إسلام الإخوان وإسلام الأزهر: مناقشةُ الحالةِ الدينيةِ في مِصْرَ

 تكوين

-1-

يتحدثُ التيار الوضعي في مصر عن حالة من النكوص الحداثي على مستوى الدولة والمجتمع: فالدولة يتزايد خضوعها لضغوط القوى الأصولية التي انضمَّ إليها الأزهرُ بأسلوبٍ انتهازي صريح. وهي تكادُ تنقلب على مبادئ الدستور الوطني وفكرة القانون، وعلى مُجمل المكاسب المدنية التي تحقَّقت على مدى القرنين الماضيين. والمجتمعُ يرتَدُّ تدريجيًا إلى مظاهرَ تراثية سبق له التخلي عنها في مرحلة المدِّ المدني، مثل حجاب المرأة وتقييد حقها في العمل والاختلاط، وملابس الرجال المنقولة عن سياقات اجتماعية مجاورة، وتغيير مفردات الخطاب اليومي التي صارت مشربة برطانة لُغوية مفتعلة، وكذلك رؤية المجتمع للفن والفكر التي صارت أكثرَ رجعيةً وتشددًا. هذه المظاهرُ لا تنتمي إلى جوهر الدين، بل تُعَبِّرُ عن تقاليدَ اجتماعيةٍ مُستعارة من ثقافة التدوين العربية، التي تحولت بفعل الفقه إلى تكاليفَ شرعيةٍ، وجرى توظيفها أيديولوجيًا من الحركة الأصولية في عملية الاحتجاج السياسي والثقافي ضدَّ الدولة والحداثة معًا.

عمليًا، لم يؤدِ التفاقم الأصولي إلى تحول جوهري إيجابي في بِنية المجتمع، سواء على مستوى السلوك الاجتماعي/الأخلاقي، أو في تحفيز قيم العمل والانتاج المادي/الاقتصادي، بل أدَّى إلى توتير المزاج العام ورفع وتيرة التعصب والعنف، عبر تضخيم الوعي بالتمايز الديني والمذهبي، وخفض منسوب التسامح الوطني الذي كرسته المرحلة المدنية، لقد خصمت الأصولية من رصيد الاعتدال الطبيعي الذي يتميز به نمط التدين الشعبي. وبوجه عام، قطعت مسار التطور الحداثي الذي بدأ بتكوين الدولة الوطنية منذ مطلع القرن التاسع عشر، وقطع شوطًا باتجاه التحول العلمي والتنمية الاقتصادية.

في المقابل، لا يزال التيارُ الإسلامي يتحدث عن حالة من النكوص الديني. وهو يوجِّهُ سهامَ النقد بالأساس إلى “الدولة” ذات الدستور العلماني المُستمد من ثقافة الغرب، والذي يقوم على فكرة المواطنة ويحل القانون محل الشريعة، أما “المجتمع” فهو رغم خلفيته التراثية يُبدي استجابةً واضحة للظواهر الحداثية، ولا ينضم صراحةً إلى حركة الاحتجاج الأصولي على الدولة.

كلا التيارين لا يبدو راضيًا عن أداء الدولة. وبدرجة أقل عن سلوك “المجتمع”، ومع ذلك فكلاهما يُراهن “سياسيًا” على طبيعة هذا الأخير؛ إذ يُعوِّل الأصوليون على “إسلامية” الشارع التقليدية وبِنيته التراثية الكامنة، والمُدعمة بنزوعه “الفطري” “المفترض” إلى التدين. فيما يعتمد الوضعيون على فكرة “التحول المدني” الذي تحققَ على مدى قرنين كاملين، وأسفر عن تطوراتٍ هيكليةٍ في بِنية المجتمع وثقافته الاجتماعية، هذا التحولُ لم يكن عارِضًا ثانويًّا، أو خيارًا هامشيًّا محصورًا فى النُخبة المتعلمة كما يُروج التيار الأصولي فحسب، وإنما نقلةٌ نوعيةٌ واسعةٌ على المستوى السياسي والثقافي والاقتصادي شملت جميع الطبقات.

وهي نقلة طبيعية متناغمة مع الخصائص الأصلية للشعب المصري الموروثة من تاريخه التعددي الطويل، ومُتناغمة فى الوقت نفسه مع توجهات الحداثة، التي غيَّرت مفاهيمِ الوعي البشري. وطريقة تفكيره حيال الإنسان والعالم، بما في ذلك الموروث الديني وعلاقته بالذات والمجتمع والدولة، وخلقت مشاغلَ عقليةً ونفسيةً واجتماعيةً جديدةً، تدور حول غرض التنمية المباشرة والحريات الفردية.

تَهْدِفُ هذه المقالةُ إلى رصْد “الحالة الأصولية” الراهنة في مصر، وتطورها مقارنة “بالحالة المدنية”:

  • 1 – كيف يُمكن تكييف الحضور السلفي المتفاقم على مستوى المجتمع؟ هل لا تزال الروافد التراثية المستمدة من الفقه تستغرق بِنية الثقافة؟ أم أن الروافدَ المدنيةَ المُستمدة من الحداثة صارت تفرض نفسها على نطاق واسع، يكفي للحديث عن نوع من الازدواجية الثقافية؟
  • 2- لماذا تبدو الدولة “مُنبطحة” إلى هذه الدرجة أمام الضغوط السلفية؟ هل يُشير ذلك إلى تطور بِنيوي في وعي السلطة اتجاه التحول إلى “دولة دينية”؟ أم أن المسألة تتعلق بمناورة سياسية براجماتية بالمعنى الميكياڤلي، لاحتواء التيار التراثي المدرسي الأقل تطرفًا، وتوظيفه في مقاومة الإسلام السياسي المتطرف، الذي يُمَثِّلُ تهديدًا مباشرًا للدولة؟

-2-

احتلالٌ أعرابيٌّ طويلٌ

في تكييف الحالة المصرية الراهنة، يُقَدِّمُ الكاتبُ المصري “محمد داود” طرحًا موضوعيًّا يستحقُّ النقاشَ، بسبب قوته الاستدلالية، وصراحته المباشرة، فضلًا عن معجمه الاصطلاحي الجذاب: يتكلم “داود” عن هيمنة واضحة لما يُسميه “ثقافة شبه الجزيرة” على الوعي المصري.

هذه الهيمنة بدأت “بالاحتلال الأعرابي” لمصر تحت عُنوان الفتح الإسلامي، أي أنها مُمتدة على نحو متواصل لما يزيد على ألف وأربعمائة عام. وهي هيمنةٌ قصدية واعية، تَهْدِفُ إلى احتواء المجتمع والدولة فى مصر، وتشتغل على طمْس “خصائصها” الحضارية الموروثة من روافدها التاريخية ومن مكتسباتها الحداثية على السواء، وصبغها بخصائص الثقافة العربية ذات الطابع البدوي الخشن الذي يَرْمُزُ له بمصطلح “بول البعير”.

يتكلم “داود” عن “احتلال” ثقافي أعرابي، فهو يُكرر مصطلحَ “ثقافة شبه الجزيرة” ولا يستخدم مصطلح “الثقافة الإسلامية” مُتجنبًا إيقاعه الصدامي المباشر. ومع ذلك لا يبدو حاسمًا في التفريق بين المصطلحين؛ فالثقافة الإسلامية في جوهرها إفرازٌ تاريخي ناتج عن اجتماعيات التأسيس المبكرة في شبه الجزيرة العربية. والاحتلال الأعرابي القائم له قوامٌ اجتماعي (ثقافي سياسي) واسع قبل أن يكون “دينيًا” بالمعنى الرُوحي الضيق.

لا يدخل “داود” في مناقشة نظرية موسعة في طبيعة الدين وعلاقته بالاجتماع، لكنه -بوصفه علمانيًا حداثيًا- يتعاطى مع حضور الدين بوصفه واقعةً مفهومة داخل إطارها الرُوحي الفردي، بعيدًا عن حكم الدولة، والتحكم فى المعالم التفصيلية للمجتمع. المُشكل المطروح إذن ليس مُشكلًا سياسيًّا بحتًا، وإنما معضلةٌ ثقافية اجتماعية شاملة، ومع ذلك يظل احتواء الدولة غرضًا دائمًا للاحتلال العربي وأحد أهم آلياته لفرض الهيمنة.

وفقًا “لداود”، يُطور الاحتلال الأعرابي أدواته باستمرار، ويلجأ أحيانًا إلى المناورة والتخفي تحت عناوينَ جديدةٍ لمواجهة الموجات العالية التي يفرضها التطور الاجتماعي. لقد نجح بفعل الحضور المتواصل في التسرب إلى صميم الوعي، فصار يعمل كثقافةٍ خلفية لا واعية للنُخب المتعلمنة ذاتها (خصوصًا التيارات القومية)، واستطاع احتواء عناصر من هذه النُخب وتوجيه حركتها لإعادة تكريس التراث، وهي العناصرُ التي يُسميها “داود” بـ “الحُشاشة الدينية”. وفي هذا السياق يرى “داود” أنَّ المرحلة الناصرية التي تبنَّت الترويج لفكرة القومية العربية في مصر، هي امتدادٌ مباشر لثقافة الاحتلال الأعرابي، وصيغة مُعدلة لأهدافه السياسية الثابتة، وواضح أن “داود” بغض النظر هنا عن التوجهات العلمانية المعلنة للناصرية، وعن موقفها القمعي المتشدد حيال حركة الإسلام السياسي التي دشنتها جماعة الإخوان المسلمين، فهنا الموقف القمعي -عنده- هو صورةٌ من صورِ الصراع “الداخلي” المحض المعروف بين القوى التراثية المتعددة، التي تصدر عن الثقافة الأعرابية ذاتها.

-3-

المُشكل إذن كما قرأها “داود” مُشكل كليٌّ تاريخي، يتعلق بثقافة “وافدة أو دخيلة” ذات خصائص بدائية متخلفة (حصرية/شمولية/عنف) مقابل ثقافة محلية أصلية، مشربة بعناصر حداثية ذات خصائص حضارية أعلى (تعددية/تسامح/معرفة). وما يُفهم من ذلك هو أن الخصائصَ المصريةَ الأصلية والمكتسبة لا تزال قائمةً، أي لا تزال واعية بهُويتها الخاصة، وقادرةٌ على إظهار صور من المقاومة ضد محاولات الطمس الأعرابية، لكنها مقاومةٌ ضعيفة وغيرُ مرشحةٍ لتحقيقِ نتائجَ إيجابيةٍ في المدى المنظور.

هذا التكييف -عندي- صحيحٌ في مجمله، لكنه يحتاجُ إلى مزيد من النقاش بشأن طبيعة المجتمع المصري، وعلاقته بالنظام التراثي (الإسلامي/العربي)، وبوجه خاص بخصوص حركة التطور التي طرأت على هذه العلاقة بامتداد القرنين الماضيين، وشهدت ظهور متغيرين رئيسين:

  • 1- عملية “التحول الحداثي” التي بدأت بتكوُّنِ “الدولة الوطنية” في مطلع القرن التاسع عشر، وأسفرت عن تغيرات مدنية واضحة على مستوى المجتمع.
  • 2- تبلور التيار الأصولي السياسي، الذي بدأ مع ظهور جماعة الإخوان المسلمين فى أوائل القرن العشرين. وأدَّى إلى انتكاسة واضحة في عملية التحول الحداثي.

لا يتجاهل “داود” عملية التحول الحداثي، لكنه لا يُعول عليها بالقدر اللازم، كونها عاملًا مؤثرًا يخصم بالفعل من قوة النظام التراثي.

أعني أنه يُبالغ بدرجةٍ ما فى تقييم هذا النظام، بوصفه غُولًا ثقافيًا جبارًا يستغرق معادلة القوة. واقعيًا، لم تكن “الحالة المدنية” التي تكوَّنت في مصر وبلغت ذُروتها في أوائل القرن الماضي، محض عارضٍ هامشيٍ، ولكنْ انقلابٌ تاريخيٌ جسيمٌ على أسسِ النظام التراثي “الهش” وهو في لحظة ضعفه القصوى مطلع القرن التاسع عشر. انطلقت التطورات الحداثية من نقطة الدولة (الدستور الوطني/النظام القانوني/النظام القضائي/الإدارة)، لكنها تمدَّدت على نطاقٍ واسع إلى هياكل المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والعقلية، وكُرست لتكون وضعيةً ثابتةً بفعل استقرار الدولة، وترويج النُخب الفكرية الناشئة. وبالنتيجة، صار بإمكاننا الحديثُ عن حالةٍ من “الازدواجية الثقافية” تتجاور فيها جذور السلفية الموروثة، ومظاهر الحداثة المكتسبة.

وفي هذا السياق عادت تظهر من جديد الخصائصَ “المصرية” الأصلية المنحدرة من تاريخ حضاري طويل ومتعدد الروافد، وهي أكثرُ تناغمًا مع أهداف ومشاغل الحداثة.

المعنى الواضح هنا هو تراجعُ النظام التراثي الذي لم يَعُدْ ينفرد بالثقافة، لا يتوقف طرح “داود” طويلًا أمام هذا المعنى وهو يقرأُ “المُشكل” انطلاقًا من نقطة الفتح/الغزو العربي، بوصفة حالةً متواصلة من الهيمنة، لم تتعرض لانقطاع جدِّي من ثقافة مؤثرة. لقد حدث هذا الانقطاع بالفعل من ثقافة الحداثة التي كَوَّنت الحالة المدنية في مصر، وخصمت عمليًا من مساحة النفوذ السلفي التقليدي.

صحيح أن المسارَ المدني صار يتعرض بدوره للانقطاع. أمام الهجوم “التراثي الجديد”، لكنه لا يزال يتوفر على عناصرَ قوتِه الموضوعية التي يُمكن البناء عليها. وهذا هو المعنى الذي يلزم إبرازه وتصعيده، لتحفيز الحركة التجديدية، كي تخرجَ من نوبة التشاؤم الراهنة وتستعيد موقفها “الهجومي” حيال النظام التراثي المُتخلف بشقيه: الأصولي/السياسي، والمدرسي/الأزهري، بعد أن فُرِض عليها التقهقر إلى مواقع دفاعية في العقود الأخيرة.

تستند الحركة التجديدية إلى مبدأ “التطور” الذي تؤيده قوانين الاجتماع الطبيعي، في مواجهة نظام ثقافي بدائي، يدفع المجتمع باتجاه الماضي ويعوق حركة التقدم الاقتصادي والاجتماعي.

واقعيًا، ورغم مظاهر التمدد الصوري القائمة، لا يبدو هذا النظامُ قادرًا على البقاء طويلًا أمام النقلة النوعية الهائلة التي صنعتها الحداثة في الوعي العام، على مستوى التفكير وخلق مشاغلَ إنسانيةٍ جديدة، مُغايرةً تمامًا لمشاغلِ العصور الوسطى ذات الطابع النظري الماورائي، هذه النقلةُ وضعت جميع الأنظمة التراثية (والأيديولوجيات النظرية التي تُقَدِّمُ تفسيرًا كُليًا للعالم) في موضع المُساءلة، بما فى ذلك النظام التراث الإسلامي الذي صار مُتهمًا بالحصرية المنافية لقانون التعدد الطبيعي، وبالجمود المناقض لقانون التطور الطبيعي، وبالعنف البدائي المناقض للسلام و فكرة الحرية.

وفي هذه المواجهة تستطيع الحركة التجديدية أن تعوِّلَ على الطبيعة الدارجة للشارع الشعبي، التي تتسم بالاعتدال والتسامح النسبي حيال الآخرِ. وهي تعكسُ الخصائصَ المصرية الأصلية، التي تكوَّنت بالتراكم في سياق حضاري مُتطور واستوعبت روافدَ ثقافية ودينية متعددة. ويظهر ذلك بوجه خاص في نسق “التدين الشعبي” الذي -رغم نزوعاته الرُوحية الموروثة- يقف على مسافةٍ محسوبة من الطرح الفقهي الرسمي، ويرفض الاستجابة للموقف الأصولي المتشدد. (في جميع السياقات الدينية، لا يتطابق نمط التدين الشعبي مع المنطوق التكليفي المكتوب للديانة، لا على مستوى اللاهوت ولا التشريع (وهي قاعدةٌ مضطردة تجدُ تفسيرها فى القوانين الطبيعية للاجتماع وفي مقدمتها قانون التنوع وقانون التطور).

وتستطيع الحركة التجديدية أن تعول -أيضًا- على الطبيعة المفترضة للدولة المصرية، بوصفها دولةً حديثة ذات دستورٍ مدني: بظروف النشأة مطلع القرن التاسع عشر، كان ظهورُ الدولةِ في ذاته واقعةً تجديدية. وهي التي قادت عملية التحول الحداثي وروَّجت لها، وظلَّ حضورها يُمَثِّلُ المظهر الأهم لهذه العملية التي تمددت على مستوى المجتمع. (تاريخيًا وكما أكرر دائمًا، يُمكن رؤية الدولة، أي دولة في المطلق، كِيانًا مدنيًا علمانيًا بالضرورة، بحكم غريزة السلطة التي تحركها أغراض “الواقع” اليومي المباشرة قبل دواعي الأيديولوجيا والأفكار النظرية، بما في ذلك مطالب الأنظمة الدينية التي هي في الواقع إفرازات وضعية لسياقات اجتماعية سابقة: تكوَّنت على يدِ الكهنة والفقهاء، ولذلك يظهر من وقت إلى آخرَ تناقضها الضروري مع حركة الاجتماع الخام).

والآن، ورغم ما يَظهر من تراجع الدولة أمام ضغوط المد السلفي، يُمكن الرهانُ دائمًا على الخصائص الأصلية للدولة، وقدرتها على استعادة الوعي بدورها التجديدي المفقود.

ومن الواضح أن الضغوطَ السلفية لم تَعُدْ تصدر عن جماعات الإسلام السياسي التي تقودها جماعة الإخوان المسلمين فحسب، ولكن عادت تُمارس أيضًا من “المؤسسة” الفقهية الرسمية أو شبهِ الرسمية الله يُمثلها الأزهر. وفيما تواصل الدولةُ موقفها المُتشدد، بل القمعيُّ حيال الأصولية السياسية، تبدو مُتساهلة نسبيًّا، بل ومشجعةٌ أحيانًا حيال السلفية الفقهية التي ينشرها الأزهر على المستويين: الرسمي والشعبي بنشاطٍ غيرِ مسبوقٍ.

يقرأ ذلك بوصفه مؤشرًا على تخلي الدولة عن فكرة “التجديد الاصطلاحي” للنظام التراثي الفقهي، أي على تناقص وعيها بوظيفتها التحديثية التي تبنتها منذ ظهور نسختها الحديثة. لكنه لا يُشير بالضرورة إلى تحول مقصود إلى نموذج “الدولة الدينية” بالمعنى الضيق. ببساطة تبدو الدولة مَعنية بهدفِ احتواء النظام الديني وتوظيفه سياسيًا من خلال الطبقة الفقهية، ومن هنا تظهر حاجتها لاستقطاب الأزهر المهيأ لأداء هذا الدور بحكم تكونيه المذهبي الأشعري القريب من التدين الشعبي، والقابل للانضواء تحت الدولة.

وكما ناقشتُ سابقًا تُفكر الدولة في المسألة الدينية كالآتي: يكمن المُشكل في التيار الأصولي الذي يُزاحم الدولة على السلطة، أي في تيار الإسلام السياسي المتطرف والطامع في الحكم. وفيما عدا ذلك لا يوجد مُشكل في الحضور الديني الفقهي داخل المجتمع، إذ يُمكن على الدوام احتواءُ نمط التدين الشعبي، والتحكم فيه، بل والتحدثُ باسمه وتبنيه من الدولة”.

لكن ذلك يعنى أن الدولةَ إما غافلةٌ عن طبيعة المُشكل، أو أنها تؤجلُ مواجهته مرحليًا “فالمُشكل يَكمن ببساطة في ثقافة النظام الديني التراثي وأهدافه الكُلية: الثقافة والأهداف المشتركة التي يَصْدُرُ عنها الأزهر والإخوان معًا، وهي ثقافةٌ رجعية منافية للحداثة ومناهضة لفكرة الدولة المدنية، فالمسألة في الواقع لا تتعلق بحماية الدولة/النظام من التطرف السياسي فحسب، ولكن قبل ذلك بحماية المجتمع والدولة من ثقافة الماضي المُتخلفة التي تَشُدُّهُ إلى التخلف الاقتصادي والاجتماعي العام.

يتبع،،،

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete