إشكالية الدين والدولة الحديثة 2

الأصول التاريخية

  المسيحية المبكرة: ما لقيصر لقيصر

-1-

النموذج الراهن “للدولة الوطنية” هو نتاج تطوري لتاريخ العلاقة بين المسيحية والامبراطورية الرومانية، ما يعنى أن الحفر في السياقات المبكرة لهذه العلاقة الطويلة والمركبة ، وتطورها عبر العصور الوسطى وصولاً إلى الحداثة ، ضروري لفهم المنطوق الراهن “للمشكل الثيوقراطي” في صيغته الإسلامية.

من خلال هذا الحفر سنختبر –على المستوى المسيحي – الفرضية الأولية المطروحة للنقاش في هذه المقاربة وهى:  وجود تناقض جوهري بين نسق التدين الإبراهيمي عموماً وفكرة الدولة في ذاتها، وكيف أن هذا التناقض جرى احتواؤه بامتداد العصور الوسطى في ظل الهيمنة المطلقة للدين على مجمل الثقافة، وقبل أن تكشف عنه من جديد تطورات الحداثة السياسية. يمكن الحديث عن مراحل مفصلية ثلاث في علاقة المسيحية بالتاج الروماني:

1- المرحلة المبكرة (الصدام / الاضطهاد).

2 – المرحلة الوسطى (التوافق / اقتسام السلطة).

3- المرحلة المتأخرة ( التوتر / فك الارتباط).

مرحلة الصدام:

امتدت هذه المرحلة من أواخر القرن الأول حتى منتصف القرن الرابع الميلادي، وهي الفترة التي شهدت تبلور المسيحية كديانة مستقلة عن اليهودية داخل المحيط الروماني. أبدت الدولة ردود فعل عنيفة حيال الديانة الناشئة التي بدت بالنسبة إلى روما فرقة متطرفة من فرق اليهودية.

كيف يمكن قراءة هذا الموقف العنيف في ظل التقاليد الرومانية السائدة عند القرن الأول والتي تقوم على التسامح وحماية التعددية الدينية من جهة ، وفى ظل “النصوص” المسيحية المبكرة التي تبدى احترامها لسلطة القيصر وتقر بصلاحياته التشريعية من جهة ثانية ؟

عند بداية العهد الإمبراطوري ، وبتأثيرات رواقية وأبيقورية مضمرة ، كانت روما تتبع سياسة متساهلة حيال الأفكار والديانات المتنوعة داخل الإمبراطورية، وبوجه عام أمكن احتواء التعددية الدينية السائدة ، ولم يعتبر الإلحاد تهمة يعاقب عليها القانون .

لقد شرح الإمبراطور تيبريوس (ت 37م) هذا الموقف بعبارته المعروفة : إذا شعرت الآلهة بأنها أهينت فلتتفضل بأن تقتص لنفسها”.

ومع ذلك كانت روما تعرف فكرة التداخل التقليدي بين الدين والدولة في صيغتها القديمة، حيث يفهم الدين بمعناه الطقوس الشعائري الذي لا يعارض الطبيعة العلمانية للدولة بصلاحياتها التشريعية السياسية. وفى هذا الإطار يلزم قراءة الواقعة التي تقول بأن الدولة الرومانية تبنت “ديانة رسمية” تقوم على “تقديس” الإمبراطور، فهذا التقديس لم يكن أكثر من إشارة رمزية ذات مضمون سياسي تهدف إلى تثبيت وحدة التاج الروماني وتكريس فكرة المواطنة، وهو هدف مفهوم بالنسبة إلى دولة ذات تكوين إمبراطوري، واسع ومتعدد الشعوب والثقافات. وعمليًا، لم تكن طقوس التقديس الموجهة إلى الإمبراطور تفرض على المواطنين في أنحاء الإمبراطورية ، بل على الموظفين الرسميين للدولة من العسكريين والمدنيين .

نحن حيال نسق من التدين “العلماني” الخفيف قريب الشبه بالنسق اليوناني. لكن الأخير لم يعرف فكرة تقديس الحاكم في “دولة المدنية”  بتكوينها الجغرافي الضيق وخصائصها الديموقراطية، فيما ستظهر هذه الفكرة لا حقاً مع الاسكندر الأكبر في مرحلة التوسع “الإمبراطوري” خصوصاً بعد تمددها في المناطق الشرقية.

-3-

عند أواخر القرن الأول كان حضور  “المسيحية” داخل روما وبعض مناطقة الإمبراطورية قد بات ظاهرا كمذهب ديني قريب من اليهودية. وقياساً باليهود، أبدى المسيحيون الأوائل روحاً أكثر صدامية حيال الدولة والديانات ” الوثنية ” الشائعة. من جهة الدولة جرى اعتبارهم عناصر هدامة تمثل مصدراً للتوتر الديني (السياسي والاجتماعي ) ، و مذهباً يجاهر بكراهية جميع الآلهة، ويدعو إلى الانسحاب من العالم ، وتشكل من ثم مجتمعاً موازياً يهدد مبادئ الإمبراطورية، وفى مقدمتها مبدأ المواطنة وفكرة التعددية الدينية ذاتها.

بحسب الروايات المبكرة حول استشهاد بولس ، كان نيرون يفترض أن المسيحين متمردون مسلحون يعملون في خدمة ملك أرضى منتظر. ويبدو أن هذا الافتراض وجد شواهد حاضرة في السلوك المسيحي المبكر حيال الطوائف الوثنية وديانة الدولة . ومع ذلك فهو يناقض الكتابات المسيحية التي ستتبلور لاحقاً “كنصوص مقدسة” والتي تسلم بسلطة القيصر الروماني وتنفى السعي إلى إقامة مملكة دينية على الأرض : في انجيل يوحنا يعلن يسوع عند محاكمته ” إن مملكتي لا تنتمي إلى هذا العالم إذا كانت مملكتي من هذا العالم  لكن أتباعي قد حاربوا لمنع تسليمي إلى اليهود ” (18-36) ، وفى إنجيل متى يخاطب يسوع بطرس بقوله “رد سيفك مكانه ، لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهكلون” (52:26)

في هذه المرحلة المبكرة لم تكن البنية النهائية للاهوت المسيحي قد صارت  واضحة في ظل محيط مزدحم بالرؤى والكتابات المتضاربة ، فهذه البنية لم تتبلور رسمياً قبل مجمع نيقية في القرن الرابع، أعنى أن من الصعب الحديث عن موقف مسيحي واحد تمثله الكنيسة ، بل عن تصورات متباينة تستند إلى كم واسع من المواد النصية. لكن المرجح هو أن السلوك المسيحي المبكر في روما كان لايزال محملاً بشحنة يهودية عالقة ذات طابع حصري، أي ناف للآخر ومعاد لسلطة الدولة الوثنية التي لا تعترف بالإله الحقيقي الواحد

(كالعادة فى أنساق التدين التاريخي ، توفر مرحلة التدوين مادة نصوصية واسعة تكفى لإسناد مفاهيم ومواقف متباينة ولتبرير توظيفها أو التراجع عنها في مراحل لاحقة . يمكن الحديث هنا عن نوعين من النصوص في الكتاب المقدس المسيحي: “علمانية”  و ” ثيوقراطية”. اعتمدت الكنيسة على النوع الأول لتبرير موقفها الدفاعي السلمي في مرحلة الاضطهاد، وهي مرحلة “استضعاف ” صريح تشبه المرحلة المكية في السياق الإسلامي مع فارق غياب الدولة.

لاحقا، ستستند الكنيسة إلى النوع الثاني لدعم سلطاتها المتفاقمة على حساب الدولة بامتداد العصور الوسطى ، ثم ستعود إلى النوع الأول من جديد لتبرير عملية التكيف الاضطراري مع نموذج الدولة الوطنية تحت ضغوط الحداثة ) .

في هذا السياق المبكر والمزدحم بالرؤى لم يكن الموقف السلمي حول مملكة السماوات قد أصبح” سائداً” في الأوساط المسيحية رغم تبنيه الغائم من قبل الكنيسة ؛ لقد ظهرت مواقف أخرى مدعمة – أيضا – بالنصوص بينها الموقف النبوئي الذى يستند إلى سفر الرؤيا ويتبنى فكرة العهد الألفي السعيد ( 20.1.16 ) حيث سيعود المسيح إلى العالم ليقيم مملكته على الأرض لمدة ألف عام. ثار النقاش في القرن الثاني حول ما إذا كانت هذه المملكة سماوية روحية بشكل خالص، أم أرضية مادية بالمعنى السياسي رغم انتمائها إلى العالم الآخر. وبحسب بعض القراءات تنتمى الحركة المونتانية إلى هذا المذهب الأخير، حيث تنبأ “مونتانوس” ، في آسيا الصغرى بأن المسيح سيعود إلى ” بيبوزا ” كي يقيم مملكة الرب الأرضية. رفضت الكنيسة هذا المذهب بوصفه يروج ” لنبوءة زائفة تفرط في النشوة ولا تمت بصلة للعقل ، مثلها مثل نبوءات “سيبل” Sا Si by” الوثنية ، لا كالنبوءات العقلانية للكتاب المقدس ولكن بعد جيل من انطلاقها كان هناك تعاطف كبير مع النبوءة الجديدة في الغرب : ( فرانسيس يونج، الفكر السياسي عند اليونان و الرومان ” الترجمة العربية ، القاهرة 2016 – ص 934 .

-4-

منذ القرن الثاني وحتى نهاية عهد الاضطهاد بصدور مراسيم التسامح ( 313 ) ، ظل الموقف الرسمي للكنيسة هو  الموقف السلمى الدفاعي الذي يقر صراحة بعلمانية الدولة وانفصالها عن الكهنوت الذي صار يتوفر على نفوذ روحي طقوسي :

” لیکن كل شخص خاضعاً للسلطات الحاكمة: إذ ليست هناك سلطة إلا من الرب . وتلك السلطات القائمة هي من ترتيب وتنظم الرب ، لذلك فإن أي شخص يقاوم السلطة فإنما يقاوم ما عينه الرب، ومن يقاومون سوف تحل عليهم العاقبة” (رسالة بولس إلى الرومان ، وهى الرسالة 13 التي ستنضم لاحقاً إلى العهد الجديد ) . وفى رسالة بوليكارب أسقف سميرنا (69 – 155 م) إلى أهل فيلبي : ” على متلقى هذه الرسالة أن يصلوا من أجل كل شعوب الرب ، وأن يصلوا كذلك لسادتنا الأباطرة ولكل الولاة والحكام. وكذلك من أجل أي شخص يسيئ معاملتك أو يكرهك، ومن أجل أعداء الصليب” ( 10-12)

لكن هذا الخضوع الواجب للسلطة لا يعني تقديم طقوس عبادية للإمبراطور، فهذه الطقوس لا يجوز تقديمها إلا إلى الرب الذي هو وحده الإله الحقيقي. وقد تم الضغط على بوليكارب نفسه الذى أمر بالصلاة من أجل الأباطرة كي يقدم البخور وليقول «القيصر هو مولای” وليقسم “بحياة القيصر” وليسب المسيح، لكنه رفض فتم إعدامه في أول حادثة استشهاد موثقة (سنة 167م) ولم يشفع له إقراره للقيصر بالسلطة السياسية.

الواضح هنا أن المعنى الطقوسي يغلب على مضمون الدين، وهو المعنى التقليدي السائد في ثقافات التدين القديمة بما في ذلك الثقافة الرومانية في القرن الثاني رغم طابعها السياسي الأرضي والخفيف إجمالاً. لم يكن مشكل المسيحيين الأوائل مع الدولة يدور حول الناموس (حيث كان المحور الرئيسي للديانة يدور حول اللاهوت لا الشريعة) ، بل يأتي من جهة التوحيد الحصري الطقوسي الذي ينفي مشروعية” العبادة” لغير الرب، أي ينفى مشروعية أي ديانة خارج المسيحية . وهو ما يفسر لماذا ساد التوتر والصدام بينا المسيحية المبكرة والدولة الرومانية، فرغم الإقرار للدولة بمساحتها العلمانية (السياسية / التشريعية) تظل المسيحية ديانة حصرية ذات أصل توراتي، أي ديانة مناهضة للتعددية.

(في السياق  “الديني” التوراتي المشحون بفكرة “المقدس” تعني الحصرية نفى الآخر الثقافي وجوباً ، وهو المعنى الذي يجعل الحصرية سبباً مرشحًا على الدوام لإنتاج التوتر داخل “المجتمع” بوصفه مجالاً تعددياً بالضرورة ، ومن ثم سببًا مرشحاً للصدام مع فكرة الدولة في ذاتها ، بوصفها قوة شرعية تحركها غريزة السلطة أي تحتاج بدورها إلى “حصرية”، خاصة يقتضيها مفهوم “القانون” وهو المعنى الذي صار أساسياً في تكوين “الدولة الحديثة” الأكثر وعياً بدوافعها الاجتماعية الأرضية المباشرة .).

عملياً، كان الإقرار المسيحي المبكر بعلمانية الدولة ضرورياً، أعني مفهوماً في ظل القوة الطاغية للإمبراطورية، خصوصاً وأن المحور الرئيسي للديانة كما كرسه بولس – كان يدور حول اللاهوت لا الشريعة (راجع مثلاً رسالة رومية 3( 26-30 ) لكن هذا الموقف سيتغير تدريجياً مع انتهاء عهد الاضطهاد وتحول الدولة ذاتها  إلى تبني المسيحية بدءاً من أواسط القرن الرابع ، مما سيفتح الباب لتصاعد  جديد في نفوذ الكهنوت / الكنيسة، وتولد صيغة جديدة من صيغ العلاقة المركبة بين الدولية والدين .

عبد الجواد يسن

 

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete