إشكاليات نظرية في الفكر الإسلامي المعاصر: مناقشةُ الدينِ والفن

 تكوين

-1-

يبدو الطابعُ الإشكالي واضحًا في علاقة الدين بالفن، على الأقل من وجهة النظر الدينية. أشير هنا إلى الديانات الكتابية الإبراهيمية بالذات، وخصوصًا اليهودية والإسلام، ويظهر هذا الطابع ظهورًا واضحًا في دوائر التفكير الحداثية وما بعد الحداثية، التي أعادت النظر في مفهوم الدين ومفهوم الفن كليهما، ووقفت على -الخلفية الأنثروبولوجية- المشتركة التي يصدران عنها، والمساحة الغيبية الماورائية التي يشتغلان عليها.

منذ البداية أظهرت اليهودية موقفًا مُتزمتًا من التصوير والنحت؛ ففي سفر التثنية:

“ملعون الإنسان الذي يصنع تمثالاً منحوتًا أو مسبوكًا”.

وقد تَكَوَّنَ هذا الموقف في سياق الحرب التي شنَّها الكهنة والأنبياء ضد الآلهة الأجنبية: (الكنعانية والآشورية والبابلية والمصرية)، بعد أن دخلت تماثيل هذه الآلهة إلى المعبد وزاحمت عبادة يهوه. وفي هذا السياق تولَّد مفهوم، “الوثنية” بمعناه الاستهجاني المرفوض، الذي سيدخل قاموس التدين التوحيدي، وسينقل تلقائيًا إلى المسيحية والإسلام.

في المسيحية جرى تبني هذا الموقف المُتزمت عبر حقبة طويلة من العصور الوسطى، حيث ظهرت آراء تُحرم الصور والتماثيل بوصفها أفعالاً وثنية مُخالفة للكتاب، مقابل الآراء الأصلية التي تقول بالإباحة. وتطور الخلاف إلى تيارين متعارضين فيما يُعرف بحرب الأيقونات، التي استمرَّت حتى القرن التاسع. وعلى غرار مجمع نيقية (325 م)، كان المجمع المسكوني السابع (787 م) قد أيَّد موقف المدافعين عن الأيقونات (تماثيل المسيح ومريم أم الإله والقديسين).

عمليًا، ورغم جذورها اليهودية الحصرية، استطاعت المسيحية تجاوز الموقف المُتزمت من النحت والتصوير إلى موقف متصالح مع الفنون عمومًا، يقبل توظيفها في خدمة اللاهوت. وهي نتيجةٌ مفهومة بحكم الروافد اليونانية والرومانية التي أسهمت في تكوين بِنية المسيحية “المُبكرة”، وستسهل عملية الاندماج “اللاحقة” داخل الأطر الحداثية.

-2-

وفي الإسلام يتبنَّى الفقه في مُجمله موقفًا خصاميًا صريحًا من الفن، إذ يذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم النحت والتصوير والموسيقى والغناء. وهو موقف يعكس المِزاج الثقافي السائد في بيئة الديانة عند حقبة التأسيس، بعد أن قُنِّنَ على يدِ الفقهاء ليكونَ بمنزلة أحكامًا شرعية مُلزمة. جرى ذلك في مرحلة “التدوين” التي امتدَّت إلى قرون ثلاثة لاحقة، وشهدت إعادة تكوين الديانة وصبها في قوالبها المدرسية المعروفة.

خلافًا للجمهور، تُظهر بعض الآراء الفقهية الأقل تزمتًا، كما نقرأ مثلاً عند ابن حزم (الذي يذهب إلى إباحة الغناء، ويستند في ذلك إلى غياب أي نص صحيح يحرم السماع)، وعند القرطبي (وهو يُعيد تأويل النصوص التي يؤسِّسُ عليها الجمهور تحريم الغناء، لينتهي إلى القول بأنه لا يدخل دائمًا في باب اللهو المذموم الذي يُحرك الغرائز الشهوية)، وعند القرافي من مالكية القرن السابع (وهو يذهب إلى إباحة التصوير والنحت حُكمًا عامًا، استنادًا إلى انتفاء علة التحريم وهي تقديس الآلهة الوثنية). لكنَّ هذه الآراء لم تستطع تغيير الموقف المدرسي العام، وجرى تقديمها من الفقه بوصفها توجهاتٍ “عقليةً” شاذة مُخالفة لمنهج السلف.

تاريخيًا، وبفعل التفاعلات السياسية اللاحقة، هيمن الفقه على بِنية الثقافة الإسلامية، وطبعها بطابعه النقلي النظامي الجاف. ومقارنة بالمسيحية ذات النفس “اللاهوتي” الظاهر يُمكن تصنيف الإسلام بوصفه ديانةً تشريعيةً ذات نفسٍ تكليفي فقهي. مع ذلك، وبحكم قانون التنوع الطبيعي الذي يفرضه الاجتماع الخام، لا يستطيع الفقه أن يستغرق مساحة الثقافة. ولذلك تنشأ على أرض الواقع أنماط متعددة لممارسة التدين خارج إطار المنظومة المدرسية. وفي السياق الإسلامي يُمكن الإشارة إلى أنماط ثلاثة مُتمايزة:

  1. نمط التدين الصوفي،
  2. نمط التدين الكلامي والفلسفي،
  3. نمط التدين الشعبي الدارج.

يُمكن رصدُ الفوارق بين هذه الأنماط على المستوى الموضوعي (التركيز على جانب من الديانة أكثر من غيره)، والمستوى المنهجي (آليات التعاطي التي تتراوح بدرجات متفاوتة بين النقل والعقل)، وقبل ذلك على مستوى الدوافع (النزوعات الفردية التي توجه لا شعوريًا إلى خیار تدين بعينه). لكنَّ الجامع المشترك بينها، هو التحررُ من قيود الفقه الصارمة التي تَحْجُرُ بالفعل على حركة العقل، وتكبت النزوعاتِ الطبيعيةَ للجسد. وبالنتيجة فهي تستطيع أن تقبل الفن وتتفاعل معه بوصفه إشباعًا طبيعيًا لحاجة إنسانية فطرية كامنة.

-3-

في التصوف -حيث يبلغ الاختلاف مع الفقه حدَّ التناقض- تمارس الذات تدينها بأقصى درجات الحرية؛ فهي لا تتخفف من إلزامية التكاليف التشريعية فحسب، ولكنْ تُعيد تأويل اللاهوت الرسمي.

وتضع نفسها مع الله والعالم في إطار وَحْدة وجود شاملة. يبدو الوعي الصوفي أكثر تفاعلاً مع الكون والطبيعة الخارجية: وأكثر انفتاحًا في الوقت نفسه على منابعه الداخلية، وهو يُطلق العنان لانفعالاته الجوانية، كي تُعبر عن نفسها في إطار علني، يتخذ في الغالب هيئةً فنيةً.

خلافًا للفقيه، لا يتوجَّسُ الصوفيُّ من طرح فكرة “الحب” الإلهي، ولا يخجل من التعبير عنها بطريقة شاعرية مُستلهمة من قاموس عشق المرأة ومفرداته الأيروسية. وفي هذا السياق تظهر الموسيقى ليكون آليةً طبيعيةً مُصاحبة للسلوك الصوفي، كي تُعَبِّرُ عن اهتزازاته الوجدية المباشرة. ولذلك لا يكاد يوجد صوفي معروف لم يُعَبِّرُ شعرًا عن أفكاره الداخلية، ولا يكادُ يُوجد تجمع صوفي يخلو من الطقوس الموسيقية (الرقص الإيقاعي في حلقات الذكر).

يُعَبِّرُ التصوف عن النزوعاتِ الطبيعيةِ التي تُعلي من قيمة الجسد والغريزة، وتستدعي الطاقة البدائية الكامنة في اللاوعي، ولا تُخفي أحاسيس السُكْرِ والنشوة والفوضى الجماعية، فهو بالمصطلح اليوناني تدین “دیونیزوسي” طليق، يُذيب الحدودَ ويَرْجع بالإنسان إلى أصل الوجود، ومن ثم فهو تدين وجداني “فني” بالمعنى الضيق. ويُعبر الفقه في المقابل عن رُوح “أبولوني” صريح، يطلب الوضوح، والنظام، والصرامة الشكلية، ومن ثم فهو تشريعي محدد وجاف. (وفي الحالتين نحن حيال مُنتج اجتماعي بشري، لكنَّ الفقه يزعم أنه يُعَبِّرُ حرفيًا عن الوحي الإلهي، الذي يُدْرَكُ حصرًا من خلال النص وَفْق ضوابط أصولية وضعها السلف، فيما يؤكد التصوف أن الوحي يُمكن إدراكه بوسائل إضافية أوسع من حروف النص وضوابط السلف؛ وسائل جوانية مباشرة كامنة في جوف الفقه).

-4-

التدين الشعبي والفن الشعبي

على مستوى الشارع، يتحرك السلوك الاجتماعي أساسًا بدوافع الغريزة والحاجات اليومية العملية المباشرة، ومن هنا تنشأ مسافة فاصلة بينه وبين “مدونة” التدين الرسمي التي يطرحها الفقه بطابعه المثالي النظري. عمليًا، لا يُعلن التدين الشعبي عن معارضته للمدونة الفقهية، لكنه يُمارس حيالها دورًا فاعلاً، أكبر من دور المتلقي السلبي المفترض. قد يطلب منها الفتوى، لكنه غالبًا ما يتمثلها ويُعيد تأويلها، كي تتماشى مع حاجاته العملية. وبوجه عام، تخضع التكاليف الفقهية لعمليات متنوعة من التكييف، أو الالتفاف، أو الانتقاء، أو التحوير، أو التبرير، أو التأجيل. بغرض التوفيق بين فكرة الإلزام الشرعي وواقع الحاجات الاجتماعية الطبيعية. (التناقض بين الفكرة والواقع وارد بالضرورة، بحكم المصدر التاريخي الاجتماعي للفقه، الذي هو نتاجُ للثقافة العربية السائدة في عصر التدوين، أي نتاجُ لسياقات بيئية زمنية سابقة).

يُعَبِّرُ الفنُّ عن حاجة إنسانية فطرية قد لا تكون واعية، لكنها تطلب الإشباع باستمرار، ويُعبر الفقهُ عن رؤية نظرية مُعلبة تعكس ثقافة اجتماعية قديمة. لذلك يُنتج الموقفُ الشعبي تأويله الخاص للتحريمات الفقهية، وتلقائيًا يُمارس المجتمع صور الفنون دون شعور حقيقي بالإثم. يُمكن الحديث عن إحساس داخلي قد لا يظهر صراحة، لكنه يوحي بغياب الاقتناع بكون التحريم حكمًا إلهيًا.

يُحرِّمُ الفقه الموسيقى والغناء والرقص، بوصفها أنواعًا من اللهو المعيب الذي يحرك الشهوة ويُهدر الوقت بعيدًا عن العبادة والذكر. (يؤسس ذلك على روايات آحاد “ظنية” منسوبة إلى الرسول والصحابة والسلف، وعلى تأويل تحكمي لبعض الآيات القرآنية مثل آية “ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليُضل به عن سبيل الله” فاللهو وَفْق التأويل يُقصد به الغناء”. ورغم ذلك لم تتوقف ممارسات الغناء والموسيقى والرقص على المستوى الشعبي في أي حقبة زمنية حتى في ظل المدِّ الأصولي، وظلَّ الفولكلور الفني حاضرًا، تراثًا طبيعيًّا مُتواصلًا عبر القرون؛ يُغني الناس ويرقصون بطريقة جماعية أو فردية فى الأعياد والأعراس ومواسم الحصاد.

وفي الواقع يتمتع الفولكلور الشعبي بحرية تعبيرية واسعة لا تكاد تحفل بالمحظورات الفقهية. ومقارنة بمقطوعات الأدب الاعتيادي، يبدو الفولكلور الشعبي أكثر جرأة في تناول المفردات الجنسية، والممنوعات ذات الحساسية الاجتماعية أو حتى الدينية المباشرة.

ثمة درجة من التسامح أو التساهل، تكشف عن تفهم فطري لطبيعة الفن بتِقْنياته ومثيراته الداخلية، المتحررة من جهامة الكهنة والفقهاء.

(في مصر، ومع تفاقم الحالة المدنية بين أوائل القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، شَهِدَ المجتمعُ نقلةً حداثية واسعة، أدَّت إلى توسيع مساحة التعبير الفني في الموسيقى والغناء والتمثيل، عبر المسرح والسينما والأوبرا. تراكمت حصيلة وافرة من الأعمال الفنية التي تركت بصمة واضحة في الثقافة اليومية ومفردات الشارع، وأسهمت في تكريس عملية التحول المدني. لقد جرى التفاعل معها على المستوى الشعبي بسلاسة تتلاءم مع المخزون الثقافي المصري الموروث. وفي هذا المناخ يستعيد الوعي المصري قدراته الإبداعية القديمة في النحت والتصوير، وستظهر الأعمال الفنية الرفيعة التي تمزج الحداثة بالإلهام الفرعوني والملامح الشعبية المحلية، في منحوتات محمود مختار صاحب تمثال “نهضة مصر”، وجمال السجيني، وآدم حنين، وفي لوحات محمود سعيد، وأدهم وانلي، وسيف وانلي، ويوسف كامل، وأحمد صبري).

منذ أواخر القرن الماضي، صار التدين الشعبي يتعرض لضغوط مُتزايدة من التيار الأصولي السلفي، الذي يتبنَّى الموقف الفقهي المتزمت حيال الفن، ويُعلن عن عدائه الصريح للموروث المصري الأصيل بجميع أساليبه. وبسذاجة كهنوتية تنمُّ عن فقر ثقافي عميق، يرى الكنوز الأثرية المصرية -التي لا تزال تُدهش العالم بجمالها الفني، وتُمثل عند المجتمع ثروة اقتصادية هائلة- محض رموزٍ وثنية كافرة. ويُنظر إلى المسرح والسينما نظرةَ أدواتٍ شيطانيةٍ تُثير الغرائز وتنشر الفاحشة.

نسبيًّا، أفلحت الضغوط السلفية في اختراق مساحة التدين الشعبي، لكنه لا يزال في مُجمله يحافظ على خصائصه الطبيعية المعتدلة، الموروثة من تاريخه الحضاري القديم والمشبعة بعناصر حداثية مكتسبة. ولا يزال الموقف الأصولي يتوجس من الممارسات الشعبية وينظر إليها بوصفها نموذجَ تدينٍ فجٍّ ومُتساهل أو مُنحرف عن منهج الكتاب. ومن هذه الزاوية يَظهر الطابع الإشكالي للمسألة في السياق المصري الراهن، الذ تتفاقم فيه الأعراض المَرضية لظاهرة الازدواج الثقافي.

-5-

في الطرح الفقهي الأصولي يُوضع الفن مقابل الدين ليكونا نقيضين مُتنافرين، لا يُمكن -ومن ثم لا يجوز- الجمع بينهما. أما الموقف الشعبي فلا يشعر بهذا التناقض، ويمزجُ بينهما مزجًا طبيعيًّا في ممارساته اليومية، وعنده يبدو التحريم الأصولي قمعيًا وكئيبًا ومفتعلاً إلى حدٍ ما.

لكنَّ المُشكل ينتقل إلى مساحات تفكير أوسع في الطرح النظري الحديث:

الفنُّ بديلًا عن الدين

عند نيتشه يشتغل الدين والفن على منطقة مشتركة، فكلاهما يستجيب لنفس “الحاجة الوجودية” الكامنة في الإنسان، لكنهما يؤديان ذلك بطريقتين مختلفتين جذريًا: العلاقة بينهما علاقة صراع على فرض تفسير خاص لمعنى “الوجود”، بما هو في ذاته “مأساة” مليئة بالألم والبؤس والعدم، ويحتاج من ثم إلى وسائل للتبرير والاحتمال.

ووفق نيتشه يُقَدِّمُ الطرفان حلولاً ميتافيزيقية (ما ورائية) لتعزية الإنسان وتعزيز قدرته على تحمل المأساة. لكنَّ الدين يطرح حلوله لتكون حقائقَ نهائية مُطلقة (قادمة من خارج العالم والإنسان)، ومع ذلك فهي مؤجلة (تُقَدِّمُ وعدًا بالخلاص بعد الحياة)، وقمعية (تدعو إلى قتل الغريزة انتظارًا لهذا الموعد)، ومن ثم فهي عمليًا تهرب من مواجهة المأساة. أما الفن فيطرح حلوله من داخل العالم، التي يخلقها الإنسان لتكون تجارِبَ إبداعيةً متجددة، لا تقتل الغريزة، بل تحتويها وتدجنها، فهي في الواقع لا تهرب من مأساة الوجود، بل تحتفل بها. ولذلك فالفن كما يؤكد نيتشه في “مولد التراجيديا”، هو النشاط الميتافيزيقي الحق في الحياة”، أو هو البديل الحقيقي الوحيد للدين.

في معالجته لمشكل الفن نحت نيتشه ثنائيته الشهيرة المستعارة من السياق اليوناني: “الأبولونية/الديونيزوسية”. المصطلح الأول (نسبة إلى أبولو إله الشمس) يُشير إلى النظام والوضوح، والشكل، والحلم أو الجمال المنضبط. والمصطلح الثاني (نسبة إلى ديونيسوس إله الخمر والنشوة) يُشير إلى الفوضى والفرح والسكر والغريزة وانطلاق القوة. ويرى نيتشه أن الفن العظيم هو الذي يجمع بين خصائص الطرفين في بِناء واحد، والنموذج المثالي لذلك هو التراجيديا اليونانية.

ووفقًا لنيتشه يفتقر الدين -وخصوصًا المسيحية الرسمية- إلى القدر اللازم من الديونيزوسية، فهو يُنْشِئُ عبر الكهنوت “نظامًا” تكليفيًا صارمًا، يُعادي الجسد ويقمع الغريزة، ويُعوِّلُ كُليًا على عالم آخر مجهول، فينزع من الحياة معناها الأرضي الواضح للعيان، وبالنتيجة يرى نيتشه الدين “أبولونية مريضة”، يجب التخلص منها، أما الفن فهو يسمو فوق التكاليف بما في ذلك الأخلاق التي اخترعها الكهنة، ويُحرر الإنسان من وهم الشعور بالذنب ويجعل الإنسان مسئولاً عن إنتاج المعني بدل تلقيه من سلطة غيبية دخيلة.

مهَّد نيتشه، الذي تُوفي في مطلع القرن العشرين، لظهور فلسفة ما بعد الحداثة، التي صارت تتطور بامتداد القرن من تيار هامشي على أطراف التنوير الأوربي إلى نسق تفكيري واسع، يتسرب لا شعوريًا إلى بِنية الوعي العام؛ أطلق نيتشه الشرارة الأولى لانقلاب حقيقي وغير مسبوق على أطر التفكير التقليدي، بمسلماته الأولية، بما في ذلك مفهوم “الحقيقة”، وشنَّ هجومًا كاسحًا على المعطيات التاريخية الراسخة وعلى رأسها “الدين” و”الأخلاق”. ومن هذه الزوايا وجَّهَ سهام النقد إلى الحداثة الكلاسيكية التي ظلت تؤمن بوجود “حقيقة موضوعية”، ولم تعترض بالحسم اللازم على “خرافتي”: الدين والأخلاق، فلم تنتصر لطبيعة الإنسان الفعلية التي تبدأ من غريزة الجسد، وتُعلن عن إرادة القوة، مع نزوعاتها إلى الحلم والجمال، وهي الوظيفة التي لا يَقْدِرُ على إنجازها إلا الفن.

لقد كرَّس نيتشه فكرة التناقض بين الدين والفن على أساس نظري مبدئي: فالدين لا يتحمل طلاقة الفن ونزوعاته الغريزية الحرة، والفن لا يتحمل كآبة الدين وقيوده التكليفية الصارمة.

وفي هذه النقطة يلتقي طرح نيتشه مع الطرح الأصولي الفقهي الإسلامي الذي يفهم الدين بوصفه سلسلة لا نهائية من التكاليف، ويفهم الفن بوصفه حالة شهوانية منفلته، ويتبنى لذلك فكرة التناقض المبدئي بين الطرفين. (بالطبع، لا أُشير هنا إلى التقاء واعٍ من الطرفين؛ فـ نيتشه -الذي يُناقش الدين مناقشةً فكريةً كُلية- كان معنيًا بالسياق المسيحي، ولم يحتك بالفكر الإسلامي الأصولي الذي لم يكن قد تبلور ليكون تيارًا سياسيًا أو نظريًا عند أواخر القرن التاسع عشر. ومن جانبه لا يكادُ الفكر الأصولي -المحبوس في ثقافته السلفية- يشعر بوجود نيتشه. وبوجه عام لا يبدو واعيًا بالقدر اللازم لحجم التحول الفكري الحداثي وما بعد الحداثي وتأثيراته البنيوية داخل الوعي، بما في ذلك ثقافة التدين -طريقة التفكير فى المسألة الدينية ككل والإسلامية بوجه خاص. ومحنطًا على مشاغله الموروثة من عصر الفقه، لا يزال يفترض الثبات في أنساق التفكير السابقة على الحداثة، ويتنكر لواقعة التراجع النسبي فى زخم الإسلام السياسي وجاذبيته الثقافية).

-6-

بموقفه الرافض لفكرة الحقيقة والمعنى الموضوعي، يُحرز نيتشه حضورًا متزايدًا عبر مساحة الفكر ما بعد الحداثي، لكنه لا يستغرق هذه المساحة، التي صارت تنقلب على نفسها وتُعيد التفكير في مصادراتها التأسيسية. نسبيًا تغير الموقف من الدين، لا بمعنى العودة إلى الدفاع عنه دفاعًا يقينًّا مُطلقًا، ولا بمعنى الهجوم عليه بوصفه وهمًا خالصًا، بل بمعنى التعاطي معه بوصفه واقعةً اجتماعية حاضرة بالفعل، ولیست مُرشحة للزوال في المدى المنظور، ومن ثم يلزم قراءتها كما هي.

إجمالاً، ظل الموقف المتحفظ حيال الدين قائمًا، لكنه صار مبنيًا على حيثيات جديدة، وفقد كثيرًا من حماسة الرفض الحادة التي تَميز بها الموقف التنويري الكلاسيكي، وعدَّها نيتشه نفسه نوعًا من السلوك “الديني” المقلوب.

لم يَعُدْ الدين يُقرأ قراءة مؤسسية أو بوصفه عقيدةً موضوعية بالمعنى التيولوجي، بل يُقرأ قراءةً نصيةً “ثقافيةً” قابلةً للتأويلاتِ المتعددة، وهو نصٌ مُكَدَّسٌ بالرموز اللا واعية التي يستخدمها الفن. وفي علم النفس التحليلي الحديث الذي نَظَّرَ له “كارل يونج”، يصدر الدين والفن معًا من منطقة مشتركة، هي منطقة اللا وعي الجمعي، وكلاهما ضرورة وجودية لازمة لتحقيق التوازن النفسي والرُوحي للإنسان، أي حاجة طبيعية تحتاج إلى إشباع. ولذلك لا ينظر يونج إلى الفن نظرةَ البديل الذي يُغني عن الدين، بل شريكٌ يتكامل معه، كي يستطيع الإنسان أن يُحقق ذاته.

فكرة يونج عن الدين بتصوره نزوعًا نفسيًا ضروريًا تُشبه فكرة “الفطرة” الرائجة في الطرح الكتابي، ولذلك فهي تُقَدِّمُ دعمًا لمبدأ الدين في ذاته، لكنْ ذلك لا يعنى أن يونج يدعم هذا الطرح بمنطوقه التقليدي (الكهنوتي/الفقهي) السائد، الذي يُقَدِّمُ الدين ليكون حقيقةً موضوعية مطلقة، قادمة من خارج العالم، فالدين عند يونج حقيقة نفسية من إنتاج الذات. فالإله يُمَثِّلُ الذات Self، أي مركز النفس، وهو رمزٌ للكلية الشاملة التي يسعى الإنسان في تحقيقها.

وفي المقابل، لا تحظى بحوث يونج باعتماد نهائي في دوائر علم النفس الحديث، بوصفها بحوثًا غير تجريبية وذات مرجعية ميتافيزيقية غامضة.

يتبع

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete