تكوين
المقدمة
يُعَدُّ “ويليام جيمس” (1842–1910)، الشخصيةَ المحوريةَ في التيار الجيمسي، مُفكّرًا متعدد الأبعاد: باحثًا صارمًا، إنسانيًا ملتزمًا، مفكرًا انتقائيًا، ومُبسطًا بارعًا للمفاهيم المعقدة[1]. وكما هو الحال مع والده، فإن فرط حساسيته واهتمامه العميق بالظواهر الميتافيزيائية، قد كوَّنا مسارًا معرفيًا فريدًا في حياته الفكرية[2]. كان “جيمس” مُنظِّرًا بارزًا في فلسفة الوعي والبراغماتية، وأسهم إسهامًا فاعلًا في مجالات الفسيولوجيا وعلم النفس، إذ بلور فكرًا يقع عند تقاطع العلوم التجريبية والتأمل الفلسفي[3]. كما كان فاعلًا أساسيًا في تطور ما يُعرف بـ “اللاهوت التجريبي“، الذي انتقل من أمريكا إلى ألمانيا، مرورًا بهولندا وإنجلترا[4]. من خلال مقاربته البراغماتية، سعى “جيمس” في بلورة نمط في الإيمان والتفكير والوجود يمنحُ الحياةَ معناها، ويجعلها جديرة بأن تُعاش بأوسع دلالاتها الممكنة[5]. فعنده،
«البراغماتية هي فلسفةُ العلم التجريبي، وهي تفترض إخضاع الفرضيات المقترحة لاختبار دائم ومُعلن. فلا حقيقة مطلقة يُمكن أن تُتخذ عقيدة ميتافيزيقية أو تبريرًا للمادية؛ إذ إن البراغماتية تتقبل المؤقت والمحتمل»[6].
في مطلع القرن العشرين، يبرزُ “جيمس” (1842–1910) في المشهد الفلسفي ليس فقط بوصفه مؤسسَ علم النفس الأمريكي، بل أيضًا بوصفه مفكرًا رائدًا واجهَ الجمود الفكري والأيديولوجيات المنغلقة. فالفلسفة البراغماتية التي طرحها لا تقتصر على كونها أداةً لتقييم الأفكار وفق نتائجها العملية، ولكنها تتجلى بوصفها أخلاقياتٍ للفكرِ الحيِّ، المُنفتح، والمتجذرِ في التجربة الإنسانية. ومن هذا المنظور، يُعارض “جيمس” النظم الفكرية المغلقة التي يراها عوائقَ أمام الحرية الداخلية وتعدد التجارب الرُوحية.
لا يسعى “جيمس” في مواجهة الأيديولوجيات بعقيدة مُضادة، بل بمنهجٍ يحتفي بتعدد وجهات النظر ويمنح الأولوية للتجربة المعاشة. وقد وجدت هذه المقاربة صدى خاصًا في الفكر العربي المعاصر، خصوصًا عند المفكرين الذين يسعون في التوفيق بين الحداثة الفلسفية والرُوحانية الإسلامية. فالبراغماتية الجيمسية، بوصفها فلسفةً للتعددية، تُقَدِّمُ بديلًا عن النماذج العقلانية الغربية المستوردة أو القراءات الحرفية للتراث. وكما يُشير جان-كلود دوبون(Jean-Claude Dupont): «يرفض “جيمس” الثنائياتِ الجامدةَ لصالح رؤية تركيبية للتجربة الإنسانية»[7]، مما يتيح للمفكرين العرب تجاوز الانقسامات بين التقليد والحداثة، الإيمان والعقل، الفرد والجماعة.
ما يُميز الموقف الفلسفي لـ “جيمس” هو تبنِّيه لنزعة تجريبية راديكالية، لا تكتفي بمساءلة المفاهيم المجردة، بل تسعى في اختبارها في ضوء التجربة الحية والنتائج العملية. غير أن الأهم من ذلك هو انفتاحه على التعددية بوصفها مبدأً معرفيًا ووجوديًا، يُعَبِّرُ عن تنوُّع طرائقِ الفهمِ واختلاف التجارب الإنسانية. فالتعددية عند “جيمس” ليست مجرد خيار فلسفي، وإنما هي استجابةٌ عميقة لتعقيد الواقع وتنوعه، ورفضٌ لأي نزعة اختزالية تسعى في فرض تفسير واحد أو حقيقة مطلقة. وقد ارتبط هذا التصور التعددي، تاريخيًا، بسياقات الصراع الديني، فقد ظهرت الحاجة إلى الاعتراف بتعدد التصورات والمعتقدات بوصفها شرطًا للتعايش السلمي. ففي خِضَمِّ الحروب الدينية التي مَزَّقَتْ أوروبا، بدأت المطالبة بالتعددية لتكون مسعى في إرساء إمكان التعايش بين رؤى دينية مُتباينة، دون اللجوء إلى الإقصاء أو العنف. كما يُشير إلى ذلك جان-ماري دونيغان في دراسته La sécularisation du croire : pragmatisme et religion “علمنة الإيمان: البراغماتية والدين[8]“، التي يوضح فيها أن التعدديةَ نشأت أولًا لتكون إجابةً على التوترات الدينية، قبل أن تتحول إلى مبدأٍ فلسفي يُعَبِّرُ عن احترام التنوع الإنساني والرُوحي.
وفي هذا الإطار، يُمكن فهم ما يُعرف بـ “التعددية المنطقية”(le pluralisme raisonnable) بوصفها أسلوبًا من أساليب التعايش داخل كِيان سياسي واحد، حيث تتجاور عقائد شاملة — دينية، أخلاقية أو فلسفية — رغم كونها غيرَ قابلةٍ للانسجام النظري فيما بينها، إلا أنها تظلُّ معقولةً وقابلة للنقاش. كما توضح إليز روميا في دراستها Foi ‘bonne’ et ‘bonne foi’ : du conflit des vérités au dialogue des convictions “الإيمان الصادق والنوايا الحسنة: من صراع الحقائق إلى حوار القناعات[9]“، فإن هذا النموذجَ من التعددية يُمهِّدُ الطريقَ لحوار عقلاني بين المواقف المختلفة، دون السعي في محو الاختلاف أو فرض تصور واحد للحقيقة.
ومن هنا، فإن التعدديةَ في فكر “جيمس” تتجاوز البُعد المعرفي لتُصبح موقفًا أخلاقيًا وإنسانيًا، يُقرُّ بشرعية الاختلاف، ويُمهِّدُ الطريقَ أمام فهم أكثر انفتاحًا للحقيقة، بوصفها متعددة ومتغيرة، لا ثابتة ومطلقة. فأن تكون من المدافعين عن التعددية، كما يقول، «يعني أن تتصور الكون بوصفه متشظّيًا، وأن تنكر وجود حقيقة واحدة؛ أن تمنح الأفضلية للأجزاء على حساب الكل»[10]. كان “جيمس” يربط التعددية غالبًا بالديمقراطية واللا حتمية، في حين كان يرى في المونيسم تجليًا للاستبداد والحتمية[11].
يُعَدُّ “جيمس”، إلى جانب برتراند راسل، من أبرز الوجوه المؤسسة للتعددية الحديثة في الفكر الفلسفي. غير أن هذا الاقتران لا ينبغي أن يُفهم على أنه تقاربٌ جوهري في الرؤية أو المنهج، بل هو تقاطعٌ ظاهري أكثر منه تماثلٌ حقيقي. فالتعددية عند كلٍّ من “جيمس” وراسل تنبع من خلفيات فلسفية مختلفة، وتخدم مقاصد معرفية وأنطولوجية متباينة. وفي هذا السياق، يُشير الفيلسوف ستيفان مادريو (Stéphane Madelrieux) إلى هذا التمايز بدقَّةٍ لافتة، إذ يكتب: “إن التعددية عند راسل وتلك التي نجدها عند “جيمس” لا تتشابهان إلا كما يتشابه القرش والحوت، أي في الصورة الخارجية فقط؛ ولذلك سيكون من الخطأ الجمعُ بينهما أو الخلطُ بين موقفيهما[12]. فبينما تنبعُ تعددية راسل من خلفية منطقية وعقلانية تسعى في تنظيم التعدد ضمن إطارٍ تحليلي صارم، تنبع تعددية “جيمس” من تجربة وجودية وانفتاح براغماتي على تنوع الحياة الإنسانية وتعدد طرائق الإيمان والمعنى. إنها تعدديةٌ تتغذى من التفاعل مع الواقع الحي، لا من التجريد النظري، وتُعبر عن حساسية فلسفية تجاه الاختلاف بوصفه قيمةً لا تهديدًا.
تُعدُّ التعددية مفهومًا محوريًا في فلسفة “جيمس”، وهي تتمايزُ عن المونيسم من خلال تصور الواقع مركَّبًا من عناصر مستقلة ومتنوعة، لا مادةً موَحْدة أو جوهرًا واحدًا. وتنعكس هذه الرؤية في مختلف مجالات تفكيره: الميتافيزيقا، نظرية المعرفة، الأخلاق، وفلسفة الدين. في كتابه الكون التعددي[13] (A Pluralistic Universe)، يُدافع “جيمس” عن فكرة أن العالم يتكوَّنُ من تجارب فردية وذاتية متعددة، لكلٍّ منها قيمتها ومعناها الخاص. وهو يرفض تصور الوَحْدة المطلقة الشاملة، ويؤكد أن التنوعَ والتعددَ هما مفتاحا فهم الواقع. هذه المقاربة التعددية تُتيح الاعتراف بشرعية التعدد في الرؤى والتجارب الإنسانية، وتقدِّمُ بذلك تصورًا أكثر ثراءً وتعقيدًا للعالم[14].
تندرج جدلية الواحد والمتعدد عند “جيمس” ضمن رؤيته التعددية المناهضة للمونيسم، ومن ثمَّ ضمن نقده للعقلانية المجردة والنزعة إلى تحويل المفاهيم إلى حتميات على حساب التجربة المعاشة. ففي كتابه فلسفة التجربة، يرفض “جيمس” فكرةَ المونيسم الميتافيزيقي الذي يُختزل فيه غنى الواقع إلى وَحْدة مفهومية جامدة[15]. على العكس من ذلك، يؤكد التعددَ الذي لا يُختزل في التجربة المباشرة، والتي يصفها بـ «سلسلة الوعي» (stream of consciousness)، مُشددًا على ضرورة الحفاظ على هذا التنوع في وجه محاولات التوحيد الذهني لما هو في الأصل متعدد. عند جيمس، فإن الخلطَ بين المفاهيمِ المُكوَّنةِ عمدًا ومُعطيات التجربة التلقائية يؤدي إلى فرض استبداد التجريد على الحياة المعاشة والمحسوسة، مما يُنكر إمكانات التغير، والابتكار، والحرية. وهو يصرِّحُ بأن «الواقعَ في طور التكوُّنِ»، وأن أي محاولة لتجميده داخل وَحْدة مُغلقة تُعَدُّ خيانةً لطبيعته المنفتحة والمتطورة[16]. هذا الموقف يُعارض كلَّ تصور دوغمائي للوَحْدة، ويُعلي من شأن مقاربة تعددية تكون فيها “الوَحْدة الجوهرية” غير مُعطاة سلفًا، بل تُبنى تدريجيًا من خلال ومن داخل تعددية التجارب الإنسانية.
لقد أسهم “جيمس” في توسيع مفهوم البراغماتية ليشمل التعددية بوصفها موقفًا معرفيًا وأخلاقيًا، يرفض اختزال الواقع في وَحْدة تفسيرية مغلقة، ويُقرُّ بشرعية الاختلاف والتنوع. ومن خلال أعماله، لا سيما Le pragmatisme وA Pluralistic Universe، قدَّمَ تصورًا فلسفيًا يُعيد الاعتبار للتجربة المعاشة، ويُمهِّدُ الطريق أمام فهم أكثر مرونة للحقيقة، بوصفها متغيرة ومتعددة، لا ثابتة ومطلقة. تسعى هذه الدراسة في تحليل إشكالية البراغماتية والتعددية في فلسفة “جيمس”، من خلال تتبُّع تطور المفهوم، وتفكيك العلاقة الجدلية بين المونيسم والتعدد، مع إبراز الأبعاد المعرفية والأنطولوجية التي تنبثق من هذا التصور الفلسفي. كما تسعى في استكشاف مدى راهنية هذا الفكر في سياقاتنا المعاصرة، الذي تتقاطع فيه الأسئلة عند الحقيقة، والاختلاف، والتعايش، مع تحديات الحداثة وما بعدها.
البراغماتية والمعتقد من منظور “وليام جيمس”
اتخذ الفيلسوف الأمريكي “جيمس” موقفًا مميزًا تجاه ما يُعرف اليوم بالبراغماتية، وهو مصطلحٌ لم يكن من ابتكاره، بل استعارَه من زميله الفيلسوف “تشارلز ساندرز بيرس” الذي استخدمه لأول مرة عام [17]1878. غير أن “جيمس” لم ير البراغماتية نظريةً جديدة بالكامل، بل وصفها بأنها “اسمٌ جديد لطرق تفكير قديمة[18]“، أي أنها امتدادٌ طبيعي لتوجهات فلسفية سابقة كانت متفرقة[19]، وجاء هو ليجمعها ويمنحها طابعًا منهجيًا واضحًا، فتحولت إلى ما يُشبه الاتجاه العام في الفكر الفلسفي الحديث.
البراغماتية، كما فهمها “جيمس”، لا تهتم بالبحث عن الحقيقة في ذاتها المجردة، بل في النتائج العملية التي تترتب على الأفكار والمعتقدات. فالفكرة لا تُقاس بمدى تجريدها أو مثاليتها، بل بقدرتها على التأثير في الواقع وتوجيه السلوك. وهذا ما جعل الفيلسوف نيلسون غودمان يصف البراغماتية بأنها تتماشى مع “الطبع الفكري السائد في عصرنا[20]“، أي أنها تُعَبِّرُ عن رُوح الحداثة التي تميل إلى الفعل والتجربة أكثر من التنظير والتأمل.
ورغم أن “تشارلز ساندرز بيرس” هو من صاغ مصطلح “البراغماتية” في أواخر القرن التاسع عشر، فإن نيلسون غودمان يرى أن هذه الفكرةَ بقيت في حالة من السكون النظري، ولم تُفعَّل فعليًا في الحقل الفلسفي إلا بعد أن أعاد “جيمس” إحياءها بعد نحو عشرين عامًا، وجعل منها تيارًا فلسفيًا مؤثرًا في الفكر الأمريكي الحديث. فقد قام “جيمس” بتوسيع المفهوم وتقديمه بأسلوب عملي وتجريبي، مما جعله أكثر قربًا من المزاج الفكري السائد في عصره، وأتاح له الانتشار خارج الدوائر الأكاديمية الضيقة[21]. وقد أكدت الباحثة شيريل ميساك[22] في كتابها The American Pragmatists (2013) أن البراغماتيةَ لم تكن مجرد نظرية فلسفية منعزلة، ولكنها تطورت عبر إسهاماتٍ متعددةً من (بيرس وجيمس وغيرهما)، لتصبح إطارًا فكريًا يعكس العلاقة بين الفكر والعمل، ويطرح تساؤلاتٍ عميقةً عند الحقيقة والمعنى والاعتقاد. وتوضح ميساك كيف أن هذا التيار الفلسفي ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالنزعة الشكِّية وبقيم الديمقراطية، إذ يُنظر إلى الحقيقة بوصفها قابلةً للتغير والتفاوض، وليست مطلقةً أو نهائية.
أما لويس ميناند[23]، فقد تناول في كتابه The Metaphysical Club (2001) تاريخ البراغماتية في أمريكا من خلال تتبع أفكار (بيرس وجيمس)، مُبينًا كيف أثَّرت هذه الأفكار في تكوين الثقافة الفكرية الأمريكية، وكيف أدمجت في نقاشات أوسع حول مفاهيم الحقيقة والاعتقاد والديمقراطية. ويرى ميناند أن البراغماتية لم تكن محض نظرية فلسفية، وإنما كانت استجابةً ثقافية وتاريخية لمرحلة من التحولات العميقة في المجتمع الأمريكي، التي أصبح الفكر فيها يُقاس بقدرته على التأثير في الواقع، لا بمدى تجريده أو مثاليته.
ومع ذلك، يوجِّه غودمان نقدًا حادًا لهذا التيار، ويقول إنه “يحرمنا من أي شيء ثابت يمكننا الإيمان به”[24]، أي أنه يُزعزع الأسُسَ التقليدية للمعرفة ويجعل الحقيقة أمرًا مُتغيرًا يخضع للظروف والنتائج. لهذا السبب، يرى غودمان أن البراغماتيةَ تُجسِّدُ في جوهرها النزعة الشكِّية، لأنها ترفض اليقين المطلق، وتُقرُّ بأن المعنى يتغير بتغير السياق. وهي أيضًا تَعبيرٌ عن رُوح التطور، لأنها تُواكب التغيرات وتُعيد تقييم الأفكار بناءً على نتائجها. كما أنها ترتبط بـالديمقراطية، لأنها تفتح المجال لتعدد الآراء وتُعلي من شأن التجربة الفردية في تحديد المعنى والقيمة. بعبارة أخرى، البراغماتية ليست مجرد نظرية فلسفية، وإنما رؤيةٌ للعالم تقوم على النظر إلى الفكر بوصفه أداةً للتفاعل مع الواقع، لا غاية في ذاته. وهي بذلك تضع الإنسانَ في قلب العملية المعرفية، وتدعوه إلى اختبار أفكاره في الحياة العملية، لا في عالم التجريد.
لقد حرص “جيمس” على أن يرسم حدود نظريته في مجالٍ يتّسع لكلٍّ من “العقول المرهفة” (esprits délicats)و”العقول المتحجرة”(esprits endurcis)، في محاولة منه لتجاوز الانقسام التقليدي بين الحساسية الوجدانية والصرامة العقلانية. فهو يسعى في أن يضع تصوره الفلسفي في منطقة وسطى، تتأرجح بين الفلسفة العقلانية من جهة، والعلم التجريبي من جهة أخرى[25]، دون أن ينحاز كُليًّا لأيٍّ منهما.
وفي هذا السياق، يصف الفيلسوف جان غريش، في كتابه العوسج الملتهب (Le Buisson Ardent) الذي يتناول فلسفة الدين، البراغماتية الجيمسية بأنها “موقفٌ ذهنيٌّ أكثر جذريةً من أيِّ تجربة حسية، وأكثر مرونةً من أيِّ نزعةٍ وضعية”[26]. وهذا التوصيف يكشف عن طبيعة البراغماتية بوصفها منهجًا لا يكتفي بالملاحظة أو بالتحليل المجرد، بل يسعى في بناء جسورٍ بين التجربة والمعنى، وبين الواقع والممكن. إن جوهرَ هذه النظرية، كما يراه “جيمس”، يكمن في قدرتها على حلِّ النزاعات الميتافيزيقية التي قد تبقى معلَّقة إلى ما لا نهاية، لولا وجود إطارٍ فكريٍّ يسمح بتجاوزها[27]. فالبراغماتية هنا ليست مجرد تِقْنية معرفية، ولكنها رؤيةٌ فلسفيةٌ تتعامل مع الحقيقة بوصفها ثمرةً للتفاعل بين الإنسان والعالم، بين الفكر والتجربة، وبين السؤال والجواب. وهكذا، فإن “جيمس” لا يُقدِّمُ نظريةً مغلقةً أو دوغما ثابتة، بل يفتح أفقًا للتفكير يتَّسعُ للتعدد والتأويل، ويمنح الفلسفة إمكانات جديدة لفهم الذات والوجود، بعيدًا عن الجمود العقلي أو الانغلاق التجريبي.
حين يستحضر “جيمس”، عبر اقتباسه لتشبيه جوفاني بابيني، صورة البراغماتية بوصفها ممرًا في فندق[28]، فإنه لا يقصد بها وجهة نهائية أو غرفة مغلقة، بل فضاءً انتقاليًا يربط بين المناهج المختلفة دون أن يتماهى مع أيٍّ منها. فالبراغماتية، في هذا التصورِ، ليست منهجًا صارمًا في ذاته، بل جسرٌ معرفيٌ يُتيح العبور بين الرؤى، ويمنح الفكرَ فُسحةً للتأمل والتجريب. إنها أشبه بـ “تصوّر أنسابي للحقيقة”[29] (conception généalogique de la vérité)، إذ لا تُفهم الحقيقة بوصفها معطىً ثابتًا أو مطلقًا، بل بوصفها نتاجًا لتاريخٍ من التفاعلات والتجارب، تتكوَّنُ عبر الزمن وتُعاد صياغتها حسب السياقات. فالحقيقة، في المنظور البراغماتي، ليست ما يُقال عنها، بل ما تُثمره من آثار وما تُحدثه من تحولات في الواقع. ومن هنا، “لا ينبغي النظر إلى البراغماتية على أنها مجموعةٌ من المعتقدات أو القواعد الجامدة، بل هي مزاجٌ فلسفي، أو نمطٌ من التفكير يتسم بالمرونة والانفتاح”[30]. إنها دعوةٌ إلى التفكير العملي دون أن تُختزل في النفعية، وإلى التأمل دون أن تُغرق في التجريد. إنها فلسفة تُصغي للواقع، لكنها لا تتنازل عن العمق، وتُراهن على المعنى، دون أن تُغلق الباب أمام التعدد والتأويل.
ينطلق “جيمس” من قناعة جوهرية مفادها أن “تاريخَ الفلسفةَ، إلى حدٍّ بعيد، هو تاريخُ صراعٍ بين الطبائع البشرية”[31]. ومن هذا المنطلق، وبالاستناد إلى خلفية تربوية نفسية، يسعى “جيمس” في بناء نظريته لا على أرضٍ صلبة كالتي تقوم عليها الحصون الفكرية، بل على محيطٍ متعرجٍ يَمَسُّ أعماق النفس البشرية، الذي تتداخل فيه الانفعالات مع الإدراكات، وتتشابك التجربة مع المعنى. فهو لا يكتفي بتصنيف الأفكار والمعتقدات، بل يتوجه إلى ما هو أعمق: إلى الوجدان، بوصفه القوةَ الفاعلةَ في توجيه السلوك البشري. فبحسب “جيمس”، لا تؤثر الأفكار والعواطف في الأفعال بالدرجة ذاتها، بل إن المشاعرَ هي التي تُحرِّكُ الإنسانَ بالدرجة الأولى، وتبقى الأفكارُ في مرتبة التأثير الثانوي، كأنها تبرِّرُ ما تمَّ اختياره وجدانيًا[32]. ومن هنا، يستبدل “جيمس” بالتصور العقلاني الذي تبنَّاه كليفورد، والذي يربط الاختيار بالمنطق والبراهين، وصفًا أكثر مرونةً، يرى أن المنطق وَحْده لا يكفي لحسم الخيارات الواقعية. تقوم هذه النظرية على مبدأ تبنِّي الفرضيات تبنيًا مؤقتًا، شريطة أن يتم التخلِّي عنها إذا لم تسندها أدلَّةً مقنعة.
في هذا السياق، يُشير ويليام كينغدون كليفورد[33] في كتابه The Ethics of Belief and Other Essays (1879) إلى أن الإيمان دون دليل كافٍ يُعدُّ خطًا أخلاقيًا في جميع الأحوال. فهو يؤكِّد على أن المنطقَ والبراهين يكونان الأساسَ الأخلاقي لتكوين المعتقدات، وأن أي انحراف عن هذا المبدأ يُعدُّ إخلالًا بالمسؤولية المعرفية للفرد. غير أن “جيمس” يُعارض هذا الطرحَ في أعماله، ويقترح بديلًا يتمثَّلُ في نظرية براغماتية للحقيقة، يرى فيها أن صدق الفكرة لا يُقاس بمدى اتساقها المنطقي أو بدقة براهينها، بل بمدى فاعليتها العملية ونفعها الوجودي للفرد.
فالحقيقة، في نظر “جيمس”، ليست كِيانًا ثابتًا يُكتشف بالعقل المجرد، بل هي ثمرةٌ لتجربة حية، تتجلَّى في قدرتها على حلِّ المشكلات الواقعية وتوجيه الفعل الإنساني. ينتقد “جيمس” المقارباتِ التي تحصر الحقيقة في إطار العقلانية الصارمة، ويؤكِّدُ أن الاعتقاد لا يُمكن اختزاله إلى معادلات منطقية، بل يجب أن يُفهم في ضوء أثره في الحياة، وفي المعنى الذي يمنحه للوجود. فالفكرة التي تُحرِّكُ الإنسانَ وتمنحه أفقًا للعمل، هي أكثرُ صدقًا –في المنظور البراغماتي– من فكرة صحيحة منطقيًا لكنها عقيمةٌ وجوديًا. وقد تناول ريتشارد غايل[34] هذا التوتر بين العقل والوجدان في كتابه The Divided Self of William James (1999)، الذي أبرز فيه كيف أن “جيمس” لم يكن يسعى في تقويض العقل، بل إلى إعادة الاعتبار للبعد الوجداني والعملي في تكوين الحقيقة، في توازن دقيق بين الحرية الداخلية والمسؤولية المعرفية. فالحياة لا تُدار فقط بالأدلة، وإنما تُبنى على الحدس، والتجربة، والانفعال، وهي عناصرُ تتجاوز ما يُمكن للعقل أن يضبطه أو يُبرهن عليه. إن فلسفة “جيمس”، في هذا السياق، لا تسعى في إقامة منظومة مغلقة، بل إلى فتح أفقٍ تأويليٍّ يسمح بفهم الإنسان في تعقيده، ويمنح الفلسفةَ طابعًا وجوديًا يتجاوز الصرامة المنهجية، ليصل إلى النبض الداخلي للكينونة.
يُعنى “جيمس” بما يُسميه “علم النفس الحقيقي للرأي البشري”[35] (psychologie réelle de l’opinion humaine)، وهو بذلك لا يَدرس الاعتقاد بوصفه قرارًا عقلانيًا واعيًا، بل بوصفه حالةً نفسيةً تتكوَّنُ في عمق الذات، وتُستثار بعوامل تتجاوز المنطق الصرف. فهو يرى أن الإنسان لا يستطيع أن “يُقرّر” الإيمان بشيء كما يقرّر القيام بفعلٍ إراديٍّ بسيط؛ فالإيمان لا ينبع من الإرادة المجردة، بل من تفاعلٍ داخلي بين الحالة النفسية، والميول، والمصالح، والتجربة الحياتية.
في هذا التصور، يُعاد ترتيب الأولويات المعرفية: الرأي والحالة النفسية يحتلان الصدارة، والإرادة والعقل يحتلّان المراتب الثانوية. فالمسألة ليست في “أفعال الإرادة الصريحة[36]“، بل في الطرائقِ التي تتكوَّنُ بها اختيارات الفرد، سواء كانت معتقدات أو مواقف أو قرارات، وفي الكيفية التي تتغيَّر بها هذه الاختيارات تحت تأثير دوافع غير عقلانية، مثل: الرغبة، والخوف، والانتماء، والبحث عن المعنى. ويؤكد “جيمس” أن هذهِ الاختيارات لا تُبنى فقط على الأدلة المنطقية، بل تتكوَّنُ جزئيًا بفعل مصالح داخلية وأهواء شخصية، أي بفعل شيء آخر غير البرهان[37]. فالحقيقة، في هذا السياق، ليست ما يُثبت، بل ما يُعاش، وما يُحدث أثرًا في النفس والواقع. إنها ليست فقط ما يُقال عنها، بل ما يُترجم إلى فعلٍ وتحوّلٍ في حياة الإنسان.
يتأمل “جيمس” في المعايير التي تجعل قرارًا إيمانيًا يبدو أكثر عقلانية من غيره، فيطرح في مقاله Rationality, Activity, and Faith (1882) فكرة مفادها أن “من بين تصورين قادرين على تلبية المتطلبات المنطقية، قد يكون أحدهما أكثر قدرة على إثارة الدوافع الفاعلة أو على إرضاء متطلبات جمالية معينة من الآخر”[38].
هذا القولُ يكشف عن تحوِّلٍ جوهري في فهم “جيمس” لطبيعة الاعتقاد، لا تعود فيه المنطقية وَحْدها كافية لتفسير اختيارات الإنسان، بل تُصبح العلاقةُ النفسيةُ بين الفرد وميله الداخلي هي العاملُ الحاسم. فعند جيمس، لا تُبنى القرارات على العقل أو الذكاء المجرد، بل على الديناميات النفسية التي تحرِّك الذات من الداخل. فالرغبة، والاندفاع، والانجذاب الجمالي، كلها تلعبُ دورًا في تكوين المواقف، وتحديد الاتجاهات، واختيار المعتقدات. وهذا ما يجعل البراغماتية، في نظره، موقفًا وجوديًا أكثر منها منهجًا معرفيًا. إنها ليست تِقْنية تحليلية، بل أسلوبٌ في النظر إلى العالم، يُمنح فيها الشعورُ والوجدان مكانةً مركزية، وتُفهم الحقيقة بوصفها ما يُحدث أثرًا في الحياة، لا ما يُثبت في العقل. فالفكرة التي تُحرِّكُ الإنسان وتُشعل فيه شرارة الفعل، هي أكثر صدقًا –في المنظور البراغماتي– من فكرة مُتماسكة منطقيًا لكنها خاملةٌ وجدانيًا.
وقد تناول ديفيد لامبرث[39] هذا البُعد في كتابه William James and the Metaphysics of Experience (1999)، عندما ركَّز على الطابع الراديكالي للتجريبية الجيمسية، وعلى تعدديته الفلسفية التي ترفض اختزال الواقع في ثنائيات تقليدية مثل العقل والجسد، أو الذات والموضوع. فعند جيمس، لا يُمكن فصل الفكر عن الشعور، ولا الإحساس عن التأمل؛ بل إن التجربةَ الإنسانية هي كلٌّ متكاملٌ ومترابط، تتداخل فيه العناصر النفسية والوجدانية والمعرفية في تفاعلٍ دائم. إن هذا التصور يُعيد تعريفَ الفلسفة بوصفها استجابةً للواقع المعاش، لا مجرد تأملٍ نظري. فالميتافيزيقا، في هذا السياق، لا تُعنى بما وراء الطبيعة فحسب، وإنما بما وراء الانفصال بين الإنسان وعالمه، بين الذات وتجلياتها، وبين الفكرة وأثرها.
تتمثلُ الفكرةُ المركزية في البراغماتية، كما صاغها “جيمس”، في نقدِ كل التجريدات الثابتة التي أنتجتها المفاهيم العقلانية، والدعوة إلى إعادة إدماج الإنسان في تيار الحياة التجريبية، في قلب العالم المُعاش، حيث تتجلّى الحقيقة لا في صيغها النظرية، بل في آثارها العملية[40]. فالبراغماتية لا تقيس الأفكار بمدى اتساقها المنطقي أو نقائها المفهومي، بل بما تُحدثه من نتائج ملموسة. إنها فلسفة تُعيد الاعتبار للفعل، وتُعيد توجيه الفكر نحو ما يُفيد ويُثمر.
ومن هنا، فإن براغماتية “جيمس” تتقاطع مع النزعة الإسمية التي ترفض الكُليات المجردة، ومع النفعية التي تُعلي من شأن النتائج، ومع الوضعية التي تركز على ما يُمكن التحقق منه، لكنها في الوقت ذاته، تُعارض النزعة العقلانية الصرفة[41]، وترفض اختزال الفكر في مجرد تحليل ذهني. في هذا الإطار، لا تكون الفكرة صادقة أو كاذبة بذاتها، بل يُقاس صدقها بمدى فاعليتها. فالقيمة المعرفية لأي فرضية لا تُستمد من أصلها أو منطقها الداخلي، بل من قدرتها على أداء المُهمة المنوطة بها. فالمصدر لا يهم، سواء أكان الفرض من وحي الإلهام، أم من تجربة شخصية، أم من تأمل فلسفي؛ ما يهم هو: هل تُحْدِثُ هذه الفكرة فرقًا؟ هل تُنير الطريق؟ هل تُنتج أثرًا؟ إنها فلسفة تُحرِّرُ الفكرَ من قيود الماهيات، وتُعيده إلى ديناميكية الحياة، فلا يُطلب من الفكرة أن تكون صحيحةً في ذاتها، بل أن تكون صالحةً للحياة، قادرةً على التكيّف، وعلى الاستجابة لتحديات الواقع، وعلى مرافقة الإنسان في بحثه عن المعنى والنجاعة[42].
القيود والمحددات المفاهيمية للفلسفة البراغماتية عند “ويليام جيمس”
إن الموقفَ البراغماتي الذي يتبناه “جيمس” ينطوي على جملة من الإشكاليات العميقة، لا سيما حين يُستخدم أداةً لنقد المواقف المُطلقة أو “الدوغماتية”. فالبراغماتية، كما يطرحها “جيمس”، تقيس صدق الأفكار بمدى نفعها العملي أو بنتائجها الملموسة في الواقع. غير أن هذا المعيارَ يُثير تساؤلاتٍ جوهريةً: ماذا لو كانت هذه النتائجُ العملية مشروطةً برغباتٍ دفينة أو ميول نفسية غير واعية؟ وهل يُمكن اعتبار الفكرة صادقة لمجرد أنها تُرضي حاجةً داخلية أو تُحقق انسجامًا نفسيًا؟ وإذا تأملنا في طبيعة هذه الرغبات، نجدُ أن كثيرًا منها يرتبط، ضمنيًّا أو لا شعوريًّا، بالحاجة إلى المطلق، إلى الوَحْدة الكُلية التي تمنح النفس توازنها وتماسكها. فهل يُمكن للبراغماتية، في هذه الحالة، أن تدَّعي الحياد؟ ألا تكون، هي ذاتها، متأثرة بضرورة وجود وَحْدة خلفية تُضفي المعنى على التجربة وتُوجِّهُ التفسير؟ ثم إن الإنسانَ، بطبيعته، يميلُ إلى التعلُّق بالأفكار التي تمنحه الطمأنينة، ويُسقط عليها مشاعره وهُويته، حتى ليقول كما قال والت ويتمان، الذي يستشهد به “جيمس”: “ما يمسُّ هذا الكتاب يَمسُّ إنسانًا”[43].
وهذا التعلُّق قد يدفعنا إلى انتقاء الوقائع التي تُعزز قناعاتنا المسبقة، فنُعيد تكوين الواقع وفقًا لمعتقداتنا، ونُضفي على ما هو اصطناعي أو متخيَّل صفة الحقيقة، ونُخضع الكون بأسره لتصوراتنا الذاتية[44]. في هذا السياق، تصبح البراغماتيةُ أداةً انتقائية، تُفضِّل من بين الحقائق ما يتناغم مع “الجزء القديم من تجربتنا”، أي مع ما اعتدنا عليه وما يُرضي ذوقنا أو مزاجنا. وهنا تبرز مُفارقة خطيرة: فبدلًا من أن نستخدم التجربة لتقييم الأفكار، نُوظّف الأفكار لتوجيه التجربة، ونبحث فيها عمّا يُؤكد تحيُّزاتنا، فنقع في دوغماتية من نوع جديد — دوغماتية الرأي والمزاج الشخصي. من المهم التنبيه إلى أن مفهوم “المزاج” عند “جيمس” يختلف اختلافًا جوهريًا عما يُقصده فريدريش شلايرماخر بمصطلح “الشعور”[45].
فعند شلايرماخر، يُعَدُّ الشعورُ موقفًا وجوديًا تجاه الكون، يتميَّزُ بكونه قابلًا للتواصل والنقد في آنٍ واحد. إنه ليس مجرد انفعال داخلي، ولكنَّهُ حالةٌ من التلقي التأملي، ينكشف فيها الكون للذات دون الحاجة إلى الركون إلى أسس عقلانية أو دوغماتية معقدة. وهذا النوع من العلاقة مع الشعور يُقارب ما يعبِّرُ عنه المتصوفة حين يتحدثون عن الحدس الرُوحي، أي ذلك الإدراك المباشر الذي يتجاوز الوسائط العقلية، ويستندُ إلى تجربة داخلية شفافة تُلامس جوهر الوجود. في المقابل، فإن المِزاج عند “جيمس” يُفهم على أنه حالةٌ نفسية أو وجدانية، ترتبط بالبِنية السيكولوجية للفرد، وتُعبِّرُ عن ميول وانفعالات شخصية أكثر منها مواقف كونية أو رُوحية. وبذلك، فإن الفرقَ بين المفهومين لا يقتصر على اللغة أو الاصطلاح، بل يمتدُّ إلى طبيعة العلاقة بين الذات والعالم: فشلايرماخر يرى في الشعور مدخلًا إلى الكشف الكوني، بينما يُوظِّفُ “جيمس” المِزاج ليكون عنصرًا في تحليل التجربة النفسية، دون أن يمنحه البُعد الكوني أو الرُوحي ذاته.
إن هذا الانحراف في استخدام التجربة يُفرغ المعيار البراغماتي من مضمونه، ويُحوِّله إلى أداة لتبرير الذات لا لاختبار الحقيقة. فكيف يُمكن للنتائج العملية أن تحكم على صدق فكرة، إذا كانت هذه النتائج نفسها مُفبركة أو مُنتقاة مُسبقًا لتلائم الفكرة؟ ولعل المخرجَ الوحيدَ الذي يقترحه “جيمس” لتجاوز هذه المعضلة، هو السعيُ إلى تقليل التنافر بين الأفكار، وتحقيق أكبر قدر مُمكن من الاستمرارية بينها[46]. فالفكرة، بحسبه، “تكون صادقة بقدر ما تنجح في أداء وظيفتها الوسيطة”[47]. وهو يُميُّزُ بوضوحٍ بين نوعين من الأحكام: الأحكام التي تتناول ماهية التجربة وطريقة تفسيرها، من جهة، وتلك التي تتناول قيمتها أو معناها، من جهة أخرى[48]. غير أن هذا التمييز قد يُغفل أمرًا أساسيًا: فعند من يعيش التجربة، قد لا يكون الحكم على تفسيرها مُنفصلًا عن الحكم على معناها. بل قد يتداخل التفسير مع القيمة، ويُصبح جزءًا منها أو شرطًا لفهمها. وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف في براغماتية “جيمس”، التي تُغفل البُعد الوجودي للتجربة، وتُركِّزُ على وظيفتها دون أن تُدرك عمقها[49].
في إطار الموقف البراغماتي، لم يَعُدْ الحكمُ على صدق الأفكار مُرتبطًا بانعكاسها المباشر في الواقع، بل أصبحَ خاضعًا لتأثير المِزاج الشخصي والطبع النفسي للفرد، وهما عنصران يتكونان من خلال التجربة الذاتية الخاصة بكل إنسان. وهكذا، فإن معيار الحقيقة لم يَعُدْ موضوعيًا أو قائمًا على التحقق الواقعي، بل بات مشروطًا بالحالة النفسية والانفعالية للذات المتلقية. من هذا المنطلق، يواجه البراغماتية خيارًا حاسمًا: إما أن تتخلى عن موقعها الوسيط وتُقرُّ بانتمائها إلى أحد الاتجاهين التقليديين —العقلانية أو التجريبية— وإما أن تعترف بأنها فلسفة المزاج، أي أنها تقوم على منطق انفعالي لا عقلاني، مما يجعلها أقرب إلى السفسطة البراغماتية منها إلى منهج فلسفي مُتماسك. فالبراغماتية، كما يصوغها “جيمس”، تُقدَّمُ بوصفها موقفًا مرنًا، قادرًا على توليد الأفكار وصياغتها من خلال استثمار كل الاحتمالات والفرص الوجودية التي يتيحها الواقع. وهذا التوجه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنموذج التعددي الذي يتبناه “جيمس”، والذي يُعلي من شأن التنوع والتعدد في تفسير العالم.
لكن هذا الارتباطَ يطرح إشكالية فلسفية دقيقة: هل الموقف البراغماتي هو الذي أسَّسَ لرؤية “جيمس” التعددية؟ أم أن القناعة المُسبقة بالتعددية هي التي دفعته إلى تبني البراغماتية منهجًا؟ بعبارة أخرى، هل كانت البراغماتية هي المنهجُ الذي قاد إلى التعددية، أم أن التعددية كانت الفرضية التي صاغت منهجًا براغماتيًا لتبرير ذاتها؟ هذا التساؤل يفتح المجال لإعادة النظر في التعددية الجيمسية، ويُتيح فرصة لمراجعة حججه المناهضة للمطلق، من خلال تحليل العلاقة الجدلية بين المنهج والموقف، وبين المزاج الشخصي والمعيار الفلسفي.
ترتبط البراغماتية بالتعددية في فكر “جيمس” ارتباطًا وثيقًا، بطريقة يصعب بها فصل أحدهما عن الآخر دون الإخلال بجوهر رؤيته الفلسفية. فالبراغماتية، كما صاغها “جيمس”، ليست منهجًا محضًا لتقييم صدق الأفكار بناءً على نتائجها العملية، وإنما هي أيضًا تعبيرٌ عن موقف وجودي يعترف بتعدد التجارب الإنسانية وتنوع طرائقِ الفهم والمعنى. ومن هذا المنطلق، فإن التعدديةَ ليست نتيجة عرضية للبراغماتية، بل هي شرطٌ ضمني فيها، ومقوم أساسي من مقوماتها.
يرى “جيمس” أن الحقيقةَ ليست واحدةً ومُطلقة، بل متعددة ومتحولة، تتكوَّنُ بحسب السياقات النفسية والاجتماعية والرُوحية التي يعيشها الأفراد. وهذا التصور ينبثق من إيمانه بأن الواقعَ نفسه ليس كتلةً صلبة موَحْدة، بل هو فسيفساءُ من الإمكانات والاحتمالات التي تتفاعل مع الذات العارفة. ومن هنا، فإن البراغماتية ترفض الحتمية الميتافيزيقية، وتُفسح المجال أمام التعدد في التأويل والتجربة، مما يجعلها فلسفة منفتحة على التغير، وقابلة للتكيف مع اختلاف الطبائع والمواقف. لقد بلور “جيمس” هذا الربط بين البراغماتية والتعددية من خلال نقده للنزعات المطلقة التي تسعى في فرض نظام واحد للحقيقة والمعنى. فهو يرى أنَّ التعددية ليست فقط خيارًا معرفيًا، بل هي ضرورةٌ وجودية، لأنَّ الإنسانَ لا يعيشُ في عالم واحد، بل في عوالمَ مُتعددةٍ تتداخل فيها الرغبات والمعتقدات والتجارب. ولهذا، فإن البراغماتيةَ الجيمسية تُعَدُّ فلسفةً للحرية الفكرية، تُمكِّنُ الفردَ من أن يختبر أفكاره في ضوء تجربته الخاصة، دون أن يُجبر على الانصياع لنموذج كلي أو تفسير نهائي. وبذلك، فإن العلاقة بين البراغماتية والتعددية في فكر “جيمس” ليست علاقة تبعية أو تبرير، بل علاقةٌ تأسيس وتكامل. فالبراغماتية تُشرعن التعددية، والتعدديةُ تُغني البراغماتية، في حركة جدلية تُعيد تعريف الحقيقة بوصفها عملية مستمرة، لا نتيجة نهائية. وفي هذا السياق، تُبرز جدلية التوحيد والتعدد بوصفها محورًا أساسيًا في فلسفة “جيمس”، تتقاطع فيها رؤيته البراغماتية مع تساؤلات وجودية عميقة عن وَحْدة الحقيقة وتنوع التجربة.
إعادة النظر في التعددية والمونيسم عند “ويليام جيمس”: الهُوَّةُ بين “الحس التلقائي” و”الوعي الانعكاسي“
في كتابه *فلسفة التجربة*، يرى “جيمس” أن “المونيسم” ليس سوى بِناءٍ فكري ذاتي، يربط بين العناصر ويوَحْدها بطريقة عقلية. ويؤكد أن الواقع الفيزيائي لا يتضمن سوى الأجزاء[50]: «فالكل، سواء كان طائرًا أو مجموعة نجمية، ليس سوى رؤيتِنا، ليس سوى أثرٍ يُحدثه تفاعل مجموعة من الأشياء في آن واحد على جهازنا الحسي[51]». وعلى الرغم من أن الإدراكات هي تراكيبُ ذاتيةٌ ناتجةٌ عن دمج إحساسات متعددة داخل وعي واحد، فإنها تَظَلُّ منفذنا الوحيد إلى الواقع. فلا يُمكننا تجاوز أدوات إدراكنا في سعينا في الوصول إلى الحقائق بذاتها. بمعنى آخرَ، لا إمكان لمعرفة الحقائق خارج نطاق التجربة الحسية. لذلك حتى الإقرار بأن الحقائقَ بذاتها كِياناتٍ مُجزأةً، وأن “المونيسم ” هو نتاجُ نشاطٍ عقلي تركيبي، يصبح ضربًا من التخمين غير المبرر. صحيح أن الواقعَ قد يكون مختلفًا عما يبدو لنا، لكن من غير المُمكن تصوره أو تعريفه بمعزل عن إدراكنا له. ويُقرُّ “جيمس” بنفسه الدورَ الضروريَّ لعملية الإدراك الذاتي في علاقتنا بالواقع والتي توجب عملية تجريدية، معترفًا بأن كل فهمٍ للعالم يمرُّ حتمًا عبر وساطة عقلية وذاتية، قائلًا: «من هذه الرحلة إلى عالم التجريدات، نعود إلى الواقع برؤية وقوة متزايدة بطريقة ملحوظة «[52].
وعليه، فإن المشكلةَ لا تكمن في عملية التجريد ذاتها، التي تظل ضرورية في عملية إدراكنا لمعطيات الواقع، بل في تجاهل المسافة بين “الحس التلقائي” (*immediate feltness*) والوعي الانعكاسي[53]. أي أن الخطأ يكمن في الخلطِ بين المفاهيمِ التي نُكونها عن قصدٍ ومن خلال التفكير الواعي الانعكاسي، وبين تلك التي نتلقاها تلقائيًا عبر تحسسنا التلقائي لمعطيات الواقع والتجربة. هذا الخلطُ بين شيئين مختلفين ومستقلين، عبر فعل تفكري انعكاسي، يؤدي إلى خطأ منهجي: إذ نستمر في استخدام مفاهيم كانت في الأصل أدواتٍ للفهم، حتى عندما تصبح عائقًا للفهم[54]. فـتتحول هذه الـ «ممارسة المفيدة (أي الانتقال من التجريد التلقائي للحس إلى التصور والتصنيف القصدي(intentionnel) لمعطيات التجربة) تتحول أولًا إلى منهجٍ، ثم إلى عادة، وأخيرًا إلى استبداد يُناقض الغاية التي استُخدمت لأجلها في البداية[55]». وعندما يُدفع هذا المنطق إلى أقصاه، فإنه يؤدي إلى استبداد فكري يَتمثل في: «نفي إمكان التغيير، والتشويه الذي لا يتردد بعض الفلاسفة في إلحاقه بعالم التغير، واعتباره غير واقعي. فتعريف A ثابت لا يتغير، وكذلك تعريف B. ولا يُمكن لأحدهما أن يتحول إلى الآخر؛ ومن ثمَّ، فإن فكرة أن شيئًا ملموسًا A يُمكن أن يتحول إلى شيء ملموس آخرَ B، تُعد مخالفة للعقل«[56]. تجاهل المسافة بين الحس التلقائي والوعي الانعكاسي، يقودنا إلى اعتبار تصوراتنا الانعكاسية حقائق حتمية. وهذا يؤدي إلى تقليص خاطئ للمحسوسات التلقائية إلى المفاهيم التي نُسقطها عليها جراء عملية الوعي الانعكاسي.
في هذا السياق، موقف “جيمس” يظلُّ متحوّلًا ومتعددَ الأوجه: تارة يميل نحو الإقرار بتعددية الواقع التجريبي مقابل أحادية التجريد الذهني، وطورًا يعود الى الإقرار بتعددية العملية التجريدية مُقابل أحادية حقيقة الواقع. في المنحى الاول، يؤكد أن ” المونيسم ” نتاج بناء فكري ذاتي، والواقع التجريبي لا يتضمن سوى الأجزاء والتعددية[57].
أي أنه يفصل بين *esse* (الوجود في ذاته) و*sentiri* (ما يُدركه الوعي)، ليؤيد تعدديته المادية والملموسة في مواجهة مونيسم مجرد وعقلاني. أما في المنحى الثاني، وبما أنه مقتنع بأن الواقعَ لا يُمكن إدراكه خارج المفاهيم المجردة الناتجة عن الحس التلقائي، فإنه يرى أن المسألةَ ليست في كون *esse* و*sentiri* شيئين مختلفين أم لا، بل في أننا لا نستطيع إدراك معطيات الواقع إلا من خلال ذاتيتنا. ولهذا، يميلُ “جيمس” إلى تبني التعددية التجريدية بدلًا من المونيسم. لماذا؟ لأنه يدرك المفارقة التي يقع فيها العقلانيون حين يلغون المسافة بين الحس التلقائي والوعي الانعكاسي. فالعقلانيون يثقون بتعريفاتهم ويخلطون بينها وبين الشيء في ذاته. ويصف “جيمس” كيف تحدث هذه المغالطة: «نبدأ بتحديد الشيء من خلال مفهوم؛ ثم نُعرِّفُ هذا المفهوم؛ وعندها، نرى أنَّ الشيء هو ما تُعبِّرُ عنه هذه التعريفات[58]».
هذا الخلطُ الذي يرد الشيء بذاته الى المفهوم الدَّال عليه ناتجٌ عن تجاهل المسافة بين الحس التلقائي والوعي الانعكاسي. هذا الخلط يعكس تجاهلًا للمسافة الفينومينولوجية بين التجربة التلقائية والتمثيلُ الذهني الانعكاسي. ومن هنا، يرى “جيمس” أن العقلانيةَ تُستخدم استخدامًا انتقائيًّا: فأنصار الحتمية يوظفونها لتفكيك العالم الحسي، في حين يستخدمها التجريبيون لتفكيك فكرة الحتمية ذاتها. كل طرف إذًا يتعامل مع العقلانية بوصفها أداةً مرنة، يُفعِّلُها أو يُقصيها وفقًا للرؤية الفلسفية التي يتبناها. بهذا المعنى، لا تُعَدُّ العقلانيةُ عند “جيمس” مرجعيةً نهائية، بل أداةٌ إجرائية يجب الحذر من تحويلها إلى سلطة معرفية حتمية تُقصي تعددية التجربة الإنسانية.[59]
إذًا، ورغم أن “جيمس” يعترف بتعددية ملموسة تنتمي إلى الواقع التجريبي، ويربط المونيسم بالمجال المجرد والعقلي الخاص بنشاط الفكر، إلا أنه يُعيد توجيه هذه التعددية نحو المجال المفهومي، عن طريق إدراجها ضمن تعددية في وجهات النظر والمفاهيم. وهكذا، يَظهر التعدد الجيمسي في هيئة منظورات[60] (perspectives)متعددة أو نسبية في الرؤى، تبقى رغم ذلك مرتبطة بواقع موضوعي يُفترض أنه حتمي، رغم محاولاته المتكررة للتخلص من هذا الارتباط. فالتعددية عند “جيمس” تتجلى في نسبية أو منظورات لا تنفصل عن واقع موضوعي حتمي. ويؤكد “جيمس” أنه كي يكونَ للمنظوراتِ المختلفة أو الظواهر المتعددة معنى، يجب افتراض وجود عدة تجليات للوعي (الوعيّات المتعددة) أو ” معاينين ” (Témoins)قادرين على إدراك الواقع بطرق متنوعة، إذ يُمَثِّلُ العقل المطلق الوعي الذي يمتلك الإدراك الأكمل لهذا الواقع.
الاعتراف بمثلِ هذه التمايزات يُعادل الاعتراف بموجودات مختلفة، أو على الأقل يفترض أن هذه الرؤى المتعددة، وهذه الأوجه المتنوعة، وهذه المظاهر والأساليب المختلفة في إدراك شيء ما، أو غيرها من التعبيرات المشابهة، هي كلماتٌ لا معنى لها ما لم نفترض، إلى جانب المحتوى الثابت للواقع، تعددية في “الشهود”، أي في الوعيَّات التي تدرك هذا الواقع بطرق مختلفة، إذ يُعَدُّ “العقل المطلق” هو “المعاينُ” أو الوعي الذي يدركه بأكمل وجه[61].
على الرغم من أن الإنسانَ لا يستطيع أن يتجاوز نطاق ذاته في إدراكه للعالم، فإن من الضروري أن تتوافر درجة من الموضوعية كي تصبح الذاتيةُ ذاتَ فاعليةٍ معرفية. فالموضوعية، في هذا السياق، تؤدي دورًا مركزيًا بوصفها شاهدًا محايدًا، وعقلًا كليًا، ووعيًا شاملًا، ومركزًا مرجعيًا لا غنى عنه لتنظيم تعدد التجربة الإنسانية[62]. فالموضوعية لا تُلغي الذاتية، بل تعززها وتمنحها قابلية للتحقق. ومن هنا، يبدو أن الرؤية الجيمسية تنتقل من تعددية تجريبية إلى تعددية منظورية (Perspectivisme)، ومن مونيسم عقلي تجريدي إلى مونيسم واقعي وغائي(téléologique). نلاحظ أن “جيمس” يتبنى تعددية تصف تنوع المنظورات المرتبطة بأساليب مختلفة في تصور الحس التلقائي، وهو ما يُمكن تسميته بالتعددية الذاتية المنظورية (pluralisme subjectif perspectiviste). وهذه التعدديةُ لا تنفصل عن مونيسم واقعي وغائي (monisme objectif téléologique.
تُظْهِرُ التنقلات المفهومية في فلسفة “جيمس” كيف تنتقلُ فكرة التعددية من كونها مجرد واقع خارجي إلى أن تصبح بِنيةً فكرية داخلية، وتتحول فكرة المونيسم من كونها تجريدًا عقليًّا خالصًا إلى أن تُفهم بوصفها من الواقع المحسوس. هذه الحركة المفاهيمية تفتح المجال لإشكالية فلسفية دقيقة تتمثلُ في التوتر الجدلي بين الديمومة التي نعيشها في التجربة المباشرة، وبين اِنفصال الوقائع عن بعضها بعضًا الذي نلاحظه في الظواهر الفيزيائية والخارجية. في بداياته، اعتبر “جيمس” أن “المونيسم ” ليس سوى نتاجٍ ذهني، يُبنى عبر تجميع المفاهيم والتجريدات، وأن الواقع المادي يتكون من أجزاء منفصلة لا تربطها وَحْدة جوهرية. غير أن تطور فكره لاحقًا يكشف عن مراجعة عميقة لهذه الرؤية، حيث بدأ يرى أن المفاهيم نفسها ليست سوى جزئيات منفصلة في الوعي، تعكس تعددية ذاتية ومنظورية، في حين لا يُمكن إدراك الديمومة إلا من خلال التجربة الحية، التي تُمَثِّلُ وَحْدة موضوعية ذات غاية. هذا التحول في التفكير الجيمسي يعكس نزعة تتجاوز التحليل العقلي الصرف، وتقترب من رؤية رُوحانية للتجربة الإنسانية.
فالفصل بين “الحس التلقائي” و”الوعي الانعكاسي” لا يُشير فقط إلى اختلاف في مستويات الإدراك، بل يكشف عن هُوةٍ وجودية بين ما يُعاش وما يُفكر فيه. ومن خلال هذا التوتر، يُمكن أن نَلْمح بدايات توجه رُوحاني في البراغماتية الجيمسية، تصبح فيه التجربة الحية مصدرًا للمعنى، لا يُختزل في المفاهيم، بل يُحتضن في تدفق الوجود ذاته.
الخاتمة
إنّ تتبَّع المسارَ الفلسفي لـ “جيمس” يكشف عن مشروع فكري متماسك، يتجاوز حدود التنظير المجرد ليغوص في عمق التجربة الإنسانية، ويُعيد الاعتبار للمعيش اليومي بوصفه مصدرًا للمعنى، ومجالًا خصبًا للتأمل الفلسفي. فالبراغماتية، كما صاغها “جيمس”، ليست تقنية معرفية لتقييم الأفكار وفق نتائجها العملية فحسب، ولكنها رؤيةٌ شاملة للوجود، تُعيد ترتيب العلاقة بين الفكر والحياة، بين الحقيقة والتجربة، وبين الذات والعالم.
لقد انطلق “جيمس” من قناعة جوهرية مفادها أن الحقيقة ليست كِيانًا ثابتًا يُكتشف عبر أدوات العقل المجرد، وإنما ثمرةٌ لتفاعل حيٍّ بين الإنسان والواقع، تتكوَّنُ عبر الزمن، وتُعاد صياغتها بحسب السياقات. ومن هنا، فإن البراغماتية الجيمسية تُقوِّضُ التصورات الميتافيزيقية الجامدة، وتُعيد الاعتبار للتجربة الحية بوصفها معيارًا للفهم، ومصدرًا للتعددية. فالحقيقة، في هذا التصور، ليست ما يُقال عنها، بل ما تُحدثه من آثار وما تُثمره من تحولات في الواقع.
إنّ ما يُميِّزُ فلسفة “جيمس”، هو انفتاحها على التعددية، لا بوصفها خيارًا معرفيًا فحسب، ولكن بوصفها موقفًا وجوديًا وأخلاقي يُقرُّ بشرعية الاختلاف، ويُمهِّدُ الطريق أمام فهم أكثر انفتاحًا للحقيقة. فالتعددية عند “جيمس” ليست تنوُّعًا في وجهات النظر فقط، وإنما هي استجابةٌ عميقة لتعقيد الواقع وتنوعه، ورفضٌ لأي نزعة اختزالية تسعى في فرض تفسير واحد أو حقيقة مطلقة. وهي بذلك تُمَثِّلُ نقيضًا للمونيسم، الذي يرى فيه “جيمس” تجليًا للاستبداد الفكري والحتمية الميتافيزيقية.
وفي هذا السياق، يُقدِّمُ “جيمس” تصورًا فريدًا للوعي، يقوم على التمييز بين الحس التلقائي والتجريد التأملي، بين التجربة المباشرة والوعي الانعكاسي. فالتجربة الحية، كما يصفها، هي “سلسلةُ الوعي” التي تتدفَّقُ دون انقطاع، وتحمل في طياتها إمكانات التغير والابتكار والحرية. أما المفاهيم المجردة، فهي أدواتٌ تنظيمية ضرورية، لكنها لا ينبغي أن تُختزل إلى حقائق نهائية أو أن تُفرض على الواقع بوصفها معايير مطلقة. ومن هنا، فإن “جيمس” يُحذِّرُ من الخلط بين المفاهيم المكوُّنةُ عمدًا ومعطيات التجربة التلقائية، لما في ذلك من خطر فرض استبداد التجريد على الحياة المعاشة.
لقد أسهمت البراغماتية الجيمسية في إعادة تكوين العلاقة بين الفكر والعمل، وبين النظرية والممارسة، وبين الفلسفة والواقع. فهي تُعيد الاعتبار للإنسان بوصفه كائنًا فاعلًا، لا متلقّيًا للحقائق، وتُعلي من شأن التجربة الفردية في تحديد المعنى والقيمة. وهي بذلك تُمهِّدُ الطريقَ أمام فلسفة تُصغي للواقع، دون أن تتنازل عن العمق، وتُراهن على المعنى، دون أن تُغلق الباب أمام التعدد والتأويل.
ومن اللافت أنَّ هذا التصور البراغماتي وجد صدًى خاصًا في الفكر العربي المعاصر، خصوصًا عند المفكرين الذين يسعون في التوفيق بين الحداثة الفلسفية والرُوحانية الإسلامية. فالبراغماتية الجيمسية، بوصفها فلسفة للتعددية، تُقدِّمُ بديلًا عن النماذج العقلانية الغربية المستوردة أو القراءات الحرفية للتراث، وتُتيح إمكاناتٍ جديدةً لفهم الذات والوجود، بعيدًا عن الجمود العقلي أو الانغلاق التجريبي.
إنَّ التعدديةَ، كما يتبنَّاها “جيمس”، تُمَثِّلُ دعوةً إلى تجاوز الثنائيات الجامدة، والانفتاح على إمكاناتِ التفاعل بين المواقف المختلفة، دون السعي في محو الاختلاف أو فرض تصورٍ واحد للحقيقة. وهي بذلك تُمهِّدُ الطريق لحوار عقلاني بين القناعات، وتُعيد الاعتبار للنوايا الحسنة بوصفها شرطًا للتعايش السلمي. وفي هذا الإطار، يُمكن فهم “التعددية المنطقية” بوصفها شكلًا من أشكال التعايش داخل كِيان سياسي واحد، تتجاور فيه عقائد شاملة – دينية، أخلاقية أو فلسفية – رغم كونها غير قابلة للانسجام النظري فيما بينها، إلا أنها تظل معقولة وقابلة للنقاش.
لقد حرص “جيمس” على أن يرسم حدود نظريته في منطقة وسطى، تتأرجح بين الفلسفة العقلانية من جهة، والعلم التجريبي من جهة أخرى، دون أن ينحاز كُليًّا لأيِّ منهما. وهو بذلك يُقدِّمُ تصورًا فلسفيًا يتَّسم بالمرونة والانفتاح، ويُعيد الاعتبار للوجدان بوصفه القوةَ الفاعلة في توجيه السلوك البشري. فبحسب “جيمس”، لا تؤثر الأفكار والعواطف في الأفعال بالدرجة نفسها؛ بل إن المشاعرَ هي التي تحرِّكُ الإنسان بالدرجة الأولى، وتبقى الأفكار في مرتبة التأثير الثانوي، كأنها تبرِّرُ ما تمَّ اختياره وجدانيًا.
ومن هنا، فإن البراغماتية الجيمسية تُعيد ترتيب العلاقة بين العقل والعاطفة، بين المنطق والوجدان، وتُمهِّدُ الطريقَ أمام فلسفة تُصغي للإنسان في تعقيده وتعدُّدِه، لا في تجريده واختزاله. وهي بذلك تُقدِّمُ نموذجًا فلسفيًا يُراعي التوترات الداخلية للذات، ويُعيد الاعتبار للتجربة المعاشة بوصفها مجالًا للفهم، ومصدرًا للمعنى.
إنّ ما يُقدِّمَهُ “جيمس” ليس نظرية فلسفية مغلقة فحسب، ولكن أفقًا للتفكير يتَّسعُ للتعدد والتأويل، ويمنح الفلسفة إمكاناتٍ جديدةٍ لفهم الذات والوجود. وهو بذلك يُعيد الاعتبار للفكر بوصفه أداةً للتفاعل مع الواقع، لا غاية في ذاته، ويُمهِّدُ الطريقَ أمام فلسفة تُراهن على المعنى، دون أن تُغلق الباب أمام التعدد والتجربة. وفي ضوء ما سبق، يُمكن القولُ إنَّ البراغماتية الجيمسية تُمَثِّلُ إسهامًا نوعيًا في الفكر الفلسفي الحديث، تُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم، وتُمهِّدُ الطريقَ أمام تصور أكثر انفتاحًا للحقيقة، وأكثر احترامًا للتنوع الإنساني والرُوحي. وهي بذلك تُقدِّمُ نموذجًا فلسفيًا يُراعي تعقيد الواقع وتنوعه، ويُعيد الاعتبار للتجربة الحية بوصفها مصدرًا للفهم، ومجالًا للتأمل، وأفقًا للحرية.
______________________________________________
المراجع الببليوغرافية:
Barton, Ralph Perry, The Thought and Character of William James, Vanderbilt University Press, Nashville and London, 1996, 424 pages.
Bergson, Henri, Matière et mémoire, Paris, Presses Universitaires de France, 1939/1965, 282 pages.
Benoist, Jocelyn, « Phénoménologie ou pragmatisme ? Deux psychologies descriptives », Archives de Philosophie, vol. 69, no 3, 2006, p. 415-441.
Berdiaeff, Nicolas, De l’Esclavage et de la Liberté de l’Homme, Les Éditions Montaigne, Paris, 1963/1946, 302 pages.
_____, Nicolas, Esprit et Réalité, Aubier, Éditions Montaigne, Paris, 1943, 253 pages.
Boutroux, Émile, « William James », Revue de Métaphysique et de Morale vol. 19, no 4, 1911, p. 712-743.
Bradley, Herbert, Appearance and Reality: A Metaphysical Essay, Traduction de Paul Audi, Paris, Vrin, 1992, 402 pages.
Clifford, William Kingdon, The Ethics of Belief and Other Essays, London: Macmillan, 1879.
Cohen-Halimi, Michèle, « William et Henry James : l’entr’expression du pragmatisme », Critique, no 754, 2010, p. 212-229.
Couture-Mingheras, Alexandre, « Par-delà l’un et le multiple : l’univers pluraliste de William James », PhaenEx, vol. 11, no 1, 2016, p. 97-118.
Deconchy, Jean-Pierre, « La définition de la religion chez William James. Dans quelle mesure peut-on l’opérationaliser ? », Archives de sociologie des religions, vol. 14, no 27, 1969, p. 51-70.
Deluermoz, Frédéric, « La logique de Hegel et la métaphysique traditionnelle », Académie de La Réunion, 2012, 13 pages.
Deledalle, Gérard, « William James et son père. Essai de caractérologie philosophique », Les Attitudes Philosophiques, no 10, 1955, p. 634-646.
Deleuze, Gilles et Félix Guattari, Mille Plateaux : Capitalisme et Schizophrénie 2, Paris, Les Éditions de Minuit, 1980, 645 pages.
Donegani, Jean-Marie, « La sécularisation du croire : pragmatisme et religion », Archives de sciences sociales des religions, vol. 60, no 169, 2015, p. 220-234.
Dupont, Jean-Claude, « Mémoire et héritage scientifique de William James », Archives de philosophie, vol. 69, no 3, 2006, p. 443-446.
_____, Jean-Claude, William James et la pluralité de l’expérience, Paris, Vrin, 2008, p. 72.
Feuerbach, Ludwig, Essence du Christianisme, J. Roy, Trad., Paris, Librairie Internationale, 390 pages.
Flanagan, Owen, The Cambridge Companion to William James, Cambridge University Press, 1997, 320 pages.
Gagnon, Francine, « La philosophie américaine : étendue et malentendu », Horizons philosophiques, vol. 2, no 1, 1991, p. 117-122.
Gale, Richard M., The Divided Self of William James, Cambridge, Cambridge University Press, 1999.
Goodman, Russel, « William James’s Pluralisms », Revue internationale de philosophie, vol. 2, no 260, 2012, p. 155-176.
Grandpeix, Jean-Yves et Lurçat, François, « Vide quantique et particules virtuelles », Revue de Physique, vol. 45, no 3, 1992, p. 123-145.
Greisch, Jean, Le buisson ardent et les lumières de la raison, Tome II, Paris, Cerf, 2002, 626 pages.
Hegel, Georg Wilhelm Friedrich, Science de la logique, Traduction de Bernard Bourgeois, Paris, Vrin, 2015-2016.
Heisenberg, Werner, La partie et le tout : Le monde de la physique atomique, Paris, Gallimard, 1971, 338 pages.
Husserl, Edmund, Idées directrices pour une phénoménologie et une philosophie phénoménologique pures, Traduit par Paul Ricœur, Paris, Gallimard, 1950, 568 pages.
James, William, A Pluralistic Universe, Paris, Ernest Flammarion, 1910, 404 pages.
_____, William, La Volonté de croire, Traduit par Loÿs Moulin, Ernest Flammarion Éditeur, Paris, 1916, 345 pages.
_____, William, Le pragmatisme, Flammarion, Paris, 2010/1907, 352 pages.
_____, William, Philosophie de l’expérience, Ernest Flammarion Éditeur, Paris, 1910, 368 pages.
Julien, Jacques, « L’emprise de la voix magistrale sur les récits d’expérience. William James dans ses Varieties of Religious Experience », Laval théologique et philosophique, volume 56, no 1, 2000, p. 1-16.
Jung, Carl Gustav, Les racines de la conscience, Éditions Buchet/Chastel, Paris, 1971, 628 pages.
_____, Carl Gustav, Psychologie de l’inconscient, 8e édition préfacée, traduite et annotée par le Dr. Roland Cahen, GEORG, Paris, 1993, 220 pages.
Kaag, John, « Consciousness and Transcendence », Sick Souls, Healthy Minds. How William James Can Save Your Life, Princeton University Press, 2020, 224 pages.
Krtolica, Igor, « Le rhizome deleuzo-guattarien ‘Entre’ philosophie, science, histoire et anthropologie », Rue Descartes, vol. 99, no 1, 2021, p. 39-51
Lamberth, David C., William James and the Metaphysics of Experience, Cambridge, Cambridge University Press, 1999.
Leclercq, B., « Les données immédiates de la conscience. Neutralité métaphysique et psychologie descriptive chez James et Husserl », Philosophiques, vol. 35, no 2, 2008, p. 317-344.
Leclerc, Étienne, « La pensée rhizomatique. » Étienne Leclerc, 2023. from here.
Madelrieux, Stéphane, « Pluralisme anglais et pluralisme américain : Bertrand Russell et William James », Archives de Philosophie, vol. 69, no 3, 2006, p. 375-395.
Marchetti, Sarin, Ethics and Philosophical Critique in William James, Palgrave Macmillan, University College Dublin, Ireland, 2015.
Marion, Mathieu, « L’anti-psychologisme de Bradley : idéalité de la signification, jugement et universaux », Philosophiques, vol. 36, no 1, 2009, p. 53-82.
Menand, Louis, The Metaphysical Club: A Story of Ideas in America, New York, Farrar, Straus and Giroux, 2001.
Mesnard, Jean, Pascal : L’homme et l’œuvre, Paris, Hachette, 1992, 319 pages.
Misak, Cheryl, The American Pragmatists, Oxford, Oxford University Press, 2013.
Misrahi, Robert, Le corps et l’esprit dans la philosophie de Spinoza, Delagrange, Paris, 1992, 139 pages.
Neils, Williams W., « Absolutism, Relativism and Anarchy: Alain Locke and William James on Value Pluralism », Transactions of the Charles S. Peirce Society, vol. 53, no 3, 2017, p. 401-416.
Niewöhner, Friedrich, et Yves Labbé, Petit dictionnaire des philosophes de la religion, Paris, Brepols, 1996
Pascal, Blaise, Pensées, Traduction de Léon Brunschvicg, Paris, Hachette, 1897.
Proudfoot, Wayne, William James on Religion, Edited by Henrik Rydenfelt and Sami Pihlström, Palgrave Macmillan, University of Helsinki, Finland, 2013.
Rouméas, Elise, « Foi ‘bonne’ et ‘bonne foi’ : du conflit des vérités au dialogue des convictions », Archives de sciences sociales des religions, vol. 59, no 166, 2014
Santini, Sylvano, « Bouveresse, l’incroyant inquiet. Essai sur la croyance à l’ère postmoderne. Peut-on ne pas croire ? Sur la vérité, la croyance et la foi de Jacques Bouveresse », Agone, « Banc d’essais », Spirale, no 220, 2008.
Schuon, Frithjof, Racines de la condition humaine, « Le voile d’Isis », « Le problème de l’espace-temps », Paris, l’Harmattan, 2020, 130 pages.
Slater, Michael R., « William James’s pluralism », The Review of Metaphysics 65, no 1, 2011, p. 63-90.
Spinoza, Baruch, Traité Théologico-politique, H. Diaz, 1842, 460 pages.
Teilhard de Chardin, Pierre, Le phénomène humain, Editions du Seuil, Paris, 1956, 288 pages.
Taylor, Charles, Varieties of Religion Today. William James Revisited, Harvard University Press, Cambridge, Massachusetts and London, England, 2003, 144 pages.
Van Der Ven, Johannes A., « L’avenir de la théologie empirique, évalué à partir d’une analyse critique de son passé : I. D’aujourd’hui à hier », Laval théologique et philosophique, vol. 47, no 2, 1991, p. 236-246.
Weil, Simone, Pesanteur et grâce, Plon, Paris, 1947 et 1988, 210 pages.
Williams, Neils W., « Absolutism, Relativism and Anarchy: Alain Locke and William James on Value Pluralism », Transactions of the Charles S. Peirce Society, vol. 53, no 3, 2017, p. 401-416.
Zunz, Olivier, « Genèse du pluralisme américain », Annales. Histoire, Sciences Sociales, vol. 42, no 2, 1987, p. 409-429.
[1] Jacques Julien, « L’emprise de la voix magistrale sur les récits d’expérience. William James dans ses Varieties of Religious Experience », Laval théologique et philosophique, volume 56, no 1, 2000, p. 16.
[2] Gérard Deledalle, « William James et son père. Essai de caractérologie philosophique », Les Attitudes Philosophiques, no 10, 1955.
[3] Jean-Claude Dupont, « Mémoire et héritage scientifique de William James », Archives de philosophie, vol. 69, no 3, p. 443, 2006.
[4] Johannes A. Van Der Ven, « L’avenir de la théologie empirique, évalué à partir d’une analyse critique de son passé : I. D’aujourd’hui à hier », Laval théologique et philosophique, vol. 47, no 2, 1991, p. 236.
[5] Owen Flanagan, The Cambridge Companion to William James, Cambridge University Press, 1997, p. 25.
[6] Francine Gagnon, « La philosophie américaine : étendue et malentendu », Horizons philosophiques, vol. 2, no 1, 1991, p. 122.
[7] Jean-Claude Dupont, William James et la pluralité de l’expérience, Paris: Vrin, 2008, p. 72.
[8] Jean-Marie Donegani, « La sécularisation du croire : pragmatisme et religion », Archives de sciences sociales des religions, vol. 60, no 169, 2015, p. 234.
[9] Elise Rouméas, « Foi ‘bonne’ et ‘bonne foi’ : du conflit des vérités au dialogue des convictions », Archives de sciences sociales des religions, vol. 59, no 166, 2014, p. 199.
[10] Olivier Zunz, « Genèse du pluralisme américain » Annales. Histoire, Sciences Sociales, vol. 42, no 2, 1987, p. 429.
[11] Voir à ce sujet Neils W. Williams, « Absolutism, Relativism and Anarchy: Alain Locke and William James on Value Pluralism », Transactions of the Charles s. Peirce society, vol. 53, no 3, 2017, p. 401.
[12] Stéphane Madelrieux, « Pluralisme anglais et pluralisme américain : Bertrand Russell et William James », Archives de Philosophie, vol. 69, no 3, 2006, p. 375.
[13] William James, A Pluralistic Universe, Paris, Ernest Flammarion, 1910, 368 p.
[14] William James, Philosophie de l’expérience, Ernest Flammarion Éditeur, Paris, 1910, p. 185. Voir aussi Michael R. Slater, « William James’s pluralism », The Review of Metaphysics 65, no 1, 2011, p. 63-90 et Russel Goodman, « William James’s Pluralisms », Revue internationale de philosophie, vol. 2, n° 260, 2012, p. 155-176.
[15] William James, Philosophie de l’expérience, op. cit., p. 210-211.
[16] Alexandre Couture-Mingheras, « Par-delà l’un et le multiple : l’univers pluraliste de William James », PhaenEx, vol. 11, no 1, 2016, p. 97-118.
[17] Émile Boutroux, William James, Librairie Armand Colin, 2ème édition, Paris, 1911, p. 69.
[18] Russell B. Goodman, Wittgenstein and William James, Cambridge University Press, 2004, p. 12.
[19] Émile Boutroux, William James, op. cit., p. 69.
[20] Russell B. Goodman, Wittgenstein and William James, op. cit., p. 12
[21] Ibid.
[22] Cheryl Misak,The American Pragmatists, Oxford, Oxford University Press, 2013.
[23] Louis Menand, The Metaphysical Club: A Story of Ideas in America, New York, Farrar, Straus and Giroux, 2001.
[24] Russell B. Goodman, Wittgenstein and William James, op. cit., p. 12
[25] Voir William James, Le pragmatisme, Flammarion, Paris, 2010/1907, p. 78, voir aussi p. 83.
[26] Jean Greisch, Le Buisson Ardent et les Lumières de la Raison, tome II, Cerf, Paris, 2002, p. 420.
[27] Ibid., p. 419.
[28] William James, Le pragmatisme, op. cit., p. 107.
[29] Sarin Marchetti, Ethics and Philosophical Critique in William James, Palgrave Macmillan, University College Dublin, Ireland, 2015, p. 159.
[30] Johannes A. Van Der Ven, « L’avenir de la théologie empirique, évalué à partir d’une analyse critique de son passé : I. D’aujourd’hui à hier », op. cit., p. 237.
[31] William James, Le pragmatisme, op. cit., p. 74.
[32] Charles Taylor, Varieties of Religion Today. William James Revisited, Harvard University Press, Cambridge, Massachusetts and London, England, 2003, p. 8.
[33] William Kingdon Clifford, The Ethics of Belief and Other Essays, London: Macmillan, 1879.
[34] Richard M. Gale, The Divided Self of William James, Cambridge, Cambridge University Press, 1999.
[35] Wayne Proudfoot, William James on Religion, Edited by Henrik Rydenfelt and Sami Pihlström, Palgrave Macmillan, University of Helsinki, Finland, 2013, p. 15-16.
[36] Ibid.
[37] Ibid.
[38] Ibid., p. 18.
[39] David C. Lamberth, William James and the Metaphysics of Experience, Cambridge, Cambridge University Press, 1999.
[40] William James, Le pragmatisme, op. cit., p. 105.
[41] William James, Le pragmatisme, op. cit., p. 106.
[42] Wayne Proudfoot, William James on Religion, op. cit., p. 23.
[43] William James, Le pragmatisme, op. cit., p. 95.
[44] Ibid., p. 105.
[45] Voir Friedrich Niewöhner, et Yves Labbé, Petit dictionnaire des philosophes de la religion, Paris, Brepols, 1996, p. 631.
[46] William James, Le pragmatisme, op. cit., p. 112, voir aussi p. 223.
[47] Ibid., p. 116.
[48] Wayne Proudfoot, William James on Religion, op. cit., p. 25.
[49] Ibid.
[50] Ibid., p. 185.
[51] Ibid., p. 184.
[52] James William, Philosophie de l’expérience, op. cit., p. 208.
[53] Jean Greisch, Le Buisson Ardent et les Lumières de la Raison, Tome II, op. cit., p. 417. Voir aussi Robert Misrahi, Le corps et l’esprit dans la philosophie de Spinoza, Delagrange, Paris, 1992, p. 74-78. Voir également les deux articles suivants : B. Leclercq, « Les données immédiates de la conscience. Neutralité métaphysique et psychologie descriptive chez James et Husserl », Philosophiques, vol. 35, no 2, 2008, p. 317–344 et Jocelyn Benoist, « Phénoménologie ou pragmatisme ? Deux psychologies descriptives », Archives de Philosophie, vol. 69, no 3, 2006, p. 415-441.
[54] William James, Philosophie de l’expérience, op. cit., p. 210.
[55] Ibid.
[56] Ibid., p. 210-211.
[57] Ibid., p. 185.
[58] Ibid., p. 209.
[59] Ibid., p. 231-232.
[60] Relativisme et subjectivisme doivent être distingués de la relativité ou du perspectivisme. Pour plus de détails voir Michèle Cohen-Halimi, « William et Henry James : l’entr’expression du pragmatisme », Critique, no 754, 2010, p. 212-229.
[61] James William, Philosophie de l’expérience, op. cit., p. 192.
[62] Voir Carl Gustav Jung, Psychologie de l’inconscient, 8e édition préfacée, traduite et annotée par le Dr. Roland Cahen, GEORG, Paris, 1993, p. 123-126. Voir aussi Frithjof Schuon, Racines de la condition humaine, « Le voile d’Isis », « Le problème de l’espace-temps », Paris, l’Harmattan, 2020.