تكوين
مقدمة
يرتبط مفهوم العبادة بالدين ارتباطًا عضويًّا، مثلما يرتبط الدين بالإنسان؛ فالتاريخ يشهد أن الوجود الإنساني لم ينفصل يومًا عن المشهد الديني بأبعاده ومضامينه المختلفة، مما يجعل من التديّن خاصية من خاصيات الكينونة البشرية. بَيْدَ أن الزمن المعاصر، المحكوم بمهيمنات تكنولوجيا الإعلام والاتصال، بات يطرح نمطًا جديدًا للوجود يُعرف بـ «الإنسان الرَقْمي» وَفْق تعبير دانيال كوهين.
تحاول هذه الدراسة رصد تمظهرات هذا التحول عبر مقاربة «الزمن الرَقْمي»، وسعيًا نحو إيجاد مقاربات بديلة لموضوع العبادة في علاقتها بما هو اجتماعي، ونفسي، وواقعي، بعيدًا عن النظرة التي تختزل العبادة – شكلًا ومضمونًا- في كل ما هو قديم ومتوارث وتقليدي ومفارق للحظة الفكرية والواقعية التي نعيشها اليوم.
وفي هذا السياق، تستحضر الدراسة شعيرة «الصلاة» للموازنة بين بُعديها الجواني والبراني، وعبر عقد مقارنة فلسفية بين تأمل المصلّي وتأمل الباحث وهو في المختبر. كما تتغلغل في أعماق النفس البشرية وهي تتأرجح بين سكينة الطمأنينة ومزالق الغرور، لتتساءل في النهاية: كيف يمكن للصلاة أن تتحول – في بعض تجلياتها- إلى عنصرٍ من عناصر الحدّ من القلق النفسي؟
-
الزمن الرَقْمي
تحوّل الفضاء الرَقْمي ــ بفعل المدّ الجارف للثورة الرَّقْمية في العقود الأخيرة ــ من محض أداة وسيطة إلى بِنية وجودية تؤطر تفاصيل الحياة اليومية للإنسان. هذا الفضاء سار محكومًا بحركية فائقة وموجات تحديث لا تتوقف، وهو ما أنتج معطًى واقعيًا يمكن وصفه بالزمن الرَقْمي، انتُزع فيه الإنسان من زمنه الطبيعي والتاريخي ليُقذف به في حاضر رَقْمي وافتراضي متدفق. وهذا الحضور نتج عنه بالضرورة نمطًا تواصليًا مفارقًا لما هو واقعي، يتغذى بشكل كبير على الاختزال وعلى العبارة القصيرة من قبيل التدوينات الخاطفة، والتغريدات المقتضبة، والمقاطع البصرية السريعة، بمعزل عن الكتابة المستفيضة حول القضايا المطروحة. ولا شك أن هذا الاختزال البِنيوي للمحتوى قد أفرز ظاهرة “تفكك المعنى“؛ إذ غدت الأفكار تُطرح لتكون شظايا معزولة عن سياقاتها، وهي مسألة تضعف القدرة على فهم السياقات العميقة أو التفكير النقدي وسبر الأغوار المعرفية للظواهر. وبذلك، يتجاوز تفكك المعنى حدود المأزق الإبستمولوجي ليتشابك مباشرة مع أزمة الهُوية؛ إذ يجد الفرد نفسه عاجزًا عن صياغة رؤية كلية ومتماسكة للعالم من حوله.
وعلى الصعيد السوسيولوجي والنفسي، تُمَثِّلُ البيئة الرَّقْمية اليوم فضاءً وجوديًا سائلًا أعاد صياغة وعي الإنسان بالوقت وبنفسه؛ فالزمن الرَقْمي ليس مجرد تعاقبٍ كميٍّ للدقائق والساعات، بل هو زمن يتسم بالتشتت المزمن، والتدفق اللا نهائي للبيانات التي تلتهم انتباه الفرد بالشكل المطلوب، ففي فضاء الإنترنت، يذوب الفاصل بين العام والخاص، ويتحول الوقت إلى سلعة تتغذى عليها خوارزميات المنصات؛ إذ “لعبت الخوارزميات على مستوى المجتمع دورًا مهمًا في إعادة تكوينه، فحتى نفسية البشر تمَّت إدارتها. تُوجِّه محركات البحث مستخدمي الإنترنت إلى مواقع التعارف أو الرأي الإلكترونية التي من المفترض أن تلائمهم، وتحبسهم عمليًّا في معازل رَقْمية”[2] ، وتوجّههم بما يتوافق مع أهوائهم وميولهم الاستهلاكية.
إن صيغة “الزمن الرَقْمي” لا تحيل إلى فضاء افتراضي معزول أو مستقبل بعيد، بل هي توصيف دقيق لـ “الزمن الحاضر” الذي نحياه ونعايش تفاصيله اليوم؛ زمن صارت فيه شبكة الإنترنت تُظلل كل مجالات الحياة البشرية، وتتغلغل في أدق تفاصيل السلوك الإنساني، إذ لم يكنْ حقل التدين بمنأى عن هذا التحول الشامل، بل إن موضوع العبادة بدوره قد تأثر بعمق، وتغيرت شروط تلقيه وممارسته تَبَعًا لهذه البيئة الجديدة. ولعل أبرز تجليات هذا التأثر، والدليل الصارخ عليه، هو ظهور موجة كاسحة من “الدعاة الرَقْميين” و”مؤثري التدين السريع” الذين أحسنوا استغلال البِنية الاتصالية للإنترنت، لا لنشر قيم الوعي والتجديد، بل في تسويق تصوراتهم السطحية والبدائية حول العبادة والدين؛ فقد خضعت الشعائر في خطابهم لمنطق “السوق الرَقْمي” وتكتيكات “التريند”، فاختُزلت الصلاة والذكر من تجارِب عميقة للتحرر الرُوحي وعمارة الأرض إلى “منتجات” ترويجية تخاطب الغرائز العاطفية البسيطة وتجتر الأفكار المنغلقة، مستهدفة حصد أكبر قدر من التفاعلات، بمعزل عن أي رؤية نقدية أو تجديدية قادرة على ربط العبادة بمتطلبات الوجود المعاصر المعقد.
وتكمن خطورة هذا الحبس المعرفي والاجتماعي في كونه يفرز نمطًا قيميًا مغايرًا للتراتبية الأخلاقية والمعرفية التقليدية؛ فمن خلال هذه “الثَّورة الرَّقْمية […اكتُشفت] طريقة جديدة للحياة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الحضارات، أعني مجتمعًا يريد أن يكون أفقيًا” ،[3]وتتجلى أفقية هذا المجتمع الرَقْمي في إلغاء مرجعيات التلقي الرصينة وتساوي جميع الخطابات في بورصة “المشاهدات”، وهو المناخ الذي استغلته الجماعات المتطرفة والتيارات ذات النزعات السطحية والمنغلقة بذكاء تكنولوجي فائق؛ إذ وجدت في هذه الأفقية والسيولة الرَّقْمية فرصة تاريخية لاختراق الوعي الجمعي وترويج تصوراتها البدائية عن الدين والعبادة. لقد أتقنت هذه الجماعات توظيف آلية “المعازل الرَّقْمية” لإعادة صياغة مفهوم التدين، فأسهمت في إفراغ العبادة من أبعادها القائمة على عمارة الأرض وتحرير الإنسان، محولة إياها إلى محض شعائر ميكانيكية حركية جافة غير واعية بالأبعاد النقدية والتحليلية؛ فمن داخل خطابات أحادية الفَهْم، نجحت هذه التيارات في تحويل المنصات إلى ساحات للاستقطاب الأيديولوجي واغتيال الفكر النقدي.
الحضور الرَقْمي لتيار السطحية والشكلانية أفرز نموذجًا مشوهًا للعبادة يقوم على “التسليع والتنميط”؛ (افعل كذا لتحصد كذا من الحسنات)، دون أي انعكاس حقيقي على البناء القيمي أو السلوكي للفرد. والأخطر من ذلك هو نجاح هذا الخطاب في فصل الشعيرة عن مقصدها الأخلاقي؛ فبات من المعتاد في الفضاء الرَقْمي رؤية “مجاهدين سيبرانيين” يستميتون في التعليقات دفاعًا عن تفصيل شكلي أو رأي فقهي تراثي مجتزأ، وهُم يمارسون في الوقت ذاته أبشع أشكال الاغتيال المعنوي، والشماتة في الموت (عند موت من يخالفهم الرأي، فهو لا يحق أن يرحم في نظرهم)، والسب، ونشر الإشاعات، والتنمر الرَقْمي، ظانين أن هذا السلوك المأزوم هو عين العبادة ونصرة الدين. لذلك، تصبح المعركة الحقيقية للعبادة في هذا الزمن معركة “مزاحمة معرفية وسيبرانية”؛ تفكك الأوثان الرَّقْمية للتشدد، وتستعيد جوهر العبادة بوصفها فعلًا قيميًا.
تأسيسًا على هذا التشخيص النقدي، تبرز الحاجة الملحة لإعادة قراءة العبادات والطقوس الدينية في جوهرها؛ بوصفها قنواتٍ ممتدة في التاريخ الإنساني، لم تقتصر يومًا على حركات البدن الظاهرة، بل هي حاجةٌ سيكولوجية واجتماعية تمنح وجود الإنسان بعدًا قيميًا وأخلاقيًا يصب في دائرة ما هو اجتماعي. ويأتي الجزء الأول من هذه الدراسة، الموسومة بـ “أيُّ دورٍ للعبادة في الزمن الرَقْمي؟ الصلاة نموذجًا”، لتسليط الضوء على الأبعاد الجوانية (الباطنية) للعبادة في مقابل الممارسات الآلية التي تحولها إلى طقس رتيب فاقد للرُوح؛ وذلك من خلال مقاربة نقدية تنفذ إلى عمق الممارسة التعبدية واستدعاء دلالاتها المعرفية والرمزية الكامنة في قصص الخلق الأولى، لتتحول الصلاة من محض أداء حركي إلى تجرِبة وعي كبرى تلبي حاجة الإنسان السيكولوجية في التوازن والسكينة. ويروم هذا العمل صياغة «أفق منهجي متكامل» يربط قيم الوحي بمتطلبات الوجود المعاصر، بحثًا عن عائد نفسي واجتماعي مستدام، يسهم في التمكين الأخلاقي للإنسان، ويجعل من تزكية الذات منطلقًا حيويًا لبناء إنسان يُعلي من قيمتَي الرحمة والمحبة، بمعزل عن الطهرانية الزائفة ونزعات التشدد والانغلاق، وبعيدًا عن التدين الشكلي الجاف الذي يحيل الدين وشعائره إلى معطى أيديولوجي.
-
2- الصلاة بين البعد الجواني والبراني
الصلاة موضوع يتسع لكثير من المجالات، ومن بينها الجانبين النفسي والاجتماعي، ومجال الفعل؛ لأن الصلاة فعل تترتب عليه مجموعة من الحركات والطقوس التي يؤديها البدن. كما أنها تعود إلى تقليد ضارب في القدم، يقترن في جزء كبير منه بتاريخ الإنسان في كونه إنسانًا يمتلك القدرة على أن يجلب لنفسه ما يكفي من الطاقة الإيجابية والطمأنينة التي تعطي قيمة ومعنى لحياته ووجوده، وتشعره بأن وجوده أكبر من أن يُختزل في دائرة الأكل والشرب فقط. ويشعر في الوقت ذاته بأن الفعل والعمل ليس من أجل الفعل والعمل ذاتهما، بل هناك مجال آخر يرتهن إليه الفعل والعمل، وهو مجال الجدوى والغاية والهدف من الفعل ذاته. وهذه مسألة اختلف الناس في شأنها منذ زمن بعيد، وتعود اختلافاتهم إلى تباين مرجعياتهم، سواء في علاقتهم بالمكان والجغرافيا، أو في علاقتهم بمختلف أنماط الثقافة…
تجمع الصلاة بين عناصر متعددة؛ فهي في المقام الأوّل فِعْلٌ ينطوي دائمًا على جُهْد، وعلى صرف طاقة جسديّة ومعنويّة في سبيل إحداث مفاعيل معيّنة، أضف إلى ذلك أنّها فعل وطقس ضارب في القدم، فمن خلالها يتحقق الدعاء والطلب من الله.[4] فالصلاة تحضر في مختلف الأديان حضورًا كبيرًا، بيّنًا وظاهرًا؛ فاتساع ديانة من الديانات وإقبال الناس عليها، يترتب عليهما اتساع نموذج الصلاة التي يحث عليها ذلك الدين. كما أن تجدُّد الدين يقتضي تجدد الصلاة؛ فأي حالة من حالات تجدد الدين وتحوله من مستوى من الفَهْم والإدراك وتصور العالم، تحضر جليًا في الصلاة. وبهذا المعنى، فالصلاة ظاهرة مركزية في الدين، بوصفها واحدة من أفضل العلامات التي تدل على مدى تقدم ديانة بالمقارنة مع ديانة أخرى.[5] فما تحرزه الصلاة من تقدم، هو جزء من تقدم الدين نفسه،[6] أو بالأحرى تقدمٌ للتدين، وهذه مسألة في غاية الأهمية بالنظر إلى موضوع الصلاة من جهة العائد الاجتماعي المترتب عليها؛ وهو عائد ينطلق من الشعور النفسي الذي تبعثه في الذات، متمثلًا في الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية، ويقظة الضمير، وحس مسؤولية الفرد في المجتمع. وإن غاب هذا المعطى الجوّاني في الصلاة، فلا يتبقى منها إلا المعطى البرّاني؛ إذ تتحول إلى “محض صلوات رُوحانيَّة وإلى موضوع تلاوة بسيطة لا أثر للشخص فيها، منحدرة إلى مستوى طقس رتيب تتحرك فيه الشفاه آليا كما تتحرك أعضاء الجسم لا إراديا. ولعل أبلغ الأمثلة عن هذا الانحدار، تلك الصلوات المكرورة باستمرار، في لُغة غير مفهومة وصيغ فاقدة لكل إحساس، وكلمات مبهمة غامضة المعاني، بل إن الأمر قد يصل إلى أكثر من ذلك، إذ تتلى الصلاة الأكثر رُوحانيَّة في بعض الحالات لتغدوا مجرد شيء مادي. […] هي بحق صلوات مشيئة.”[7]
الصلاة إذن تجمع بين جانبين: جانب ظاهر يُرى بالعين ويرتبط بحركات الجسد، وجانب باطن معنوي لا يُرى بالعين، ويرتبط بكل ما هو داخلي من جهة الشعور والتفاعل النفسي، الذي يجعل المصلي في حالة من الغوص في دواخله الوجدانية والنفسية. إنها استجابة لنداء الرُوح، وهو نداء يجعل صاحبه في حالة من التأمل في ذاته من جهة، وفي العالم من حوله من جهة أخرى، وهي حالة نفسية ووجدانية تدعو صاحبها إلى مراجعة طبيعة ما ينبغي أن تكون عليه علاقة الفرد مع أخيه الإنسان ومع مختلف الكائنات من حوله.
هذه الحالة النفسية التي من المفترض في المصلي أن تتصف بنوع من الارتقاء في الشعور والتأمل، شبيهة بتلك الحالة التي يعيشها العالِم وهو داخل مختبره، غارقًا في مختلف المقارنات والملاحظات الخاصة بالتحاليل والتجارب التي يجريها على ظاهرة معينة، استجابةً لنداء العقل والنظر. وقد يأتيه الإلهام فجأةً في وقت من الأوقات داخل المختبر أو خارجه، بفكرة كلية تتفرع عنها معرفة أو نتيجة من النتائج النهائية. فمن داخل المختبرات، ولزمن طويل، تمكن كبار العلماء والمختصين من إجراء مختلف التجارِب التي نتجت عنها تلك الملاحظات والاستنتاجات التي تقودهم نحو مستوى عالٍ من معرفة حقيقة قوانين مختلف الظواهر الطبيعية.
والفنان في مرسمه، أو في خلوة مع آلته الموسيقية، يعرف هذه الحالة من الارتقاء النفسي الذي يأخذ صاحبه إلى حالة من الإلهام بفكرة في مجال الفن، قد تتجسد في لوحة فنية، أو معزوفة موسيقية، أو قصيدة شعرية… وقد جرى التاريخ على أن يخلد مختلف الأعمال الفنية؛ لأن الفن في جوهره المتعالي لا يرضى إلا أن يقترن بالخلود والبقاء.
-
3- المُصلِّي والعالِم وأوجه التكامل
إنّ وجه التماثل بين المُصلِّي والعالِم يعود إلى أن كلًا منهما يتطلع إلى معرفة ما لا عِلم له به؛ فالعالِم في المختبر لا ينطلق من فراغ، إذ يبدأ سؤاله من عالم المشاهدة بالعين المجردة أو بالمجهر (الميكروسكوب) [أي عالم الشهادة]، وهو يتطلع من وراء مختلف تجارِبه إلى معرفة عالم غائب عنه، حتى يتحول ما هو من عالم الغيب إلى عالم مشهود نتيجة البحث وتدقيق النظر. أما المُصلِّي فينطلق كذلك من عالم مشهود، إذ يدخل في تجرِبة شخصية يُعرِض من خلالها بقدر معين عن هذا العالَم المشهود، متطلعًا إلى عالم آخر يتجاوز ذاته من خلال الغوص في دواخله النفسية؛ إنها حالة من الارتقاء النفسي نحو عالم الرُوح التي نفخها الخالق في الإنسان دون غيره من الخلق.[8] والرُوح من خاصيتها أنها مفارقة لعالم الطبيعة [أي عالم الشهادة]؛ فالرُوح هي عالم الأخلاق الفاضلة، إنه عالم المَثَل الأعلى، ولله المَثَلُ الأعلى في الدنيا والآخرة.[9] “الصلاة في كونها وسيلة للهداية الرُوحانيَّة وفعلًا حيويًا عاديًا، تكشف به فجأة شخصيتنا التي تشبه جزيرة صغيرة، مكانها في الوجود الخضم الأكبر للحياة.”[10]
الصلاة “يجب أن ينظر إليها على أنها تكملة ضرورية للنشاط العقلي لمن يتأمل في الطبيعة، وملاحظة الطبيعة ملاحظة علمية تجعلنا على اتصال وثيق بسلوك الحقيقة، فتشحذ بذلك إدراكنا الباطني لشهود الحقيقة شهودًا أوفى وأعمق”[11] فكلٌّ من المصلي والعالِم في مختبره والفنان، يتطلع إلى معرفة عالم الغيب، مع فارقٍ في طبيعة هذا الغيب، وفارقٍ من جهة الإدراك والإحساس والشعور. فالبحث في المختبر يتحول إلى معرفة علمية تمكننا من معرفة أسرار عالم الطبيعة، وقد نلاحظ جزءًا كبيرًا من ذلك بالعين المجردة، عبر معرفة طبيعة تجسّد المادة وتحولاتها، وعلاقة بعضها ببعض، وتوقف أجزاء منها على أجزاء أخرى… وكل ذلك قابل لأن يُختزل في معادلات رياضية وقواعد معرفية في مختلف العلوم.
وببساطة، فإن العلم بأسرار الطبيعة يجعلنا نرفع الغطاء عن أشياء كثيرة كانت في عالم الغيب عندنا، وذلك يمكننا من صناعة واختراع أشياء كثيرة نعتمد عليها في مختلف مجالات الحياة. فما كان جزءًا من عالم الغيب عند أجدادنا في القِدَم؛ رُفع عنه الستار وصار متكشفًا لنا، فالكثير مما لم يكنْ بمقدور أجدادنا قديمًا أن يبصروه بأعينهم، أبصره العلماء في زمننا الراهن. قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾ (الحاقة). إنها حالة من حالات كشف الحجاب عن جزء من قوانين عالم الطبيعة والمادة بالتصرف فيها، وعلى ضوء هذا الكشف تختلف وتتفاوت الحضارات عبر التاريخ.
ومن باب المثال؛ لو ادعى رجل في القرن العاشر الميلادي، أو حتى في القرن الخامس عشر الميلادي، بأنه سيأتي زمان يتواصل الناس فيه بالصوت والصورة، لَعُدَّ كلامه من باب المستحيل؛ بل سيكون كلامه غير مفهوم ولا معنى له، ويُحسَبُ على الخيال المستَبعد أن يخطر ببال أحد؛ لأن العقل حينها، ومختلف العلوم في ذلك الزمن، لم تتمكن بعد من رفع الحجاب عن كثير من الحقائق العلمية التي لها علاقة بتكنولوجيا التواصل… فكثير من الأمور التي نعرفها ونحس بها في الزمن الحاضر، كانت في عالم الغيب عند الأقدمين. ولو ادعى شخص في الحقبة الزمنية نفسها التي أشرنا إليها من قبل، أن العلم والمعرفة الطبية قد تتمكن في قادم الأيام من إجراء عملية جراحية لقلب المريض بتغيير أحد صماماته أو زرع قلب آخر، لكان كلامه من باب الخيال الذي لا يصدقه عقل حينها؛ لأن الأرضية المعرفية حينها في مجال الطب لم ترفع الحجاب عن العلم الذي يحجب ما نراه ونعيشه حقيقة في الزمن الحاضر. فالعلم يتطور ويتمدد في اتجاه معرفة عالم الغيب الممتد الأبعاد، واللا متناهي في الصغر والكبر، ولا شك في أن كثيرًا من الأمور التي لم يكشف العلم عنها اليوم عندنا تنتسب إلى عالم الغيب، وقد تكون بدهية ومعروفة عند أحفادنا.
بينما الغيب الذي يتطلع إليه المصلي يرتبط بتجربته الذاتية والشخصية، وهي تجرِبة يتعذر كتابتها بقلم على ورقة، أو تحويلها إلى معادلة رياضية، كما هو الشأن لمن يخوض تجرِبة ارتقاء نفسي في مجال مختلف الفنون [المسرح، الرسم، الغناء…] إذ يتعذر عليه ترجمة مختلف أحاسيسه إلى معادلة رياضية؛ فكل ما في مقدوره القيام به، هو أن يترجم كل ذلك إلى عبارات ونصوص وأشعار وألحان موسيقية… لكن اللُّغة والعبارة لا تتّسِعان، لأن تنقلا وتترجما كل تجرِبته النفسية في حالة ارتقائها نحو عالم الرُوح. وقد سبق للنفري (تـ 354هـ) أن عبر بالقول: “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”. إنّ الغيب الذي يقترب منه المصلي وغيره في مختلف مجالات الارتقاء النفسي نحو عالم الرُوح —من تجارِب في التأمل، والقراءة، والتذكر، والتفكر، والتفلسف— لا يرتبط بغيب عالم المشيئة الذي تتكوّن فيه وداخله ومن خلاله الأشياء، بل يرتبط بغيب عالم الأنفس. وهذه الأخيرة —أي النفس— تتصف بخاصية التركيب الجدلي كما هي الطبيعة؛ تجمع ما بين مختلف الأضداد، ولا يمكن لضد أن يُعرف إلا بضده: الليل والنهار، والظل والحرور، والسالب والموجب، والأنثى والذكر…
قال تعالى:﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21)﴾(فاطر) كذلك هي النفس، تركيبةٌ جدليةٌ ما بين الخير والشر، وما بين التقوى والفجور قال تعالى:﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾(الشمس) فالنفسُ ملهَمةٌ على جدلية الفجور والتقوى، ولها حرية الإرادة في الاختيار؛ لأن “عمل الخير لا يمكن أن يكون قسرًا، بل هو خضوع عن طواعية للمثل الأخلاقي الأعلى خضوعًا ينشأ عن تعاون الذوات الحرة المختارة عن رغبة ورضى. والكائن الذي قدرت عليه حركاته كلها كما قدرت حركة الآلة لا يقدر على فعل الخير. على هذا فإن الحرية شرط في عمل الخير”[12] وهنا تأتي أهمية الصلاة ومختلف الرياضات النفسية للنفس؛ كي تنحاز إلى دائرة التقوى من خلال الارتقاء نحو عالم الرُوح. إلا أن حالة التعالي والارتقاء هذه تتعدد بتعدد التجارِب الفردية والجماعية عبر الزمن، والغاية منها هي أن تنعكس انعكاسًا إيجابيًا على الواقع الاجتماعي للناس، في طبيعة أخلاقهم وسلوكياتهم وتعاملاتهم فيما بينهم. فما يتطلع إليه المصلي في تجرِبته الذاتية —التي تراهن على التأمل وصفاء الوجدان— لا علاقة له بما يتطلع إليه العالم في المختبر؛ لأن عالم الطبيعة قابل للتكشّف والظهور والإدراك، بينما “الصلاة التي تستهدف المعرفة تشبه التأمل لأنها فعل من أفعال التمثل”[13]
والتأمل والتمثّل صفتان من صفات العقل، لكن هل التأمل والتمثّل العقلي في الصلاة هو نفسه في المختبر؟ فتأملُ العقل “في حالة الصلاة يتجمع مترابطًا فيحصل بذلك على قوة لا يعرفها التفكير المجرد”[14] ويعود إلى النفس في هذه الحالة بالتذكير أن ترتقي نحو عالم الأخلاق في الفعل والعمل. بينما تأمل العقل وتمثله وهو يتتبع الحقائق في المختبر “باحثا عن العموميات البطيئة الخطو […] يصبح شريكًا في حياتها شاعرًا بها وليس في هذا شيء من الخفاء”[15] في الصلاة نستشعر عظمة الخالق بشكل خفي، أما داخل المختبر نرى عظمته بأمّ أعيننا؛ فما يخلص إليه العالِم في المختبر وخارجه يقودنا إلى دائرة العلم وبناء الحضارة، أما تطلعات المصلي تقودنا نحو عالم الأخلاق وبناء الإنسان، الذي يفقد توازنه إن عُزل عن بُعده الأخلاقي. ينتمي ما يقوم به العالِم في مختبره إلى دائرة العلم وتاريخه ومختلف أسسه الموضوعية والواقعية، في حين ينتمي ما يقوم به المصلي إلى عالم الدين. و”الدين لا يقوم على أساس وهمي ولا على عدد من الأفكار الخاطئة التي تكوّنت في طفولة الإنسانية، بل إنه يقوم على أكثر الأسس صلابة في وجود الإنسان إنه الوعي الباطني بالحقيقة. وأن كل اعتقاد ديني، إنما يقوم على اختبار نفسي للوحدة الكلية للوجود في وعي بالغيب […] إن الدين هو الحالة المثلى للتوازن مع الكون، والعبادة كيفما كانت صيغتها، وإلى من أو ماذا يكون توجهها، هي معبر إلى البقاء في الحقيقة، وحالة وجود في الواحد، حالة الوجود الحق.”[16] وفي هذا السياق، تأتي أهمية قراءة مختلف النصوص الدينية وتأملها، وعلى رأسها القرآن الكريم، إلى جانب التأمل في مختلف مظاهر الكون البديع، وَفْق مدخلٍ يحضر فيه التكامل بين مختلف المعارف، في أبعادها الجمالية، والعلمية، والواقعية.
-
4- الصلاة بين سيكولوجية الغرور والسكينة
لا شك بأن قراءة القرآن الكريم في مجمل الصلوات، تجعل المصلي يرتقي في عوالم من التأمل والتعالي الرُوحي على حسب الآية التي تلاها أو استمع إليها، لكن ذلك التأمل والتعالي سيبقى في دائرة ما يلهم صاحبه من خواطر، تختلف من شخص إلى آخر، ومن صلاة إلى أخرى، بالإمكان كتابتها والبوح بها، لكن لا ترقى إلى مقام الدقة العلمية. من باب المثال نقف عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)﴾ (الانفطار) هناك من يشده موضوع كرم الله في خلق الإنسان، وقد قيل في حقه “وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر”[17] وقد تحلُّ به حالة من التواضع النفسي تدفعه ليعرض عن كل حالات الغرور النفسي التي تجعل صاحبها يعرض عن الوعي الباطني عن الحقيقة الكامنة فيه… ومسألة الغرور تعد معضلة نفسية عند الإنسان، وهي حاضرة في تاريخ الإنسانية منذ الأزل، بدءًا من أبينا آدم الذي انبثقت محنته من حالة الغرور النفسي التي استحوذت عليه وجعلته يأكل من الشجرة التي نُهي عنها،[18] والشجرة هنا ترمز إلى الحياة الدنيا التي تتصف بالفناء بدل الخلود، وتتصف بالتشاجر؛ أي الاختلاط والاشتباك بين أمور متعددة. فبفعل الغرور الذي وقع فيه أبونا آدم، استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، نتيجة تبنيه نصيحة من طرف لا يؤتمن، وهو [الشيطان] الذي أدلاه بغرور.
إنّ حالة الغرور النفسية التي استحوذت على أبينا آدم حينها، أوقعته في درجة من الهبوط النفسي؛ ونشير هنا إلى أنَّ مفردة الهبوط لا ترتبط بالمكان بقدر ما ترتبط بالمعنى والوجدان، إذ ترتب عليها خروجه مما كان فيه من رغد العيش والسكينة لزوجته،[19] ومفردة السكن تحمل بعدًا معنويًا، ولا علاقة لها بالسكن في المكان؛ فهي حالة نفسية لدى آدم وزوجه. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾ (الروم) ؛ فالسكن حالة نفسية تتحقق معها قيمتا المودة والرحمة بين الزوجين، فآدم سكنٌ لزوجه، وزوجه سكنٌ له. وحالة السكن عند الإنسان في علاقته بالزمن تتحقق في الليل الذي تقل فيه حركته. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86)﴾ (النمل) وكذلك الصلاة، فهي تحقق مستوى من سكينة النفس عند الإنسان؛ قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾ (التوبة)
والمقابل للأكل الرغيد هو حالة من الأكل والعيش الضنك والشقي،[20] ورغم وفرة كل حاجات المأكل والمشرب؛ فإنّ العيش الرغيد لا يتوقف عند ما هو طبيعي وبيولوجي، أو كل ما يحتاجه الجسد ويستلذ به، إذ تحضر إلى جانب كل ذلك الطمأنينة النفسية التي يهتدي إليها الإنسان نتيجة ارتقائه النفسي نحو عالم الرُوح؛ قال تعالى:﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾ (النحل) فالعيش الرغيد حالة نفسية واجتماعية يعرفها الإنسان —فردًا وجماعة— وتتصف بحضور مستوى متعالٍ من القيم والأخلاق في التعاطي مع كل مستلزمات العيش ومتطلباته، وفي السعي نحو مختلف سبل الرزق.
وعند خروج آدم من رغد العيش، احتمى بأوراق الجنة؛ ليحدَّ من مساوئ الطبيعة؛ من الجوع، والحاجة الملحة للأكل والشرب، والعري، والحاجة إلى ما يقي الجسد حرَّ الشمس ولسعات البرد،[21] ومن أجل ضروريات العيش هذه —التي تعدُّ من مساوئ الطبيعة— يتعيّنُ عليه أن يواجه مصير الاختيار بين العيش الرغيد الذي تتحقق معه السكينة، والعيش الشقي الذي يصحبه الضنك؛ فالإنسان من أجل ضروريات العيش قد يُقْبلُ على سفك الدماء، وقد تمتد يده إلى ما ليس من حقه. لقد ورثنا عن أبينا آدم فعل الاختيار، بَيْدَ أنَّ خروج آدم من العيش الرغيد لا يعني أنه انقطع عنه بالكلية، بل أنعم الله عليه بالهداية مرة أخرى.[22]
إنَّ رُوح مختلف الديانات ما هي إلا دعوة إلى الإنسان ليعيش حياته وَفْق مدخلٍ أخلاقيٍّ يُفضي به إلى العيش الرغيد؛ وهنا يأتي دور الصلاة وغيرها من المناسك؛ لتسهم بقدر كبير في حماية الإنسان من السقوط في حالة الغرور التي تجعله يغترُّ بالحياة وملذاتها، وينظر إليها نظرة تتصف بالخلود، وهي على العكس من ذلك تمامًا. ولأجل ذلك، قد يُقبلُ الإنسان على مختلف الحيل طلبًا لخلود ما بيده مما يملك، وقد يوظف كل ما في طاقته من أجل تخليد حالة معينة ترتبط بالمال، أو الوضع الاجتماعي، أو السلطة والحكم، وقد تمتد يده إلى ما ليس من حقه، وربما يسفك الدماء من أجل مصلحة شخصية فانية .والمشكلة هنا ليست في الفعل الذي يعدُّ جزءًا من حركة التاريخ، لكنَّ المشكلة تكمن عندما ينفصل الفعل الإنساني —في بعض تجلياته— عن القيمة الأخلاقية، التي يتحول الإنسان دونها إلى دركٍ يجعله قريبًا من المرتبة الحيوانية، نتيجة استحواذ الجانب الطبعي والبيولوجي على وجوده؛ فكثير من الناس يختزلون وجودهم في كل ما هو شيئي وحسي وطبيعي، بمعزل عما هو متعالٍ ومعنوي وأخلاقي.
ومن ثمَّ، فإنَّ الصلاة والغوص في أعماق النفس تأملًا وتمعنًا، يكون لهما أثر مباشر أو غير مباشر في الحد من حالة الغرور التي قد تقع فيها النفس وهي تُعطي الظهر لمختلف العلوم والمعارف في فهم الطبيعة والوجود، أي: العلم بالأسماء؛ قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]. وكما ورثنا عن أبينا آدم قيمة الاختيار، ورثنا عنه العلم بالأسماء؛ فقصة أبينا آدم تتكرر بأوجه مختلفة عبر التاريخ، إنها قصة تلخص لنا سُنن الفعل الإنساني ما بين الالتزام بالقيمة الأخلاقية والإعراض عنها.
إنَّ قصة أبينا آدم —عليه السلام— في بعدها الرمزي، هي النموذج البدئي المتجدد للتجربة الإنسانية عبر العصور؛ إذ يجد الإنسان نفسه دومًا مشدودًا بثقله الطيني نحو الطبيعة بمتطلباتها ومغرياتها التي تَعِدُه بالخلود والتملّك، في وقتٍ تتصف فيه هذه الطبيعة بالفناء والتبدل والتغير. وهنا، يقف الإنسان وجهًا لوجه أمام التحدي الأكبر: تحدي الخيار الحر والمسؤولية الأخلاقية؛ لتتكرر هذه القصة في كل لحظة يتوجب فيها عليه أن يُخضع نزعاته المادية لـ «ميزان الأخلاق والقيم»، محولًا علاقته باحتياجاته الطبيعية إلى حالةٍ تراعي الفضيلة، ومُروّضًا غرائزه ومتطلباتها الضرورية، ليكون هذا الترويض مِعراجًا لارتقاء وعيه وضميره، وتعميق إحساسه بأخيه الإنسان، وبالكون وكل ما فيه من كائنات.
نعود الآن إلى موضوع كرم الله في خلقه للإنسان؛ فهل سنكتفي بمختلف الخواطر والمشاعر الجياشة عندما نستمع أو نتلو في الصلاة الآية التي سبق أن جئنا على ذكرها من سورة الانفطار؟ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)﴾ [الانفطار].
فماذا عن رأي العالِم في المختبر في خَلْق الإنسان؟
إنَّ العالِم في المختبر سيكون له شأنٌ آخر وهو يبحث في تركيبة خلية الخلق؛ فهناك مستوى التسوية في الخلق، وهناك مستوى التعديل بعد التسوية، ومن بعدهما تعدد الصورة المركبة إثرَ التسوية والتعديل. وهذه مقدمات معرفية قد يقترب منها المختصون في مختلف العلوم اقترابًا تفصيليًا، وربما يختلفون في شأن علاقة بعضها ببعض، وقد تنتج عن ذلك مختلف النظريات العلمية التي تجعل من الحقائق الكونية مدخلًا لمختلف التأويلات والتوقعات المستقبلية؛ فالإحاطة بمختلف العلوم والمعارف التي تبحث في طبيعة تكوّن الظواهر الطبيعية، قد يكون لها أثرٌ بالغ في الحد من غرور الإنسان. وفي هذا السياق، نفهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 28]؛ ومفردة العلماء هنا تعود على أهل العلم بالطبيعة، فالقرآن لا يضمُّ هذه الصيغة بالمعنى الاصطلاحي لـ «علماء الدين» الشائع في الثقافة الإسلامية المتأخرة.
إنَّ الصلاة —بفعل الارتقاء نحو عالم الرُوح— تجلب معها طمأنينة النفس، وتسهم على نحو كبير في إبعاد مختلف أنواع الطاقة السلبية، وعلى رأسها القلق (قلق النفس). وقد حظي موضوع القلق بالدراسة والتحليل من زوايا متعددة؛ تجمع ما بين نظريات التحليل النفسي، والنظريات السلوكية، والنظريات المعرفية، والنظريات البيولوجية العصبية؛ وهذه كلها مجالات قاربت الموضوع من زوايا معرفية متنوعة، مما يدل على أنَّ موضوع القلق موضوعٌ مركَّبٌ تتداخل فيه الأبعاد النفسية، والجسدية، والمعرفية، والسلوكية، والوراثية…[23]
-
5- الصلاة وعلاج القلق الاجتماعي
لم يَعُدْ القلق محصورًا في جانبٍ ضيق يتعلق بطباع الأفراد من ناحية ردود أفعالهم وتفاعلاتهم، بل صار للقلق أبعادٌ متعددة ترتبط بوجود الإنسان ومصيره. وتتجلى حالة القلق في بعدها المرتبط بالحضارة الحديثة، وهو ما أقرَّه سيغموند فرويد (ت: 1939م) في كتابه “قلق في الحضارة”[24] الذي صدر عام 1930م؛ ليؤكد أنَّ القلق تحوَّل إلى ظاهرةٍ مصاحبة للحضارة الحديثة. كان فرويد يميل إلى القول إنَّ الإنسان كائنٌ يتصف بالعدوانية، وإنَّ شرَّه قد يغلب على خيره أحيانًا؛ فهو يوظف كثيرًا من مخرجات الحضارة وابتكاراتها فيما يهدد مصيره وكينونته الوجودية، نتيجةً لمختلف أنواع وأشكال الأنانية التي يتصف بها في نظرته إلى أخيه الإنسان، بل وفي نظرته إلى مختلف الكائنات حوله. وعندما نتحدث عن الأنانية، فذلك يعني التوسل بالقوة والعنف بديلًا عن أي أسلوب من أساليب الحوار والتواصل من أجل تحقيق الأهداف؛ فأنانية الإنسان جعلته يرى السعادة في السيطرة على الطبيعة باستثمار العلم الذي تحوَّل إلى تِقْنيَّة، في غفلةٍ منه عن أنَّ العلم والتِقْنيَّة مزدوجا الأبعاد والنتائج؛ فبالقدر الذي يجلبان به المنافع، قد يجلبان المساوئ. إنَّ انفكاك العلم والتِقْنيَّة عن العقل والفلسفة وسؤال الأخلاق، حالةٌ جلبت معها كل البؤس والدمار —حسب فرويد— وهذه مسألةٌ تدعو إلى القلق في مختلف أبعاده الحضارية؛ لذا يعدُّ كتاب فرويد من هذه الزاوية دعوةً مبكرة من أجل رصد حالة القلق في الحضارة الحديثة.
والقلق ظاهرةٌ مصاحبة للإنسان، كما هو حال الفرح والحزن والخوف، وكلها أمورٌ تتحول وتتغير في طبيعتها بتحول الزمن واختلاف المكان، والتباين في المحيط الاجتماعي والثقافي والحضاري للإنسان؛ فكل حضارةٍ يحضر فيها الفرح والحزن والخوف والقلق بأوجهٍ مختلفة، حتى إنَّه بإمكاننا اليوم أن نتحدث عن قلق العصر، وخوف العصر، وفرح العصر. ويُعرَّف القلق بكونه حالةً مزاجيةً عامة تحدث من دون التعرف على مثيراتها المباشرة، وعلى هذا النحو، يختلف القلق عن الخوف الذي يحدث عند وجود تهديدٍ ملحوظ. وبالإضافة إلى ذلك، يتصل الخوف بسلوكياتٍ محددة، مثل: الهرب والتجنب، في حين أنَّ القلق ينتجُ عن تهديداتٍ لا يمكن السيطرة عليها أو تجنبها، إذ يكون الشعور بالخوف والقلق وعدم الارتياح شعورًا معمَّمًا.
وفي حالة القلق، يظهر الخوف على شكلٍ مبالغٍ فيه بوصفه ـردَّ فعلٍ تجاه موقفٍ يراه الشخص مهدِّدًا له تهديدًا غير موضوعي؛ فالقلق ” واحد من الانفعالات الأساسية، وهو جزءٌ أساسي مما يعنيه أن تكون إنسانًا مثل السعادة أو الحزن أو الغضب. وإذا طُلب منك أن تتذكَّر آخرَ مرة شعرت فيها بالقلق، فلا شك أنك لن تضطر إلى العودة بالذاكرة إلى الوراء كثيرًا. في أشكاله الأكثر حدة، يُعَدُّ القلق أيضًا أحدَ أكثر أنواع الاضطرابات النفسية شيوعًا؛ إذ يعانيه ملايين الأشخاص حول العالم في أي وقت… ولكنْ، على الرغم من أننا جميعًا نختبر هذا الانفعال، ربما بدرجة منتظمة، فقد يبدو عند كثيرٍ منا تجرِبةً غامضة جدًّا. فالقلق بالأحرى أشبهُ بالوصف الإنجيلي للريح؛ إذ إننا ندركه عندما يحل بنا، ولكننا لا نعرف من أين أتى ولا إلى أين يتجه.” [25]
فلقد كان هناك من يظنُّ أنَّ الحضارة بمفهومها الحديث ستحلُّ محلَّ الدين، وستحرص على سعادة الإنسان؛ فمختلف الحروب والصراعات التي كانت بين بني البشر قديمًا، كانت تُنسب إلى الدين، أو كانت تدور تحت غطائه، رغم أنَّ الدين في جوهره ضدّ مختلف الحروب والصراعات؛ ولكن وكما يقال: “تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ”؛ إذ لم تفِ الحضارة الحديثة بوعدها، فزمن الحروب والصراعات لم ينتهِ بالإعراض عن الدين، بل بالإعراض عن رُوحه؛ لأنَّ الدين لا يزال قائمًا في مختلف مجريات الحياة، لكنَّه جسدٌ دون رُوح.
والحقيقة أنَّ مشكلة “القلق في الحضارة” أو انسداد فهم الدين، لا تعود إلى الدين ولا إلى الحضارة، وإنَّما هي مشكلة الإنسان بدرجة أولى. فالإنسان ليس خيّرًا بطبعه وليس شريرًا بطبعه، بل إنَّ نفسه تتصف بحالةٍ من الجدل ما بين الخير والشر —كما أشرنا سابقًا— وبإمكان الإنسان أن يُغلِّب خيره على شره إن رغب في ذلك، والعكس صحيح. وهذه حقيقةٌ يقول بها الدين، كما تقول بها الحضارة؛ وفي آخر المطاف، فإنَّ الإنسان هو صاحب الفعل في دائرة الدين وفي دائرة الحضارة، ويبقى الإشكالُ قائمًا حول دوافع الفعل: هل هو فعلٌ بدافع النفس التي استحوذ عليها القلق؟ أم بدافع النفس التي تقدِّم الحكمة والعقل والبصيرة والأخلاق فيما تُقبل عليه؟ وهنا تأتي أهمية الصلاة وتجربة الفرد النفسية وهو يغوص في أعماق النفس نحو ما هو رُوحي. وقد ورد في القرآن قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾ (الرعد) والإيمان هنا أكبر وأوسع من التقعيد الذي اجتهد فقهاء الإسلام في وضعه وَفْق مختلف العقائد والمذاهب.
والسؤال هنا: هل كل المصلين يختبرون حالةً من الغوص في دواخل أنفسهم، بالتطلع إلى عالم الرُوح حيث الفضيلة والأخلاق؟ أم أنَّ كثيرًا منهم لا يعيشون هذه الحالة في صلواتهم، نتيجة ارتهانهم لتكرار تجارِب نمطية؛ إما التي سمعوا عنها أو التي تعودوا عليها بفعل التنشئة الاجتماعية منذ الصغر؟ إنَّ كثيرًا من المصلين يركزون على الفوز بالحسنات في الدار الآخرة، في غفلةٍ عن سؤال الأخلاق والفضيلة في الحياة الدنيا؛ ومن هذه الزاوية تتحول الصلاة إلى جسدٍ دون رُوح، وبلا عائدٍ حقيقي على الفرد والمجتمع.
وفي المقابل؛ هل العالِم في المختبر يعرف حالةً من الاستجابة لنداء العقل؟ أم أنَّ كثيرًا من العلماء يكررون التجارِب المختبرية بطرق رتيبة تترتب عليها النتائج نفسها، دون اجتراح مسالك ومناهج ورؤى جديدة في النظر، مكتفين بثقتهم الكاملة في المناهج التي تعلموها وهم يتدرجون في مسارات البحث منذ شبابهم؟
فالغاية المرجوة من مختلف التجارِب العلمية هي معرفة أسرار الوجود، والغاية المرجوة من الصلوات هي تحقيق مستوى عالٍ من القيم والأخلاق التي تطيب بها النفس، وتميل بها إلى التقوى بدل الفجور. لكنَّ هذه الغاية قد يتعذر بلوغها إن تحولت الصلاة إلى طقسٍ وشكلٍ مجردٍ من الرُوح، كما أنَّ انحراف البحث العلمي عن مقصد خدمة الإنسان —بما يتوافق مع كينونته— قد يترتب عليه ما يهدد وجوده ومصيره.
إننا اليوم في حاجةٍ ماسة إلى عملية تركيبٍ منهجيٍّ بهدف الخروج من حالة الفصل بين عالم المختبر —الذي تتكشف فيه ومن خلاله جوانب من أسرار عالم الغيب في ظواهر الطبيعة— وبين عالم الصلاة، حيث التجارِب الفردية والجماعية الغائرة في أعماق النفس قصد الارتقاء نحو عالم الرُوح والفضيلة. كما أننا في حاجةٍ إلى تركيبٍ منهجيٍّ يُخرجنا من حالة الفصل بين الصلاة، بوصفها بُعدًا يُحيي فينا التذكير بالدار الآخرة، وبين الدنيا، بوصفها العالم الذي نرى ونحقق من خلاله راحة الضمير وطمأنينة النفس بالإقبال على البر بالخلق والكائنات.
إنَّ التركيب المنهجي لهذه العوالم سيجعل القضايا في موضع تكاملٍ بدل تنافرٍ أو تباعد؛ تكاملٍ بين القيمة الأخلاقية التي نقرُّ بها ونرتقي نحوها في الصلاة، وبين القيمة العلمية التي نكتشفها في المختبر. فالتكامل بين العلم والأخلاق يضعنا في مقام الحكمة التي تراعي كينونة الإنسان، والتكامل بين الدنيا والدين، والعلم والإيمان، يخرج الإنسان من حالة التنازع والصراع مع الذات، ومع الآخر، ومع العالم. في هذا السياق نفهم قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)﴾(البقرة) فالآية هنا تتحدث عن تذكّر أولي الألباب، وهو تذكّرٌ يحضر في الصلاة وفي المختبر معًا؛ فخشية الله —على الإطلاق— لا تقتصر على من تقع جباههم على الأرض، بل تشمل ذوي العلم في مختلف التخصصات الكونية [26]ففي سورة فاطر، من الآية 25 إلى الآية 30، وردت صيغة “خشية العلماء” في سياق الحديث عن تكذيب الرسل، وفي إطارٍ يلفت نظر القارئ إلى أنَّ برهان ما جاء به محمد ﷺ يتحقق بالبحث في الطبيعة؛ والبحث في مجالات الطبيعة، هو عينه ما يُقبل عليه العالِم في المختبر. وفي الوقت ذاته، تحدثت الآيات عن إقامة الصلاة، وجعلت من شروط إقامتها الإقبال على الإنفاق؛ أي: السلوك الاجتماعي الراشد في علاقة الناس بعضهم ببعض.
وإذا التفتنا إلى واقعنا، نجد أنَّ العالم الإسلامي يتصف بإقبالٍ كبير على المساجد ودوْر العبادة، لا سيما في يوم الجمعة وأيام رمضان؛ فهل هو إقبالٌ على مستوى الشكل والطقوس، أم أنه إقبالٌ يحضر معه تجاوز الحالة الشكلية إلى الغايات والمقاصد البعيدة للصلاة؟ ولا شك أنَّ هذين البُعدين يحضران معًا، غير أنَّ الدراسة السوسيولوجية (الاجتماعية) هي الكفيلة برصد الموضوع رصدًا دقيقًا، لنخلص في النهاية إلى أيهما الأرجح: هل يدور فعل الصلاة بنسبةٍ أكبر في دائرة الشكل والطقوس؟ أم أنه يتجاوزها إلى دائرة المقاصد والغايات بنسبٍ معينة؟ وهو أمرٌ يتيح لنا فهم طبيعة “العائد الاجتماعي والأخلاقي” الذي تحققه الصلاة في الواقع اليومي.
- خاتمة:
إنَّ هذا التكامل المعرفي والأخلاقي بإمكانه إخراج التدين من قوقعته الطقوسية الضيقة، وينقذه من أسر الآلية والشكلانية الجافة؛ ليمنحه عائدًا اجتماعيًا حقيقيًا يراعي غائية الوحي وتجدد معانيه. فالعبور بالعبادة من حيز الأداء الحركي المجرد إلى رحابة الوعي المقاصدي هو الكفيل بصيانة كرامة الإنسان، وتحقيق تصالحه وتوازنه مع ذاته، ومع أخيه الإنسان، ومع الكون حوله؛ في زمنٍ أضحى فيه الاغتراب الرُوحي واحتمال الاستلاب الرَقْمي يهددان كينونة البشر وجوديًا. وفي المحصلة، لا تعود الصلاة مجرد تطلعٍ نحو السماء بمعزل عن الأرض، بل تغدو طاقةً تعبديةً متجددة، قوامها السكينة الباطنية، ومصبُّها الفعل الأخلاقي الرشيد الذي يعود بالنفع على المجتمع.
___________________________________
المصادر والمراجع:
[2] دنيال كوهين، الإنسان الرقمي والحضارة القادمة، ترجمة علي يوسف أسعد، دار صفحة، السعودية، الطبعة، 1، 2022م. ص. 11-12
[3] نفسه، ص.15 (بتصرف)
[4] الصلاة؛ في سوسيولوجيا الصلاة، مارسيل موس (-1950م)، ترجمة وتحقيق: محمد الحاج سالم، دار الكتاب الجديد، لبنان، ط.1، 2017م، ص.8
[5] نفسه، ص. 20
[6] نفسه، ص.21
[7] نفسه، ص.27
[8] قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ و َنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)﴾ (الحجر). قال تعالى:﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)﴾(الإسراء)
[9] قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60)﴾ (النحل).
[10] محمد إقبال، تجديد الفكر الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، دار الهداية. ط. 2، 200م، ص.109
[11] محمد إقبال، تجديد الفكر الديني ص.109
[12] نفسه، ص. 104
[13] نفسه، ص. 108 (بتصرف)
[14] نفسه، ص.108
[15] نفسه، ص.108
[16] فراس السواح، دين الإنسان، بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني، الطبعة الرابعة 2002 دار علاء الدين للنشر والتوزيع.ص.391
[17] قول منسوب لعلي ان أبي طاب
[18] قال تعالى:﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) ﴾(الأعراف)
[19] الحياة قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)﴾ (البقرة)
[20] قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125)﴾ (طه)
[21] قال تعالى: ﴿ فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾(طه)
[22] قال تعالى: ﴿ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) ﴾(البقرة) قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾(طه)
[23] دانيال فريمان وجيسون فريمان، القلق، ترجمة سارة طه علام، مراجعة هبة عبد العزيز غانم، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، ط.1، 2023م، الفصل الثاني من الكتاب.
[24] قلق في الحضارة، ترجم الكتاب إلى العربية، جورج طرابيشي، دار الطليعة بيروت لبنان، ط.1، 1977م
[25] دانيال فريمان وجيسون فريمان، القلق، ترجمة سارة طه علام، مراجعة هبة عبد العزيز غانم، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، ط.1، 2023م، ص.8
[26] قال تعالى : ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (25) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (26) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) ﴾(فاطر)