إشكاليات إسلامية:معضلة الإسلام في أوروبا…الإخوان والغرب: لعبة التوظيف المتبادل

 تكوين

-1-

يستخدم الغربُ الإسلامَ السياسي، ويستخدم الإسلامُ السياسيُّ الغربَ في “لعبة”، مكشوفة للطرفين.

  • الغرب الذي يستخدم الإسلام السياسي (ويصنعه أحيانًا) هو غربُ الدولة، أعني السياسات الحكومية كما يُمثلها النموذج البريطاني صاحب الريادة في هذا المجال بوجه خاص.
  • أما الغرب الذي يستخدمه الإسلامُ السياسي فهو بالأساس غرب “النظام العلماني التعددي” المفتوح، الذي يتسع لاستيعاب أقليات دينية أو إثنية مشمولة بحماية القانون، بالإضافة، استغلال الدعم السياسي والمادي الذي تقدمه الأنظمة الغربية بطريقة مُستترة أو مكشوفة.

ثمة مصالح متقاطعة، لكن عند نقطة معينة تكشف العلاقةُ عن تناقضاتٍ أصليةٍ على مستوى القيم وأجندة الأهداف، ما يتجلَّى بوضوح في مشكلِ “الأقليات المسلمة”، في أوروبا، التي صارت تتحول بفعل النشاط الأصولي المنظم إلى “أقليات إسلاموية”، أي بؤر أيديولوجية مُغلقة مُعادية لقيم الدولة المدنية، ومُرشحة على الدوام لإفراز التطرف والعنف.

في هذا السياقِ تظهر مسئولية جماعة الإخوان، بوصفها الجماعةَ “الأمَّ” التي بعثت ظاهرةَ الإسلامِ السياسي في الشرق العربي الحديث، فقطعت مسار التطور المدني المتواصل منذ مطلع القرن التاسع عشر، وخلقت حالةً مُزمنةً من التوتر الديني والسياسي في المنطقة. وبوصفها أيضًا التيارَ الإسلاميَّ صاحب العلاقة الأقدم مع الغرب، والمسئول الأول عن تطوير الظاهرة الأصولية وتصديرها إلى أوروبا.

-2-

بريطانيا وجماعة الإخوان

تُمَثِّلُ العلاقة بين بريطانيا وجماعة الإخوان النموذجَ الكلاسيكيَّ الأقدم للاستخدام الغربي للإسلام السياسي. بدأت هذه العلاقةُ منذ المراحل المُبكرة لنشأة الجماعة في مصر أوائل القرن الماضي. وبترتيب الوقائعِ، لا يُمكن فهم هذه النشأة بمعزل عن السياسات البريطانية في الشرق العربي منذ انتهاء الحرب الأولى، بغضِّ النظر عن النفي الإخواني، وشعاراته الخطابية المتكررة عن معاداة الغرب “المتآمر” على الإسلام.

وَفْق “مارك كيرتس” في دراسته الموثقة شئون سرية: تواطؤ بريطانيا مع الإسلام الراديكالي “(هي دراسةٌ تستندُ إلى وثائقَ رسميةٍ بريطانيةٍ وشهاداتٍ إخوانيةٍ مُفصلةٍ): تبلور في بريطانيا بعد انتهاء الحرب خيار استراتيجي بالتحالف مع القوى الإسلامية بغرض توظيفها “لتكون متاريسَ ضد الشيوعية والحركات القومية في الشرق الأوسط“. وتحول هذا الخيار بعد الحرب الثانية ونشوء “إسرائيل” إلى سياسة بريطانية ثابتة عبر الحكومات المحافظة والعمالية على السواء.

وفقًا لكيرتس

“تواطأت بريطانيا لعقودٍ مع القوى الإسلامية المُتطرفة بما فيها المنظمات الإرهابية. وقد تآمرت معها، وعملت إلى جانبها، وأحيانًا دربتها ومولتها”

لتحقيق الهدف الدائم. لسياستها الخارجية:

“السيطرةُ على المصادرِ الأساسية للطاقة، وتثبيت موقع بريطانيا في نظام مالي عالمي موائم للغرب”.

وفي غضون ذلك، جرى استخدام القوى الإسلامية “لتكون قبضةَ يدٍ محافظةٍ” لضرب القوميين المطالبين بالاستقلال، وتعزيزُ مواقع الأنظمة المساندة للغرب، وأحيانًا “لتكون قواتَ صدمٍ” لزعزعة الحكومات وإحداث تغييراتٍ داخليةٍ فيها، أو إسقاطها عبر حروب تتم بالواسطة.

في هذا الإطارِ يدور النقاشُ بشأن طبيعةِ العلاقةِ المُبكرة بين بريطانيا وجماعةِ الإخوان، بما في ذلك الجدل بخصوص “دور إنشائي” إبان الاحتلال، للمساعدة في احتواء المَدِّ الشيوعي وحركات المقاومة الوطنية المتنامية في نهاية العقد الثاني من القرن الماضي.

لكن، في الحدِّ الأدنى المُتَيَقَّنِ، وطبقَ الوثائقِ الخارجيةِ البريطانيةِ التي كُشِفَ عنها مؤخرًا، لا مجال للشكِّ في دور “تسهيلي تحفيزي” واعٍ، ساعد على تثبيت الجماعةِ وتصعيد حضورهِا السياسيِّ، من خلال التمرير الإداري والدعم المالي، بالتعاون مع القصر الملكي والحكومات المصرية المتعاقبة بما في ذلك حكومة الوفد.

(الروايات المتواترة تُشير إلى عملية التمويل المبكرة لحسن البنا في الإسماعيلية عن طريق هيئة قناة السويس. وطبقًا للوثائقِ، حظيت الجماعةُ منذ 1940 برعاية القصر الذي وجد فيها قوةً سياسيةً قادرة على موازاةِ الوفدِ، صاحبِ الشعبيةِ الكُبرى في البلاد، وشرع في تمويلها بطرقٍ متعددةٍ.

أما حزبُ الوفد نفسه فوجد فيها قوةً دينية قادرة على صد التوجهات الشيوعية، وبدأ في تمويلها سنة 1942 بالتنسيق مع البريطانيين. وكشفت الوثائق عن اجتماع مؤرخ 18-5-1942 لموظفي السفارة البريطانية مع رئيس الحكومة أمين عثمان، نوقشت فيه العلاقات مع الإخوان، وتقرر أن المساعداتِ الماليةَ السريةَ من حزب الوفد إلى الجماعة، سوف تتكفل بدفعها الحكومةُ المصرية، وأنها سوف تطلب عونًا ماليًا في هذا الشأن من السفارة البريطانية.

كما كشفت وثائقُ الخارجية البريطانية عن اجتماعات متعددة مع قيادات إخوانية، وأكدت أن الحكومةَ المصرية بالتنسيق مع السفارة البريطانية كانت تقدم “رشاوي ضخمة” (وَفْق تعبيرها) إلى حسن الهضيبي المرشد الجديد للإخوان بعد مقتل حسن البنا).

-3-

انتشار الإسلام السياسي في أوربا

في دراسته عن انتشار الإسلام السياسي في أوربا، يُميز “لورنزو فيدينو” الخبير الأكاديمي ومستشار السياسات في المؤسسة الأوروبية الديمقراطية، بين فئات ثلاث من الإسلاميين:

  • فئة الرافضين العنفويين أو الجهاديين
  • وفئة الرافضين غير العنفويين، مثل: السلفيين أو أعضاء حزب التحرير الذين يرفضون شرعية النظام الغربي، لكنهم لا يدافعون -علنًا على الأقل- عن استخدام العنف لتغييره
  • وفئة المشاركين الذين لا يرفضون التفاعل مع المجتمع الغربي ككل سواء عن طريق النشاط الشعبي أو عبر الاندماج السياسي في العملية الديموقراطية، خلافًا للرافضين اتخذت هذه الفئةُ خيارًا واعيًا لتجنب المواجهة غيرِ الضروريةِ مع السلطات أو المجتمع، والانخراطِ، عبر سياسات ممنهجة في المؤسسات الأوروبية.

يُظْهِرُ المشاركون -وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين- “الوجهَ غيرَ العنيفِ” للإسلام السياسي، وهو وَفْق فيدينيو الوجهَ الأكثرَ خطرًا على المجتمعات الأوربية في المدى الطويل. تسعى الجماعة باستخدام شبكةِ المساجدِ والجمعياتِ والمراكزِ التابعة لها والمنتشرة عبر البلاد الأوروبية “إلى أن تصبح مُمثلاً رسميًا أو فعليًا للجالية المسلمة، والشريك المفضل، إن لم يكن الحصري، للحكومات.

وهذا من شأنه أن يخدم أغراضًا مختلفة منها:

  • ما أَعلن عنه الإخوانُ صراحةً وهو الإسهام إيجابيًّا في مستقبل المجتمع الأوربي.
  • ومن خلال تسليط الضوء على القيم المشتركة، يُقدم الإخوانُ أنفسهم بوصفهم قوةً “معتدلة” تُشجع المسلمين على المشاركة في المجتمع
  • وفي الوقت نفسه على نشر مبادئهم الإسلامية، الأمر الذي يُفيد الجميع في نهاية المطاف…
  • ومن داخل هذه العلاقة يتمكن الإخوان من كسب ثقة الحكومات الأوروبية، التي ستعهد إليهم بإعداد المناهج، واختيارِ المدرسين للتعليم الإسلامي في المدارس العامة، وتعيين الأئمة في المؤسسات الحكومية والشرطة والسجون، وتلقي الإعانات لإدارة مختلف الخدمات الاجتماعية”.

(في الفترة بين 2014 و2019 منح الاتحاد الأوروبي حوالي 36.5 مليون يورو لجمعيات ذواتِ صلةٍ بالإخوان وَفْق تقريرٍ لكتلة الهُوية والديمقراطية في البرلمان الأوروبي. منظمة الإغاثة الإسلامية أحد أذرع الإخوان على سبيل المثال، تلقَّت أكثر من 5 مليون يورو من مؤسسات الاتحاد في الفترة ذاتها).

النتيجة التي يَخْلُصُ إليها فيدينو، والتي يَهْدِفُ إلى وضعها تحت نظرِ المؤسسات الرسمية هي “أن الإسلامَ السياسيَّ يستطيع أن يوسِّعَ أراضيه تدريجيًا من خلال زيادة أعداد المساجد والمراكز (1000 مسجد في بريطانيا وحدها)، وعن طريق التسلل إلى المؤسسات، وحتى حوادث العنف تُعَدُّ مفيدةً في هذه الاستراتيجية، فهذه الحوادث تمنح المشاركين إمكان الوقوف إلى جانب الحكومة ضد “الأشرار”، فيما يعلنون عن أنفسهم بوصفهم أخيارًا، في حلقة من سياسات الاسترضاء للسلطات المحلية، تسهل انتشار الأسلمة، وتثير مشاعرَ “يمين متطرف في المجتمع”.

-4-

الديمقراطية العلمانية

ظاهريًا، نجح التنظيمُ الإخواني في تحقيق نتائجَ ميدانيةٍ في أوروبا على مستوى الحضور المدني، وفي خلق قواعدَ ضغطٍ سياسيٍّ يُعاد توظيفها في بلاد المنبع. وعند البعض تبدو هذه النتائجُ “مدهشةً” إلى حدٍّ كبير، بالنظر إلى حجم التأثير المفترض لتنظيم تراثي “شرقي” داخل السياقات الغربية الحداثية. ويسود هذا الانطباع بوجه خاص في المنطقة العربية، حيث يَظْهَرُ الحجمُ الحقيقي للتنظيم في الشارع السياسي، وحيث تَظْهَرُ مؤشرات واضحة على تراجعه، في ظل مقاومة متنامية لمشروع الأسلمة السياسية عموماً، سواء من الدولة أو المجتمع.

واقعيًا، لا يُمكن تفسيرُ الحضورَ التنظيميَّ للإخوان في أوروبا بمعزلٍ عن السياقات الغربية الحداثية ذاتها. أعنى بمعزلٍ عن طبيعة النظام الديمقراطي العلماني، الذي يسمح بتكوين أقليات ثقافية أو إثنية تستطيع التعبير عن نفسها سياسيًا. وقبل ذلك، بمعزل عن الأجندة التقليدية للسياسة الغربية حيال المنطقة، والتي تقوم على خيار التحالف مع تيارات الإسلام السياسي، وهي الأجندة المسئولة عن جلب هذه التياراتِ وتوطينها في السياق الأوروبي، فضلاً عن مسئوليتها “الأصلية” عن خلقها وتمديد حضورها في المنطقة الإسلامية منذ أواخر الحقبة الاستعمارية.

وفقًا لهذا التحليل: الإسلام السياسي المعاصر ظاهرة اصطناعية، ما كان لها أن توجد دون مساعدة العامل الغربي. صحيح أن الخلفيةَ الثقافية الموروثة من تاريخ المدونة الفقهية تنطوي على قابليات ساكنة مرشحة للإفراز الأصولي، لكن التحولَ بالقابلية الأصولية إلى فعلٍ سياسي ظاهرٌ ومعاكسٌ لحركة التطور الحداثي في المنطقة، تم بفعل الهندسة السياسية التي مارسها الغرب عن تصميم مُسْبَقٍ في الساحة الإسلامية الممتدة من الهند (حيث شجع البريطانيون حزبَ “العصبة الإسلامية” إلى التقسيم ضد حزب المؤتمر الوطني، سعيًا في تأسيس باكستان وحتى مصر (حيث سهلوا عملية إخراج جماعة الإخوان لتكون حائطَ صدٍّ ديني مقابل التيارات الشيوعية والوطنية المطالبة بالاستقلال). لاحقًا سيتم تطوير أهداف التوظيف الإسلامي من الغرب لتحقيقِ أغراضٍ اقتصادية وسياسية متنوعة، وهو يتحول إلى استراتيجية غربية ثابتة بعد أن ورثها الأمريكيون عن البريطانيين (من إنشاء النموذج الجهادي في أفغانستان إلى إعادة تبني جماعة الإخوان، حتى العمل بشكل “محسوب”، على خلق كِيانات أصولية “متطرفة” وتحريكها في العراق والشام).

تنطوي هذه الاستراتيجية على نوع من “اللعب” السياسي شديد التعقيد والخطورة: الغرب الحديث الذي تجاوز -بعد معاناة تاريخية طويلة- إشكاليات التسيس الديني، يبدو وكأنه ينقلب على مبادئ الحداثة العلمانية عندما يتعلق الأمر بالأغيار. وبدلاً من مساعدتهم على تجاوز معاناتهم التاريخية الخاصة بهم، والخروج من حالة الشعوذة السياسية، يلعب على هذه الحالة لتحقيق مصالحه. وهو ما يُكَرِّسُ فكرة المسئولية الأخلاقية للغرب “الاستعماري” عن مشاكل المنطقة والعالم.

ظل المخططون الغربيون يعتقدون بإمكان وجدوى استخدام الدين في المنطقة الإسلامية، لإنتاج تحولات ثقافية واقتصادية واسعة، لتحقيق أغراض سياسية قريبة ومباشرة، المُشكل هنا يكمن في عدم قابلية “الفعل الاجتماعي” للتحكم عن بعد، وفي قابليته لإفراز نتائج عكسية. وهو المشكلُ الذي بدأ يفرض نفسه الآن على الغرب، بعد أن وصلت النتائج العكسية إلى عقر داره في أوروبا.

-5-

أوهام متبادلة

فيما يدرك كلُّ طرفٍ نوايا الطرفِ الآخرِ، تقوم العلاقة بين الإخوان والغرب على جُملة من الأوهام. الوهمُ الرئيسُ عند الغرب يكمن في رهانين:

  • الأول، رهانه على توظيف الدين، لتوجيه حركة الاجتماع السياسي داخل المنطقة الإسلامية لخدمة مصالحه السياسية والاقتصادية.
  • والثاني، رهانه على إمكان السيطرة على نشاط ديني إسلامي مُسيس داخل محيطة الأوروبي العلماني.

في كلا الرهانين يصطدم التخطيط الغربي بطبيعة الفعل الاجتماعي المُعقدة والعصية على التحكم خصوصًا في إطار الدين. ورغم أن الغربَ نجح بالفعل في تحقيق بعض النتائج المستهدفة جراء استخدامه للإسلام السياسي في المنطقة، إلا أنه -في المحصلة النهائية- ظلَّ يواجه نتائجَ معاكسةً انقلب فيها السحر على الساحر (النماذج واضحة في ارتدادات الحركة “الجهادية” المصنوعة غربيًا على المصالح الغربية الخارجية، وارتدادات التوغل الإخواني والسلفي داخل المجتمع الأوروبي).

أما الوهم الرئيس عند الإخوان، فيأتي من جهة التمادي في تصعيد الأهداف، إلى حد الحديث عن عملية إعادة “غزو إسلامي” لأوروبا قبل الوصول إلى “أستاذية العالم”. عبر حديث تليفزيوني في ديسمبر2002، أعلن الشيخُ يوسف القرضاوي أن

“الإسلامَ سيعود إلى أوروبا فاتحًا ومنتصرًا بعد طرده مرتين؛ الأولى من جنوب القارة في الأندلس، والثانية من شرقيها في أثينا. لكن هذه المرةَ لن يكون الفتحُ بالسيف وإنما بالدعوةِ والفكرِ”.

في هذا الإعلان الخطابي يستدعي القرضاوي، عبر مصطلحات الفتح والطرد والانتصار والعودة، فكرةَ “الصراع” الديني بوصفها مسارًا دائمًا، يحكم علاقة الدول والشعوب. وهي فكرةٌ خشنةٌ لا تُعَبِّرُ عن جوهر الدين، وتنتمي ببساطة إلى ثقافة العصور الوسطى التي تجاوزها الوعي الإنساني الحديث. لكنه يعود فيغلف هذه الفكرةَ بغطاءٍ حداثيٍّ -أو يبدو عنده حداثيًا- عبر الكلام عن “الفكر” بدلاً من “السيف”، بوصفه وسيلةً لإنجاز الفتح والانتصار. في الحالتين ثمة صراع، ورغم أن غرضَ الصراع المعلن هو عقيدةُ الناس، إلا أن موضوعَهُ هو “أرضُ” الناس التي يُستولى عليها في نهاية المطاف، وفي الحالتين الاستيلاء “مشروع”، لأنه يجري باسم الدين. لكن هذا -في جوهر الدين وفي الوعي الحداثي معًا- تأصيلٌ تبريريٌّ لا يقلُّ زيفًا عن التأصيلِ الذي قدمه الاستعمار الغربي لمشروعية الغزو باسم الحضارة.

يُمَثِّلُ القرضاوي -وهو شيخٌ ريفيٌّ أزهريٌّ، يتوفر على مادة تراثية تقليدية ودرجة متوسطة من الثقافة- جزءًا مما يمكن وصفه بـ “حالة إعلامية مصنوعة” جرى خلقها وترويجها على يد الغرب، ضمن عملية الدعم الواسعة للإخوان في إطار أجندته الراهنة للتوظيف الإسلامي. وهو يقدم هنا نموذجًا مدرسيًا لطريقة التفكير الإخواني بخصائصه “التوفيقية” التي تجمع بسذاجة بين ثقافة العصر الوسيط “الفقهية” وقشور من مفردات الحداثة. يُعَبِّرُ الإخوان -كما شرحت سابقًا- عن شريحةٍ فكريةٍ ذاتِ وعيٍ “تراثي حداثي” مختلطٍ، وهي شريحةٌ يتكرر حضورها في أي اجتماع سياسي يواجه أزمة تحول. (الإخوان ليست جماعة أصولية خالصة، بل صيغةٌ حداثيةٌ للتعبيرِ السياسي عن الأصولية، وهي تقاومُ ضغوط التغير. إحدى صيغ المقاومة التي تعكس أزمة “النظام الديني” مع نظام اجتماعي جديد آخذ في التطور. ولذلك فهي تبدو أكثر تعقيدًا وقدرة على إثارة التوتر السياسي والاجتماعي، قياسًا إلى صيغِ المقاومة التي تُمثلها التنظيمات السلفية الخالصة).

-6-

الأقلية المسلمة في أوروبا

لا يمتلك القرضاوي ملكات سيد قطب التنظيرية، لكنه يتميزُ عنه ببضاعته الفقهية التقليدية، التي يحاول إعادة صياغتها بحثًا عن مخارجَ مقبولةٍ دينيًا لإشكاليات عصرية شائكة (اقتصادية/ اجتماعية/ سياسية). وهو نشاطٌ افتائي فرعى، بدا عند التياراتِ الأكثرِ سلفيةٍ تلفيقيًا ومتساهلاً، فيما جرى تسويقه إخوانيًا بوصفه اجتهادًا عصريًا لا غنى عنه في مواجهة التحديات الحداثية.

كان القرضاوي قد نشر سنة 1990 كتابًا بعنوان “أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة”، قَدَّمَ فيه تصورًا توجيهيًا لأداء التيارات المختلفة للإسلام السياسي الذي تقوده بالطبع جماعة الإخوان بوصفها الجماعةَ الأم. (الخطاب موجهٌ إلى مُجمل “الحركة الإسلامية”، وليس فقط إلى الجماعة، التي يرتبط معها بعلاقة “ملتبسة” على المستوى “التنظيمي” خصوصًا حينذاك).

خصَّصَ القرضاوي مساحةً واسعةً من كتابه للأقلية المسلمة في أوروبا. وعندهُ، يُمَثِّلُ وجودُ هذه الأقليةِ فرصةً تاريخيةً غيرَ مسبوقةٍ أمام الحركة الإسلامية، التي يُمكن “أن تلعب الدورَ القيادي المفقود للأمة الإسلامية”، والتي عليها العمل “بجميع اتجاهاتها وجماعاتها في توجيه وتكوين عقول المهاجرين المسلمين الذين يعيشون في الغرب”.

مرة أخرى، يُعَبِّرُ الطرح القرضاوي عن الخصائص التوفيقية المزدوجة للتفكير الإخواني: فهو من ناحية، يؤيد سياسة الانفتاح على غير المسلمين، ويرفض في هذه المرحلة على الأقل، سياسة المواجهة، التي لن تضر إلا بالحركة، ويحرض على استراتيجية التسرب التدريجي إلى المؤسسات الأوروبية، والعمل بواسطتها للحصول على ثقة الحكومات، لتمثيل الجالية المسلمة. لكنه يدعو في الوقت نفسه إلى “أن يكون للمسلمين مجتمعاتهم الصغيرة ضمن المجتمع الكبير، وإلا ذابوا فيه كالملح في هذا السياق، وفيما يشجع على تصعيد الهجرة إلى أوروبا “لتكثير سواد” المسلمين، يقترح عليهم الاستفادة من التجربة التاريخية لليهود: “ما الذي حافظ على الخصوصية اليهودية طيلة القرون الأخيرة في المجتمعات الأوربية. إن ما حافظ على الأفكار والعادات، هو العصبةُ الصغيرة التي تُسمى “الجيتو اليهودي”، فلتسعوا إذن في إقامة “الجيتو الإسلامي” الخاص بكم في أوروبا”. أما إدارة هذا الجيتو فسوف تُسْنَدُ بالطبع إلى “علماءَ” إسلاميين للتصدي بطريقة شرعية للتحديات التي تطرحها حياته اليومية (عملية تسكين ثيوقراطي تقليدية تذكرنا بملاحظات “نيتشه” الثورية عن انتهازية الكهنوت).

وكما لاحظ ألسكندر ديل فال (الباحث في مركز الشئون الخارجية والسياسية الفرنسي، رئيس تحرير صحيفة فرانس سوار السابق)، يتدخل “المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث” -الذي كان القرضاوي يرأسه حتى وقت قريب- في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بمسلمي أوروبا، وبات يُمَثِّلُ كِيانًا موازيًا للدولة ومنافسًا لها. إذ رأى المجلس نفسه المشرعَ الأوحد للقوانين التي تخص الجالية الإسلامية، ومثَّل وعيها الجمعي تجاه أدق القضايا الحياتية اليومية. ويضع المجلس على رأس أولوياته مسألةَ تطبيق الشريعة في المجتمعات التي توجد فيها الجاليات الإسلامية لمحاصرتها بأفكار التنظيم الإخواني”.

فكرة “الكِيان الموازي” للدولة والمجتمع، هي الخطرُ الذي أفرزته استراتيجية الاستيطان أو تكثير السواد، والجيتو الإسلامي الخاضع لسلطة ثيوقراطية داخلية. لقد أطلق “ديل فال” هذا التحذير في كتابه المشترك الذي أصدره قبل أكثر من عام تحت عنوان: “المشروع: استراتيجية الإخوان للغزو والتسلل في فرنسا والعالم”. الأمر الذي بدأت أوروبا مؤخرًا بقيادة فرنسا وألمانيا في التعاطي معه بجدية، والذى يشرحه ماكرون بقوله: (الإسلام الراديكالي يُمَثِّلُ خطرًا على فرنسا، لأنه يُطبق قوانينه الخاصة، ويؤدي إلى خلق مجتمع مضاد”.

يتبع

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete