أيدي الإمام الغزالي: 1- يد الفيلسوف. 2- يد الصوفي. 3- يد الفقيه.

 عن مواضعات المشروع الهُويَّاتي الإسلامي

يمكنني اعتبار الإمام “أبي حامد الغزالي”[1] [450هـ – 505هـ / 1058م – 1111م] مرحلة توسِّطٍ معرفي حاسم بين فقيهين كبيرين: أولهما “الإمام الشافعي”[2] [150هـ – 204هـ / 767م – 420م] وثانيهما الإمام “ابن تيمية”[3] [661هـ – 728هـ / 1263م – 1328م].

فالإمام الأول أو الإمام الشافعي كان قد وضع الأسس الذهنية لعلم الفقه في كتابه (الرسالة)[4]، أو النواظم التي ينبغي على الفقيه، الذي حال بالتقادم إلى مُنيب عن الأمة كلها في العموم، الأخذ بها ساعة يُشرِّع للمجتمع ويُنظِّم أموره الحياتية، وذلك بوضع أُطرٍ عقلية يُحتكم إليها في التطبيقات العملية التي تُسيِّره، حتى يبقى ضمن الخطّ المنصوص أو المُتفَّق عليه مسبقاً. أي أنَّ الشافعي كان يتجاوز، بعقليته الاستثنائية، البنية العيانية للمجتمع إلى البنية الذهنية للعقل الذي يُنظِّم أمور ذلك المجتمع، فقد وضع اللبنات العقلية أو الوحدات الذهنية الصغيرة، وذلك عمل فلسفي بامتياز، التي سيقوم عليها معمار المجتمع في الواقع المعيش. وقد بسط الشافعي لهذه الأصول في كتابه (الرسالة)، وبالتقادم تحوّلت هذه الأصول إلى مرجعيات قصوى يُحْتَكُمُ إليها ساعة قياس الواقعي على الذهني. لهذا فـ “إنّ القواعد –وفقًا لما يقول محمد عابد الجابري- التي وضعها الشافعي لا تقل أهمية بالنسبة لتكوين العقل العربي الإسلامي عن قواعد المنهج التي وضعها ديكارت بالنسبة لتكوين الفكر الفرنسي خاصة والعقلانية الأوروبية الحديثة عامة”[5]. فمع الشافعي بدأ العقل العربي الإسلامي ينتظم انتظاماً كبيراً داخل حلقة فقهية ماكنة ومتينة، ستتمظهر وتترسخ بشكل واضح وجلي كلما تقدَّم الزمن، إلى أن تبسط سيطرتها، عبر شبكة كبيرة ومعقدة من الأئمة والشيوخ والمفتين والدُّعاة ورجال الدين والقضاة والمُشرِّعين…إلخ، على تفاصيل الحياة من صغيرها إلى كبيرها؛ ومن أجساد الناس إلى أرواحهم، ومن عوالِمهم المرئية إلى عوالمهم الميتافيزيقية…إلخ.

ومع الإمام الثاني أو الإمام “ابن تيمية” خُتِمَ المشروع الهوويّ للأمة العربية الإسلامية، إذْ أُقْفِلَ على يديه باب الاجتهاد كتتويجٍ لانتصار علم الفقه انتصاره الكبير والأخير والحاسم على غيره من العلوم في الحضارة العربية الإسلامية، خاتماً بذلك الدِّين ختمته الثانية من الدَّاخل، بعد أن خُتمت الأديان التوحيدية ختمتها الأخيرة من الخارج. فالفتاوى[6] –وهي بمعنى من المعاني تطبيقات عملية أو مواضعات فقهية لما اشتغل عليه الشافعي ذهنياً في وقت سابق، أو استمرار لسيرورة وضعت لبناتها في وقت سابق- أحكمت سيطرتها على مفاصل الحياة الكبيرة وتفاصيلها الصغيرة. فالفقيه، بما هو حالة إنابية عن هُويَّة الأمة ومرجعياتها الرُّوحية التي قرَّت واعتمدت من قبل السُّلطتين السياسية والدينية، يتصدر المشهدية القصوى للأمة العربية الإسلامية، فهو يُفكِّر عنها في كل معقولاتها ومادياتها، وفوق هذا يُشرف –عبر مؤسسة السُّلطة القائمة- على مراقبة آليات تنفيذ ذلك التفكير على أرض الواقع. فحيوات الناس جميعها –على اختلاف مواقعها وقدراتها-  تخضع خضوعاً إكراهياً لمرجعية الفقيه، المَحمي من قبل السُّلطة السياسية، نظراً لتشابك مصالحهما وتعالقها على مدار قرون طويلة.

إنّ الدين بما هو حامل لمشروع حضاري كان بحاجةٍ إلى ما يُقارب الستة قرون لكي:

  • ينبثق إلى الوجود على يد نبي لديه رسالة منصوص على مقتضياتها في كتاب.
  • تنشأ حوله حالة وجدانيّة قوية.
  • يُؤمن به مجموعة من التابعين المتحمسين.
  • تتبلور تعاليمه وخطوطه العريضة في الواقع المعيش، استناداً إلى ما جاء به الكتاب.
  • تنشأ حوله، انطلاقاً من الكتاب وتعالقاته مع الحياة الواقعية، مجموعة من النصوص الحافّة؛ شرحاً وتفصيلاً وتفسيراً وإفهاماً وتأويلاً.
  • نشوء سلطة سياسية تقرّ تعاليمه كناظمٍ مركزي للاجتماع السياسي.
  • إقفال متونه المعرفية أمام أية إضافات مركزية. بما يُفضي إلى:
  • تحوّل متونه إلى كينونة تُميِّز أتباع ذلك الدِّين عن غيره من كينونات الأديان الأخرى.

وفي الرِّحلة الملحمية للدِّين الإسلامي من كونه محض نصوص معرفية إلى تحقّقه في كينونةٍ جامعة، أو من كونه نسقاً إبيستمولوجياً إلى كونه مرجعية أنطولوجية للأمة، برزت العديد من الأسماء التي كان لها الأثر البالغ في رحلة: 1- الانبثاق. 2- الحماس. 3- الإيمان. 4- التبلور في الواقع المعيش. 5- النصوص الحافة المُؤطِّرة لآليات اشتغاله في الحياة. 6- السلطة السياسية. 7- إقفال المتون. 8- انتقاله من نسق معرفي إلى مرجعية أنطولوجية. برزت مجموعة من الأسماء المركزية ضمن هذه الرِّحلة الملحمية من أشهرها على الإطلاق فيما يخص موضوعنا ها هنا: 1- الإمام الشافعي. 2- الإمام أبي حامد الغزالي. 3- الإمام ابن تيمية. فَهُم بمثابة الأركان لهذا المعمار الهُويَّاتي، تحديداً في صيغته الفقهية، بصفتها الصيغة الأبرز لهذا المعمار الكبير.[7] فالأول أو “الإمام الشافعي” وضع الأسس العقلية لذلك المشروع، والثالث أو “ابن تيمية” أجرى التنقيح والتعديل الأخير على هذا المشروع، وأقفل عليه في عقول المسلمين. ووقفت السلطة السياسية حارسة على ذلك الباب العتيد منذ تلك اللحظة وحتى لحظتنا الراهنة.

أما في حالة التوسّط بين “الشافعي” و”ابن تيمية”، فقد كتب الإمام الغزالي كتابه (تهافت الفلاسفة)[8] بيده اليُسرى أو يد الفيلسوف. وكتب كتابه (المنقذ من الضلال)[9] بيد قلبه أو يد الصوفي. وكتب كتابه (إحياء علوم الديِّن)[10] بيده اليُمنى أو يد الفقيه.

اليد اليُسرى أو يد الفيلسوف كانت يداً مُرتجفة، تعيش قلق اللحظة العقلية وهي تَصْطَلِحُ على سيرورتها في الاجتماع السياسي، رغم المواضع –استخدم فيها لغة واثقة مُناقضة لحركة يده المُرتجفة- التي كَفَّرَ فيها الغزالي الفلاسفة ودمغهم بالعار الديني، فـ “مصدر كفرهم سماعهم أسماء هائلة، كسقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس وأمثالهم…”[11]. فكتابه الكبير (تهافت الفلاسفة)[12] لا يمكن أنْ يصدر إلا عن فيلسوف يُحاجج مقولات كبرى، فالعناوين الفرعية في الكتاب ومضامينها لا يمكن أن تصدر إلا عن صاحب عقل يعي تماماً ما هي الفلسفة وما هي الميادين التي يتحرَّك فيها الفيلسوف.[13] وسيتمظهر هذا الحجاج تمظهرين بارزين في الحضارة العربية الإسلامية في وقتٍ لاحق، تجلَّي التمظهر الأول بـ “ابن رشد”[14] (520هـ – 595هـ / 1126م – 1198م)، وتجسّد التمظهر الثاني بـ “ابن خلدون”[15] (732هـ – 806هـ / 1332م – 1406م) تحديدًا في مقدمته.

أما يد قلبه أو يد الصوفي فقد تنازعتها رغبتان:

الأولى رغبة دنيوية فردية تجنح ناحية التفلسف، فعلى المستوى الفردي كان الغزالي يُريدُ أنْ يصبح فيلسوفاً، ويظهر هذا جلياً في بعض فيوضات كتابه التي تحتاج إلى عقل راكز ووازن لترتيبها وتبويبها وشرحها والاستفاضة بها، كما يُبوِّب لمسألة الإدراك عبر الحواس، فـ “كل إدراك من الإدراكات خلق ليطلع الإنسان به على عالم من الموجودات؛ ونعني بالعالم، أجناس الموجودات. فأول ما يخلق في الإنسان حاسة اللمس، فيدرك بها أجناساً من الموجودات: كالحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، واللين والخشونة، وغيرها. واللمس قاصر عن الألوان والأصوات قطعاً، بل هي كالمعدومة في حق اللمس. ثم تخلق له حاسة البصر، فيدرك بها الألوان والأشكال، وهو أوسع عوالم المحسوسات…إلخ”[16] فالقدرة ليس على ملاحظة الأشياء بل تأصيلها عقلياً، كانت لازمة لعقل الغزالي الفارق والمُميّز، لكن في بُعده الفردي فحسب.

والثانية رغبة جمعية طهرانية، تسعى إلى (تطهيره/ تطهير الأمة) مما عَلِق به من آثام دنيوية على المستوى الفردي. وشيئاً فشيئاً أخذتْ رغبته الثانية المُتمثلة بالتطهّر الجمعي تنتصر على رغبته الأولى المُتمثلة بالتفلسف، فصغَّرَ رغبته الدنيوية الفردية وكبَّر رغبته الجمعية التطهيرية. لذا عاد وذمَّ الفلسفة في آخر كتابه كتتويج لرحلة الكفاح التي (كابدها الغزالي/ كابدتها الأمة) لكي ينتقل من حالة الصيرورة بما هي فاعلية للعقل ويقرّ في كينونة نهائية بما هي ختم للمعارف وإلباسهاً لباساً دينياً أخيراً. “فهذا –يقول الغزالي- ما أردت أن أذكره في ذم الفلسفة والتعليم وآفاتهما”[17]

فهو كتاب –أعني المنقذ من الضلال- برزخي تموقعت فيه الأمة العربية الإسلامية بين مسارين كبيرين: 1- صيرورتها غير النهائية. و2- كينونتها غير المُكتملة. صيرورتها التي كانت بحاجةٍ من ثمَّ إلى الفعل الفلسفي المُنحاز للعقل الفاعل بصفته ضرورة حضارية، وشوقها، أي الأمة كاملة، ناحية كينونة قارّة، غير قلقة، خاتمة لمشروعها الحضاري مرة واحدة وإلى الأبد. ومع اكتمال هذه البرزخية (عَبَرَ الغزالي/ عَبَرَت الأمة) إلى المُستقر الهَوَويِّ، حيث الطمأنينة الوجودية على حساب المسار المعرفي القلق.

أما يده اليُمنى أو يد الفقيه فقد كانت يداً واثقة، غير متوترة، قارّة، فالرُّوح الكُليّة للذات العربية الإسلامية كانت في طريقها إلى ختم مشروعها الهُويَّاتي، لذا كانت بحاجةٍ إلى يدٍّ واثقة مثل يد الغزالي لتُكْمِلَ المسودة الفكرية التي ابتدأها الشافعي، وسيُجري عليها الفقيه الكبير “ابن تميمة” التنقيح الأخير. فقد سيطرت عليه –على الغزالي- روحاً استسلامية، انسحابية، مُوقنة، تُلقي مراسي مركبها لكي يستريح استراحته الكبرى؛ برزت بواكير، بصرف النظر عن تاريخ كتابة الكُتب، هذه الرُّوح في كتابه (المنقذ من الضلال) وتجلَّت تجليّها الأبرز والأوضح والأشمل في كتابه (إحياء علوم الدين). فحالة التيه التي عانى منها الغزالي وأرخَّها في (المنقذ من الضلال) أفضت إلى وضع كتالوج كبير في كتابه (إحياء علوم الدين) تضمَّنَ تفصيلاً للصُغريات والكُبريات التي يمكن أنْ تهمّ المسلم في مشروعه الدنيوي بما هو مقدمة لمشروعٍ مآلي أكبر في العالَم الآخر. فعبر هذا الكتالوج تمَّ نسج شبكة هائلة حول (مُنطلقات/ مآلات) الأمة، بما هي (مُنطلقات/ مآلات) قارّة في المُدونة الفقهية قرارها وإقرارها النهائي والأخير. فذلك الفيلسوف الذي كان يُساجل الفلاسفة بأدواتهم حال إلى فقيهٍ سيُسجِّل في كتابه الإحياء كل ما من شأنه أن يحدّ من أي حركة قد يأتي بها أي مسلم فتضرّ بالمشروع الهُويَّاتي للأمة، فحتى آليات شربه للماء أو نفخه في الطعام الحار، كلها رُصدت وأرخَّت لكي لا يزلّ المسلم عن الصراط المستقيم الذي صُنع له بإحكامٍ شديد، خشية أن يسقط في النار ويُسْقِط معه الأمة كاملة[18]

إنّ دلالة اليدّ بالنسبة  إلى الغزالي هي دلالة جمعية في معناها العميق، إذ كانت الحضارة العربية الإسلامية تعيش:

  • قلق الفيلسوف، إذ يكتب بيده اليُسرى.
  • توازن الصوفي، إذ يُحكّم قلبه للموازنة بين رغباته الفردية وآمال الأمة.
  • وثوقية الفقيه، إذ يكتب بيده اليُمنى.

لكن المُدوّنة البارزة أو المطارحات الفقهية الواثقة كانت في طريقها إلى طرح كل من يُخالفها الرأي والتوجّه من جهة، وإلى بسط نفوذها بشكل كامل من جهة ثانية. إذ لم تتمكن المُدونة الفقهية من الأذهان عبر التأسيس لميكانيزمات صارمة يشتغل عليها العقل الفقهي لحظة التشريع للناس وتحويل تلك التشريعات إلى مُلْزِمات في الواقع العملي فحسب. بل وُجدت، أيضاً، سلطة سياسية تحمي هذه المُدونة وتُحصِّن الإبقاء على متونها كما هي، عبر تفعيل مجموعة كبيرة من العقوبات الرَّادعة لكل من يعبث بها أو يُحاوِل التطاول عليها.

لذا كانت يدّ الغزالي أو يدّ الأمة بالأحرى ذاهبة إلى الإعلان عن الشكل النهائي لكينونتها، وهذا ما حدث فعلاً. فاليد اليُسرى للأمة أو يد الفيلسوف كانت قد شُلَّت وأصابها العطب، رغم ظهور الفيلسوف البارز “ابن رشد”، وظهور “ابن خلدون” كآخر الفلاسفة الكبار في الحضارة الإسلامية الوسيطة. فالبيئة في المجتمعات العربية الإسلامية كانت قد اتخذت موقفاً رافضاً من الفعل الفلسفي، أو من أي نشاط عقلي حقيقي؛ بما هو فعل مُضاد للهُويَّة في صيغتها الأخيرة. لذا كان على “ابن رشد” أن يرحل عن الحضارة الإسلامية إلى حضارة أخرى كانت في طريقها إلى البزوغ والتجلي الحضاريين. وبموازاة هذا الرَّحيل لأفكار ابن رشد، لم تحظى مقدمة “ابن خلدون” المُميزة بالثناء والتقدير في مجتمعٍ كان في طريقة إلى التحلِّل والفناء على المستوى الحضاري.[19] وعليه، فقد أتى رحيل أفكار “ابن رشد” وتهميش مقدمة “ابن خلدون”، كجزءٍ من استحقاق حضاري بالدَّرجة الأولى، إذ ختمت الأمة معارفها، وانتقلت من مرحلة السؤال المعرفي إلى مرحلة النسق الهويَّاتي.

أما التوازن الصوفي فاستحال بالتقادم (رغم ظهور بعض الحالات الفردية البارزة على المستوى المعرفي كابن عربي)[20] إلى فعل دروشة وهلوسة، سيصطلح عليه “محمد عابد الجابري” في وقتٍ لاحق بالعقل المستقيل[21]

وعليه، فقد صار البعد الفقهي رُكناً أساسياً من أركان المشروع الهووي العربي الإسلامي، أو المُكوِّن الأعمق لروح الأمة، وقد ترسَّخ هذا المُكوِّن بالتقادم، إلى حدّ غياب أيّ نقاش حقيقي حوله، أو حول مكوناته. وسيبقى هذا التوجّه قائماً حتى بواكير القرن التاسع عشر حيث انبثقت حركة إصلاح اصْطُلِحَ عليها بالنهضة العربية، فمعها بدأت الحياة تدبّ في اليد اليُسرى أو اليد الفلسفية، إذ شُرع بطرح أسئلة كان مسكوتاً عنها لقرون طويلة، وبالمعيَّة تمَّ اقتراح إجابات لتلك الأسئلة، لكنها ما زالت غير فاعلة بشكلٍ حقيقي في أذهان الناس، كما هو فاعل النسق الفقهي.

إنَّ الغزالي –كخاتمةٍ في هذا المقام- ذاتٌ فردية تكثفت فيها الروح الكُليَّة للأمة العربية الإسلامية، وهي تبحث عن مواضعات أخيرة ونهائية لكينونتها، لذا حدث عراك كبير بين أيدي (الغزالي/ الأمة) الرئيسية:

يد الفيلسوف المُرتجفة، ويد الصوفي المُتأرجحة، ويد الفقيه الواثقة، لكن يد الفقيه القوية –اليد التي استأثرت بنصيب الأسد في تسريد مسلكيات العقل العربي الإسلامي- غلبت يد الصوفي المعرفي ويد الفيلسوف، وستتجلَّى هذ الغلبة في أبهى صورها على يد الفقيه الكبير “ابن تيمية” بصفته المرحلة الأخيرة في المشروع الهووي العربي الإسلامي، فعلى يديه خُتم الدين ختمته الثانية، وانتقلت الأمة كاملة نقلتها الكبرى من حالة القلق المعرفي التي يمكن أن يُجسّدها الفيلسوف أبرز تجسيد، إلى حالة الطمأنينة الوجودية التي يمكن أن يتمثلها الفقهاء والأئمة والشيوخ وآيات الله ووزراء الأوقاف والشؤون الدينية والدُّعاة والخُطباء والقُضاة الشرعيين…إلخ؛ أبرز تمثيل.[22]

 

[1]  جاء في التعريف بالإمام “أبي حامد الغزالي”: “هو محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو حامد، حجة الإسلام: فيلسوف، متصوف. مولده ووفاته في الطابران (قصبة طوس، بخراسان)، رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد مصر، وعاد إلى بلدته. نسبته إلى صناعة الغزّل (عند من يقوله بتشديد الزاي) أو إلى غَزَالة من قرى طوس (لمن قال بالتخفيف). قرأ الفقه في صباه في بلده ولازم إمام الحرمين فجد واجتهد حتى برع في الجدل والمنطق والمذهب والخلاف، وقرأ الفلسفة والحكمة وتمكن من ذلك، وفهم كلام أرباب هذه العلوم، وصنّف في كل فن من هذه العلوم كتباً أحسن تأليفها. كان شديد الذكاء والفطنة، وناظر العلماء والأئمة في مجالسه حتى أصبح أنظر أهل زمانه وأوحد أقرانه. وقصد الوزير نظام الملك فلازم مجلسه وحدّث وناظر وتصدى. أشهر كتبه “إحياء علوم الدين” الذي يعتبر من أعظم التصانيف الني صُنِّفت في معرفة قواعد الأحكام، وبيّن الحلال والحرام وجمع فيه دقائق الأسرار”. يمكن الرجوع إلى كتاب إحياء علوم الدين، تصنيف الإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1، 2005.

[2]  جاء في تعريف الإمام “محمد بن إدريس الشافعي”: “ولد سنة 150 بغَزَّةَ ومات ليلة الجمعة ودفن في مصر يوم الجمعة بعد العصر آخر يوم من رجب سنة 204… (ص 7) ولو جَازَ لعالمٍ أن يُقَلِّدَ عالمًا كان أَوْلَى عندي أن يُقَلَّدَ الشافعيُّ. فإِني أعتقد –غير غالٍ ولا مسرف- أن هذا الرجل لم يظهر مثله في علماء الإسلام، في فقه الكتاب والسنة، ونفوذ النظر فيهما ودقة الاستنباط، مع قوة العارضة، ونور البصيرة، والإبداع في إقامة الحجة وإفحام مناظره. فصيحُ اللسان، ناصع البيان، في الذروة العليا من البلاغة…”. (ص 5)

يمكن الرجوع إلى مقدمة محقِّق وشارح كتاب الرسالة للشافعي ” محمد أحمد شاكر”. الرسالة للإمام المطلبِيِّ محمد بن ادريس الشافعي، تحقيق وشرح، أحمد محمد شاكر، مطبعة مصطفى الباجي الحلبي وأولاده بمصر، 1938.

[3]  جاء في تعريف ابن تيمية في كتاب (سير أعلام النبلاء) لشمس الدين الذهبي: “الشَّيخُ الإمامُ العلَّامةُ المُفتي المُفسِّرُ الخطيبُ البارعُ عالم حران وخطيبها وواعظُها، فخر الدِّين أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله ابن تيمية الحرَّاني، الحنبلي، صاحبُ الدِّيوان، الخُطَبِ، والتفسير الكبير. ولد في شعبان، سنة اثنتين وأربعين، بحرَّان، وتَفَقَّهَ على أحمد بن أبي الوفاء، وحامد بن أبي الحجر، وتَفَقَّهَ ببغداد على ناصح الإسلام ابن المني، وأحمد بن بكروس، وبرع في المذهب، وساد… توفي في صفر، سنة اثنتين وعشرين وستِّ مائَةٍ، له ثمانون سنة”.

يمكن الرجوع إلى الرَّابط التالي الذي يتضمن كتاب (سير أعلام النبلاء) لشمس الدين الذهبي.

https://shamela.ws/book/22669/8602

[4]  “وهذا كتاب (الرسالة) أول كتاب أُلِّف في (أصول الفقه) بل هو أولُ كتاب أُلِّف في (أصول الحديث) أيضًا. قال الفخر الرازي في مناقب الشافعي (ص 57): “كانوا قبل الشافعي يتكلمون في مسائل أصول الفقه، ويستدلون ويعترضون، ولكن كان لهم قانونٌ كليٌّ مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضاتها وترجيحاتها، فاستنبط الشفعيُّ علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانونًا كليًا يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع” وقال بدر الدين الزركشي في كتاب البحر المحيط في الأصول (مخطوط): “الشافعي أول من صنف في أصول الفقه، صنف في كتاب الرسالة…” وأقول –يُضيف مُحقِّق الكتاب- إن أبواب الكتاب ومسائله، التي عَرَض الشافعيُّ فيها للكلام على حديث الواحد والحجة فيه، وإلى شروط صحة الحديث وعدالة الرواة، وردِّ الخبر المرسل والمنقطع، إلى غير ذلك… هذه المسائل عندي أدقُّ وأغلى ما كتب العلماء في أصول الحديث، بل إن المتفقهَ في علوم الحديث يفهم أن ما كُتب بعده إنما هو فروعٌ منه، وعالةٌ عليه، وأنه جمع ذلك وصنَّفه على غير مثالٍ سبق”.

الرسالة للإمام المطلبِيِّ محمد بن ادريس الشافعي، تحقيق وشرح، أحمد محمد شاكر، مطبعة مصطفى الباجي الحلبي وأولاده بمصر، 1938. من مقدمة المُحقِّق “محمد أحمد شاكر” ص 13.

[5]  تكوين العقل العربي، محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، ط 10، 2009، ص 100.

[6]  لمن لا يرغب بقراءة الفتاوى، لما يستلزمه فعل قراءة عمل كبير كفتاوى ابن تيمية من وقت طويل، يمكنه الإطلَّاع على عناوين فتاواه وغزارتها على الرابط التالي:

https://shamela.ws/book/9690

[7]  لا شكَّ أن مضمار الحضارة العربية، لا سيما في بُعدها الإسلامي، انطوى على لاعبين كُثر وفي ميادين مختلفة ومتعددة ومتنوعة، ومرّت لحظات فارقة ومصيرية، فلسفية وأدبية وشعرية ولغوية وعلمية وشرعية وسياسية واجتماعية…إلخ، على تلك الحضارة، لكن الصيغة الأشمل والأوضح والأقوى والأكثر رسوخاً وحضوراً، هي الصيغة الفقهية، لا سيما بعد اصطلاح السُّلط السياسية عليها، إلى درجة أنها  طبعت حياة الناس بطابعها القوي في كل تفصيل من تفاصيلها، كُبر هذا التفصيل أم صغر.

[8]  ثمة العديد من الطبعات لكتاب (تهافت الفلاسفة) لأبي حامد الغزالي، أذكر منها، لمن أراد الاستزادة والإطلَّاع، طبعة دار المعارف بمصر

[9]  كذلك ثمة العديد من الطبعات لكتاب (المنقذ من الضلال) لأبي حامد الغزالي، نذكر منها طبعة جمعية البحث في القيم والفلسفة، واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية، 2001

[10]  كذلك ثمة العديد من الطبع لكتاب (إحياء علوم الدين) لأبي حامد الغزالي، ونذكر هنا طبعة دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 2005.

[11]  الإمام الغزالي، تهاتفت الفلاسفة، تحقيق سُليمان دُنيا، دار المعارف بمصر، ط4، د.ت، ص 74.

[12]  مما كتبه “شمس الدين الذهبي” في كتابه (سير أعلام النبلاء) عن كتاب (تهافت الفلاسفة) للإمام الغزالي: “أَلَّفَ الرَّجُلُ في ذمِّ الفلاسفة كتاب (النهافت)، وكشف عوراهُم، ووافقهم في مواضع ظنّاً مِنْهُ أنَّ ذلك حقٌ، أو موافق للملَّة، ولم يكن له علم بالآثار ولا خبرة بالسُّنن النَّبويَّة القاضية على العقل، وحُبِّب إليه إدمان النَّظر في كتاب (رسائل إخوان الصَّفا) وهو داءٌ عُضال، وجَرَبٌ مُرْدٍ، وَسُمٌّ قتَّالٌ، ولولا أنَّ أبا حامد مِن كبار الأذكياء، وخيار المُخلِصينَ، لَتَلِفَ”.

يمكن الإطلَّاع على النسخة الإلكترونية من الكتاب، على الرَّابط التالي:

https://shamela.ws/book/10906/12024#p1

[13]  يمكن مطالعة مضامين كتاب (تهافت الفلاسفة) لمن أراد الاستزادة، إذ أشرنا، في موضع سابق، إلى طبعة من طبعه.

[14]  “فيلسوفُ زمانه” بحسب وصف “شمس الدين الذهبي” في كتابه (سير أعلام النبلاء).

https://shamela.ws/book/22669/7577#p1

[15]  جاء في وصف “ابن خلدون” في كتاب (الأعلام) للزركلي: “كان فصيحاً، جميل الصورة، عاقلا، صادق اللهجة، عزوفا عن الضيم، طامحا للمراتب العالية. اشتهر بكتابه (العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر) في سبعة مجلدات، أوّلها (المقدمة) وهي تعد من أصول علم الاجتماع…”.

يمكن الرجوع للنسخة الإلكترونية من كتاب الأعلام للزركلي على الرابط التالي:

https://shamela.ws/book/12286/2903

[16]  المنقذ من الضلال، أبي حامد الغزالي، تحقيق محمد محمد أبو ليلة ونور شيف عبد الرحيم رفعت، جمعية البحث في القيم والفلسفة، واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية، 2001، ص 269.

[17]  المرجع السابق، ص 307.

[18]  يمكن مراجعة كتاب (إحياء علوم الدين) لمُعاينة سطوة المُدونة الفقهية على المجال الذي يتحرك/ يمكن أن يتحرك فيه المسلم. مرجع سابق.

[19]  سيبقى هذا التهميش قائمًا حتى ظهور ثلّة من الإحيائيين للتراث العقلاني العربي الإسلامي، مع بدايات ما اصْطُلِحَ عليه بعصر النهضة العربية. فمعه أصبح ثمة اهتمام عربي بمقدمة ابن خلدون وكتابات ابن رشد وغيرهما ممن أثروا الحياة الفلسفية العربية الإسلامية في وقت سابق.

[20]  في مقدمة كتابي (العقل)، وهو ضمن سلسلة عيون الشعر العربي، الذي صدر سنة 2021 عن مركز أبو ظبي للغة العربية في دائرة الثقافة والسياحة في أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة، كتبتُ، بعد أن حللتُ مضامين كلمة عقل في الشعر العربي، عن ابن عربي:

“…لكن هذا التقهقر لم يحدث دفعة واحدة أو بالضربة القاضية، بل على مراحل ودفعات. وبإزاء هذا التقهقر والانحدار أخذ العقل العربي يتحوّل من كونه أداة معرفية ضرورية ضرورةً قصوى لإقامة المعمار الحضاري، إلى كونه أداة نفسية للتأمّل الوجودي كما حدث مع عمر الخيام وابن عربي وغيرهم. فالخروج إلى العالَم عبر الناقلة العقلية توقّف بشكلٍ شبه تام وعلى نحو جماعي، إذ عُطبت أداة العقل وتمّ تركيب الخلجات النفسية والاندفاعات العاطفية كقطعٍ غيار كبديلٍ عن العقل لتسيير المركبة في سعيها للتنقّل بالذات العربية في العالَم، مما أعاق المسيرة وجعل حركة هذه الذات بطيئة زمانياً وغير مثمرة حضارياً…”

يمكن مراجعة سلسلة عيون الشعر العربي، (كتاب العقل)، إعداد “معاذ بني عامر”، مركز أبو ظبي للغة العربية، دائرة الثقافة والسياحة، أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة، 2021.

[21]  يمكن مراجعة الفصلين الثامن والتاسع من كتاب (تكوين العقل العربي) لـ محمد عابد الجابري. مرجع سابق.

[22]  ما زالت الأمة العربية الإسلامية واقعة تحت سطوة هذه النقلة، ففي العموم ثمة روح كُليّة جعلت منّا محض كائنات فقهية، سواء أكنّا دارسين للفقه أم دارسين للفسلفة، بما يستلزم نهضة معرفية كبرى لإحداث إزاحة حقيقة في (الجواهر) لا في (الأعراض).

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete