقد رأى أن العالم لم يكن بحاجة إلى هذا النوع من الطاقة أصلاً، لو أننا اكتفينا بما لدينا، وسعينا لتحسينه بعقلانية واتزان، لا بجشعٍ لا يعرف حدودًا.

يستشهد شوماخر بتصريح المستشار العلمي للرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون، الدكتور إدوارد ديفيد Edward D. David، بشأن تخزين النفايات المشعّة، إذ يقول:

“إن المرء ليشعر بالغثيان حقا، لمجرد التفكير بأن هناك شيئا يجب أن يبقى تحت الأرض معزولًا تمامًا لمدة 25ألف عام حتى يمكننا أن نقول عنه أنه أصبح غير ضار”([6])

يعلّق شوماخر على التصريح بأنه أمر مرعب للغاية، ويتسآل عن سبب ابتكارنا لوسيلة بكل هذا القدر من التدمير واللامسؤولية؟  فيأتيك الجواب حسب رأيه بأنه يكمن في الرغبة الجامحة في التمادي، والسعي وراء الربح، وخرافة زيادة الإنتاج التي لا تعترف بمفهوم الكفاية، ولا تعبأ بعواقبها طويلة المدى؛ لذلك يؤكّد شوماخر على أن “الغاية من العمل ليست الإنتاج وحده، بل إيجاد فرص للإبداع”؛  فالعمل ليس مجرد أداة للربح، بل مجال لتحقيق الذات وبناء المعنى.

وفي أطروحته الأساسية يؤكد شوماخر على أن:

“جوهر الإنسان لا يمكن قياسه بإجمالي الناتج القومي”([7])

لأن الإنسان ليس رقمًا في إحصائية، ولا أداة في آلة إنتاج، بل كائن ذو قيمة لا تُختزل في ما يملكه أو يستهلكه.

وقد وجد شوماخر أن الحل يتمثل في العيش البسيط، وفي الحركة البطيئة للمدن، وإلى ما يعرف الآن بالاقتصاد التضامني، والبنوك الأخلاقية، والتكنولوجيا البسيطة، التي لا تهدف إلى النمو المطلق، بل إلى تلبية الحاجات الأساسية دون إفراط أو تهديد للتوازن.

رفض شوماخر منطق الاقتصاد الذي يسعى إلى تعظيم الربح بأي ثمن، مؤمنًا بأن التكنولوجيا ينبغي أن تكون وسيلة إنسانية، لا قوة عمياء. وهو يختصر ذلك بقوله: “التكنولوجيا الحديثة تزيد قوة البشر، لكنها تدمر ضمائرهم.”

ولهذا، سعى إلى تحقيق توازن بين المادة والروح، حيث “لا ازدهار حقيقي دون سلامٍ داخلي “إنه يوجّه لومه العميق إلى الاقتصاد الجشع الذي، في نظره، لوّث روح الإنسان، ومزّق أوصاله، وشتّت عقله ويؤمن بأن الخلل لا يكمن في الطبيعة البشرية، بل في البنية التي تُشوّه هذه الطبيعة، حيث يقول: “هناك قناعة راسخة بأن الإنسان يُولَد طيبًا؛ فإذا تحوّل إلى مجرم أو مستغِل، فاللوم يقع على النظام. لا شك أن النظام سيئ بطرق عديدة ويجب تغييره، لكن أحد أسباب سوئه المستمر هو الاعتقاد الخاطئ الذي يتمثل في أن مشكلة الإنتاج قد حُلّت”( ([8]

يؤمن شوماخر بأن الإنسان هو الغاية لا الوسيلة، وأن القيمة لا تُقاس بالكمّ، بل بالمعنى، وبالقدرة على تحقيق الخير والعدالة والسلام مع النفس والعالم؛ لهذا، لا يُعدّ كتاب شوماخر “الصغير جميل” مجرد نظرية اقتصادية، أو حتى دعوةً لمساءلة بعض موضوعات الاقتصاد المعاصر، بل هو في جوهره دعوة إلى ثورة أخلاقية، يمكن من خلالها إعادة تعريف مفهومي “التقدم” و”الرفاهية” في حياة البشر.إنه يقلب السؤال المركزي رأسًا على عقب، ويطرحه بأبسط وأصدق صيغة ممكنة: “هل نريد اقتصادًا يخدم البشر، أم بشرًا يخدمون الاقتصاد؟”

انطلاقًا من هذا السؤال، يمكننا أن نتلمّس ملامح الطريق نحو اقتصاد إنساني، أو ما يمكن تسميته بـأنسنة الاقتصاد، وذلك من خلال: التوقّف عن تحويل الرفاهية إلى احتياجات زائفة تُغذّي جشعنا وتزيد اغترابنا، واعتناق فكرة الاكتفاء البسيط بدلًا من الاستهلاك اللامحدود، ووضع حدّ للحسد والحقد وثقافة التملك، والبدء بـإصلاح روح الإنسان المعاصر التي تمزّقها الضغوط وتشتتها القيم.

علينا أن نتوقّف عن التصفيق لهذا النوع من “التقدّم” الاقتصادي الذي يفتقر بوضوح إلى أسس الاستدامة الحقيقية، وأن نقدّم ولو دعمًا متواضعًا، لأولئك الذين يعملون من أجل عالم أقل عنفًا، رغم اتهامهم أحيانًا بالجنون، وأحيانًا أخرى بالمثالية المفرطة. هؤلاء لا يخشون السعي نحو اللاعنف: من المدافعين عن البيئة، وعلماء الطبيعة، وحماة الحياة البرية، والمروّجين للزراعة العضوية، والموزّعين المحليين، والمنتجين المنزليين البسطاء، وغيره

وعلينا أن نؤمن بإن ذرة من الممارسة العملية، عادة ما تكون أكثر قيمة من قنطار من التنظير.”([9]) وهم لا يعملون فقط من أجل الطبيعة، بل من أجل إنقاذ الإنسان نفسه من اقتصادٍ أفرغ روحه، وحرّف بوصلته، وجعل من التراكم غاية، ومن المعنى هامشًا منسيًا.

وفي أعتقادنا أنه ينبغي على الإنسان أيضا أن يُدرك موقعه من العملية الاقتصادية، أن يعرف بدايته الأولى، حين ارتبطت السعادة والحرية بالاكتفاء البسيط، والمشاركة الحميمية، والتعاون المطلق. عليه أن يُدرك أنه ليس ترسًا في آلة، يدور دون وعي، ولا مجرد مستهلك غبي يساهم في صناعة هذا الأخطبوط أو نموه. وحينما يستفيق الجميع، سيضعف هذا الأخطبوط، ويعود إلى حجمه الطبيعي، ولن يتضخّم مرة أخرى، ما دمنا نعي جيدًا من نحن، ومن نكون، ومن هو وما المطلوب منه.

وليكن الهدف، إذًا، لا مجرد البقاء، بل البحث عن المعنى، والسعي نحو غاية تليق بالكرامة الإنسانية، وترتقي بها فوق منطق السوق، ومنطق القوة.

_____________________

الهوامش والمراجع

  1. يوفال نوح هراري، (2018)، العاقل: تاريخ مختصر للنوع البشري، ترجمة: حسين العبري، وصالح بن على الفلاحي، دار منجول للنشر، الهند.
  2. ويل ديورانت، (2001)، قصة الحضارة، ترجمة: ذكي نجيب محمود ومحمد بدران، الشرق الأدنى، المجلد الأول، مكتبة الأسرة، الهيئة العامة للكتاب، مصر.
  3. رالف لنتون، (2010)، شجرة الحضارة، ترجمة أحمد فخري، تقديم: أحمد زكريا الشلق، الجزء الأول، عدد(1750)، سلسلة ميراث الترجمة، المركز القومي للترجمة، مصر.
  4. Daniel M. Hausman, (2018), Philosophy of Economics, Stanford Encyclopedia of Philosophy, First published Fri Sep 12, 2003; substantive revision Tue Sep .
  5. F. Schumacher, (1973), Small Is Beautiful Economics As If People Mattered, London: Blond & Briggs.

[1] (إنجيل متى 4: 4، الكتاب المقدس).

 [2] انظر: الجزء الثاني والمعنون “الثورة الزراعية” من كتاب يوفال نوح هراري، (2018)، العاقل: تاريخ مختصر للنوع البشري، ترجمة: حسين العبري، وصالح بن على الفلاحي، دار منجول للنشر، الهند.

الكتاب نشر لأول مرة باللغة العبرية عام (2011)، ونشر باللغة الإنجليزية عام (2014).

[3] انظر: لسان العرب، لابن منظور (مادة: قصد).

و تاج العروس، للزبيدي (مادة: قصد).

[4] انظر: ويل ديورانت، (2001)، قصة الحضارة، ترجمة: ذكي نجيب محمود ومحمد بدران، الشرق الأدنى، المجلد الأول، مكتبة الأسرة، الهيئة العامة للكتاب، مصر، صـ32.

[5] E. F. Schumacher, (1973), Small Is Beautiful Economics As If People Mattered, London: Blond & Briggs, P12.

[6] Ibid, p8.

[7] Ibid, p9.

[8] Ibid, p4.

[9] Ibid, p24.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete