إحداثية البطل في العالَم: البُعدان الأخلاقي والحضاري

في عموم الثقافات الإنسانية ثمة حديث يطال الأبطال، لناحية استعصاء قدراتهم على الشَّرط البشري المعتاد أو المُـتداول بين الناس العاديين، وقدرتهم على تجاوز ذلك الشَّرط وخرق قوانينه والإتيان بما لا قبل للناس على الإتيان بمثله. ولقد حظيت معظم الثقافات الإنسانية بنماذج لأبطال خارقين، بصفتهم جزءاً من كينونة تلك الثقافات وقيمتها الوجودية، تحديداً ساعة مواجهة كينونة الثقافات الأخرى، وتحديها أيضاً. فكلّ “الشعوب المتحضرة الكبرى تقريباً نسجت في وقتٍ مُبكّر، أبطالها وملوكها وأمراءها ومؤسسي دياناتها وأسرها المالكة وإمبراطوريتها ومدنها الأسطورية، وبالاختصار أبطالها القوميين، وخصّت تاريخ ميلادهم وسنواتهم المبكرة بسماتٍ خيالية…” (1)

ولكي يستقيم هذا (الفعل البَعْدي) لناحية إسباغ هالة استثنائية على أشخاص بعينهم، وأسطرة وجودهم في الزمن المستقبلي، وترسيخ هذه الهالة في الأجيال القادمة؛ لا بُدَّ لهذا الترسيخ أن يُثبَّت من لحظة ميلاد البطل. ولكي تستقيم لحظة الميلاد بدورها، لا بُدَّ –أيضاً- من التأسيس لولادة البطل في الزَّمن القَبْلي؛ فتتشكل بالتالي، في أذهان الناس، سردية كاملة ومُتكاملة حول البطل المُفارق للشَّرط الإنساني، تحديداً لشرط الشعف ومحدودية الإمكانات.

إذاً، نحنُ أمام ثلاث ولادات للبطل:

  • ولادة قَبْلية على مستوى الإشارات والإلماحات، والتي يُؤسَّس لها لاحقاً، وذلك بالتأشير على ما كان عليه وضع الأُمَّة او الحضارة مرحلة ما قبل البطل، والإشارات التي بدأت تظهر كعلامات نهائيةٍ على انبثاق اللحظة الحاسمة، وولادة البطل الاستثنائي وإقدامه، من ثمَّ، على أعمال يعجز عن القيام بها أو أدائها بقية الناس، فالمادة التكوينية للبطل متفوقة –بما لا يقبل المقارنة- على مواد الآخرين. لذا ينبغي للإشارات والإلماحات على اقتراب ولادته أن تحمل في بنيتها الأصلية تكويناً استثنائياً، لكي يتأكَّد في سياق خارق لحظة ولادته في الزمن والمكان. فالبطل قد يكون ابناً لأم عاقر أو لأب لا ينجب، فواحدة من مُحدّدات بشارة ولادة البطل بحسب “جالتون” هي “أن إنجابه اعترضته العوائق مثل الزهد أو العقم المؤقت”.(2) ثم فجأة تتغيّر المقادير وتنكسر رتابة الزمن الذي يُولد ضمن ظروفه أناس عاديون، وتحلّ محلها قوة زمانية عاتية خاصة بالبطل، نظراً لما ينتظره لاحقاً، فالسياق الهُويَّاتي للأمة الجريحة بحاجةٍ إلى ترميم جوهري، وهذا فعل كبير لن يقدر على إنجازه في زمن محدود وقصير ومنسجم مع عقليات التابعين السريعة، إلا من كانت بنيته الأصلية تحمل في تكوينها قوة هائلة قادرة على اجتراح المعجزات وإحداث خروقات في مقولتي الزمن والمكان!
  • ولادةً حقيقية، أعني خروجه من رحم أمِّه أو من بيضة طير جارح أو خروجه من كهف منسي…إلخ، فهذه الولادة ستقترن برؤى أو منامات تُشاهدها أمه أو يُشاهدها الناس أو يُعاينون حضورها الطاغي، فقد يسطع نور باهر في الفضاء، أو يُشاهد أحد ما حلما يُفسّر على أنه إشارة لولادة بطل خارق، أو قد تشتعل نار في منطقة ما وتُضيء مساحات شاسعة، أو تُرى غمامة تُظلّل الشمس لحظة ولادة البطل…إلخ. وكما أشار “شيشرون” في كتابه (علم الغيب في العالم القديم)، “فقد احترق معبد ديانا، في أفسوس، في الليلة التي ولدت فيها أوليمبياس Olympias ابنها الإسكندر، وأن كهنة الفرس القدامة، قد أخذوا يصيحون مطلع النهار قائلين: لقد ولد أمس، شقاء مهلك ينتظر آسيا” (3). وهي الفكرة ذاتها، التي سنجدها في معظم الثقافات المختلفة، عشية ولادة أبطالها القوميين.
  • ولادةً بَعْدية في الذهنين الفردي والجمعي، إذ يُعْمَل على تحويل مسار الأحداث اليومية والمعيش الواقعي للبطل من إطاره العادي الذي يُمارسه كل الناس أو معظمهم إلى إطار الأحداث الخارقة الخاصة به حصراً، فعطسة البطل ليست كعطسة الناس العاديين، وذهابه إلى دورة المياه ليس كذهابهم، وقوله “نعم” أو “لا” ليست كأقوالهم، ومشيته ليست كمشيتهم، وضحكته على الأكيد ليست كضحكات الناس العادين، نظراً لانطوائها على بعد غير مرئي يستعصي على أذهان الناس، وإمالته لرأسه يميناً أو يساراً، رمز مُحمّل بدلالات عميقة. فكلّ حركاته وسكناته، يقظاته وأحلامه، رؤاه وتطبيقاتها، آلامه وأحلامه، ذات دلالات عميقة وتنبؤية، لذا يُحْرَص على تأريخها ونقلها من جيل إلى جيل، لتؤول إلى شيء مُؤسِّس في ثقافة أمة من الأمم.

بالتقادم، يتأيقن هذا البطل في أذهان الناس، لذا يتحوّل إلى رمز دالّ، ويصبح الخلاص مقروناً به وبأتبّاع تعاليمه. لذا يكثر ظهوره، بأوضاع كلها خوارق ومعجزات، للمريدين والأتباع، في المنامات أو في أحلام اليقظة، كدلالةٍ مُحمّلة بمرموزات ذات تأثير كبير على حركة الاجتماع الإنساني.

إذاً، نحن أمام ثلاث ولادات للبطل، يتم ضخّ محتوياتها بالتقادم، إلى درجة تحوّلها إلى جزء من الموروث الثقافي التأسيسي للأمة التي تُؤصِّل لبطلها، بصفته حدثاً أنطولوجياً بالدرجة الأولى. فهرقل بالنسبة للحضارة الرومانية وأخيل بالنسبة للثقافة الأغريقية وجلجامش بالنسبة للحضارات السومرية والنبي موسى بالنسبة لليهود والمسيح بالنسبة للمسيحيين والنبي محمد بالنسبة للمسلمين وبوذا بالنسبة للبوذيين ورامايانا بالنسبة للهنود وشفنا بالنسبة للهندوس ورستم بالنسبة للفارسيين؛ أو فكرة المُخلّص في عموميتها لدى كثير من الأمم والشعوب…إلخ، أسماء تأسيسية في ثقافاتها وعلامة بارزة في عموم الحراك المعرفي الفردي والجمعي، لتلك الثقافات، نظراً للحمولة الأنطولوجية القارّة بين جنبيها؛ أعني اعتلائها على الشرط الإنساني العادي، وتموقعها في منطقة علوية تمكّنها من تشوّف الوجود من علّ، على عكس الناس العاديين، الذين لا قِبلَ لهم بهذا المسعى الخارق!

(2)

أمكن تفهّم هكذا ثقافة – في واحدة من تجلياتها المعرفية- التي تحاول تعزيز ثقافة البطولة، مُمثلّةً بأشخاص بعينهم دون سواهم، كنوعٍ من التأسيس (المعرفي/ السيكولوجي) لإثبات قيمة الذات الجمعية أنطولوجياً، أو ترسيخ مسعاها الهُويَّاتي بإزاء الهُويَّات الأخرى أو المغايرة. فالذَّات الجمعية بحاجةٍ إلى إثبات قيمتها وتعزيز مكانتها لدى الآخرين، إذ ليس من المعقول أن يكون لدى الآخر بطلاً ولا يكون لدى هذه الذَّات بطلها هي الأخرى. فالتوازن الوجودي سمة بارزة في عموم الثقافات الإنسانية، ومسعى حثيث لإبراز قيمة الذات الجميعة –عبر شخصية البطل الخارق- بإزء الذات الجمعية المغايرة، وتأكيد الدور المحوري الذي تلعبه هذه الذات، أو يمكن أن تلعبه، نظراً لانطواء بنيتها التكوينية على عنصر خارق ومفارق؛ لذا هي على استعداد دائم لاجتراح المعجزات، لغاية التقدّم ناحية الأمام وعدم الركون إلى ما هو قائم. فالإمكان الاستثنائي الكامن في شخصية البطل، هو إمكان برسم الجهوزية التامة، للردّ على معجزات الآخرين أو قواهم، سواء أكانت واقعية أم خيالية. وهو إذ يُطاوِل الآخر –للردّ عليه- فإنه يُطاوله بقوةٍ خارقة يعجز عنها الشرط البشري في مواضعاته المختلفة. لكن يبدو أن تضامناً بين الثقافات المختلفة قد جعلها تتساوى في هذه الحاجة الوجودية، فمن لديها بطل صعد إلى السماء، فالثقافة الأخرى لديها بطل مُستقر في السماء. ومن لديها بطل يستطيع الانتقال من المشرق إلى المغرب بين إغماضة عين وفتحها، فلدى الثقافة الأخرى بطل يستطيع الخروج من الأرض كاملة ويطوّف السموات بلحظات معدودة، وهكذا.

لكن ثمة سؤال يطرح نفسه بقوةٍ في هذا المجال: ما الذي يملكه البطل، ولا يملكه غيره من الناس، بحيث يصير وجوده في العالَم وجوداً ضرورياً ومصيرياً، ولا يمكن لسياقات الحياة الإنسانية أن تستقيم بدون إبداعاتهم الإعجازية؟

لربما، ثمة بعض الإلماحات والإشارات للإجابة الجزئية على هذا السؤال في موضوعة الولادات التي تحدثت عنها آنفاً، ولكن أمكن مقاربة الموضوع من زاوية أخرى:

ماذا لو لم يُوجد البطل أساساً؟ هذا سؤال عقلاني من جهة، وغير واقعي من جهة ثانية. عقلاني لمشروعية طرحه وإمكان تقديم بديل عن عدم وجودهم. وغير واقعي لأنهم وجودا أصلاً وأصبحوا جزءا من ثقافات الأمم والشعوب. بإزاء ذلك يمكن الانتقال إلى سؤال آخر أمكنه تفصيل المسألة بشكل أوضح:

ما الذي قدّمه هؤلاء الأبطال للثقافة الإنسانية، وعجز غيرهم عن تقديمه؟ ما هي الإضافات المفصلية والمصيرية التي اضطلع بها هؤلاء، ولم يكن لحياة البشر أن تستقيم بدونها؟

أمكن الحديث والمحاججة بإسهامات ومعجزات الأبطال، لا سيما من قبل الأتباع والمُريدين، والنقلة النوعية التي حدثت في عموم النسق الثقافي لأمةٍ من الأمم، عقب ظهور بطل بعينه في تلك الأمة، والدور الإسهامي الذي قدّمه لها، ونُقلت بموجبه من النقطة “أ” إلى النقطة “ب”. لكن الخطورة الكبيرة في إقرار ثقافة البطولة وحصرها في أشخاص بعينهم تحديداً، ومنعها عن بقية الناس الآخرين، هي – أعني الخطورة – في تمثّل نسق عمودي يفصل بين الناس، ويجعل منهم طبقات بعضها فوق بعض، بما يضر النسق الإنساني، أو هو أضر به أصلاً، أكثر مما ينفعه، سواء:

  • على المستوى الأخلاقي.
  • على المستوى الحضاري.

فعلى المستوى الأخلاقي، ثمة انحياز مبدئي لأشخاص بعينهم على حساب الآخرين منذ اللحظة الأولى، وليس نتيجة تطوّر طبيعي، إذ تفوقوا في تخصصاتهم –نتيجة اجتهاد كبير- أكثر من الآخرين. هذا الانحياز مسلك غير أخلاقي، لأنه يضع الناس بعضهم فوق بعض، ففي قمة الهرم يجلس الأبطال، دون أن يفعلوا –هذا إن فعلوا- شيئاً في الواقع العملي أكثر مما يستطيعه غيرهم، لكن تمَّ تضخيمهم ذهنياً. فشخص مثل نيوتن أو ابن خلدون وصلوا إلى ما وصلوا إليه نتيجة لاجتهادهم المضني والطويل، بما منحهم أفضلية معرفية على غيرهم، مع العلم أن غيرهم سيتفوق عليهم في مجالات أخرى، بما يجعلهم جميعاً يسيرون جنباً إلى جنب وليس يركبون بعضهم فوق بعض. أما شخص مثل المُخلِّص فهو شخص فوق الناس منذ اللحظة الأولى، دون أن نرى شيئاً من أفعاله في الواقع، بل غُرس في أذهان الناس أفضليته المُطلقة على كل ما سواه.

وعلى المستوى الحضاري، تُوجد فكرة البطل نوعاً من العزل الحضاري بين الناس، إذ يتم التأسيس لشعور إكراهي لدى الناس يستلبهم حقهم في المساهمة –عبر نشاط إبداعي يمكن أن تتعدّد تجلياته- في بناء معمار الحضارة الإنسانية، لا سيما ساعة تُؤسّس فكرة البطل إلى ربط فكرة الإبداع الحضاري بأشخاص لديهم قدرات هائلة وخارقة على اجتراح المعجزات، وليس إلى شرط الوجود الإنساني العادي، مع تفعيل دور تنمية القدرات الفردية والجمعية بالعلم والمعرفة، ودمجها ضمن نسق كلي؛ وعدم رهن هذا النشط لقدرات خارقة ومفارقة للمألوف والمُتداول. فبناء الحضارة الإنسانية، والدفع بها قدماً ناحية الأمام، هو بناء تشاركي، تلاحمي، أفقي، تواصلي، تراكمي، بين ذواتٍ كثيرة وعديدة، تتواصل فيما بينها وتُراكم خبراتها إلى جانب بعضها، وليس بناء فوري، خارق، وغير خاضع لتراتبية الزمن، وعلي أيدي أشخاص خارقون لقانوني الزمن والمكان. إنه بناء، أعني بناء المعمار الحضاري، يُشارك فيه الحدَّاد إلى جانب الفيلسوف، والنجّار إلى جانب العالِم، والصيّاد إلى جانب المبرمج الإلكتروني، والأمّ إلى جانب الطبيب، والمُمثّل إلى جانب المهندس؛ كلّ حسب طاقاته، شريطة تنمية هذه الطاقات بشكل دائم ومتواصل. ولقد أثبتت التجربة التاريخية للجنس البشري أن النشاط الحضاري لم يقم على أكتاف أناس بعينهم، بما يمنحهم ميزةً –أياً كانت مصدريتها- عن غيرهم، بل هو نشاط قام على أكتاف أناس لا حصر لهم، حتى وإن حدث تلفيق تاريخي كبير ونُسب هذا النشاط إلى أشخاص بعينهم وإلى تعاليمهم المضادة للشرط الإنساني والمُتعالية عليه.

 

 

 

 

(1): جملة يقتبسها سيغموند فرويد، في كتابه، موسى والتوحيد، عن أوتو رانك أساساً.

فرويد، سيغموند، موسى والتوحيد، ترجمة عبد المنعم الحفني، مطبعة الدار المصرية، ط2، 1978، ص 35.

(2): المرجع السابق، ص 34.

(3): شيشرون، ماركوس توليوس، علم الغيب في العالم القديم، ترجمة توفيق الطويل، دار الوراق للنشر، لندن، المملكة المتحدة، ط1، 2015، ص ص 92- 93.

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete