إشكالية التنوير في عالم ما بعد الحداثة؛ هل ينبغي نزع السحر من العالم؟

يمكن القول إنّ عملية التطور المعرفي لا تسير في خطوط مستقيمة، وإنّما تتحرك وفق خطوط متشابكة، يتقاطع فيها الاجتماعي مع السياسي، ويتجلى في سياقها الديني بتمظهراته الثقافية. وعليه، فإنّ تتبع ودراسة الكيفية التي يتموضع بها أي مفهوم داخل الاجتماع، أمر يتطلب، بحسب أشلي مونتاغيو، الوقوف على ثلاثة مستويات؛ هي: الأيديولوجيا السائدة، والوحدة الاجتماعية القائمة، والنشاط الاقتصادي الموجود في المجتمع محل الدراسة؛ باعتبار هذه المستويات تمثل الثقافة في مقطع عرضي أساسي (جوهر الثقافة).

في أوروبا؛ بوصفها الحاضنة التي نشأ فيها مفهوم “التنوير”، كانت السلطة الكنسية بوصفها مقدسة، تسعى دائمًا إلى تغذية مكونات وجودها، وفق خطاب أيديولوجي مزدحم بشتى الطروحات الغيبية الغامضة – التي لا يملك أسرارها سوى رجال الدين – فعملت كأداة وظيفية مهمة للسلطة السياسية؛ باعتبارها الطرف الأكثر فاعلية في معادلة الاستبداد، ليتشكل تحالف ظاهري بين الطرفين، أخفى في طياته كمًا لا بأس به من التناقضات والصراعات، بشكل توارت معه القضايا الاجتماعية ذات الأولوية، في مجتمع اقطاعي متمايز، ومن ثمّ تمّ إنتاج مفهوم “التنوير” ضمن أُطر ومعطيات تاريخية ذات شروط معقدة، كانت ضرورة موضوعية، آنذاك؛ لاستئناف حركة التاريخ في أوروبا.

كانت جائزة العقل الذي انتصر على الخرافة وسلطة الكنيسة، هي الهيمنة على ملايين المحبطين، وتحويل المجتمع من إقطاعي إلى صناعي، لتنخرط الجموع ضمن تروس آلة التصنيع، التي انفجرت مع الثورة الصناعية، فعمل التنوير بفعالية على تحقيق أغراض الاقتصاد البرجوازي؛ سواء في المصانع أو في ساحات القتال، بالتزامن مع الحركة الكولونيالية، التي صاحبها التبشير البروتستانتي.

ويمكن القول إنّ مفهوم التنوير انطلق من قاعدة مركزية؛ هي السعي تجاه تحرير العقل البشري من حمولة العقل القروسيطي، المثقل بالمقولات الميتافيزيقية والخرافية، التي تؤطرها سلطة دينية أحكمت سيطرتها على الاجتماع؛ بالتحالف مع النخبة السياسية الحاكمة. وكرد فعل مضاد؛ استهدف فلاسفة التنوير تفكيك بنية العقل الدوجمائي التابع والخاضع؛ عبر تغذية ملكات الفكر النقدي؛ قبل إطلاق السهام نحو السلطة الدينية، التي فشلت في الإجابة عن التساؤلات الصعبة؛ فسقطت قداستها، وبالتبعية فقدت السلطة السياسية غطاءها الديني، وأرغمت فيما بعد على تقديم تنازلات كانت تبدو فيما مضى مستحيلة.

تبنت حركة التنوير، المذهب الإنساني المعارض لسلطة الكنيسة الكاثوليكية، وعمقت الشعور بالثورة الذي نشأ في القرن السادس عشر، وأطلقت سلطة العقل؛ إيمانًا بقدرة الإنسان الذاتية على التشريع وسن القوانين الوضعية التي تلائم واقعه، وتجاوزت النص الديني؛ بهدف إعمال المنهج التجريبي؛ كآلية لتحقيق سعادة الإنسان. وكانت فلسفة ديكارت مصدر إلهام قوي لفلسفات عصر التنوير، ذلك  أنّ المنهج الديكارتي يقتضي أن يكون الإنسان فاعلاً حرًا ، فالحرية كطابع بنائي تجلى في منهجه ومؤلفاته.

ولم يخل الأمر من ثمن باهظ، دفعته أوروبا، فيما يعرف بعصر الحروب الدينية، حيث اجتاحت القارة العجوز سلسلة من الحروب الدينية، في القرنين السادس عشر والسابع عشر وبداية القرن الثامن عشر. وتزامنت مع بدء الإصلاح البروتستانتي، بالإضافة إلى الثورات والحروب القومية، ومع توقيع صلح وستفاليا عام 1648، كان عشرات الآلاف قد لقوا حتفهم في أنحاء القارة.

جدل مفاهيمي في الشرق 

ربما لم يدر بخلد الأب الفرنسي جان ميسليه، وهو ينحت مفهوم التنوير في كتابه الوصية، أنّ المصطلح الذ ظهر في بدايات القرن الثامن عشر، بالتزامن مع حركة التحرر من هيمنة الكنيسة في أوروبا، سوف يطرح إشكالات تتجاوز حدود القارة العجوز، وتثير الكثير من الجدل لنحو قرنين من الزمان؛ خارج الحدود التي نشأ وتموضع فيها.

ففي المشرق كان الظرف التاريخي والسياسي والاجتماعي، يختلف جملة وتفصيلا عن مسارات التحول إلى العلمانية الذي حدث في الغرب، ذلك أنّ سلطة رجال الدين كانت رمزية، حيث لم تكن هناك كنيسة بالمعنى المادي، فالمؤسسة الفقهية، وإن نجحت في ضبط العقول طويلا على وضع الإيقاف، لم تتمثل سلطة زمنية حقيقية، واختارت أن تؤدي أدوارًا وظيفية، لصالح النخبة الحاكمة؛ بحيث ينتهي دورها العلني لحظة تتويج المتغلب؛ لتمارس دورها لوظيفي كأداة لتثبيت الحكم؛ عبر الدعاء للحاكم على المنابر، وشيطنة الثورة بوصفها باب الفتنة اللعين.

كان الأمر يتطلب درجة متدنية من الوعي؛ تسمح بخلق بنية ذهنية جماعية قياسية، تابعة ومطيعة، ولا تملك من أدوات النقد أو التفكير أبعد ممّا تسمح به المؤسسة لدينية التقليدية، ما أسهم في الوصول إلى حالة مزرية من التدهور الحضاري، تلّقت صدمتها الأولى عبر الاحتكاك مع الغرب، إبان الحملة الفرنسية على مصر والشام.

 ويطرح السؤال نفسه: هل كانت البيئة العربية مهيأة لاستيعاب مفهوم التنوير؟

في المرحلة الأولى، والتي احتلت مساحة زمنية بحجم القرن التاسع عشر، أفرزت البعثات التعليمية وعملية الاحتكاك بالغرب، شريحة من المثقفين، لعل أبرزهم: رفاعة الطهطاوي، وجورجي زيدان، وفرح أنطون، وشبلي شميل، وفارس نمر، وشاهين مكاريوس وغيرهم، لكن “التنوير” كمفهوم لم يتجلّ بشكل مباشر، وإنّما حلّ مفهوم النهضة كبديل موضوعي للمصطلح الذي شاع استخدامه في أوروبا آنذاك.

لم يطرح رواد النهضة في القرن التاسع عشر تساؤلات صعبة على النص الديني، وابتعدوا نسبيًا عن النواة الفقهية الصلبة، التي تكونت عبر قروت طويلة، وانصب اهتمامهم على إحداث حالة من التوفيق بين الواقع والحداثة، وتجلى ذلك بوضوح في محاولات رفاعة الطهطاوي، التي ركز فيها على إصلاح الأبنية الاجتماعية وتطويرها، بينما استدعى فرح أنطون فلسفة ابن رشد في قالب مادي، في حين قدم شبلي شميل مقاربة علمية داروينية، في سياق اشتراكي.

وكانت المعارك الفكرية، آنذاك، تعكس حالة الشرق المعرفية، وليس أدل من الأزمة التي نشبت، في عام 1876، بسبب مقال ساق فيه يعقوب صروف الأدلة العلمية على دوران الأرض حول الشمس وحول نفسها، فتصدى له الأب جبريل جبارة، الذي تمسك بمبدأ ثبات الأرض وعدم دورانها، وانضم له أرشمندريت الكرسي الأنطاكي في بيروت، لتدور رحى حرب كلامية بين الفريقين، حول قضية انتهت في الغرب منذ عصر النهضة.

لكنّ أبرز مكاسب تلك الفترة، كانت وضع نواة لأساس عقلاني؛ يرى أنّ خلاص الإنسان يكمن في المعرفة؛ لما لها من قدرة على تحريره من الخوف، في محاكاة لطروحات فرانسيس بيكون؛ رائد الفلسفة التجريبية، وظهر ذلك مع شبلي شميل، وسلامة موسى في مرحلة لاحقة، في شكل محاولات سعت تجاه استبدال الإيمان بالمعرفة؛ عبر البحث عن إجابات لتساؤلات وجودية كبرى تدور بين عقل الإنسان وطبيعة الأشياء.

ويمكن القول إنّ حركة النهضة العربية في مرحلتها الأولى، لم تتقاطع مع السياسي، ولم تنشغل بمطلب التغيير، وإن أنتجت فيما بعد، من خلال محورها المسيحي، مفهوم القومية العربية، في مواجهة النزعة العثمانية، لكن المحاولات في أغلبها كانت فردية، تعمل ضمن سياقات تغيير الوعي، واقتصر انتشارها على شريحة المتعلمين، ولم تمتد بجذورها إلى أعماق البنى الاجتماعية، وتمثلاتها الثقافية.

المؤثر اليساري وفقدان الفعالية

في الربع الأول من القرن العشرين، اتخذ مفهوم النهضة بُعدًا سياسيًا؛ من خلال جملة من الأفكار الاشتراكية التي انتشرت في مصر والشام، وكان تأسيس الحزب الشيوعي اللبناني، نقطة تحول على صعيد العمل السياسي، لدى مجموعة من الماركسيين الرواد في سوريا ولبنان؛ والذين تمكنوا بفضل التراكم المعرفي والحركي لديهم، بالإضافة إلى أجواء انتصار الثورة البلشفيّة في روسيا، من وضع حجر الأساس للكيان الشيوعي الأول.

وكان المفكر اللبناني خير الله خير الله، حاول تأسيس حزب باسم “الحزب الاشتراكي- الفرع العربي من الأممّية العمالية”، في عام 1919؛ بهدف تحويل المجتمع الرأسمالي إلى مجتمع جماعي. كما كانت هناك محاولة أخرى قام بها فؤاد الشمالي؛ لتكوين تنظيم عمالي لبناني بمدينة الإسكندرية في مصر، تحت اسم “حزب العمال اللبناني”.

تحرك هؤلاء بفعل وعيهم وإيمانهم بالعقل النقدي، وإدراكهم لمدلولات المعرفة الرامية إلى تأسيس كيان سياسي، يفصل تمامًا بين الدين والدولة، وإن سقط أصحاب هذا الإتجاه في براثن الأيديولوجيا، وعدم القدرة على توطين الأفكار، بالإضافة إلى عدم وجود قاعدة شعبية، أو حاضنة اجتماعية مناسبة، في مجتمع لم يتحول بعد إلى التصنيع، وكذا عدم وجود طبقة برجوازية، يمكن مواجهتها.

حركة الإحياء والتجديد وتداخلها مع التيار الحداثي

يمكن القول إنّ “وظيفة المعرفة” لا تتمثل في تكوين تشكيلات خطابية توافقية، بقدر ما هي العمل على اكتشاف تفاصيل لم يتم الكشف عنها من قبل، لكنّ التراث المشبع بالميتافيزيقا كان عقبة أمام محاولات التغيير، وعليه ظلّت رؤى العقل النقدي خلال المرحلة الأولى، مجرد أداة للارتقاء الاجتماعي، والسجال الثقافي، ولم يظهر مصطلح “التنوير” في أدبيات رواد النهضة بشكل مباشر، وظلّ السجال في حيز ضيق، وغلب على الطروحات العلمية والثقافية المختلفة، محاولات تحريك الجمود العقلي. لكنّ رواد المرحلة الثانية، في القرن العشرين، اصطدموا بالتراث وتفاعلوا معه، ومن حوله دارت سجالاتهم.

في المرحلة الثانية، يوجد تياران مختلفان، وبالتدريج بدأ تداخلهما وامتزاجهما ببعضهما البعض، حيث اندمجا في موضوع أساسي واحد، هو كيفية التعاطي مع الموروث الديني. التيار الأول تمثله مدرسة الإحياء والتجديد، والتي تقوم على إعادة موضعة التراث في الواقع، حيث حاكى جمال الدين الأفغاني نظرية الكسب عند الأشاعرة؛ بهدف إعادة تقديم ما تركوه في سياق يواكب الأحداث المعاصرة التي عايشها، ففي مقاربته التي تتماهى مع مشروعه السياسي الرامي إلى التحرر من الاستعمار، استخدم عقيدة القضاء والقدر لنزع الخوف من القلوب، وفي نفس الوقت، أقرّ بحرية الإنسان في الاختيار. فيقول: “:”الاعتقاد بالقضاء والقدر؛ إذا تجرد عن شناعة الجبر، يتبعه صفة الجرأة والإقدام، وخلق الشجاعة والبسالة، ويبعث على اقتحام المهالك”.

ولعلّ ما جاء به محمد عبده من أفكار، تؤكد عدم القدرة على فصل العقلية الدينية كمحصلة للمدرسة الفقهية، عن نتاجاتها، حيث تجلت فيها طروحات التراث في أشكال نظرية حديثة، أفصحت عن دواخلها وبنيتها التراثية، من خلال استدعاء نفس المضامين القديمة، وفق صبغة اتفاقية تكرارية، تميز بها مسار المدرسة الإصلاحية، التي تبناها الأفغاني ومحمد عبده، وذلك عبر اعتماد صيغة منهجية وتطبيقية جديدة؛ يمكن من خلالها إعادة بعث الفلسفة الإسلامية القديمة، وبالأخص تجديد علم الكلام.

وبالطبع أدى هذا إلى ارتدادات حادة، تلخصت في الارتباك المنهجي عند رشيد رضا، والذي انتهى سلفيًا، بفعل التجاور القسري بين الماضي والحاضر، فالقراءة بطريقة عمودية لمدخلات مشروع رشيد رضا، ضمن مدرسة الإحياء والتجديد، تفضي في النهاية إلى إدراك كل تصور ككل، وبالتالي إدراك المعنى الكلي لمشروعه، الذي تقاطع في نواحي كثيرة مع التصورات الوهابية.

التيار الثاني جاء مع طه حسين، الذي ضرب بمعول المنهج العلمي، وبعنف، بنية العقل الأصولي الشفاهي، في كتابه: “في الشعر الجاهلي”، وللغرابة فإنّ جرأة طه حسين وشروعه في التشكيك في التراث الجاهلي، أزعج المؤسسة الدينية، ذلك أنّ الثنائيات المتضادة وحدها، تضمن للسلطة الدينية وجودها. خاصّة وأنّه أرسى بجرأة مطلقة، قواعد المنهج العلمي، بمعزل عن اليقينيات التقليدية، قائلاً: “للتوراة أنْ تحدّثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أنْ يحدّثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل إلى مكة”.

حركت أزمة الشعر الجاهلي المياه الراكدة، وتكرر الأمر مع علي عبد الرازق وعبد المتعال الصعيدي، قبل أن تتحرر المدرسة الأكاديمية من هيمنة المؤسسة الدينية بشكل لافت، فيرفض زكي نجيب محمود القبول بحاكمية النصوص الدينية على أي شيء في الحياة، بداعي حاجة الإنسان إلى حاكمية عليا ومطلقة، داعيًا إلى تبني نهج جديد يدور  أساسًا حول محور  العلاقة بين الإنسان والإنسان. وهو ما انطلق منه عبد الرحمن بدوي، الذي رأى أنّ التيه في دروب التراث، يدمِّر الذاتية لمصلحة اللامتناهي، ممّا يعنى خضوع الذات بشكل مطلق للموضوعات التي تواجهها، أي القضاء على تنوع الذوات والفناء في اللامتناهي؛ من أجل البحث عن ذات واحدة، تمثل عقلا جمعيّا جامدًا لا يقبل بالتعددية الفكرية ، كما راح يفكك بنية ما أسماه بــ “الروح الإسلامية”، التي تقبل الاجماع، على أساس أنّه تعبير عن المطلق أو اللامتناهي، لكنّها ترفضه إذا كان ناجمًا عن أفكار لذاتيات مختلفة، تمّ حصول نوع من التوفيق بينها.

هنا انفجر مصطلح التنوير في كتابات المفكرين العرب، بشكل واضح وصريح، وظهرت السجالات المتعددة ضمن المشاريع الفكرية الكبرى، وما بين دعوة محمد عابد الجابري لغربلة التراث، وموضعة العقلانية في مقابل العلمانية، ومطالبات عبد الله العروي بالقطيعة معه، ومحاولات التفكيك التي أتى بها محمد أركون؛ ظلّ المفهوم تائهًا، وربما غريبًا عن السياق العربي، وظهرت محدودية التأثير، في أعقاب الثورات العربية، التي جاءت بالتيارات الإسلامية إلى الحكم، في مفارقة كشفت هشاشة تأثير تلك المشاريع الفكرية في بنية العقل العربي.

ولعل أزمتنا المعرفية الراهنة بتساؤلاتهاالإشكالية المزمنة حول التنوير والتراث، قدمت لجورج طرابيشي عدة معطيات حاول من خلالها استخلاص إجابات تفسر التعالي الغيبي للنصوص الثواني؛ قصد الوصول إلى فعل تأويلي يضع في اعتباراته قبليات القارئ وهوية المقروء وتاريخانيته. هذا التموقع خارج سياقات المعرفة الإرثوية؛ تبدت بوضوح في كتابه: “المعجزة أو سبات العقل في الإسلام”، حيث قام بتفكيك شبكة المقاربات الدوجمائية التى أحاطت بمركبات الثقافة العربية، ومضي يفكك بنى التأطير الأيديولوجي الحاضن لرواية الحديث، الذي تحول بواسطة المنتج الفقهي إلى نص مقدس ومغلق، أحاط نفسه بسياجات ميثولوجية مفارقة؛ ليخلص في النهاية إلى أنّ منطق المعجزة الذي أُقحم في السياق الإسلامى، قام بتقويض كل مكتسبات الدين الجديد، ذلك أنّ تصور وجود نبي بلا معجزة يطرح تجربته التاريخية بمنتهى العقلانية، كان يمكن أن يؤسس لمنطق مغاير، بإمكانه احتضان مغامرة العقل العربي الأولى في طور بناء الدولة، لكنه تحول إلى معجز في كل شيء، فاستقال العقل العربي، وأحال على الميتافيزيقا، فصنع حاجزًا منيعًا أمام التنوير.

يمكن القول إن مشروع طرابيشي كان يملك ميكانزمات الاستدعاء، ولعل الجانب الأبرز في مشروعه الفكري، هو ذلك التحليل السيكولوجي في رؤيته لعلاقة العرب بالتراث، وهو ما تجلى في كتابه الأهم: “العرب والتراث عصاب جماعي”، حيث شرح فيه تمثلات العقل العربي في تعاطيه مع التراث، عبر تحليل بنيته الذهنية، وهو ما يجعل التجربة التاريخية التى غدت تجربة مفارقة هي الأخرى، معطى من معطيات العقل المستلب، الذي استبدل الهوية بالنص، وخلق من التراث عوالم مذهبية مغلقة؛ ليقدم تحليلا موضوعيّا، لتشخيص الحالة، وهو ما يعني (أنسنة) هذا المتعالي في محاولة جادة للتفسير، ما يساعد على تغيير مسار الحضور الطاغي للتراث في المشهد العربي واخضاعه لشروط الواقع، ومن ثمّ يمكن محاكاة التنوير في أحد مساراته.

ويمكن القول إنّ التحليلات السيكولوجية النقدية، يمكنها فهم وتجاوز النزعة الاختزالية الجامدة في تناول التراث، ما يفتح آفاقا جديدة لاستدعاء العقل العربي من سباته، ويفتح مساحات لا نهائية للرؤية؛ من خلال التحليل النفسى، وتتبع منطلقاته القائمة على وحدانية المطلق وتعاليه.

تنوير السوق

على الرغم من تقادم مصطلع التنوير، في عالم ما بعد المفاهيم والنظريات الكلاسيكية الكبرى، بحسب ليوتار، فإنّ عالمنا العربي لم يصل بعد إلى محطة التنوير، ذلك أنّ المعرفة والتنوير، بحسب مندلسون، يجب أن يحدثا تعديلاً في الحياة الاجتماعية، بحيث يصبح التنوير فعلا اجتماعيّا، يفعل بعيدًا عن دوائر النخبة المغلقة، ويؤثر في مجمل التحولات السوسيومعرفية.

في كتابه إسلام السوق، رصد باتريك هايني الكيفية التي تمدّدت بها مفاهيم الصحوة الإسلامية، بحيث تمكنت من إحراز تقدم نوعي على كافة المستويات، وأثرت من الرافد الاقتصادي للمنتج الديني. ويمكن رصد عدة تمثلات لما يمكن أن نطلق عليه مجازًا “تنوير السوق”، ذلك أنّ الفضائيات وثورة المعلومات وانفجار مواقع السوشيال ميديا في الاجتماع البشري، أظهرت كلها في مزايحة تاريخية مؤسفة، جملة من مدعي التنوير، جرت على أيديهم عملية ابتذال حقيقية للمفهوم، وفي غياب المشاريع الفكرية المعاصرة، استفاد هؤلاء من زخم مواقع التواصل الاجتماعي، وبريق الإثارة الإعلامية، الأمر الذي أسهم في ارتباك مسارات التطور المعرفي، وانتهاك المفهوم بعنف، لصالح أغراض الشهرة والمال وإثارة الجدل. ما شوش على المحاولات الحقيقية التي انتهجت المسار نفسه.

عندما ظهر مفهوم التنوير، كان هو النواة التي تشكلت من حولها قيم الحداثة والعلمانية، ثم مضى المفهوم في التغير والتطور وربما التشظي لصالح مفاهيم أخرى، في مرحلة ما بعد الحداثة، ليلائم منطلقات الفعل التواصلي، والديناميكا الاجتماعية والثقافية بالمفهوم الهابرماسي؛ من أجل إحداث التغيير الاجتماعي والثقافي الملائم لحركة التاريخ.

وفي عالم يرفض الثبات والحتمية والهويات الثابتة، وبحسب ليوتار فإنّ سرديات المعرفة الكلاسيكية، لم تعد قادرة على مواكبة حركة التاريخ، ومن ثمّ فإنّ الإصرار على التيه في الدائرة المفاهيمية القديمة، واستدعاء مفاهيم انتهت بالتقادم، وفقدت فعاليتها بفعل عدم قدرتها على التكيف مع الظواهر الاجتماعية والعلمية، هو عبث يفضي بالضرورة إلى دوائر مغلقة على أصحابها. كما أنّه على الفاعل المنتج للمعرفة، أنّ يعي اختلاف المسارات التاريخية التي نشأ بداخلها مفهوم التنوير في الغرب، واختلاف ذلك عمّا هو موجود في الشرق، وبالتالي ينبغي التحرر من إكراهات المركزية الغربية، وتوطين المفهوم بمعنى تكييفه عضويًا مع الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي.

ويمكن القول إنّ عقلنة الدين لا تعني استئصال الروحانية، ولا تعني تعامل البعض مع المجتمع ككيان مكون من حيوانات طوطمية، كما ينبغي التعاطي مع السببية كمفهوم فلسفي أخير، اختبر عليه النقد العلمي قوته، لأنّه وحده من بين الأفكار القديمة ما زال قائمًا. كما أنّ إضفاء الطابع العقلاني الحاد على كل ما هو ميتافيزيقي؛ والذهاب نحو تجريد المجتمع من “الرجاء والخلاص السماوي”، يعني تفكيك بنية الضمير البشري وتجريده من السحر، وهو أمر تجاوزته حتى الفلسفات الغربية، والتي قامت باستيعاب آلهة الأوليمب، ضمن المنتج الفلسفي اليوناني والتراث الأرسطي للميتافيزيقا.

وعليه، ربما يجب على المفكر المعاصر أن يضع كل هذه الاعتبارات ضمن منهجه، فما تقدمه النزعات الصوفية المجردة، وما تسوقه أنماط التدين من توجهات خلاصية، بل وما تقدمه الأسطورة من وظائف اجتماعية، كل هذا يمكن تهذيبه عبر عقلنة واعية غير متعالية، قد يدرك واقعنا العربي من خلالها تنويرًا حقيقيًا.

 

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete