تكوين
لئن تطرقنا في الجزء الثاني من هذا المقال إلى موقف النظام من الأخبار ومن الإجماع فإننا نزمع في هذا الجزء الثالث الإلماع إلى موقفه من القياس ومن الصحابة.
نقد النظّام للقياس
عُدّ القياس المصدر الرابع من مصادر التشريع عند أهل السنّة من المسلمين بعد القرآن والسنّة والإجماع. ويبدو أن استخدامه في المجال التشريعي لم ينتشر إلاّ في القرن الثاني للهجرة وخاصة في القرن الثالث[1].
وقد انقسمت المذاهب الإسلامية منذ ذلك التاريخ بين مؤيد ومناصر للقياس وبين منكر ورافض له باعتباره مصدرا للتشريع. وبرزت نتيجة لذلك مؤلفات تدعم رأي الفريق الأوّل وتدحض رأي الفريق الثاني مثلما ظهرت مصنّفات تدافع عن رأي الفريق الثاني وتنفي الرأي الأوّل.
ومن الجدير بالذكر أنّ نشأة القياس أصلا تشريعيّا وازته حركة تنقد هذا الأصل؛ يقول ابن خلدون في هذا السياق :
“واتفق جمهور العلماء على أنّ هذه (القرآن والسنة والإجماع والقياس) هي أصول الأدلّة وإن خالف بعضهم في الإجماع والقياس إلا أنّه شذوذ”[2].
وهذه القولة تقرّ بوقوع المخالفة في القياس لكنّها تقلّل من أهميتها وتعتبرها من قبيل الشذوذ الذي احتال عليه الفقهاء ليصبح مدعما للقاعدة لا خرقا وهدما لها.
والواقع أن تيّار نقد القياس الشرعي لم يكن شاذا ولكنّه على كلّ حال تيّار أقليّة إن نظرنا إليها من حيث الكمّ لكنّ الأمر يختلف إذا أدركنا قيمة ممثلي هذا التيّار وأثرهم البالغ في الفكر والتاريخ الإسلاميين وهو الأمر الذي حفز أعلام الفكر السنّي إلى الردّ عليهم منذ القديم وإلى يومنا هذا.
والفريق الأوّل من منكري القياس هو الشيعة الإماميّة. يقول الشيخ المفيد:
“وليس عندنا للقياس والرأي مجال لاستخراج الأحكام الشرعيّة ولا يعرف من جهتها شيء من الصواب ومن اعتمدها في المشروعات فهو على ضلال”[3].
وقد استدلّ علماء الشيعة الإماميّة ومن وافقهم على استحالة التعبّد بالقياس عقلا في جميع الشرائع بأدلّة كثيرة منها قيامه على مجرّد حدس الفقيه وظنّه، فهذا الفقيه يجيز لنفسه أن يستنبط من النصّ أحكاما وعللا يراها بظنّه مناسبة دون سند من نصّ، وأحكام الله لا تصاب بالظنون، كما بيّن الله لنا كثيرا من الأحكام دون أن يكشف لنا عن سرّها أو الحكمة منها كتعيين عدد الصلوات وتحديد القصاص والميراث والفروض وغيرها. وإذا فرض أن المجتهد أدرك الحكمة من التشريع فإنّه لا يجوز له أن يتخذ من هذه الحكمة المستنبطة مبدأ عامّا للتشريع الفرعي أو التطبيقي، فضلا عن أنّه يلاحظ على الإطلاق ضرورة اشتراك الأشباه والنظائر –التي يقوم عليها القياس- في علّة الحكم.
وقد استهدف النقد الشيعي للقياس ما يترتب على استخدامه من اختلاف في الآراء أدانَه القرآن في عدّة مناسبات كما أدانته عدة أحاديث.
ومن ناحية أخرى حملت المدرسة الظاهريّة على القياس بكلّ قوّة؛ ذلك أننا نجد ابن حزم يستعيذ بالله أن يقول بالقياس في شيء من الدين ويعتبر أن مذهب أهل الظاهر في إبطال القول بالقياس حجة هو الرأي الذي يدين الله به، ويبرهن ابن حزم على صحّة رأيه بأدلّة نقليّة وعقليّة يواجه بها حجج مثبتي القياس. ويبدو أنّ من بين أسباب رفض الظاهريّة للقياس الشرعي تعلّقهم بظاهر النصّ الديني وبحرفيّته[4] بالإضافة إلى الرغبة في تفضيل القياس الأرسطي على حساب القياس الفقهي وذلك في سياق مساجلة المالكيّة.
وأما في إطار فرقة المعتزلة فإنّه يشار عادة إلى مخالفة إبراهيم النظّام فحسب وكأنّه هو الوحيد الذي أنكر حجيّة القياس غير أنّ جمع بعض المعطيات المتناثرة في المصادر الأصوليّة تسمح برؤية تأليفيّة أكثر وضوحا لأعلام المعتزلة الذين وقفوا من القياس موقف الإنكار. فإلى جانب النظّام نجد جعفر بن حرب وجعفر بن مبشر ومحمد بن عبد الله الإسكافي (ت. 240 هـ).
وهؤلاء الثلاثة تشير إليهم بعض المصادر بأنّهم جماعة من معتزلة بغداد اقتدت بالنظّام، ويضاف إليهم القاشاني والشطوي[5] وأيضا أبو هاشم الجبائي (ت. 321 هـ)، فقد أبطل القياس الشرعي مستثنيا منه ما استخدمه الله باعتباره تشبيها في ألفاظ جليّة مثل الآية السادسة من سورة الحشر.
وهكذا فإنّ عدد من أنكروا سلطة القياس مصدرا للأحكام لا يستهان به خاصّة إذا أضفنا إليهم جماعة من أهل الحديث ومن أتباع بعض المذاهب المنقرضة مثل النهرواني (ت. 390 هـ) المناصر لمذهب ابن جرير الطبري[6].
ويظهر أنّ تفاصيل مواقف هؤلاء الأعلام همّشت وسكت عنها ولم يقع إلا إبراز نسبيّ لموقف إبراهيم النظّام. ونلاحظ هنا وجود شبه إجماع بين القدامى والمحدثين على أنّ النظّام أنكر القياس أصلا من أصول التشريع غير أنّ بعض كتب الأصول المتأخرة في الزمن ذهبت إلى أنّه ينقل عن النظّام أنه يقول بالقياس فيما نصّ على العلّة. وينجرّ عن ذلك أنّ النظّام لا يقول باستحالة التعبّد بالقياس مطلقا بل ذلك مقترن بعدم التنصيص على العلّة غير أنّ هذا الموقف مردود بما ذكره الغزالي في كتابه “المستصفى”[7].
ونلاحظ أيضا أنّ الكثير من المصادر الأصوليّة القديمة تُقرّ أنّ أوّل من نفى القياس هو النظّام ولعلّ هذا سبب إخراج بعض الأصوليين له من دائرة الإسلام. وهذا الموقف الجذري وجدناه عند الحنفيّة خاصّة لأنّهم منحوا القياس قيمة كبرى لذلك لم يتصوّروا الخروج عليه إلا خروجا عن الإسلام. ويبدو أنّ الموقف الظاهري بالخصوص تأثّر بأفكار النظّام[8] بالإضافة إلى تأثّر بعض متكلّمي بغداد من المعتزلة به.
ومن المفيد أن نشير إلى أنّ النظّام استند في إنكاره مشروعيّة القياس إلى العقل في مقابل استناد بعض نفاة القياس إلى أدلّة نقليّة من القرآن والسنّة وإجماع الصحابة أو إجماع أهل البيت. والواضح أنّ أهمّ فكرة بنى عليها النظّام نفيه للقياس تتمثّل في أنّ العقل يقتضي التسوية بين المتماثلات في أحكامها والاختلاف بين المختلفات في أحكامها في حين أنّ الشارع فرّق بين المتماثلات وجمع بين المختلفات وهو ما يتنافى مع العقل. وقد رجع النظّام إلى واقع التشريع قصد دعم موقفه فذكر عددا من الأمثلة لما جمع الشارع بينها في الحكم وهي مختلفة ولما فرّق بينها وهي مجتمعة.
- أمثلة لما جمع الشارع بينها في الحكم وهي مختلفة :
- نجد الشارع جمع بين الماء والتراب في جواز التطهر بكل منهما مع أنهما مختلفان في الحقيقة والخواص.
- كما أنه جمع بين الزاني المحصن وبين المرتد في إيجاب قتل كلّ منهما مع أنّ معصية الزاني تخالف معصية المرتد في المقدار[9].
- وسوّى بين الصبي والبالغ وبين العاقل والمجنون في وجوب الزكاة في مالهم جميعا مع أنّهم يختلفون بالتكليف وعدمه ذلك أنّ الصبيّ والمجنون غير مكلّفين بفروع الشريعة بخلاف البالغ العاقل فهو مكلّف بها.
- كذلك جمع بين الخطأ والعمد في وجوب ضمان الأموال مع اختلافهما في وجه التعدّي.
- كما نجده جمع بين صيد المحرم وذبيحة غير الكتابي والميتة في تحريم الكل، مع أن الأخيرة تخالف سابقتيها ذلك أن الدم انحبس فيها دونهما.
- وجمع بين الهرّة والفأرة في الحكم بطهارة سؤريهما مع أنّهما مختلفان اختلافا واضحا. إلى غير ذلك مما هو كثير في كتب الفروع.
- أمثلة لما فرّق الشارع فيه بين المتماثلات :
- أنّه فرض الغسل من المني وأبطل الصوم بإنزاله عمدا دون البول والمذي، والمقصود أنّه حكم ببطلان الصوم بإنزال المني عمدا وأوجب الغسل منه ومنع معه من قراءة القرآن ودخول المسجد ولم يفعل ذلك كلّه مع خروج الغائط والبول والمذي من الإنسان مع أنّ الكلّ يخرج من السبيلين كما أن الكلّ مستقذر[10].
- أنّه أوجب غسل الثوب من بول الصبيّة والرشّ عليه من بول الغلام[11] ويعني ذلك أنّه أوجب غسل ما وصله بول الصبيّة واكتفى بنضح ما وصله بول الصبيّ مع تساوي البولين في النجاسة.
- أنّه نقص من عدد الرباعيّة في حقّ المسافر الشطر دون الثنائيّة أي أنّه رخّص للمسافر في قصر الصلاة الرباعيّة (أربع ركعات) ولم يفعل ذلك في الثلاثيّة والثنائيّة مع استواء الكلّ في كونها صلاة مفروضة على مسافر.
- أنّه أوجب الصوم على الحائض دون الصلاة مع أنّ الصلاة أولى بالمحافظة عليها.
- أنّه حرّم النظر إلى العجوز القبيحة المنظر وأباحه في حقّ الأمة الحسناء.
- أنّه قطع سارق القليل دون غاصب الكثير.
- أنّه أوجب الجلد بالقذف بالزنا دون القذف بالكفر.
- أنّه قبل في القتل شاهدين دون الزنا. أي أنّه اكتفى بشاهدين لإثبات القتل (وكذلك الكفر) ولم يكتف في الزنا بأقلّ من أربعة مع استواء الجميع في كون ما قاموا به جناية بل أنّ جناية القتل والكفر أشدّ من جناية الزنا.
- أنّه جلد قاذف الحرّ الفاسق دون العبد العفيف.
- أنّه فرّق في العدّة بين الموت والطلاق مع استواء حال الرحم فيهما.
- أنّه جعل استبراء الرحم بحيضة واحدة في حقّ الأمة والحرّة المطلّقة بثلاث حيضات.
ولعلّ الخلفيّة التي تكمن وراء هذا الحكم الفقهي هي الإسراع بإعادة إدخال الأمة في دورتها الحياتيّة اليوميّة لتكون أداة من أدوات المتعة في خدمة سيدها.
وإذن فمع أنّ القياس كان يقتضي التسوية في جميع هذه الصور والأمثلة بل ربّما كانت بعض الصور التي لم يثبت فيها الحكم أولى به مما ثبت فيها فإنّ الشارع فرّق بينها في الحكم.
وإضافة إلى هذه الحجّة الأولى التي اعتمدها النظّام في إنكاره حجيّة القياس تنسب إليه حجّة ثانية هي من قبيل الاعتراض على مثبتي القياس بإجماع الصحابة على استخدامه، وملخّص أطروحة النظّام أنّ اعتماد القياس يؤدّي إلى الخلاف وبالفعل وصل الصحابة إلى الصراع الدامي لأنّهم استخدموه[12].
ومن جهة أخرى فإن استخدام الصحابة للقياس لم يكن متواترا عند الكثير منهم فعدد منهم قليل فحسب مارسه.
والملاحظ أنّ هذه الحجّة التي اعتمدها الشيعة[13] أيضا تبرز استناد النظّام إلى الواقع التاريخي فمنزعه العقلي النقدي مكّنه من حسّ تاريخي لا يفصل بمقتضاه بين المبادئ والأحكام النظريّة والواقع التاريخي. وهو من خلال هذا المثال على الأقلّ يعارض آلية أساسيّة في الفكر الإسلامي التقليدي هي إهدار البعد التاريخي، وهذا الإهدار يتجلّى في الاعتراض الذي علّق به الغزالي على موقف النظّام[14].
نستخلص إذن أنّ النظّام اعتمد في إنكار القياس حجتين:
- حجّة منطقيّة عقليّة يرى بموجبها أنّ القياس لا ينسجم مع معطيات العقل
- حجّة تاريخية تبرز أنّ القياس لم يكن متواتر الاستخدام في التاريخ الإسلامي ولدى أعلام المسلمين وقادتهم الروحيين وهم الصحابة.
وإنكاره للقياس هو في نهاية الأمر رفض للمنظومة الفقهيّة ذلك أنّها لا تستند إلى العقل وتشتمل على أحكام ذات طابع تمييزي بين الحرّ والعبد مثلا وتعتمد ظاهر العبادات والمعاملات مقدّمة إيّاه على الأخلاق الفرديّة من صدق وإخلاص وإيمان. كما أنّ هذا الإنكار رفض لجمود الأحكام وعدم اعتراف بأنّ هذه الأحكام البشريّة أحكام إلهيّة كما يريد لها الفقهاء أن تكون ذلك أنّه “برز في المجتمعات الإسلاميّة صنف من المسلمين اعتبر مؤهّلا دون عامّة المؤمنين للتشريع باسم الله واعتبرت الأحكام التي يصدرها شريعة إلهيّة لا يجوز ردّها فكان الفقهاء والمفتون والقضاة ينتصبون لبيان الحلال والحرام وإصدار حكم الله في مختلف المسائل المعروضة عليهم من أمور الدنيا والدين على السواء فأصبحوا بذلك يقومون بوظيفة كنسية غير معترف بها في مستوى التنظير ومقبولة في مستوى الواقع والممارسة اليومية”[15].
وعندما ننظر في ردود الفعل على موقف النظام هذا نلاحظ هيمنة موقف السكوت عليه وتهميشه، ويستوي في ذلك القدامى والمحدثون، ونلاحظ أيضا موقف الاتهام الذي يصرّح به البغدادي “ثمّ إنّه استثقل أحكام شريعة الإسلام في فروعها ولم يجسر على إظهار دفعها فأبطل الطرق الدالّة عليها فأنكر لأجل ذلك حجة الإجماع وحجّة القياس في الفروع الشرعيّة”[16].
ولئن كان السرخسي قد وصل إلى حد تكفير النظّام ، فإن الغزالي اعتبره مبتدعا فحسب. وهناك من حاول نقد هذا الموقف من خلال إبراز عدم تجانس مواقف المدرسة الاعتزالية التي كانت منقسمة في نظرتها إلى القياس من ذلك أنّ بشر بن المعتمر (ت. 210 هـ) شيخ البغداديين ورئيسهم وأبا الهذيل العلاف كانا من أشدّ الناس نصرة للقياس واجتهاد الرأي في الأحكام وقد قمعا النظّام وأصحابه.
ونرى من بين الباحثين المحدثين من استغرب من نقد النظّام لاستخدام العقل في الشرعيّات خاصّة أنه معتزلي قوام مذهبه الاعتداد بالعقل إلى حدّ تأويل النصّ كي يستقيم مع العقل[17].
ولعلّ الأمر يفسّر في نظرنا بأنّ النظّام لم ينتقد العقل بل انتقد الأحكام المترتّبة عن استخدام الفقهاء للقياس. وهي أحكام لا تنسجم مع معطيات العقل ونظامه، وإذن فإنّه ينتقد اللامعقول لا العقل. وهذا اللامعقول هو الذي يكمن كما ذكرنا في إيجاب قطع يد سارق القليل وعدم تطبيق هذا الحكم على غاصب الكثير. فهل من العقل والعدل والوفاء للنصّ القرآني أن يقع التمييز في تطبيق الحكم القرآني مع أنّ الآية تأمر بالقطع دون قيد أو شرط أو تمييز.
لقد أدرك النظّام أنّه على الرغم من إجماع الفقهاء على ضرورة تطبيق الحدّ الذي نصّ عليه القرآن فإن الشروط الكثيرة التي وضعوها لم تقيّد هذا التطبيق فحسب بل أدّت في الواقع إلى تعطيله جملة أسوة بما فعله عمر بن الخطاب عام المجاعة إلاّ في النادر من الحالات[18].
هل للنظّام منظومة أصوليّة؟
قد يكون طرح هذا التساؤل من قبيل المغامرة في البحث لكن ما يشرّعه ما استعرضناه وحللناه من مواقف ونصوص رواها في الغالب الجاحظ عن أستاذه النظّام.
إنّ افتراض أن يكون للنظّام منظومة أصوليّة تغاير المنظومة الأصوليّة السنيّة ليس بعيدا عن الحقيقة حسب بعض الباحثين خاصّة إن أردنا تبرير نظريّته في الأخبار والإجماع والقياس وتفسير الهاجس الذي زرعته أطروحات النظّام في تفكير علماء أهل السنّة فتحفّزوا للردّ عليها أو تهميشها بالسكوت عنها وكأنّها لم توجد. وتعليل سبب سكوت القاضي عبد الجبّار عن اعتراض النظّام على حجيّة الإجماع[19].
إن هذا الافتراض قد قدّم قبل عدة عقود في وقت لم تكن فيه النصوص التي اعتمدناها معروفة وهي نصوص كتاب الفتيا وكتاب الأخبار للجاحظ خاصّة. أمّا بعد ظهور هذه النصوص فإنّ الافتراض يفرض نفسه أكثر خاصّة أنّ بعض الباحثين بدؤوا يشعرون بقيمة المواقف الأصوليّة للنظّام من ذلك أن كتاب “النكت” وضع ضمن المؤلفات الأصوليّة في القرن الثالث الهجري في كتاب يؤرّخ لمسار هذا العلم[20] كما رأى أحد الباحثين أنّ النظّام اهتمّ بدراسة القضايا التطبيقية لعلم أصول الفقه[21] كما وضعه المراغي في كتابه “الفتح المبين في طبقات الأصوليّين” ضمن علماء أصول الفقه في القرن الثالث الهجري وترجم له بإيجاز.
وقام عادل العوّا باستعراض مواقفه الأصوليّة في سياق تأكيد النزعة التحررية في فكر المعتزلة[22] ، كما توقّف أحمد محمود صبحي لبيان النزعة الجدليّة للنظّام في مصادر التشريع[23] . وتبرز النصوص التي اعتمدناها والدراسات التي اطلعنا عليها بشأن الكتب التي لم تصلنا أنّ مواقف النظّام الأصوليّة ليست بالشكل المختزل الذي قدّمت فيه في كتب خصومه السنيين سواء كانت كتب الأصوليّين أو كتب المذاهب والفرق.
ولعلّ حركة تحقيق المخطوطات القديمة ونشر التراث الاعتزالي والإسلامي عموما ستوضح لنا أكثر إن كان ما نفترضه صحيحا[24].
على أنّ من أهمّ الأدلّة التي يمكن أن تدعم هذا الافتراض أنّ مواقف النظّام لم تصلنا من خلال مصدر واحد بل تواترت في كتب كثيرة كتبها مساندوه أو خصومه تجمع تقريبا على نقل آراء النظّام الناقدة لأصول الفقه على الشكل الذي استقرّت عليه في المنظومة السنيّة منذ الشافعي. وفي هذه الكتب كانت مسألة الردّ على النظّام أمرا ثابتا عبر القرون وإلى أيامنا هذه فقد خصّص عمر مولود عبد الحميد في كتابه “حجيّة القياس في أصول الفقه الإسلامي” أكثر من ثلاثين صفحة للردّ على مواقف النظّام الذي أنكر القياس الشرعي في حين لم يخصّص لعرض مواقف النظّام إلا خُمس هذا الحجم تقريبا[25].
قد يفسّر مجهود الردّ المتواتر عبر العصور على أطروحات النظّام بحيويّة الفكر السنّي الذي لم يعدم في أيّ عصر من ينافح عن مفاهيمه وأصوله المستقرّة لكننا يمكن أن نعلّله أيضا بقوّة موقف النظام وأثره الكبير في الفكر الإسلامي بمذاهبه المختلفة.
إذن إن نحن اجتنبنا اتهام البغدادي للنظّام بأنّه يريد هدم أركان الشريعة يمكن أن نقول إنّه كانت للنظّام رؤية أصوليّة متميّزة لا تتقاطع مع الرؤية السنيّة إلا في الإيمان بحجيّة القرآن في حين تنكر تصوّر هذه الرؤية السنيّة للأخبار والإجماع والقياس فكأنّ النظّام تعمّد ألاّ يمسّ إلاّ ما ينتمي إلى عالم البشر من نصوص ومواقف لا يمكن أن ترقى إلى منزلة النصوص والحقائق المطلقة والمعصومة وإن أريد له ذلك.
لكن هل كانت نشأة منظومة النظام أو رؤيته أو مواقفه من وحي عوامل ذاتية أو موضوعيّة ؟
إن الفصل بين ما هو ذاتي وموضوعي منهجي فحسب لأنّ ما هو موضوعي أي يتأتّى من خارج الذات يمكن اعتباره ذاتيا إن وجد من النفس هوى وميلا يدفع إلى اعتناقه.
وعلى كلّ حال فإنّ رؤية النظام كما أبرزنا في مواضع كثيرة من هذا العمل تخضع أساسا للعقل وهذا ليس غريبا عن المدرسة الاعتزاليّة البصريّة التي كانت مدرسة عقلانيّة بمعنى أنّها قد ذهبت إلى أنّ كلّ ما هو موجود مردود إلى مبادئ عقليّة[26] غير أنّ هذه النزعة العقلية لا تعني أنّ النظّام والمعتزلة عموما يؤسسون نظامهم الفكري على استخدام العقل وحده بشكل مستقلّ عن كلّ نصّ ديني[27] .
وهذه النزعة العقليّة التي سيطرت على النظّام ظهرت في منهجه الفكري وفي النتائج التي توصّل إليها؛ من ذلك اعتماده الشكّ والتجربة، يقول : “اعرف مواضع الشكّ وحالاتها الموجبة له لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة وتعلّم الشكّ في المشكوك فيه تعلّما فلو لم يكن ذلك إلاّ تعرّف التوقّع ثمّ التثبّت لقد كان ذلك مما يحتاج إليه… ولم يكن يقين قطّ حتى كان قبله شكّ ولم ينتقل أحد عن اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتى يكون بينهما حال شكّ”[28]. كما نجده يقوم ببعض التجارب لاختبار بعض المعتقدات الرائجة أو التوصّل إلى معرفة استجابة بعض الكائنات. من ذلك مشاركته في تجربة سقي الخمر لبعض الحيوانات وتجربة قذف الجمر أمام الظليم وهو نوع من النعام وتجربة حول التطيّر استنتج منها بطلان الطيرة[29] وهذا الشكّ وهذه التجارب وشدّة غوصه على المعاني وروحه الانتقادية تخبر أنّه يتسلّح بالعقل في محاولة فهم قوانين الظواهر فهما عقليّا لا أسطوريّا[30].
لهذا ولغيره عدّ بعض الباحثين النظّام أبعد المعتزلة تطرّفا واستقلالا في الرأي وأقرب ممثّلي هذه الفرقة إلى الفلسفة[31]. وهذا الموقف لا يجانب الصواب لأنّه منذ القديم اعتبر بعض العلماء أنّ النظّام من أشدّ خصوم التقليد[32].
من جهة أخرى وفي مستوى الحوافز الذاتية التي ساهمت في نشأة مواقف النظّام الأصوليّة يمكن أن نشير إلى مقوّمات شخصيّته الميّالة إلى الاستقلاليّة والتفرّد الذي بدأ بانفصاله عن أستاذه أبي الهذيل العلاف وتوّج بتأسيسه مدرسة مستقلّة لمحاربة فلسفة الدهريّين وانفراده عن باقي المعتزلة في الكثير من المسائل وقيادته لفرقة سمّيت باسمه هي النظّاميّة. وهذه الاستقلاليّة هي وليدة ثقافة موسوعيّة فالرجل عارف متضلّع في علم الكلام والفقه. يقول الجاحظ : “ما رأيت أحدا أعلم بالكلام والفقه من النظّام”[33]، إلى جانب كثرة حفظه للأخبار والأشعار واختلاف الناس في الفتيا وحفظه القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وتفسيرها. ويضاف إلى هذا اطلاعه على التيارات الفكريّة السائدة في عصره فقد خالط المانويّة والفلاسفة الملحدين وتنقّل في الجانب الشرقي من الدولة العباسيّة فعرف عن كثب الحضارة الفارسيّة والهنديّة واطلع على تأثير الفكر اليوناني في هذه المناطق وكذلك تأثير المسيحيّة كما زار الأهواز إحدى المدن الرئيسيّة للساسانيين وهي مركز نسطوري كبير متأثر بالثقافة اليونانيّة وفي بغداد عرف مدرسة حنين المترجم المشهور في بيت الحكمة وقرأ المؤلفات اليونانيّة مترجمة[34].
ولعلّ ما في شخصيّة النظّام من تفرّد وأصالة أقرّ بها حتّى خصومه –ذلك أنّ الكثير من الأصول السنيّة لم يبدأ إنكارها إلا على يديه- هو الذي جعل الجاحظ يقول : إنّ الأوائل يقولون إنّه يكون في كلّ ألف سنة رجل لا نظير له فإن كان ذلك صحيحا فهو أبو إسحاق النظّام[35].
وهو أيضا الذي دفع الخليل بن أحمد الفراهيدي إلى أن يقول له : “يا بني نحن إلى التعلّم منك أحوج”[36] . ويمكن أن نعتبر انتماء النظّام إلى الموالي[37] مبرّرا من مبرّرات بعض مواقفه الأصوليّة وهو ما جعله ينكر على الفقهاء والأصوليين مبدأ القرشيّة الذي يؤدّي إلى تفضيل العرب على غيرهم من الأجناس. والملاحظ أنّ أغلب المعتزلة كانوا من الموالي مثل واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وأبي الهذيل ومعمر والجبائي وابنه. وكلّ هؤلاء من أصل فارسي. وكانوا يعدّون أنفسهم أرقى من العرب بسبب ثقافتهم القديمة. وقد بقي النظّام –حسب بعض الباحثين مثل كلّ الموالي ورغم دخولهم في الإسلام تحت تأثير الثقافة الأولى التي يؤول الدين الجديد عبرها وهذا ما يتضح من ردود النظّام على المانويّة والملحدين والمذاهب الإسلامية وخاصّة الشيعة[38] وقد يكون النظّام حرّم زواج الموالي بنساء عربيّات حتى يحافظ على صفاء دم الموالي إن صدّقنا ما يقوله المقريزي في هذا الشأن[39].
ولعلّ هذا الأصل الفارسي للنظّام ولأغلب المعتزلة عنصر من العناصر التي تفسّر تحالف هؤلاء مع الخلفاء الثلاثة الذين دعّموا المعتزلة وهم المأمون والمعتصم والواثق ذلك أنّ الخليفتين الأوّلين كلاهما من أمّ فارسيّة. أما الخليفة الثالث فهو من أمّ غير عربيّة من اليونان وهذا ما يحيلنا إلى المستوى الثاني وهو يشمل العوامل الموضوعيّة التي تمثّل في نظرنا الخلفيّة الأساسيّة لمواقف النظّام وهي الوضع السياسي الذي عاصره وصلة مذهب الاعتزال في ذلك الزمن بالسلطة الحاكمة.
لئن كانت المعطيات المتعلّقة بصلة النظّام العباسيّة متناثرة وقليلة فإنّها على كلّ حال تبرز أنّه لم يكن من العلماء الزاهدين في مجالسة رجال السياسة فلقد كتب قصائد في مدح الخلفاء والوزراء وعدد من الشخصيّات المؤثّرة وشارك في مناظرات كثيرة تقع في مجالس ممثلي السلطة مثل حضوره ومشاركته في مجلس الوزير يحيى بن خالد الذي جمع في مجلسه علماء من مذاهب مختلفة وطلب منهم تجنّب المواضيع التي اعتادوا التطرّق إليها والخوض في موضوع العشق[40].
وكانت علاقة النظّام بجعفر البرمكي معروفة وحميمة وقد روي أنّه بات عنده ليلة فتحاورا في خبر الأوائل وذكرا أرسطا طاليس فقال : قد نقضت عليه كتابه، فقال له جعفر : كيف وأنت لا تحسن أن تقرأه : قال : أيّما أحبّ إليك : أن أقرأه من أوّله إلى آخره أم من آخره إلى أوّله ؟ ثمّ اندفع يذكر شيئا فشيئا وينقض عليه فتعجّب منه جعفر فلمّا أخذ مضجعه ألقى عليه مطرفا قال : فكنت أتوهّج به إذا تغطّيت وأجد البرد إذا نحّيته فلما أصبحت أمر أن يحمل معي فعرضته في السوق فبعته بألف دينار”[41].
كما نقل إلينا أنّه حضر مجلس الحسن بن أيّوب الهاشمي أمير البصرة وناظر أبا شمر الحنفي المرجئي[42].
وقد روى الجاحظ أنّ النظّام اشترك مع محمد بن علي بن سليمان أحد أمراء البيت العباسي في تجربة سقي الخمر للحيوانات المختلفة لرصد تأثيرها عليها[43].
أمّا عن علاقة النظّام بالخلفاء فإنّها بدأت إثر ارتحاله من البصرة التي لم تعد ترضي طموحه فقد كان يأمل في الفرصة التي تهبها له الحاضرة الفتيّة غير أنّ هذا الأمل خاب نوعا ما فبعد نجاحه في جذب عدد من التلاميذ وفي الدخول إلى قصر الأمين اندلعت الحرب بين الأمين والمأمون وعمّت بغداد موجة من الفوضى. وتنقطع أخبار النظّام حتى حكم الخليفة المأمون أي إلى ما بعد سنة 204 هـ وهو التاريخ الذي حوّل فيه المأمون نهائيّا إقامته من مرو إلى بغداد[44].
وقد نجح النظّام بمعيّة أستاذه أبي هذيل العلاف في الدخول في حلقة جلساء الخليفة.وكان عند اتصاله بهذا الخليفة شابّا. ونجد تقييمين على الأقل لعلاقة النظّام بالمأمون فهناك من يرى أنّه لا يبدو أنّ الخليفة قد أحلّه من مجلسه في منزلة خاصّة إذ يحكى أن أبا الهذيل دخل على المأمون فكلّم أبا شمر فغضب منه وكلّم النظّام فرفق به فقال له المأمون : تغض بأبي شمر وترفق بشاب من أصحابك فقال: نعم يا أمير المؤمنين :
وأستعتب الأحباب والخدّ ضارع وأستعتب الأعداء والسيف منتضى[45]
أمّا التقييم الثاني فيعتبر صاحبه أن نجاح أبي الهذيل والنظّام في دخول بلاط المأمون يفسّر بالتأكيد بإشعاعهما الديني والفكري لكنّنا نبقى مستغربين مع ذلك لأنّهما كانا من أصل بصري وكان هناك في بغداد علماء معتزلة مقرّبون من السلطة وعلى رأسهم بشر بن المعتمر الذي كان أحد الشهود في كتاب تولية المأمون العهد لعلي بن موسى الرضا سنة 201 هـ. والمهمّ أنّ النظّام في هذه الفترة شارك في المجادلات الكلاميّة والفلسفيّة في بلاط المأمون وتلقّى مرتّبا ضخما من السلطة الحاكمة[46].
وعلى هذا الأساس أصبح النظّام يعيش وضعا جديدا من الرخاء بفضل ما يتلقّاه من السلطة مباشرة سواء من الخلافة أو من الوزراء والأمراء والأثرياء الذين نجح في الدخول إلى منازلهم منذ أن كان في البصرة[47] أو ما يتحصّل عليه بطريقة غير مباشرة من أبي الهذيل العلاف الذي كان يفرّق على أصحابه ستين ألف درهم كان يأخذها كلّ سنة من السلطان[48] وبسبب هذا الرخاء روي أنّ النظّام منح الأسواري وهو أحد أصحابه ألف دينار[49] . وبعد وفاة المأمون سنة 218 هـ وانتقال الحكم إلى الخليفة المعتصم بالله (ت 227 هـ) يبدو أن النظام قوي شأنه إذ تنقل إلينا المصادر أنّه ظهر سنة 220 هـ في عهد المعتصم وقرّر مذهب الفلاسفة وتكلّم في القدر فتبعه خلق[50]. إن هذه المعطيات تطرح علينا تساؤلا بديهيا هو كيف كانت طبيعة العلاقة بين السلطة والنظّام ؟ وكيف كانت صلة النظّام بالسلطة في المستوى الفكري والسياسي المنفعي؟
إنّ الإجابة عن السؤال الأوّل تفترض الإلماع إلى الجوّ السياسي الذي كان سائدا في ذلك الوقت، فقد كانت بغداد تعيش جوّا شيعيّا قويًا منذ أوائل أيّام المأمون (227-232 هـ) وكان عاملا من العوامل التي دفعت بشر بن المعتمر وزملاءه في بغداد إلى التحوّل تدريجيا عن الموقف البصري القديم للمعتزلة الذي يفضّل أبا بكر على علي. وقد ثبّت الاتجاه الجديد وقوّاه وصول رجاله إلى السلطة أيام المأمون والمعتصم (218-227 هـ) والواثق (227-232 هـ) إذ سيطر كلّ من ثمامة بن أشرس (ت 234 هـ) وابن أبي دؤاد (ت 240 هـ) على الكثير من أمور الدولة وقادا بالتعاون مع الشيعة في البلاط حملة ضدّ المحدّثين أدّت إلى ما هو معروف في التاريخ باسم المحنة[51].
وقد شرع المأمون في المحنة سنة 218 هـ لحلّ مشكلة الصراع مع السلطة الموازية[52] فقد اكتسب أهل السنّة منزلة كبرى عند العامّة وكان بعضهم يعادي السلطة العباسيّة من ذلك أنّ يزيد بن هارون (ت 206 هـ) أحد كبار المحدّثين وأحد رؤوس السنّة وأعداء الجهميّة كان ذا سلطة وملك عند العلماء وعند العامّة على حدّ سواء. ويروى أنّ المأمون لم يقدم على إظهار القول بخلق القرآن إلا اِثر وفاة يزيد خوفا من تأثيره البالغ في الناس وهو الذي كان يعتبر من يقول بخلق القرآن كافرا.
ومن جهة أخرى نجد أحد كبار المحدّثين أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) يقف موقفا صلبا من خلفاء بني العباس مناصبا سلطانهم العداء والقطيعة وفي مقابل ذلك ناصر بحماسة معاوية بن أبي سفيان فبدا وكأنّه داعية للأمويين.
كما وظّف بعض أعلام السنيين الحديث لمحاربة العباسيين من ذلك أن نعيم بن حماد الخزاعي (ت 228 هـ) وهو إمام من أئمّة السنّيين في مصر كان يضع الحديث في تقوية السنّة. وكان يحدّث بأحاديث مناهضة للخلافة العباسيّة ولعلّ هذا ما يفسّر تشدّد الخليفة المعتصم في امتحانه.
وهذا الوضع إذن هو الذي دفع المأمون إلى امتحان أهل السنّة في مسألة خلق القرآن ليختبر من خلالها مدى ولائهم لسلطته وعلى هذا الأساس كانت الرسالة الأولى التي بعثها إلى نائبه ببغداد سنة 218 هـ وهو وقتها بالرقّة تؤكّد على حقّه في الاجتهاد يقول “فإنّ حقّ الله على أئمّة المسلمين وخلفائهم الاجتهاد في إقامة دين الله الذي استحفظهم…”[53] كما تصرّح أن هناك من ساووا بين الله وبين ما أنزل من القرآن وأطبقوا على أن القرآن قديم. وأخطر من ذلك نسبتهم أنفسهم إلى السنّة وإظهارهم دعوى القول إنّهم أهل الحقّ والدين والجماعة. وقصد المأمون من هذه الرسالة أن يبرز أن فريقا من الفقهاء والقضاة والمحدثين قد اصطنع عقيدة العامّة وتزين بها باطلا وذلك طلبا للرئاسة فيها جاعلا من نفسه الممثلّ الشرعي للحقّ والدين والجماعة والسنّة متهما سواه في صدقه وشهادته فاستطال على النّاس وتعاظم خطره فبات حقا على الدولة أن تحدّ من هذا التجاوز وأن تردّ الأمور إلى نصابها[54].
في هذا الجوّ السياسي إذن كان الاعتزال يهيمن على الساحة بشكل كبير وكان النظّام شاهد عيان لكلّ ما يحدث لكنّنا لا نملك معلومات تفيد إن كانت السلطة طلبت منه أن يقوم بدور ما. وفي هذا المستوى يمكن أن نوافق جدعان في قوله: “إننا لا نعثر على أيّ أثر يبيّن أنّ النظّام قد قام بأي دور سياسيّ صريح لصالح السلطان أو لغير صالحه”[55].
إلا أننا يمكن أن نتساءل لماذا تهب السلطة النظّام المال الكثير؟ ولماذا يتردّد النظّام على مجالس الخليفة وممثلي السلطة من أمراء ووزراء؟ إنّ الأمر في نظرنا يتعلّق بقيام النظّام وأعلام المعتزلة بدور سياسي غير مباشر على قدر كبير من الخطورة؛ فبعض هؤلاء كان يضطلع بدور سياسي مشهور مثل القاضي ابن أبي دؤاد إلا أنّ دور البعض الآخر كان من نوع آخر : إنه الصراع الإيديولوجي والفكري لمواجهة المذاهب غير الإسلاميّة والفرق الإسلاميّة المخالفة وأساسا أهل السنّة. وفي هذا السياق نعلم أنّ محمد بن شدّاد بن عيسى المسمعي المعروف بزرقان (ت 278 هـ) كان من أصحاب النظّام الذين كان الواثق يتوسّل بهم في مناظرة المجبرة [56]. وإذا كانت السلطة تبجّل أبا الهذيل[57] وأصحابه وتعزّز وجودهم بشتّى الوسائل المعنويّة والماديّة فإنّ ظروف الصّراع بين القوى الاجتماعيّة ومصلحة الخلافة العبّاسيّة هي الّتي حتّمت ذلك. واستجاب أبو الهذيل وأصحابه لسببين على الأقل يتمثل الأوّل منهما في أنّ السلطة تبنّت بعض مبادئهم إذ تذكر الروايات الاعتزاليّة أنّ أبا الهذيل في أوّل حديث له مع المأمون ذكر له أنّه لم يأته من أجل المال وإنّما لتجنيبه خطأين أحدهما ما ينسب إلى الله من خلق أفعال الإنسان أمّا الآخر فهو اعتبار أنّ الله يمكن أن يقوم بفعل ظالم. ويبدو أنّ أبا الهذيل نجح في إقناع الخليفة في الأخير بهذه الآراء[58].
ويتمثّل السبب الثاني في تشابك مصلحة المعتزلة ومعهم الشيعة لمواجهة الخطر السنّي ذلك أنّ قبول المنظومة الفكريّة السنيّة في مستوى الفقه أو الأصول يعني الرضوخ لاحتكار صنف من العلماء العلم والمعرفة والسلطة الدينيّة والاجتماعيّة، ويعني أيضا قيام مرتبيّة بين العلماء أنفسهم وهذا ما سعى الشافعي إلى تكريسه منذ مقدّمة رسالته الأصوليّة حين صنّف الناس في العلم إلى درجات تتحدّد كلّ درجة منها بمقدار علمهم بالقرآن وحين اعتبر أنّ إدراك علم أحكام كتاب الله نصّا واستدلالا هو الذي يوجب في الدين موضع الإمامة[59] أي هو الذي يؤدّي إلى السلطة الدينيّة. وهذا الموقف يمثّل تهديدا للعلماء غير السنيّين بأصنافهم من جهة وخطرا على السلطة ذاتها ذلك أنه يخلق سلطة موازية لها لا تستطيع أن تطالها لأنها تستمدّ مشروعيّتها من الدين ومن نفوذها على العامّة.
إذن يمكن بقراءة سياسية خالصة لمواقف النظّام أن نفسّر نقده للأخبار بأنّها كثيرا ما وظّفت لخدمة أغراض أهل السنّة وترويج معتقداتهم وأطروحاتهم في كلّ المجالات ومنها مجال مجابهة السلطة العباسية ونستطيع أن نرى في إنكاره للإجماع رفضا لتأسيسه على عصمة جماعة من العلماء تكون بالضرورة من علماء السنّة كما يجوز لنا أن نبرّر رفضه للقياس الشرعي بنقده ما يؤدّي إليه استخدام هذا الأصل من أحكام تمييزيّة ومتناقضة.
إلاّ أنّ هذه القراءة ينبغي أن تدعم بقراءة اجتماعيّة ذلك أنّ النظّام يمثّل موقف الموالي والفئات المحرومة[60] من السلطة والمال ومن النسب الشريف وهي فئات ترنو إلى مجتمع بديل تحكمه قوانين أكثر عدلا وأكثر انسجاما مع العقل.
ويمكن أن نقر في الختام أن النظّام بمواقفه التي كثيرا ما انتقدت واعتبرت شاذة رمز للتفكير الفلسفي الكلامي الجدلي والإشكالي والشكاك والذي يحتكم إلى سلطة العقل والقرآن فحسب. وإذا كانت محاولته غير ناجحة إلى حدّ ما في إنشاء فكر إسلامي يستند إلى العقل والبرهان فإنّه على كلّ حال كان له تأثير في مستويات كثيرة منها نشأة فرقة تنسب إليه وإخراج تلاميذ نبغ منهم خاصة أحد رموز التراث الكبار وهو الجاحظ الذي وافق أستاذه في نقض الحديث. وكان أتباعه لا يهتمّون بالأحاديث الفقهيّة وكانوا يعتبرون الصرفة أهمّ من أصول التشريع ومسائل الكلام أهمّ من علوم القرآن[61] وكان لآرائه تأثير في الشيعة الإماميّة وخاصّة الشريف المرتضى الذي انتصر لآراء البصريّين من المعتزلة وأنكر حجيّة خبر الآحاد وناصر فكرة الصرفة وهو ما يتجلّى في كتابه الموضّح[62] كما أثر في بعض الخوارج على غرار أبي عبيدة صاحب “مجاز القرآن”[63] الذي كان يمدح النظّام ويعظّم ذكره حتى نسبه البعض إلى الاعتزال[64].
كما ساهم في إنعاش الفكر الإسلامي فاِثر إنكاره للأصول وإنكار بعض الفرق الأخرى لها أصبحت حجيّة هذه الأصول محلّ نقاشات مستفيضة في كتب أصول الفقه.
ولعلّ منزلة النظّام هذه هي التي تشرّع أسف بعض الباحثين على ضياع كتب هذا الرجل الذي أدرك منذ زمن مبكر جدا ثغرات المنظومة الأصوليّة فحمل عليها بكلّ قوّة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1] – راجع ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، المصدر المذكور، 7/172.
[2] – ابن خلدون، المقدمة، ص 359.
[3] – الشيخ المفيد، مختصر التذكرة بأصول الفقه ضمن كنز الفوائد للكراجكي، المصدر المذكور، 2/28.
[4] – ارجع إلى :
Ahmad Hasan : The critique of Qiyas, Islamic studies, vol. XXII, Autumn, 1983, n° 3, p. 48.
[5] – هو أبو الحسين أحمد بن علي الشطوي، من طبقة المعتزلة الثامنة. كان من أهل العلم ويعظم العلم وأهله ويصغر قدر العامّة. له مناظرات مع الناشئ وغيره. ولم يذكر تاريخ وفاته. راجع السمرقندي، ميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه، 2/800.
[6] – النهرواني : لعلّه المعافي بن زكريّاء بن يحيى النهرواني. تفقّه على مذهب ابن جرير الطبري ونصره، ولي القضاء ببغداد وتوفي في النهروان. من تصانيفه : الحدود والعقود في أصول الفقه، راجع ترجمته في طبقات الفقهاء للشيرازي، ص 176.
[7] – راجع محمد محمد عبد اللطيف جمال الدين، قياس الأصوليين، المرجع المذكور، ص 174.
[8] – انظر الباجي، إحكام الفصول، المصدر المذكور، ص 611 ، وراجع فصل قياس بـ د.م.إ. المرجع المذكور، ص 238.
[9] – الآمدي، الإحكام، 4/12.
[10] – عمر مولود عبد الحميد، المرجع المذكور، ص 185.
[11] – الآمدي، الإحكام، 4/12.
[12] – يروي الغزالي اعتراضا أولا نقله الجاحظ عن النظام : “إن الصحابة لو لزموا العمل بما أمروا به ولم يتكلّفوا ما كفوا القول فيه من إعمال الرأي والقياس لم يقع بينهم التهارج والخلاف ولم يسفكوا الدماء لكن لما عدلوا عمّا كلّفوا وتخيّروا وتآمروا وتكلّفوا القول بالرأي جعلوا الخلاف طريقا وتورّطوا فيما كان بينهم من القتل والقتال”، المستصفى، المصدر المذكور، ص 288.
[13] – راجع فصل قياس بـ د.م.إ.، المرجع المذكور 5/283.
[14] – يقول : “وهذا اعتراض من عجز عن إنكار اتفاقهم على الرأي ففسق وضلّ ونسبهم إلى الضلال”، المستصفى، ص 288.
[15] – عبد المجيد الشرفي، حدود الاجتهاد عند الأصوليين والفقهاء، المرجع المذكور، ص 42. وانظر المطابقة بين أحكام الإنسان وأحكام الله في هذا الخبر الذي ينقله الأستاذ الشرفي : “قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : إذا كان الإمام قد قال “من أصاب شيئا فهو له” فأصاب رجل جارية لا يطؤها ما كان في دار الحرب. وقال الأوزاعي: له أن يطأها وهذا حلال من الله عز وجل. قال أبو يوسف : ما أعظم قول الأوزاعي في قوله: “هذا حلال من الله”، نقلا عن كتاب الأم للشافعي، 7/351.
[16] – البغدادي، الفرق بين الفرق، المصدر المذكور، ص 132.
[17] – أحمد محمد صبحي، في علم الكلام، المرجع المذكور، ص 232.
[18] – عبد المجيد الشرفي، الإسلام والحداثة، المرجع المذكور، ص ص 133-134 وانظر كتابنا “السنة بين الأصول والتاريخ”، ط1، بيروت، 2005، ص ص 239-248.
[19] – انظر :
Marie Bernand : L’ijma’ chez Abdal Jabbar et l’objection d’Al-Nazzam, Studia Islamica, XXX, 1969, p. 36.
[20] – راجع عبد الوهاب ابراهيم أبو سليمان، الفكر الأصولي، دراسة تحليلية نقديّة، المرجع المذكور، ص 99.
[21] – هو فؤاد سيزكين في كتابه تاريخ التراث العربي، المرجع المذكور.
[22] – راجع عادل العوّا : المعتزلة والفكر الحر، المرجع المذكور، ص ص 193-198.
[23] – أحمد محمد صبحي، في علم الكلام، المرجع المذكور، 1/226-235.
[24] – تشير ماري برناند إلى أنّها تسلّمت من شارل بلاّ كتابا للجاحظ غير مطبوع موسوم بـ”كتاب المسائل والجوابات في المعرفة” يروي فيه الجاحظ أن النظّام وأتباعه يقسمون المعرفة إلى ثمانية أجناس واحد منها ينتمي إلى مجال الاختيار أما البقيّة فتنتمي إلى مجال الاضطرار. وهذه الطرائق السبع يوفّرها إدراك الحواس الخمس وصدق الأخبار ومعرفة الإنسان. انظر مقالها المذكور سابقا، ص 36.
[25] – عمر مولود عبد الحميد، حجيّة القياس، المرجع المذكور، ص ص 182-221.
[26] – انظر :
Joseph van Ess : Une lecture à rebours de l’histoire du Mu’tazilisme, Les deux écoles : Basra et Baghdad.
[27] – راجع فصل معتزلة (Gimaret) بـ د.م.إ. ط2 بالفرنسية، المرجع المذكور، ص 793.
[28] – الجاحظ، الحيوان، المصدر المذكور، 6/36.
[29] – المصدر نفسه، 2/83 و3/139.
[30] – لذلك نراه يعلّل ما يرويه العرب من عزيف الجنّ وتغوّل الغيلان تعليلا عقليا، المصدر نفسه، 6/248.
[31] – انظر قولد زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ص 182.
[32] – يقول الحميري : وإنما ذكر الجاحظ والنظّام أنّ دين الناس بالتقليد لا بالنظر والبحث والاستدلال وقد ذمّ الله في كتابه المقلّدين وقالت العلماء المقلّد مخطئ في التقليد ولو أصاب الحق لأنّ من اعتقد الحقّ بغير حجّة ولا دليل مثل من اعتقد الباطل بغير حجة ولا دليل، الحور العين، المصدر المذكور، ص 210.
[33] – القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، ص 264.
[34] – راجع :
Ablert Nader : Le système philosophique des Mu’tazila, pp. 29-31.
[35] – القاضي عبد الجبار، المصدر المذكور، ص 265.
[36] – راجع القصّة في أمالي المرتضى، غرر الفوائد ودرر القلائد، 1/187-189.
[37] – قيل إنّه مولى الزياديين من ولد العبيد وأن الرقّ جرى على أحد أبنائه، المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
[38] – انظر Albert Nader، المرجع المذكور، ص ص 29-31.
[39] – راجع المقريزي (ت. 845 هـ) كتاب المواضع والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية، المصدر المذكور، 2/346.
[40] – راجع تفاصيل ما وقع في المجلس عند المسعودي، مروج الذهب، 3/272.
[41] – القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال، المصدر المذكور، ص ص 262-265.
[42] – أحمد بن يحيى بن المرتضى، باب ذكر المعتزلة من كتاب المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل، ص 33.
[43] – الجاحظ، الحيوان، المصدر المذكور، 2/83.
[44] – انظر : J.Van Ess : Lecture à rebours، المرجع المذكور، ص 34.
[45] – القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال، ص 257 وفهمي جدعان، المحنة، المرجع المذكور، ص 74.
[46] – الحصري، زهر الآداب، ص 523.
[47] – انظر J.Van Ess، المرجع المذكور، ص 58.
[48] – راجع فهمي جدعان، المحنة، المرجع المذكور، ص 74.
[49] – أحمد بن يحيى بن المرتضى، باب ذكر المعتزلة، المصدر المذكور، ص 40.
[50] – جمال الدين بن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، 1/234.
[51] – راجع مقدّمة تحقيق كتاب : أبو رشيد النيسابوري المعتزلي، المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين، ص 9.
[52] – فهمي جدعان، المحنة، ص 109.
[53] – انظر هذه الرسالة التي أوردها الطبري في تاريخه 8/631 ضمن كتاب المحنة لفهمي جدعان، ص 120-121 وضمن كتاب زهدي جار الله، المعتزلة، ص 176.
[54] – فهمي جدعان، المرجع المذكور، ص 191.
[55] – المصدر نفسه، ص 74.
[56] – جدعان، المحنة، ص 107.
[57] – ينقل الملطي أن الخلفاء الثلاثة المأمون والمعتصم والواثق كانوا يقدّمون أبا الهذيل ويعظّمونه، انظر : أبو الحسين محمد الملطي الشافعي (ت 377 هـ) التنبيه والردّ على أهل الأهواء والبدع، ص 44 وكان الوزير ابن أبي دؤاد من تلاميذه.
[58] – راجع J.Van Ess, Lecture à rebours, p. 58
[59] – انظر الشافعي، الرسالة، ص 19.
[60] – كان النظام في أول أمره فقيرا حتى قال عن نفسه حسب رواية الجاحظ “جعت حتى أكلت الطين” واضطرّ أن يبيع قميصه ليأكل ثمنه وأشفق عليه أحد مخالفيه فبعث له ثلاثين دينارا لم يملكها من قبل في جميع دهره”. الجاحظ، الحيوان، 3/139.
[61] – انظر : J. Van Ess. Lecture à rebours, p. 55.
[62] – Van Ess، المرجع المذكور، ص 32.
[63] – مجاز القرآن، طبعة القاهرة.
[64] – الجاحظ، الحيوان، 3/471.