إشكالية الدين والدولة الحديثة 6

-1-

بدأ احتكاك الفكر الإسلامي بالحداثة السياسية في القرن التاسع عشر. كانت مفاهيم الحداثة التقليدية الموروثة من عصر “الأنوار” تتحول في الغرب إلى ثقافة شعبية دارجة ، وتتسرب تدريجياً إلى العالم كثقافة مركزية ذات طابع كونى وجاذبية طاغية. وبدرجات متفاوتة أمكن لها اختراق جميع الأنساق الثقافية الكبرى، بما في ذلك الأنساق الدينية المغلقة. وفي هذا السياق انتقل نموذج   ” الدولة الوطنية” إلى المحيط الإسلامي ، وأخذت تظهر الإشكاليات الهيكلية التي تثيرها الحداثة حول نظرية الدولة واشتباكها المزمن مع الدين.

في المراحل المبكرة أظهر الفكر الإسلامي نوعاً من الاستجابة النسبية للمثير الحداثي ، وبدا وكأنه يراهن على إمكانية التوفيق بين المبادئ العامة للشريعة ومطالب النظام الدستوري الحديث. لكن معدل الاستجابة صار يتباطأ تدريجياً منذ أواسط القرن الماضي، قبل أن يتحول إلى حالة من التراجع العكسي في اللحظة الثقافية الراهنة، حيث تتفاقم مساحة التطرف التي صارت تراهن على إمكانية العودة إلى ما قبل نموذج الدولة الحديثة.

تهدف هذه المقالة إلى تفسير هذا التحول من خلال المقارنة بين لحظة الاحتكاك المبكرة في القرن التاسع عشر، واللحظة الثقافية والسياسية الراهنة ، حيث يمكن رصد متغيرين رئيسيين :

الأول: يتعلق بتراجع جاذبية الحداثة عموماً.

الثاني: يتعلق بحضور وتفاقم الحالة الأصولية .

-2-

أولاً: جاذبية الحداثة

صدمة الاحتكاك المبكرة في القرن التاسع عشر صادفت لحظة المد الأعلى للحداثة بمفاهيمها العامة التي تروج للعلم والعلمانية، وتطرح نموذج الدولة المدنية القائمة على المواطنة والقانون كبديل للنموذج الديني التقليدي الموروث من العصور الوسطى. كانت هذه اللحظة بعينها هي لحظة التراجع القصوى للنظام التراثي الفقهي السائد في الشرق الإسلامي، والذي بدا قديماً وهشًا وقابلًا للاختراق من جانبه السياسي الأكثر هشاشة.

على أرض الواقع بدأ المشروع التحديثي في المنطقة بنقل نموذج الدولة الوطنية بطابعها العلماني، وظلت الدولة تمثل صلب المشروع والحاضنة التي يتطور من خلالها. وبدا من الواضح أن هذا النموذج جرى تمريره وتثبيته بامتداد القرن التاسع عشر بسلاسة نسبية، وتحت عين القوى التراثية التقليدية، التي لم تبد ردود أفعال صدامية حيال فكرة الدستور، وعملية الإصلاح القانوني والقضائي التي تمت على حساب النظام الفقهي القديم.

بوجه عام جرى التفكير السياسي ضمن الإطار العالم الذي فرضته ضغوط الحداثة، وفي ظل موقف إيجابي منها. وفي هذا السياق كانت صدمة الاحتكاك تسفر عن تولد تيارات النهضة، التي كانت في جوهرها موقفاً نقدياً حيال الذات وهي تقف – فيما يشبه الاكتشاف على تفوق النموذج الحضاري الغربي، اقتصادياً واجتماعياً وعلى مستوى تنظيم الدولة بوجه خاص.

مثلت النهضة حالة ثقافية مناقضة لحالة الجمود الفقهي التي يفرضها النظام التراثي القائم. وأسفرت أولًا عن ظهور تيار تغييري علماني صريح، يستخدم لغة التنوير الأوروبي في نسخته “الفولتيرية” الأكثر تطرفًا، ويروج لاقتلاع النظام التراثي من جذوره ونقل النموذج الغربي في مجمله. ( لطفي السيد/ سلامة موسى/ فرح أنطوان). لكنها ستسفر أيضًا عن ظهور تيار تجديدي ” إصلاحي” يحاول التوفيق بين الحداثة ومبادئ الإسلام القطعية، إما بتقديم قراءة حداثية للتراث من خلال التأويل، أو قراءة تراثية للحداثة من خلال استدعاء القيم الكلية التي يحتوي عليها النص الإسلامي ( نموذج علي عبد الرزاق/ السنهوري في رسالة الخلافة).

هذا التوجه الإصلاحي سيترك أثره على التفكير السياسي للقوى التراثية الفقهية التي تمثل المدونة المدرسية الرسمية، وحتى على التفكير الأصولي المبكر الذي تبنته جماعة الإخوان المسلمين.

-3-

في هذه المرحلة المبكرة لم تكن قد اكتملت في الغرب دورة الانقلاب الفكرية على نتائج الحداثة (وهى عملية متكررة في تاريخ الفكر) ، ولم تكن قد تبلورت في الشرق عقدة الربط بين فكرة الحداثة وفكرة الغرب الاستعماري. بدأت دورة الانقلاب في الغرب عند بداية القرن العشرين، وبلغت ذروتها في منتصف القرن، بعد أن تحولت إلى حركة نقدية واسعة موجهة إلى أفكار الحداثة التقليدية التي صاغها عصر التنوير، وهي الحركة التي سيشار إليها لاحقاً بتيار ” ما بعد الحداثة“.

بحسب هذا التيار، تشكلت فكرة الحداثة ” في الغرب كتجربة ثقافية خاصة“، انسلاخًا من النسق المسيحي، وعبر التفاعل والاندماج في النظام الرأسمالي، ومع النجاحات الاقتصادية والسياسية المبكرة التي ترجع إلى انجازات التقنية وبريق الفكرة الديموقراطية،صارت تمثل بالنسبة للعالم نموذجاً ثقافياً جذاباً ومحملًا بالوعود البازخة. لكن التداعيات الحداثية في القرن العشرين أدت إلى خلق أزمات جديدة ذات طابع هيكلي وواسع النطاق، ناجمة عن ممارسات العلم والعلمانية على السواء. وكشفت هذه التداعيات عن فشل الحداثة في الوفاء بوعودها حول الحرية والرفاهية، وبتعبير ليوتار ” صار نصف البشرية يواجه التعقيد والنصف الآخر يواجه المجاعة“.

بشكل مباشر وجهت سهام النقد إلى المبادئ الأساسية للحداثة بما في ذلك العلم والعلمانية، ودار النقاش حول تداعياتها السلبية الناجمة خصوصاً عن تفاقم التكنولوجيا وارتهانها الوظيفي للنظام الرأسمالي.

و في خصوص الدولة صار المشكل حسب اليسار ما بعد الحداثي، يتعلق بالمخاطر اللي تحيق بالديموقراطية من جراء تنامى ثروة ونفوذ الشركات الكبرى ، بالإضافة إلى المخاطر الناجمة عن تضخم السلطة وتمددها المقنن ” إلى مساحات جديدة في الفضاء الاجتماعي وداخل الذات.

وكمفكر يساري معنى بأزمة السلطة وضغوطها الجديدة على الحرية، ينظر میشیل فوكو إلى السياسة المعاصرة بوصفها الفضاء الذي تتم فيه مراقبة الذات والتضييق عليها، ومن هذه الزاوية يأتي نقده للحداثة السياسية التي شرعنت القيود على حركة الروح الفردي : :منذ كانطكان دور الفلسفة هو منع العقل من تجاوز ما هو معطى في التجربة، لكن منذ ذلك الحين أيضا ، أي منذ تطور الدولة الحديثة والإدارة السياسية للمجتمع ، كان للفلسفة وظيفة أخرى هي مراقبة السلطة المفرطة للعقلانية السياسية”.

في التأصيل النظري، ينطلق التوجه ما بعد الحداثي من أرضية تفكير مغايرة تماماً لأرضية التفكير الحداثي المبكر ذات الأصل اليوناني. صار الجدل يمتد إلى سلطة العقل ” أسوا عدو للروح” (بتعبير أندريه ماسو) ويشكك في مشروعية الحقيقة ويقينية العلم   ( منذ ينتشه ) ، ويبخس من قيمة الرؤى الكلية وفكرة الأيديولوجيا العامة أو السرديات الكبرى (ليوتار) ويعيد النظر في حدود السلطة وعلاقتها بالذات الفردية (فوکو).

-4-

بالطبع ، تبدو مشاغل فوكو والنخبة الأوربية حول السلطة المفرطة للحداثة السياسية ترفاً ثقافوياً، بالقياس إلى مشاغل الحالة الاسلامية الراهنة المطحونة حتى الآن بمشاكل السلطة المفرطة السابقة على الحداثة. الفكر الإسلامي المعاصر يعكس حالة الاجتماع الإسلامي المعاصر، الذي لم يتعرض بعد لاشتباك كامل مع النسخة التقليدية للحداثة، وبالتالي فهو لا يزال عالقاً في إشكاليات التداخل بين الديني والسياسي كما طرحها الفكر الأنواري المبكر. أعنى لا يزال غارقاً في السؤال الثيوقراطي الأوتوقراطي في صورته الفجة كما كانيناقشها اسبينوزا و هوبز ولوك ورسو في القرنين السابع والثامن عشر.

لكنه مع ذلك لا يستطيع التفكير في هذا السؤال بمعزل عن الإشعاعات النظرية ما بعد الحداثية التي تتسرب إليه بفعل الاحتكاكالثقافي. ( بوجه عام، تنتقل الأفكار والقيم بمعدل أسرع من معدلات التطور الاقتصادي والاجتماعي، ولذلك تظل هذه الأفكار والقيم قادرة على اختراق الثقافة العامة التي صارت في المرمى المباشر لآليات التواصل الحديثة ، وتظل قادرة على إرباك مقارباتها النظرية لمشاكل الواقع. يتحدث (ليوتار) عما يسميه الانفجار التواصلي عن بعد ” بوصفه علامة من علامات الدخول في ما بعد الحداثة. انظر كتابه الوضع ما بعد الحداثي” 1979).

لم يتحول التيار ما بعد الحداثي إلى ثقافة واسعة خارج الأروقة النظرية التي راجت خصوصاً في الفلسفة الفرنسية المتأخرة ، ولا تزال الصيغة التقليدية للحداثة تمثل الثقافة العامة السائدة في الغرب، والأكثر طلباً للتمثل حول العالم، لكنها أدت بالفعل – ضمن عوامل سياسة و اجتماعية معقدة – إلى تقلص نسبي في جاذبية الفكر التنويري، ونموذج الدولة المدنية الحديثة ، الأمر الذي ينعكس الآن بشكل مباشر على طريقة التفكير السياسي الإسلامي ، ويظهر خصوصاً لدى التيارات الأصولية الأكثر تطرفاً.

خلافاً للحظة الاحتكاك المبكرة في القرن التاسع عشر، صار الفكر الإسلامي يظهر ثقة أكثر في النفس ، ويخرج من موقعه الدفاعي حيال الدولة المدنية ونتائج الحداثة عموماً ، إلى مواقع هجومية صريحة يستعيد من خلالها فكرة الفشل الحداثي”، كما روجت لها الأدبيات بعد الحداثية .

-5-

ثانيا: ظهور وتفاقم الحالة الأصولية

ولد التيار الأصولي في أوائل القرن العشرين، أي بعد أكثر من قرن من بداية التحول الحداثي وتثبيت نموذج الدولة المدنية. أسفرتعملية التحول الحداثي عن تطورات ظاهرة داخل المجتمع على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي ، ومثلت، من ثم، استفزازًا مباشرًالسلطة النظام الديني الفقهي السائد، بتكوينه السلفي المشدود برباط وثيق إلى الدولة، ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى هذا التيار كرد فعل متأخر نسبياً على ضغوط الحداثة ، التي سيعاد تكييفها كفعل هجومي من قبل الغرب المسيحي ضد الإسلام بالذات ، وليس كحركة اعتيادية لقانون التطور الاجتماعي.

بطبيعتها ، تشير الأصولية الدينية عموماً إلى موقف نقدى مناهض للحداثة (أي حداثة)، فهي تطرح نفسها دائمًا كممثل وحيد للدين في صورته المثالية كما يجسدها عصر التأسيس ، أي كما هي عند نقطة بعينها في الماضي، حيث كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ويظل هذا المعنى الماضوي “السلفيجوهر الأصولية الإسلامية الذي يختزل جميع خصائصها، بالإضافة إلى توجهها السياسي” الصريح ، ففي السياق الإسلامي عمومًا- حيث تحتل الدولة / الشريعة موقعًا مركزيًا في بنية النظام الديني – يتحول النشاط الأصولي إلى حركة احتجاجية موجهة أساساً إلى الأداء الديني للدولة ، وبشكل ثانوي إلى أداء المجتمع والأفراد.

-6-

تاريخياً، ظل هذا المعنى السياسي الاجتماعي يتفاقم من خلال الدولة التي أسند إليها الفقه حراسة الدين وتطبيق الشريعة، ومن خلال الفرق والجماعات المعارضة التي تصارعت مع الدولة حول السلطة والتي يمكن قراءتها كنماذج ” أصولية” مبكرة.

لم تعاين هذه الفرق والجماعات واقعة غياب الدولة أو إسقاط الشريعة، وظلت مادة الإسلام السياسي تدور حول ” الحاكم: مشروعية وجوده في السلطة، وشرعية الخروج عليه، وفى هذه النقطة يكمن الفارق الموضوعي الأول بينها وبين مادة الإسلام السياسي المعاصر، التي تدور حول الفكرة العلمانية، أي حول الحضور الديني للدولة والشريعة من حيث المبدأ.

هذه الفكرة التي انطلق منها الإسلام السياسي المعاصر، ظلت تمثل بالنسبة له المشكل النظري الرئيسي رغم تشعب توجهاته و تعدد اشكاله التنظيمية التي انبثقت لاحقاً من الجماعة الأصولية الأم، جماعة الإخوان. صحيح أن مسألة ” الحاكم المسلموشرعية الخروج عليه ظلت حاضرة في الحوار الإشكالي المتبادل بين الجماعات الأصولية وأنظمة الدولة الوطنية الحاكمة، لكنها صارت تطرح بصياغات جديدة من داخل الإطار العام للمشكل العلماني (مثل صيغة الحاكمية التي ستتطور داخل الفكر الاخواني ) .

عملياً، مثل الانتقال إلى نموذج الدولة الوطنية انقطاعاً نسبياً للمعنى السياسي الاجتماعي في الإسلام: غياب فكرة الخلافة الجامعة،والسقوط الجزئي للشريعة لصالح فكرة القانون الوضعي أما نظرياً، فلم يحدث أي انقطاع لهذا المعنى داخل المدونة الفقهية التي تحولت إلى مؤسسة معنوية حارسة بديلاً عن الدولة ، وظلت فكرة الخلافة / الشريعة حاضرة كحكم تكليفي كفائي أو ” كفريضة. غائبة تنتظر التطبيق.

لكن تعين على ممثلي المدونة الدخول في جدل مبدئي مع الأطراف الحداثية حول هذه الفكرة، لا من جهة قدرتها على البقاء تحت ضغوط التطور الاجتماعي فحسب، بل أيضا من جهة استنادها إلى أصول تأسيسية في النص الديني ذاته ( نموذج على عبد الرازق) ، وهو الجدل الذي ستتخلق من حوله مادة الإسلام السياسي الجديد .

-7-

بوصفها مركز المشروع الحداثي، ظلت ” الدولة ، تمثل صلب الشاغل الأصولي ، وعلى وقع الصدام معها ستتطور أشكال ومواقف الحركة الأصولية، ومن اللافت أن هذا التطور ظل يمضى تصاعدياً في اتجاه أكثر سلفية ليسفر في نهاية القرن الماضي عن تبلور الجيل الثاني من الأصولية السياسية ذات التوجه الجهاديالأكثر عنفاً وتصادماً مع الفكرة المدنية.

يتبع

عبد الجواد يسن

7

 

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete