إبراهيم النظام المعتزلي أول من تمرد على المنظومة الأصولية: الجزء الأول

 تكوين

يندرج اهتمامنا بإبراهيم النظام المعتزلي (ت231هـ) إلى سببين رئيسيين يتمثل أولهما في إلقاء أضواء على شخصية وقع تهميشها في التراث ولم يصلنا أي كتاب من الكتب التي نسبت إليها ، أما السبب الثاني فيتمثل في تقديم صورة مخالفة للصورة التي أريد لها الرسوخ في أذهان المسلمين وهذه الصورة تظهر تأصل النزعة النقدية في جانب من تراثنا حكمت عليه الظروف التاريخية السياسية والمذهبية بأن يتراجع ويضمر. وسنسعى إلى رسم بعض ملامح هذه الصورة من خلال جمع شتات المواقف الأصولية الفقهية لشخصية النظام التي عرفت بآرائها في علم الكلام أكثر من شهرتها بأفكارها الدائرة على قضايا أصول الفقه.

ولئن أسّس محمد بن إدريس الشافعي المنظومة الأصولية الفقهية في نهاية القرن الثاني للهجرة من خلال كتابه” الرسالة” فإنّ معارضة هذه المنظومة لم تتأخر كثيرا ذلك أنه خلال الثلث الأول من القرن الثالث للهجرة ظهر أول تمرد على ما أنجزه الشافعي على يد المتكلم المعتزلي إبراهيم النظّام الذي قلّلت المدونة الأصولية الفقهية السنية من دوره ومنزلته، غير أنّ هذا الموقف لا يحجب منزلة النظّام الكبيرة التي تجلت من خلال عدة شهادات على غرار قول الجاحظ عن عظم علمه وسعة ثقافته :”ما رأيت أحدا أعلم في الفقه والكلام من النظام”[1]
وعنه يقول ابن المرتضى :”حفظ القرآن والإنجيل والتوراة والمزامير وتفسيرها مع كثرة حفظه للأشعار والأخبار واختلاف الناس في الفتيا …” [2]
ويعتبر كثير من العلماء والأدباء النظّام أحد زعماء المعتزلة ،من ذلك أن تلميذه الجاحظ  كان يزعم أنّ الأوائل يقولون إنه يكون في كلّ ألف سنة رجل لا نظير له فإن كان ذلك صحيحا فهو أبو إسحاق النظّام[3] .
أمّا المستشرقون فهم يعتبرونه رائد الفلسفة الإسلامية وأول رجالاتها إذ قبله لم تكن الفلسفة الإسلامية قائمة على أسس وأصول علمية منهجية واضحة وعلى رأس هؤلاء ستين (STEIN) وهورفيتز (HORVITZ) وماكدونالد (Mac Donald) .

موقف النظّام من القرآن

هل تمرد النظّام على معتقد الجماعة الإسلامية الذي يقوم على اعتبار القرآن أعلى النصوص قداسة ؟

يكاد يكون هناك إجماع تام بين العلماء القدامى والمحدثين على أن إبراهيم النظّام لا يعارض سلطة القرآن باعتباره كتابا منزلا من إله مفارق غير أن ابن الراوندي (ت. 298 هـ) انتقده بقوله : “وكان يزعم أنّ نظم القرآن وتأليفه ليس بحجة للنبي (ص) وأن الخلق يقدرون على مثله”[4] .

وقد دافع الخياط المعتزلي عن النظّام بالقول إنّ القرآن حجة للنبي على نبوّته عند النظام من ناحية ما فيه من الإخبار عن الغيوب من جهة وإخباره بما في نفوس قوم وبما سيقولونه من جهة أخرى.

والملاحظ أنّ البغدادي استعاد موقف ابن الراوندي (ت. 429 هـ) عندما اعتبر أن النظّام أنكر إعجاز القرآن لكي ينكر نبوة من تحدى العرب بأن يعارضوه بمثله ، فهل أنكر النظّام حقا إعجاز القرآن ؟ نجد الجواب لدى أحد ممثلي الفكر السنّي وهو الشهرستاني (ت. 548 هـ) يقول : “قوله في إعجاز القرآن إنه من حيث الإخبار عن الأمور الماضية والآتية ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة ومنع العرب عن الاهتمام به جبرا وتعجيزا حتى لو بلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظما”[5]. ويبرز هذا الجواب أن النظّام لم ينكر إعجاز القرآن لكنه تمرد على الموقف السائد الذي يعتبر أن الإعجاز من جهة اللغة والبيان.

إقرأ أيضًا: دنيوية النظرية السياسية لدى المعتزلة من طريق محمد عمارة

ويمكن أن نفسر موقف البغدادي المتشنج إذا نظرنا في تاريخ فكرة إعجاز القرآن بكل إيجاز. ففي القرن الأول ساد موقف انطباعي في فهم الإعجاز القرآني يقوم بمقتضاه الإيمان بهذا الإعجاز على الأثر الفريد الذي يحدثه القرآن في النفس فيختلف به عن كلام البشر.

وعلى الرغم من افتقارنا إلى الوثائق الصحيحة الكافية التي تعود إلى ما قبل القرن الثالث للهجرة فإن كل الدلائل تشير إلى أن القرن الثاني للهجرة تميز بمحاولة تجاوز هذا الموقف الانطباعي ، فبرز موقفان أولهما للنظام أطلق عليه مصطلح “الصرفة”، وهذا الموقف لم يجد قبولا في عصره. أمّا الموقف الثاني الذي تمكن من الانتشار وتبنّته المعتزلة وغيرها من المذاهب فينص على اعتبار القرآن معجزا من ناحية نظمه وتأليفه. وتمّ بذلك التركيز على المستوى البلاغي. ويبدو أن النظام هو أول من قال بالصرفة أي صرف الله الناس عن معارضة القرآن.

ويشاطر النظام هذه الفكرة عيسى بن صبيح الملقب بالمردار (ت. 226 هـ) فقد ذهب أيضا إلى أنّ الناس قادرون على مثل القرآن فصاحة ونظما . ويبدو أن فكرة الصرفة لم تجد قبولا لدى الجاحظ فتصدّى لنقضها وقال بالنظم بديلا عنها. كما حمل عليها الأشاعرة لأن النظّام اعتبر أن العباد قادرون على مثل القرآن وعلى ما هو أحسن منه في النظم والتأليف، وفي ذلك حسب رأيهم عناد للنص القرآني[6].

لكنه في المقابل وجد استقبالا إيجابيا لدى ابن حزم فهو يرى أن كون القرآن في أعلى درجات البلاغة ليس بمعجزة لأن ذلك شأن كل باسق[7] في طبقته وأمّا آيات الأنبياء فخارجة عن المعهود. ثم كيف يكون ذلك حجة على العجم الذين لا يعرفون إعجاز القرآن إلا بأخبار العرب ؟

ولو أراد أحد البلغاء أن يؤلّف كلاما بليغا من غير أن يحاول معارضة القرآن لأتى بكلام يقع في النفس موقعا حسنا ولكنّه حين يحاول المعارضة يضطرّ إلى تقليد القرآن والنسج على منواله فلا يأتي إلا بقول ممسوخ ممجوج[8].

والواضح من خلال ما تنقله المصادر أنّ النظّام لا يطعن أبدا في المصحف العثماني بل إنه على العكس من ذلك ينتقد كلّ من يتصرّف بشكل من الأشكال في النصوص المجمع عليها في هذا المصحف من ذلك ما ينقله ابن حزم عن الجاحظ الذي قال : “أخبرني النظّام وبشر بن خالد أنهما قالا لمحمد بن جعفر الرافضي المعروف بشيطان الطاق : “ويحك ما استحييت أما اتقيت الله أن تقول في كتابك في الإمامة : إن الله تعالى لم يقل قطّ في القرآن “ثانِيَ اثنَيْنِ إذْ هُما فِي الغارِ إذْ يقُولُ لصاحبِهِ لا تحْزَنْ[9] إنَّ اللهَ معَنَا…”[10].

لكنّ انسجام النظّام مع الجماعة في مستوى الإيمان بالنصّ المنزّل الذي يتطابق مع المصحف العثماني لا نراه على صعيدي تأويل هذا النصّ والموقف من المفسّرين فقد روى الجاحظ أنّه كان يقول : “لا تسترسلوا إلى كثير من المفسّرين وإن نصبوا أنفسهم للعامّة وأجابوا في كلّ مسألة فإنّ كثيرا منهم يقول بغير رواية وعلى غير أساس وكلّما كان المفسّر أغرب عندهم كان أحبّ إليهم وليكن عندكم عكرمة والكلبي والسّدي والضحّاك ومقاتل بن سليمان وأبو بكر الأصم في سبيل واحدة فكيف أثق بتفسيرهم وقد قالوا في قوله عزّ وجلّ “وأنَّ المساجِدَ للهِ”[11] إن الله عزّ وجلّ لم يعن بهذا الكلام مساجدنا التي نصلّي فيها بل إنما عنى الجباه وكلّ ما سجد الناس عليه من يد ورجل وجبهة وأنف.

وهكذا يتضح أنّ منهج النظام التأويلي يقوم على رفض كلّ تفسير للقرآن يخالف منهجه العقلي في التفسير وعلى البعد في التأويل عن المعنى الذي تدلّ عليه الألفاظ بحسب عادة العرب في تعبيرهم، ولعلّ هذا ما يستشف من ذهاب بعض الدارسين إلى أن النظّام يطالب بشرح القرآن شرحا حرفيّا. كما يتأسس منهجه على ترك التكلّف والعدول عن البحث عن التأويلات الغريبة.

ومن الواجب في التفسير السليم في نظره محاولة الوصول إلى معاني الألفاظ بشكل كلّ لذلك يرفض رأي من يحاول أن يجد للفظ الواحد معاني بمقدار تكرّره في الآيات. كما أنه من الضروري السعي إلى تبيان معاني القرآن وما فيها من أحكام ودلالة عقليّة، منطقيّة وحجّة خافية[12].

وما نشير إليه في ختام هذا العنصر الخاص بموقف النظام من القرآن أن هذا العالم المعتزلي وسائر المعتزلة عامة كانوا يأملون مثل خصومهم أن يكونوا الفرقة المحقّة وأن يكون تأويلهم للقرآن هو التأويل الصحيح، وهذا يعني أن تأويلهم للقرآن قد تلبّس بالصبغة المذهبية من ذلك أن آيات الجبر عند المعتزلة من المتشابه لأنها تخالف مبدأ اختيار الإنسان لسلوكه أما آيات الاختيار فهي من المحكم في نظرهم.

ويتضح تطويع النصّ القرآني عن طريق التأويل حتى لا يتعارض مع الأطروحات المذهبيّة من خلال أنموذج آخر هو تأويل الآيات التي تشير إلى إمكان الرؤية على معنى العلم وبهذا يتسقون مع فكرة نفي رؤية الله في الدنيا والآخرة.

كما نلفت الانتباه إلى أن النظّام وإن آمن بأصل القرآن فإنّه آمن أيضا بالعقل أصلا. والوحي في نظره وفي نظر المعتزلة لا يمكن إلا أن يؤكد ما توصّل إليه العقل وأقرّه ولا يصحّ أن يقع التناقض بينهما. وهذا التناقض إن وجد فهو ظاهريّ فحسب ويمكن تلافيه بالتأويل.

إن النظّام والمعتزلة آمنوا بالقرآن حجة وكتابا منزّلا ودافعوا عنه لكنّهم بسبب خضوعهم للعقل واشتغالهم بالعلوم التي اكتشفها المسلمون عن طريق الترجمة صاغوا نظاما لتفسير العالم والإنسان لا يرتبط بالقرآن في محاوره الأساسية ذلك أنه تأثر في البداية بالفلسفة اليونانية ثم أصبح مصدره تفكيرهم الشخصي.

نقد النظّام للأخبار

هل كان النظّام متمردا على الأخبار وتحديدا على الصنفين الرئيسيين من أصناف الأخبار وهما المتواتر والآحاد؟ تقتضي الإجابة عن هذا السؤال استحضار السياق الفكري السابق للنظّام، فقد سعى الشافعي من خلال رسالته إلى أن يصوغ مشروع نظريّة يواجه بها حالة الاختلاف والفوضى والنزاع في مجال الفقه والتشريع بين المذاهب والمدارس الفقهيّة في الحجاز أو العراق أو الشام.

وكان هاجسه الفكري المحوري التصدّي لحملات المتكلّمين –من معتزلة وغيرهم وكان مقرّهم بالبصرة في الغالب- التي تستهدف الأحاديث النبويّة والمحدّثين لذلك سعى جاهدا إلى التأسيس النظري للسنّة أي إثبات حجّيتها الدينية وذلك عن طريق الارتقاء بها إلى منزلة القرآن.

ولئئن اختار الشافعي السكوت عن مواقف إنكار السنّة في الرسالة فإنّه أشار إليها في كتابه “الأم” وردّ عليها. يقول : “قال لي قائل ينسب إلى العلم بمذهب أصحابه قد وجدت مذهبك لا تبرئون أحدا لقيتموه وقدّمتموه في الصدق والحفظ ولا أحدا لقيت ممّن لقيتم من أن يغلط وينسى ويخطئ في حديثه بل وجدتكم تقولون لغير واحد منهم أخطأ فلان في حديث كذا ووجدتكم تقولون : لو قال رجل لحديث أحلّلتم به وحرّمتم من علم الخاصة لم يقل هذا رسول الله (ص) إنما أخطأتم أو من حدّثكم وكذبتم أو من حدّثكم لم تستتيبوه ولم تزيدوا على أن تقولوا له : بئسما قلت أفيجوز أن يفرق بين شيء من أحكام القرآن وظاهره واحد عند من سمعه بخبر من هو كما وصفتم فيه وتقيمون أخبارهم مقام كتاب الله وأنتم تعطون بها وتمنعون بها ؟ قال : لا أقبل منها شيئا إذا كان يمكن فيها الوهم ولا أقبل إلا ما أشهد به على الله كما أشهد بكتابه الذي لا يسع أحدا الشكّ في حرف منه أو يجوز أن يقوم شيء مقام الإحاطة وليس بها”[13].

إقرأ أيضًا: محمد عابد الجابري باعتباره مفسرا للقرآن

وقد طوّر العلماء المنكرون لحجيّة السنّة إجمالا هذه الفكرة الأخيرة وشرّعوها من خلال آيات قرآنية، من قبيل “مَا فرَّطْنا فِي الكتَابِ منْ شيءٍ”. (الأنعام 6/38).

إذن لا شكّ أن النظّام قد تفاعل مع هذا الجدل الدائر حول مشروعيّة الأحاديث كما لاحظ قوّة مذهب أهل الحديث خاصّة بعد أن دعمهم الشافعي واطّلع على حركة وضع الحديث التي كانت متفشّية لأسباب سياسيّة ودينيّة ومذهبيّة وغيرها[14].

وقد تبنّى النظّام في هذا المجال موقف الناقدين وعبّر عن آرائه في كتب ألّفها لم تصلنا لكن ما وصلنا هو نصوص قليلة ينقد فيها الصحابة وأخبارهم واختلاف المحدّثين وتناقض رواياتهم وهذه النصوص رواها الجاحظ (ت. 255 هـ) عن أستاذه النظّام ولكنّها هي أيضا لم تصلنا في الغالب إلاّ عبر كتب أخرى نذكر منها هنا ما تركّز على نقد الأخبار وهي بالأساس كتاب “الأخبار” للجاحظ الذي وردت منه بعض النصوص في كتاب أحد علماء الزيدية في القرن السادس الهجري[15] .

ويبدو أن الجاحظ الذي نقل إلينا أغلب ما نعرفه عن النظّام في كتبه المختلفة كان متفاعلا مع نقد الأخبار ومنسجما معها، من ذلك أنه في أثره المعروف بـ”كتاب التوحيد” ذكر أنّ أبا هريرة ليس بثقة في الرواية عن رسول الله قال : “لم يكن علي يوثقه في الرواية بل يتهمه ويقدح فيه وكذلك عمر وعائشة”[16].

ولنبدأ من بيان الموقف النظري للنظام من الخبر بصنفيه المتواتر والآحاد.

يعتبر النظام أن الخبر المتواتر ليس طريقا إلى العلم وليس حجة وأنه يجوز وقوعه كذبا رغم خروج ناقليه عند سماع الخبر عن الحصر، وذكر ابن حزم (ت. 456 هـ) عن النظّام أنه كان يقول : “إن خبر التواتر لا يضطر لأنّ كلّ واحد منهم يجوز عليه الغلط والكذب وكذلك يجوز على جميعهم ومن المحال أن يجتمع ممّن يجوز الغلط عليه الكذب ونظّر ذلك بأعمى وأعمى فلا يجوز أن يجتمع مبصرون”[17].

ولا يستغرب إنكاره للمتواتر ما دام ينكر حجيّة الإجماع كما سنرى ويجوّز اجتماع الأمّة على الضلالة.

وقد انتقد مفهوم التواتر في عصرنا الحديث خاصّة فبيّن بعض الباحثين الخلفيّات النظريّة للتواتر، وسعى آخرون إلى إبراز أن الحديث المتواتر يمكن ألاّ يكون مطابقا للحقيقة التاريخية من ذلك ما قام به جينبول (Juynboll) الذي درس مختلف روايات حديث متواتر هو “من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار”[18].

وهناك من انتقد مفهوم التواتر من منطلق القانون الوضعي الحديث الذي لا يعوّل البتّة على مقولة التواتر بل إنه لا أثر له في القانون حسب بعض الدارسين. ويبدو أنّ هذا الموقف يتأسّس على الطابع الشفوي لهذا الخبر ذلك أنّه يمكن أن يتواتر –أي يشيع- خبر لا أساس له من الصحّة خاصّة إن كانت تقف وراءه سلطة ما ترغب في ترويج فكرة ما أو معلومة معيّنة.

وبالإضافة إلى ذلك فالأحاديث المتواترة قليلة[19] كما أن المؤرّخين أصبحوا اليوم يتخذون موقف شكّ من الأخبار المجمع عليها المرويّة عن الماضي البعيد سواء في الحضارة الإسلامية أو في غيرها من الحضارات.

وقد أبطل النظّام على صعيد آخر خبر الواحد وقال إنه لا يوجب العلم الضروري غير أنه إذا اقترنت به (خبر الآحاد) قرينة وقع العلم به لكل سامع وذلك مثل أن يقول الرجل : .. أنا قتلت فلانا ويجب عليّ القصاص” فإن كلّ أحد يعلم أنّه صادق لأنه لو لم يكن صادقا لما أقرّ على نفسه بما يوجب القتل وكذلك إذا رأينا دخانا عظيما في موضع بعيد ثم جاء رجل وقال وقع الحريق في الموضع الفلاني فالحقوهم” فإنّ كلّ من يسمع هذا مع هذه القرينة يقع له العلم بذلك[20].

ولم يشذّ النظّام في ردّه خبر الآحاد عن كثير من المعتزلة الذين رفضوا خبر الواحد مشترطين التعدّد فهذا أبو الحسين الخيّاط ينكر حجيّة أخبار الآحاد وهو ما جعل أبا الوليد الباجي (ت. 474 هـ) يؤلّف “كتاب تكفير أبي الحسين الخيّاط” كفّر فيه المعتزلة جميعهم لنفيهم حجيّة أخبار الآحاد، وهذا أبو علي الجبائي –كما ينقله المازري وغيره- لا يقبل الخبر إذا رواه العدل إلاّ إذا انضمّ إليه خبر عدل آخر أو عضده ظاهر خبر آخر أو وافقه ظاهر الكتاب أو عمل به بعض الصحابة بل قد نسب بعضهم إلى الجبائي أنه لا يقبل الخبر إلا إذا رواه أربعة.

ويظهر أن القرن الثاني كان الزمن الذي شهد بداية النقد الاعتزالي لخبر الواحد يقول ابن حزم : “فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي (ص) يجري على ذلك كلّ فرقة في عملها كأهل السنّة والخوارج والشيعة والقدريّة حتى حدث متكلّمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا الإجماع في ذلك”[21].

ويتأسس نقد النظّام للأخبار على خلفيّة نظريّة رئيسيّة هي العقل الذي قد يكون سلطانه عليه بلغ درجة اعتباره يمكن أن ينسخ الأخبار. وهي فكرة غير مستغربة منه لكنّنا نقدّمها باحتراز لأنّها وردت على لسان خصم له هو ابن قتيبة الذي يقول : “فهذه أقاويل النظّام قد بيناها وأجبناه عنها وله أقاويل في أحاديث يدّعي عليها أنها مناقضة للكتاب وأحاديث يستبشعها من جهة حجّة العقل وذكر أنّ جهة حجّة العقل قد تنسخ الأخبار…”[22]

وإذن فالخلاف بين النظّام والمعتزلة عموما وبين أهل السنّة يتركّز على طرق كسب المعرفة أو مصدرها فأهل السنّة يرون أنّ مصدر المعرفة السمع والعقل، فالسمع مصدر المعرفة الشرعيّة أي الأوامر والنواهي أمّا إدراك وجود الله وصفاته والبحث في مثل هذه المسائل التي عليها مدار التوحيد فمصدرها العقل، والعقل والسمع مصدران للمعرفة لكن ليس لهما القدرة على الإدراك فهما طريقان لا أكثر ولا أقل، أمّا المعتزلة فالعقل عندهم هو أساس كلّ معرفة وهو الذي يدرك ويعرف وإن اتخذ الحواس طريقا أو مصدرا للمعرفة. وبالفعل فالمعلومات عند النظّام ضربان : محسوس وغير محسوس والمحسوس منها أجسام لا يصحّ العلم بها إلا من جهة الحسّ. والحسّ عنده لا يقع إلا على جسم واللون والطعم والرائحة والصوت عنده أجسام ولهذا أدركت بالحواس في رأيه وأما غير المحسوس فضربان قديم وعرض وليس طريق العلم بهما الخبر وإنما يعلمان بالقياس (العقلي طبعا) والنظر دون الحسّ والخبر[23].

وعلى أساس منزلة العقل هذه وقع تحكيمه في نقد الخبر سواء كان سندا أو متنا، ففي مستوى السند اهتمّ النظّام بمصدر الخبر لييتثبّت منه أو يشكّ في صحّته وينقده، أمّا على صعيد المتن فقد رفض كثيرا من الأخبار التي يكذبها العقل أو العيان أو التجربة أو التي في متونها غرابة أو التي يلوح منها تشبيه أو تجسيم أو إثبات صفات الله.

ومن تجلّيات نقد النظّام لرواة الأخبار والمحدّثين قوله: “وكيف يجيز السامع صدق المخبر إذا كان لا يضطرّه خبره ولم يكن معه علم يدلّ على صدق غيبه ولا شاهد قياس يصدّقه وكون الكذب غير مستحيل منه مع كثرة العلل التي يكذب النّاس لها ودقّة حيلهم فيها؟ ولو كان الصادق عند الناس لا يكذب والأمين والثقة لا ينسى والوفيّ لا يغدر لطابت المعيشة ولسلموا من سوء العاقبة. وكيف نأمن كذب الصادق وخيانة الأمين وقد ترى الفقيه يكذب في الحديث ويدلّس في الإسناد ويدّعي لقاء من لم يبلغه ومن غريب الخبر ما لم يسمعه ثم لا يرى أن يرجع عن ذلك في مرضه قبل أن تغرغر نفسه وقد أيقن بالموت وأشفى[24] على حفرته بعد طول إصراره والتمتّع بالرياسة في حياته وأكل أموال الناس به. ولولا أن الفقهاء والمحدثين والرواة والصلحاء المرضيين يكذبون في الأخبار ويغلطون في الآثار لما تناقضت آثارهم ولا تدافعت أخبارهم ولو وجب علينا تصديق المحدّث اليوم لظاهر عدالته لوجب علينا تصديق مثله وإن روى ضدّ روايته وخلاف خبره وإذا نحن قد وجب علينا تصديق المتناقض وتصحيح الفاسد لأنّ الغلط في الأخبار والكذب في الآثار لم نجده خاصّا في بعض دون بعض”[25].

لقد أوردنا هذا النصّ -على طوله- لأهميته من جهة وصعوبة الاطلاع عليه من جهة أخرى ذلك أن المصدر الذي نقله غير منتشر وغير معروف عموما. وتعزى هذه الأهميّة إلى ما يبدو فيه من حسّ نقدي تاريخيّ جعل صاحبه يدرك أن الكذب في الأخبار تقف وراءه أسباب كثيرة ذكر أبرزها وهي التمتّع بالسلطة والتقرّب من الحكّام وكسب المال من جرّاء ذلك.

وبهذا كان النظّام سابقا لغيره في محاولة النظر والتحليل الموضوعي لظاهرة الوضع في الحديث وهو ما نجده عند الرازي على سبيل المثال فقد ذهب إلى أنه من باب المعلوم بالضرورة ألاّ تكون ألفاظ الحديث النبوي ألفاظ الرسول عينها فهي رويت بعد قولها بعقدين أو ثلاثة. وهو يرى أن الرواة المصدّقين غير معصومين ويشير إلى الطعن الشنيع بين الصحابة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1]  أحمد بن يحيى  المرتضى، باب ذكر المعتزلة من كتاب المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل ،تحقيق توما أرنلد،حيدر آباد الدكن،1316ه، ص39.

[2]  المصدر نفسه، ص4.

[3]  القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد سيد،بيروت، المعهد الألماني للأبحاث الشرقية، دار الفارابي، 2017،ص243.

[4] – انظر الخياط، الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد. فصل “كلام النظام في كون القرآن حجة للنبوة”، القاهرة،مكتبة الدار العربية للكتاب، بيروت،أوراق شرقية للطباعة والنشر والتوزيع،1993 ،ص 27.

[5] – الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل، بيروت، دار الفكر، (د.ت.)، 1/56-57.

[6] – قُلْ لَئِن اجتمَعَتْ الإنسُ والجنُ على أن يأتُوا بمثلِ هذا القرآنِ لا يأتُونَ بمثلِهِ ولو كان بعضُهُم لبعضٍ ظهيرًا” (الإسراء 17/88).

[7] – الباسق من النخل : المرتفع الأغصان. وبواسق السحاب أوائله.

[8] – أحمد محمود صبحي، في علم الكلام، ص 228 وانظر موقف ابن حزم في الفصل ص10 وما بعدها. وانظر الإشادة بموقف الصرفة عند النظام في كتاب محمد عبد الهادي أبو ريده، إبراهيم النظام وأراؤه الكلامية والفلسفية.

[9] -التوبة 9/40.

[10] – ابن حزم، الفصل في الأهواء والملل والنحل، ط1، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1996، 5/39.

[11] – الجن 72/18.

[12] – عادل العوا، المرجع المذكور، ص 193.

[13] – الشافعي، الأم، ط2، بيروت، 1973، 7/273-274.

[14] – انظر عمر فلاتة، الوضع في الحديث، ط1، بيروت، دمشق، 1981.

[15] – أبو سعيد نشوان الحميري، شرح رسالة الحور العين وتنبيه السامعين، تحقيق كمال مصطفى، ط2، بيروت، دار آزال للطباعة والنشر، 1985، ص ص 284-290.

[16] – راجع ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ط2، مصر، 1965، 6/31.

[17] – نقلا عن عادل العوا، المعتزلة والفكر الحر، ص 195.

[18] – راجع : Juynboll : Muslim tradition, Cambridge, 1983, Chap. 3 : The man kadhaba tradition and the prohibition of  lamenting the dead an investigation into mutawàtir traditions, pp. 96-1349.

[19] – انظر مثلا : السيوطي، الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة، القاهرة 1302 هـ/1985 وانظر فصل متواتر (MUTAWATIR) لـ (Henrichs) بـ د.م.إ. ط2 بالفرنسية 7/783.

[20] – الشيرازي، شرح اللمع، تحقيق عبد المجيد تركي، ط1، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1988، 1/582-583، وانظر الباجي، إحكام الفصول، ص 326 ، والكلوذاني، التمهيد في أصول الفقه، ط1، جدة، دار المدني، 1985، 3/79.

[21] – ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق لجنة من العلماء، ط2، بيروت، دار الجيل، 1987، (8 أجزاء في مجلدين)، 1/108.

 

[22] – ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث،،تحقيق عبد القادر أحمد عطا، ط1، بيروت، مؤسسة الكتب الثقافية، 1988، ص 50.

[23] – انظر البغدادي، أصول الدين، ص ص 140-141.

[24]  أشفى: أشرف

[25] – هذا النصّ رواه الجاحظ في كتابه “الأخبار” عن أستاذه النظّام وقد وصلنا من خلال أبي نشوان سعيد الحميري، رسالة الحور العين، المصدر المذكور، ص ص 284-285.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete