إشكالية الدين والدولة الحديثة 8

الإسلام الأصولي: نموذج الإخوان المسلمين

بقلم:د.عبدالجواد ياسين

-1-

الأصولية الإسلامية في مجملها مفهوم “سياسي” بما هي تعبير عن موقف نقدي تصحيحي موجه بالأساس إلى السلطة الحاكمة بوصفها حارسة الدين، ويمتد بالتبعية إلى المجتمع الذي يقبل الخضوع لهذه السلطة. تاريخياً، ظهرت الأصوليات المبكرة في الإسلام في سياقات الصراع على السلطة التي بدأت بالفتنة الكبرى، وتشكلت كفرق سياسية معارضة تؤسس نفسها على مبادئ نظرية مستمدة من الكتاب. وينطبق ذلك من وجهة النظر السنية على جماعات الخوارج وحركات التشيع المبكرة، التي بدت بالنسبة للدولة والتيار العام التابع لها حركات فوضوية خارجة على السلطة الشرعية، فيما تقدم هي نفسها كممثل، “حقيقي” لقيم الكتاب التي جرى هتكها على يد السلطة والمجتمع.

في السياق الراهن يستخدم مصطلح الإسلام السياسي كمرادف للحركة الأصولية، أعنى للفصيل الأكثر تسيساً من هذه الحركة، وهو الفصيل الأوسع انتشاراً والأعلى صوتاً بالقياس إلى الفصائل “السلفية” الهادئة، التي تصب اهتمامها ” المعلن ” على جوانب طقوسية، أو تعليمية ، أو خدمية خالصة .

-2-

تاريخياً، تمثل الحركة الوهابية وجماعة الإخوان المسلمين النموذجين الأبرز للإسلام السياسي الحديث، ومن إحداهما أو كليهما تناسلت جميع التشكيلات الأصولية اللاحقة التي ستنزع بشكل مضطرد إلى مزيد من السلفية والعنف.

نشأت الحركة الوهابية في نجد والحجاز في أواخر القرن الثامن عشر، أي في ظل اجتماع سياسي وثقافي تقليدي، لم يحتك بالحداثة ولم يعاين واقعة التحول إلى الدولة الوطنية (العلمانية). قدمت الحركة طرحاً سلفياً خالصاً يعكس مشاغلها الفقهية المباشرة التي تدور حول “بدع” العقيدة بمصطلحاتها التراثية القديمة ( النذر/ الذبح/ الدعاء/الاستغاثة / الشفاعة / الرؤية / الولاء البراء /… )، وهو طرح صادر عن مرجعياتها النظرية المحدودة التي لم تخرج عن الإطار الفقهي والكلامي الضيق للمذهب الحنبلي في صيغته التيموية، ومع ذلك كشفت الحركة عن وجه سياسي صريح، وأسهمت بدور فاعل في إنشاء “دولة” جديدة أعادت الجزيرة العربية إلى خارطة العالم الإسلامي بعد فترة انقطاع طويلة، ونجحت في التمدد عبر المنطقة كتيار سلفي عام يفرض نفسه بشكل صريح أو مضمر على تيارات الإسلام السياسي المتعددة بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين ذاتها.

-3-

في المقابل ظهرت جماعة الإخوان المسلمين في مصر في أوائل القرن العشرين، أي بعد مرور أكثر من قرن على بداية التحول الحداثي واستقرار نموذج الدولة الوطنية. وخلافاً للحركة الوهابية، قد قدمت طرحًا فكرياً مهجناً يحاول الجمع بين المعنى السلفي ولغة الحداثة السياسية. يعبر هذا الطرح عن موقف جدلي “وسط” بالمعنى الهيجلي الذي يظهر بشكل متكرر في سياقات التحول من القديم إلى الجديد.

لو لم تظهر الأصولية السياسية “المهجنة” في مصر مطلع القرن الماضي تحت مسمى الإخوان المسلمين، لظهرت تحت أي مسمى آخر ، کرد فعل طبيعي على ضغوط الحداثة العلمانية ، من قبل نظام ديني تراثي لا يزال حاضراً على المستويين النظري والشعبي. وهذا هو مقتضى القراءة الموضوعية للحدث الأصولي كظاهرة قابلة للتفسير بسياقات الاجتماع السياسي والثقافي في المنطقة عند بداية القرن العشرين.

تبلور الموقف الأصولي المهجن في مصر على يد حسن البنا، تطويراً لأفكار سبق تداولها لدى “رشيد رضا”، ضمن تيار ثقافي مركب يمزج بين عناصر عقلانية وإصلاحية غامضة ترجع إلى “جمال الدين الأفغاني” و “محمد عبده”، و عناصر سلفية وتراثية جامدة ذات خصائص ” وهابية” وربما تيموية غير مباشرة. من هذا الخط الواصل بين البنا والأفغاني وعبده، والذي تتجمع أطرفه عند رشيد رضا، وذلك الخط الواصل بين البنا والأفكار الوهابية التيموية، والذي تجتمع أطرافه – أيضا – عند رشيد رضا، تتكون الخلفية النظرية المباشرة للفكرة الإخوانية التي حولها البنا إلى جماعة سياسية منظمة.

-4-

عبر رشيد رضا، يحضر الأفغاني في حسن البنا من خلال طرحه “الثقافوي” لفكرة شمولية الإسلام، وفكرة الهوية الدينية التي تجمع العالم الإسلامي في قومية سياسية واحدة مقابلة للغرب. وفوق ذلك كله في ترجمة الفكر السياسي الديني إلى نشاط حركي يأخذ شكل “الجماعة” المنظمة. ثمة تشابه في الروح السياسي العملي بين البنا والأفغاني الذي دعا إلى إنشاء “جماعة” تحول أفكاره إلى فعل اجتماعي شعبي، وهي الدعوة التي حض عليها رشيد رضا: “إن الجمعية هي التي كانت تنقص المجددين القدامى من أسلافنا ، فكانوا أهل فكر فقط كالإمام الغزالي المتوفى منذ قرون، ولم ينشئوا جمعية” ، والتي سيخرجها حسن البنا في صيغة الإخوان المسلمين.

مع ذلك، ورغم وضوح الغرض السياسي العملي، كان مشروع البنا يشتغل لحساب “النظام الديني ذاته”، فيما كان مشروع الأفغاني مصمماً لحساب “النظام الاجتماعي” : الأفغاني، الذي استدعى الإسلام السياسي لم يكن أصولياً بالمعنى الذي تثيره هذه الكلمة في الذهن المعاصر. وبالنسبة له لم تكن عملية الإحياء الديني غاية أولية مطلوبة لذاتها، بل وسيلة لإنجاز النهوض الاجتماعي اللازم لمواجهة الاحتلال الأوربي والحضارة الغربية الإثنية التي يقر بتقدمها. أما حسن البنا، فرغم تأييده لفكرتي النهوض بالأمة ومواجهة الاستعمار الغربي، لم تكن أي منهما تمثل محور تفكيره كغرض نهائي ، بل يتكلم عن إعادة إحياء الدين بالمعنى الأصولي التقليدي، ومن خلاله تدخل فكرة النهضة والمواجهة مع الغرب والحداثة. يتعلق الأمر بترتيب أولويات نظري، يضفى على الفكر الإخواني صبغة أصولية “سلفية” ، تظهر فيها مؤثرات رشيد رضا النقلية القريبة من الفكر الوهابي ، إلى جانب أفكار الأفغاني ذات الإيقاع الحداثي. من هذه الزاوية يظهر الفارق النسبي بين السلفية الإخوانية المهجنة الموروثة من رشيد رضا والمنشغلة بمجادلة الحداثة، والسلفيات النقلية الصرف التي تكاد تجهل التحدي الحداثي ( كالنموذج الوهابي المبكر) أو تتجاهل الجدل معه ( كالنماذج الوهابية المتأخرة).

-5-

نقل حسن النا عن رشيد رضا موقفه السلفي المتصالح جزئياً مع الحداثة السياسية. وهو موقف يخفي اعجاباً مضمراً بالنظام الدستوري ونزوعاً براجماتياً تحركه دوافع سياسية مباشرة. لكنه يبدو “تلفيقياً” و هو يسعى إلى تسكين “الدولة الحديثة” داخل قوالب النظام التراثي الإسلامي.

جرى ذلك بشكل انتقائي ، ومن خلال عملية إعادة تأول متعسفة لمفردات الحداثة والتراث معاً: فالديموقراطية مثلا تندرج تحت مصطلح الشورى، الأمر الذي استلزم تعريفاً للديموقراطية يتسع للمعنى الثيوقراطي، وتعريفاً للشورى يتسع للتشريع الوضعي والمشاركة الشعبية في الحكم. وكلاهما تعريف مضلل؛ فالأول يتعارض جذرياً مع قيم الحداثة السياسية، والثاني يتعارض جذرياً مع مبادئ الفقه الإسلامي الموروث. ولذلك لم تنتج هذه العملية أكثر من نسخة سطحية مشوشة لنظرية الدولة، فضلاً عن صبغ الأداء السياسي لجماعة الإخوان بالاضطراب والتردد.

في “تفسير المنار” يؤكد رشيد رضا أن الديموقراطية مفهوم إسلامي منصوص عليه في القرآن: “ليس بين القانون الأساسي الذي قررته هذه الآية على إيجازها وبين القوانين الأساسية لأرقى حكومات الأرض في هذا الزمان إلا فرق يسير، نحن فيه أقرب إلى الصواب وأثبت في الاتفاق منهم إذا نحن عملنا بما هدانا إليه ربنا: “هم يقولون إن مصدر القوانين الأمة، ونحن نقول بذلك في غير المنصوص في الكتاب والسنة كما قرر الإمام الرازي، والمنصوص قليل جداً”.

هذا الموقف سينتقل حرفياً إلى حسن البنا، الذي يؤكد – بدوره – أن ” المبادئ الأساسية للحكم الدستوري متفقة بل مستمدة من نظام الإسلام” يشرح البنا: ” إن الباحث حين ينظر إلى مبادئ الحكم الدستوري التي تتلخص في المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها، وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة ، وعلى مسئولية الحكام أمام الشعب ومحاسبتهم على ما يعملون، وبيان حدود كل سلطة من السلطات. هذه الأصول كلها يتجلى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم. ولذلك يعتقد الإخوان أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام” (انظر رسائل حسن البنا، رسالة مؤتمر طلبة الاخوان المسلمين 1937).

في هذا النص يتجاهل البنا – عمداً – جوهر التناقض بين النظام الدستوري الحديث والنظام الإسلامي، وهو يقدم تلخيصاً “قاصراً” لمبادئ النظام الأول، ويخلط في خصوص الثاني بين القيم الكلية الواردة في النصوص، والنظرية السياسية التي قننها “الفقه” ترجمة للأمر الواقع في عصور التدوين: المبادئ الأساسية للحكم الدستوري لا تقتصر على هذه القواعد العامة التي تعالج مشكل الاستبداد، والتي يمكن ردها إلى الكليات الأخلاقية المشتركة في جميع الديانات والفلسفات السياسية: يقوم الحكم الدستوري الحديث على مبدأين أساسيين؛ القانون، والمواطنة. أي على “وضعانية التشريع” (=التشريع صلاحية بشرية / عملية اجتماعية متغيرة) و”علمانية” العلاقة بين الدولة ورعاياها (= المساواة في المراكز القانونية للأفراد بغض النظر عن الدين ). عند هذه النقطة يتناقض الحكم الدستوري جذرياً مع النظام الإسلامي بوصفه نظاماً ثيوقراطيًا يجعل التشريع صلاحية “إلهية” مطلقة، أي حصرية ومؤبدة، ويجعل علاقة الدولة بالأفراد علاقة دينية، ولذلك فإن الفكر الإسلامي قد يستطيع نظرياً الالتفاف على المشكل الأوتوقراطي عن طريق التخلي عن “الفقه” والاستناد مباشرة إلى النصوص الكلية ذات الطابع المطلق، لكنه يواجه صعوبات حقيقية في تجاوز “المشكل الثيوقراطي” الذي يكمن في بنية الديانة كما تطرحها المدونة الرسمية.

لكن الوعي الأصولي لا يستطيع التخلي كلياً عن الفقه.

ينكر هذا الوعى بجميع أطيافه مضمون المشكل الثيوقراطي، أي ينكر على الحداثة السياسية حق النقاش حول “أبدية” القانون، الذي يجب أن يكون كذلك بحكم مصدره الإلهي المفترض، إلاَّ أن الفكر الإخواني بتكونية المهجن ودوافعه العملية، يقبل بمحاورة الحداثة والالتقاء معها في منتصف المسافة ، خلافاً لتيارات الفقه السلفي الأكثر تشدداً، والتي ترفض بتكوينها الأحادي النقلي مبدأ النقاش حول “الثوابت الشرعية”، و تنكر من حيث الأصل وجود أي مشكل في الثيوقراطية ( الثيوقراطية هي الدين، ولتذهب الحداثة إلى الجحيم ).

في هذا الإطار يلزم قراءة الطرح النظري والأداء السياسي للإخوان في مسألة القانون والشريعة، وحول الدولة الدستورية بوجه عام؛ الطرح النظري توفيقي غامض، والأداء السياسي يتسم بالمراوغة، والتردد بين الإنكار العلني والتقية، وكمثال واضح يمكن مناقشة الموقف الإخواني المتذبذب من مشكل التعددية السياسية، وحيال معضلة الشريعة.

-6-

مع تسليمه بالمبادئ الأساسية للحكم الدستوري، رفض البنا فكرة الأحزاب السياسية من حيث المبدأ، وبنى رفضه على الحيثيات الآتية: ” أعتقد أن الإسلام وهو دين الوحدة في كل شيء، وهو دين سلامة الصدور، ونقاء القلوب، والإخاء الصحيح والتعاون الصادق بين بني الإنسان جميعاً فضلاً عن الأمة الواحدة والشعب الواحد، لا يقر نظام الحزبية ولا يرضاه ولا يوافق عليه.   والقرآن الكريم يقول:” واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا” ويقول رسول الله عليه السلام” ألا أدلكم على أفضل من درجة الصلاة والصوم؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين”. يواصل البنا: ” كل ما يستتبعه هذا النظام الحزبي من تنابذ وتقاطع وتدابر وبغضاء يمقته الإسلام أشد المقت ويحذر منه في كثير من الأحاديث والآيات. وفرق أيها الإخوان بين “الحزبية” التي شعارها الخلاف والانقسام في الرأي والوجهة العامة وفى كل ما يتفرع منها، وبين حرية الآراء التي يبيحها الإسلام ويحض عليها، وبين تمحيص الأمور وبحث الشئون والاختلاف فيما يعرض تحرياً للحق، حتى إذا وضح نزل حكمة على الجميع سواء كان اتباعاً للغالبية أو للإجماع، فلا تظهر الأمة الا مجتمعة ولا يرى القادة إلا متفقين” ( مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين 1358 هـ ) بعيداً عن لغة الطرح الخطابية – التي تشير إلى ثقافة تفسيرية محدودة، وتكشف عن غرض سياسي تحريضي – ما يستدعى النقاش في نص البنا هو فهمه الخاص لمعنى الحزبية السياسية، ومرجعيته التراثية الفقهية التي تكمن وراء هذا الفهم :

ينظر البنا إلى الحزبية على أنها محض شقاق وافتراق معيب.

لا يتعلق الأمر بالتجربة النيابية المصرية حصراً، بل بفكرة الحزبية عموماً ومن حيث المبدأ. وهو لا يقدم هذا الفهم كرأي سياسي مطروح للنقاش، بل كحكم “شرعي ” مسند إلى الله. لكنه لا يقدم أدلة كافية على هذا الإسناد من خلال الآيات والأحاديث التي يستشهد بها، فهذه الآيات والأحاديث لم تصدر لمعالجة الاختلاف الطبيعي في وجهات النظر داخل المجتمع، بل لنبذ الصدام والتقاتل بسبب الدين، أي أنها “ليست نصاً في الباب ” بحسب المصطلح الدارج في أصول الفقه التقليدية. الاعتصام بحبل الله لا يعارض تعددية الرؤى التي تعكس “واقعة”، التنوع الطبيعي في الاجتماع.

بوصفها كذلك، تحظى «التعددية» بموقع مركزي في الوعى الحداثي و بوجه خاص داخل الفكر السياسي الليبرالي الذى ينظر إلى الديموقراطية النيابية كألية مقبولة “لإدارة” الاختلاف الناجم عن التعددية، بغرض التخفيف من أعراضه السلبية ، أي بغرض منعه من الوصول إلى درجة الصدام والعنف ، وهو مفهوم مغاير تماماً للمفهوم المثالي الساذج الذي يتصور إمكانية رفع الاختلاف كلياً من الواقع ، أي خلق حالة مستحيلة تسمى “الإجماع”.

تنتمى حالة الإجماع إلى ثقافة العصر الوسيط، الخاضعة عموماً لهيمنة الروح الديني بلاهوته الحصري ، وحكوماته الأوتوقراطية ذات الطابع الشمولي، وهى ثقافة موروثة من تاريخ الوعى البدائي الطويل ، حيث ظلت الذات الفردية تعمل على الدوام من خلال أطر جماعية سلطوية قابضة ( العائلة / العشيرة / القبيلة / الدولة / الكهنوت / المذهب / ) وهي الأطر التي تقلصت -سلطتها – بفعل الحداثة – لصالح التعددية الفردانية.

-7-

واضح أن البنا يرفض الحزبية بمنطق الإجماع الذي ينكر حقيقة التعددية. سياسيًا، لا يترجم الإجماع في نهاية التحليل إلا في شكل حكومة “شمولية”، وهو ما أدت إليه بالفعل تحليلات البنا للنظام النيابي، التي انتهت إلى تقريظ نظام “الحزب الواحد” وتفضيله على التعددية الحزبية؛ : بشرح البنا : ” النظام السياسي بل حتى البرلماني في غنى عن نظام الأحزاب بصورتها الحاضرة في مصر، وإلا لما قامت الحكومات الائتلافية في البلاد الديموقراطية، فالحجة القائلة بأن النظام البرلماني لا يتصور إلا بوجود الأحزاب واهية وكثير من البلاد الدستورية البرلمانية تسير على نظام الحزب الواحد، وذلك في الإمكان.” ( يشير في الغالب إلى النظام الحزبي في ألمانيا النازية).

وواضح أنه يصدر في ذلك عن ثقافة التراث الحصرية التي كرسها الفقه وتاريخ الدولة في الإسلام، فهو لا يزال يستصحب مفردات ومصطلحات “السياسة الشرعية” المصممة على النموذج الأوتوقراطي القديم ، يقول البنا : ” كما يعتقد الإخوان أن هناك فرقاً بين حرية الرأي والتفكير والإبانة والإفصاح والشورى والنصيحة، وهو ما يوجبه الإسلام، وبين التعصب للرأي والعمل الدائب على توسيع هوة الانقسام في الأمة وزعزعة سلطان الحكام، وهو ما تستلزمه الحزبية”. لا يتكلم البنا عن “سلطة الدولة ” بل عن “سلطان الحكام”، وهو لا يناقش فكرة “المعارضة” التي تمارسها “مؤسسات” سياسية مقابل الحكومة، بل يشير إلى “الإبانة، والإفصاح، والشورى، والنصيحة” التي تقدم “للحاكم”. وفى النهاية لا تعنى الحزبية أكثر من “التعصب للرأي” الذي يؤدى إلى زعزعة سلطان الحكام “.

-8-

عملياً ، وطوال الوقت ، لم تكن جماعة الإخوان أكثر من حزب سياسي متنكر، ومع تفاقم حضورها صارت تعمل في إطار “المنافسة” مع بقية الأحزاب على كسب الشارع السياسي ( وفى هذا الإطار يمكن قراءة موقف البنا من الحزبية كوسيلة لهدم شرعية الخصوم) لكن البنا ظل يقدم الجماعة بلغة الخطاب الديني ككيان كلاني أعلى من الأحزاب السياسية ، يملك الحق في إرشادها أو في إزالتها من الوجود بما هو متحدث باسم الله ، يخطب البنا : ” أيها الإخوان أنتم لستم جمعية خيرية ، ولا حزباً سياسياً ، ولا هيئة موضوعة لأغراض محدودة المقاصد ، ولكنكم روح جديد يسرى في قلب هذه الأمة فيجيبه بالقرآن، ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله “.

في المحصلة النهائية، أدى هذا الموقف الخطابي إلى صناعة “قوة سياسية” تمتلك آليات الأحزاب، وتزاحمها في سباق المنافسة على الجمهور ، لكنها لا تلتزم بقواعد اللعبة السياسية كما يحددها الدستور والقانون ، فتمنح نفسها الحق في ممارسة العمل السرى وإنشاء تنظيم داخلي مسلح يعمل ضد الدستور والقانون ومبادئ الدولة المدنية.

 

 

 

 

 

 

9

في غضون المرحلة الليبرالية، حيث كانت الظروف مواتية، ظلت جماعة الإخوان تمزج بين عقلية ” الحزب الأيديولوجي” العصرية ، وعقلية “الفرقة الدينية” الموروثة من ثقافة                  “الخروج “على الحاكم في المراحل الإسلامية المبكرة. ويفسر ذلك حالة الالتباس والغموض التي تسمح للمراقب الخارجي بقراءات متباينة للموقف الإخواني، تتراوح بين تسكينه في خانة الأصوليات الدينية الإرهابية، واعتباره مجرد تعبير ساسي خالص يعكس التوجهات المعتدلة للبرجوازية المصرية .

في أواخر هذه المرحلة، تنبهت الدولة لخطورة المشروع السياسي للإخوان، المناهض جوهرياً للدستور المدني ، وبدأت حقبة الصدام والحظر ، التي ستصل إلى ذروتها بعد ظهور الدولة الناصرية ذات التوجه العلماني الشمولي. دخلت الجماعة تحت القمع الناصري في حالة كمون داخلي لما يقرب من عقدين قبل أن تستعيد حضورها بشكل مقيد في إطار صفقة سياسية مع نظام السادات الذي كان يرمى إلى توظيفها في احتواء التوجهات الناصرية واليسارية المتنامية. (من جديد تحضر الجماعة أو تستحضر بمعرفة “الدولة” في عملية توظيف سياسي، وهي العملية التي ستؤدى هذه المرة إلى تفاقم الحالة الأصولية وتوسيع نطاقها في المنطقة. لم تمنح الجماعة صك اعتراف قانوني، لكنها صارت تمارس نشاطها على نحو محسوب تحت عين الدولة، كقوة واقع مشكوك في ولائها للدستور.

تغير تكتيكي مرحلي

-10-

– مع التحولات العالمية الناجمة عن انهيار المعسكر الاشتراكي وتراجع الفكر الشمولي، ستدخل المنطقة في حالة الانفتاح الليبرالي النسبي التي تسمح بنوع من التعددية السياسية . وفي هذا السياق سيتعين على الجماعة الاختيار بين الانغماس في لعبة التعددية الحزبية أو الانعزال السياسي. وبحكم التكوين البراجماتي الهجين اختار الإخوان الانغماس في اللعبة ، لكن كان عليهم مواجهة المشكل النظري المتمثل في مخالفة المبدأ الإخواني المبكر الذي وضعه حسن البنا نقلاً عن المدونة الفقهية، والذي ينكر مشروعية النظام الحزبي ، كما كان عليهم مواجهة المشكل “العملي” المتمثل في شكوك القوى المدنية حيال دعاوى الجماعة بالمشاركة السلمية وقبول تداول السلطة.

( بوجه عام، تواجه الجماعات                   ” الأيديولوجية” صعوبات متكررة في تبرير التراجع عن نصوص المؤسس بسبب تغير الظروف التي يفرضها الواقع ، لكن هذا المشكل يظهر بشكل أوضح لدى الجماعات “الدينية” بسبب البعد المطلق ( الإلهي) الذي تسبعه على دعواها السياسية، وتمثل هذه النقطة واحداً من أهم أسباب الانشقاق داخل التنظيمات الأيديولوجية، قارن بين الانشقاقات المتعددة داخل الحركة الشيوعية بفعل التفسيرات المتباينة لنصوص ماركس و لينين ، وانشقاقات الحركة الإسلامية التي انبثقت في مجملها عن جماعة الإخوان، والتي تسند نفسها مباشرة إلى نصوص إلهية مقدسة .

تظل جماعة الإخوان بنزوعها البراجماتي، التنظيم الأكثر قدرة على التحول النظري داخل إطار الحركة الإسلامية. لقد توسعت هذه الحركة بالتوالد من رحم الإخوان، وتشكلت ملامحها الأكثر تشدداً على وقع الاعتراض على براجماتية الجماعة وانكفائها النسبي أمام الحداثة والدولة المدنية .

 

-11

النزوع البراجماتي -الموروث من البنا نفسه – سيسمح للجماعة بالخروج على التأصيل” الشرعي” الذي قدمه لرفض التعددية الحزبية. والدافع واضح وهو ركوب الموجة الليبرالية الجديدة وتوظيفها لاقتناص السلطة في ظل ظروف سياسية بدت مواتية أكثر من أي وقت مضى، أشير هنا إلى التطورات الداخلية والخارجية التي أدت إلى فوضى “الربيع العربي”          : شارع سياسي منهك بسبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المزمنة ، وهامش حركة متاح للتوسع الأصولي المدعم بإسناد خارجي غربي، على حساب القوى المدنية المغيبة بفعل الحظر الشمولي.

يشرح القرضاوي – وهو شيخ أزهري تقليدي محدود الثقافة جرى تصعيده إعلامياً ليتقمص دور المنظر الإخواني الجديد – هذا التحول النظري : ناديت منذ سنين طويلة بمشروعية تعدد الأحزاب في الدولة الإسلامية .. وقلت كلمة تناقلها الدعاة والاعلاميون وهي أن تعدد الأحزاب في السياسة أشبه بتعدد المذاهب في الفقه. فالأحزاب إنما هي مذاهب في السياسة ، والمذاهب إنما هي أحزاب في الفقه. وكانت هذه الأفكار في المجتمع الإخواني – إلا قليلاً منهم – في أول الأمر مرفوضة ، لما رسخ في أذهانهم من قبل من جراء التربية السياسية التي توارثوها عن إمامهم البنا رضى الله عنه، ولكن بمزيد من اللقاءات والحوارات ، كتابة ومشافهة و بحكم الواقع وتأثيراته، وما خبره الإخوان أنفسهم من جناية تحكم الحزب الواحد على حياتهم وحريتهم ودعوتهم ، استجاب جمهورهم لفكرة التعدد ، بل واقتنعت القيادة بالفكرة، وأصدر مكتب الإرشاد قراراً تاريخياً في ذلك ( مارس 1994)  ، يدل على حيوية الجماعة وتحررها من الجمود والتقليد، وأن الحق أحق أن يتبع وإن خالف رأى مؤسس الجماعة رحمه الله” .

اعتبر القرضاوي أن رأى البنا “هو اجتهاد منه رضى الله عنه يؤجر عليه ، ولكن الأيام أثبت خطأه، وأن الخير كل الخير في التعددية، وهو الموافق للنظام الكوني كله ، فهو يقوم على التعددية في كل شيء …. ولا غرو أن خالفت أستاذي وامامي كما خالف تلاميذ أئمتنا الكبار أبو يوسف، ومحمد، وزفر إمامهم الأعظم “.

أخيراً، نحن حيال اعتراف إسلامي، بكونية التعددية، أي بكونها واحداً من قوانين الاجتماع الضرورية التي تشمل السياسة ، لكن السؤال هو: إلى أي مدى تصل حدود هذا الاعتراف ؟ هل يبلغ حد التخلي عن مفهوم “الحق الحصري” الذي يستوجب نفى الآخر باستخدام القوة ؟ أم أننا أمام تراجع مرحلي جزئي ، يؤجل العنف ، أو يسمح بقبول الآخر في إطار البقاء تحت سقف الإسلام ؟ من الواضح أن القرضاوي يتحدث عن التعددية المقبولة حسب تصوره داخل ” الدولة الإسلامية ” وليس عن التعدية بالمعنى المفهوم داخل الدولة المدنية الحديثة.

-12-

معضلة الشريعة والقانون

رغم إقراره بالإطار العام للنظام الدستوري، عاد حسن البنا فأبدى تحفظًا على هذا النظام من زاويتين: 1- التعددية الحزبية: ٢- معارضة القانون للشريعة.

أعلن البنا أن الإخوان ” لا يوافقون على هذا القانون أبداً ولا يرضونه بحال، وسيعملون بكل سبيل على أن يحل مكانه التشريع الإسلامي العادل الفاضل ” وأكد على ذلك في

 

“رسالة المؤتمر الخامس” بقوله: ” نحن لا نعترف بأي نظام حكومة لا يرتكز على أساس الاسلام ولا يستمد منه، ولا نعترف بهذه الأحزاب السياسية ولا بهذه الأشكال التقليدية التي أرغمنا أهل الكفر على الحكم بها والعمل عليها، وسنعمل على إحياء نظام الحكم الإسلامي بكل مظاهره، وتكوين الحكومة الإسلامية على هذا الأساس”.

أظهر البنا حرص الجماعة على إنجاز هذه المهمة عن طريق الدعوة السلمية والعمل السياسي، لكنه لم يغلق الباب أمام إمكانية استخدام القوة لتحقيقها في المستقبل، فأعلن صراحة أن “الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدى غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة”.

هذا القبول المتحفظ للنظام الدستوري يعنى أن البنا يتجاهل جوهر هذا النظام، أو أنه يقبله كإطار شكلي منفصل عن حمولته الموضوعية التي تعبر عن رؤية كلية شاملة لطبيعة الاجتماع ووظيفة – الدولة: فإذا كانت الدولة الحديثة تقوم على مبدأ القانون الوضعي فهذا جائز فيما لم يرد بشأنه حكم ديني ملزم. ومؤدى ذلك أنه يتصور إمكانية الجمع داخل الدولة الحديثة بين القانون وشريعة دينية “مؤبدة”. وهو تصور مستحيل بمقاييس هذه الدولة التي تقوم جوهرياً على “علمانية” القانون، أي على اجتماعية الفعل التشريعي وقابليته الدائمة للتطور.

وبحسب طرحه – أيضا – يباح استخدام القوة لفرض نظام بعينه من أنظمة الحكم، وهذا بدوره، تصور مناقض للمبادئ الدستورية الحديثة التي تشدد على فكرة التداول “السلمي” للسلطة. في الوعي الديني التقليدي، القضية الدينية قضية مبرهنة ذاتياً، وبما هي كذلك يجوز فرضها على العالم فرضا بقوة السلاح ( نفسيا، لا يكاد الوعى الأصولي يشعر بفكرة النفور الحداثي من العنف الديني بوصفه جهاداً مقدساً ).

-13-

لكن النزوع البراجماتي لدى البنا يفرض عليه الاستسلام لسلطة الدولة، والاكتفاء مرحلياً                بـ ” طلب” تطبيق الشريعة، يشرح البنا: القوة شعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته، فالقرآن الكريم ينادي في وضوح وجلاء: ” وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم” ( الأنفال : 6) والنبي (ص) يقول: “والمؤمن القوى خير من المؤمن الضعيف” فالإخوان المسلمون لا بد أن يكونوا أقوياء، ولا بد أن يعملوا في قوة. ولكن الإخوان المسلمين أعمق فكراً وأبعد نظراً أن تستهويهم سطحية الأعمال والفكر فلا يغوصون إلى أعماقها، ولا يزنوا نتائجها وما يقصد منها وما يراد بها فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعد ذلك قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعاً، وأنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال مضطربة النظام، أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان فسيكون مصيرها الفناء والهلاك. هذه نظرة – ونظرة أخرى: هل أوصى الإسلام -والقوة شعاره- باستخدام القوة في كل الظروف والأحوال؟ أم حدد لذلك حدودًا واشترط شروطاً ووجه القوة توجيهاً محدوداً؟ ونظرة ثالثة: هل تكون القوة أول علاج، أم إن آخر الدواء الكيّ؟ وهل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة ونتائجها الضارة، وما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف؟ أم من واجبه أن يستخدم القوة وليكن بعد ذلك ما يكون؟

(رسالة البنا إلى المؤتمر الخامس للإخوان).

عملياً، سينعكس هذا الطرح النفعي على الأداء السياسي للإخوان طوال عهد البنا وفي المراحل اللاحقة، حيث ستتحول مسألة “تطبيق الشريعة” إلى شعار سياسي قابل للتأجيل على الدوام من قبل الجماعة وقابل للاحتواء على الدوام من قبل الأنظمة المتعاقبة التي تمثل الدولة المدنية. لقد أسفر التطور الحداثي عن تحولات واسعة في نسق الوعي بالمسألة، وظهرت صعوبات حقيقية على أرض الواقع. وبوجه عام كشفت هذه الوضعية عن الطابع الجذري للمشكل الذي يشير إلى استحالة التوفيق بين الإسلام السياسي الفقهي (بطبيعته الحصرية المؤبدة) وأطر الدولة المدنية الحديثية (بطبيعتها التعددية المتطورة) ، حيث لم تعد المسألة تعنى مجرد استبدال تشريع بتشريع ، بل تحتاج إلى استحداث تحولات هيكلية في الأنساق الاجتماعية الاقتصادية والثقافية.

طوال عهد البنا – حيث بلغ النظام المدني في مصر أوج قوته، ووفرت الأجواء الليبرالية هامشاً واسعًا أمام الإخوان لممارسة السياسة – كانت مسألة الشريعة مطروحة كمشكل جزئي قابل للحل في إطار الدولة المدنية القائمة. ورغم الحديث عن ” الحكم الإسلامي” كان المتصور هو أن هذا الهدف يمكن تحقيقه عن طريق إدخال تعديلات تفصيلية على القانون المدني والجنائي.

-14-

لكن وجه المسألة سيتغير على نحو واضح في المراحل اللاحقة حيث ستتعرض الجماعة لموجات متعاقبة من الحظر والقمع، ثم الحضور المقيد بدرجات محسوبة، الأمر الذي سيسفر عن تصعيد جديد في بنية الحركة الأصولية، ورؤية جديدة حول غياب الشريعة. في سياقات الصدام القمعي مع النظام الناصري سيتكلم سيد قطب -الذي لم ينشق تماماً عن الجماعة- عن التناقض الكلي والمبدئي للإسلام، لا مع الدولة المدنية فحسب، بل أيضاً مع المجتمع الخاضع لها . لم تعد المسألة هي تغيير القوانين المطبقة من قبل الدولة على المجتمع، بل تغيير الدولة والمجتمع معاً من حالة “الجاهلية” إلى “حاكمية” الله الشاملة.

تغير عنوان المشكل من: “الحكم الإسلامي”، إلى “حاكمية الله”: قبل الوصول إلى حالة الخضوع الكلى لله لا معنى للحديث عن تطبيق الشريعة. ولذلك اعتبر سيد قطب أن الإسلاميين “وقعوا في مناورة خبيثة من الجاهلية دفعتهم إلى إخراج الإسلام عندما حاولوا تطبيق شرائعه في غير بيئته”، وأن “من السخرية الهازلة العمل على ما يسمى تطوير الفقه الإسلامي في مجتمع لا يعلن خضوعه لشريعة الله”

بحسب قطب، يلزم أولاً إحراج المجتمع من حالة الجاهلية إلى حالة الإسلام، أي إحداث تحول “جذري على مستوى التصور الاعتقادي” بحيث يقر الجميع بالسلطة المطلقة لله كحاكم له وحده صلاحية التشريع ، بديلاً عن البشر أو الحكام الطواغيت الذين سلبوا هذه الصلاحية بقوة التغلب أو حتى باسم الديموقراطية.

مرة أخرى، نحن حيال طرح ” تأجيلي”، لمشكل الشريعة، وهو من هذه الزاوية يشبه الطرح الإخواني التقليدي. لكنه خلافاً لهذا الطرح الأخير يعترف بالتناقض الكلى بين الشريعة والواقع الحداثي في الدولة والمجتمع. وهو من هذه الزاوية أيضا يلتقي مع الفكر الوضعي الحديث، لكنه خلافاً للفكر الوضعي لا يشخص المشكل على أنه مواجهة بين تشريع قديم جامد و حركة التطور الطبيعي بحيث يلزم تطويع التشريع لحركة التطور، بل على أنه انحراف من قبل الواقع الحداثي عن التشريع الإلهي الأزلي والمؤبد بحيث يلزم تطويع الواقع للتشريع.

لكن، هل يمكن تطويع الواقع عكس اتجاه التطور؟ أو في صيغة أخرى: هل يمكن القفز على “ضرورية الواقع ” وأسبقيته الفعلية على أي مطلوب نظري مهما كان منسوبًا إلى الدين؟

هذا هو السؤال المعضل الذي يطرحه الوعى الحداثي على القاعدة الدينية الشائعة التي تقول بـ ” شريعة صالحة لكل زمان و مكان”.

على ضوء السؤال تبدو القاعدة متناقضة      ” ذاتياً” بما أن الشريعة أحكام قانونية “ثابتة” تنظم وقائع تفصيلية ” متغيرة ” بضرورة التنوع وضرورة التطور.

على نحو لا شعوري، لا يكاد العقل الأصولي يقر بأهمية “الواقع” قياسًا إلى خطاب اللاهوت أو الفقه المكتوب. وعند التعارض يذهب الذهن مباشرة إلى حل وحيد هو تغيير الواقع: على الواقع أن يتغير ” الآن” لكي يصبح متوافقا مع الفقه (وهذا موقف الطرح الأصولي في نسخته السلفية الأكثر تطرفاً والتي تصر على التطبيق الفوري للشريعة بصرف النظر عن درجة تصادمها مع الظروف الاجتماعية المزامنة). أو علينا أن ننتظر – الواقع حتى يتغير في المستقبل كي يتوافق مع الفقه (وهذا موقف الطرح الأصولي الإخواني في نسخته التقليدية المهجنة، وحتى في نسخته القطبية المتطرفة).

ومع ذلك، يظل من الواضح هنا أن قاعدة ” التشريع صالح لكل زمان ومكان” لا تزال متناقضة: فالقول بتأخير الشريعة لحين تمهيد الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الملائمة لتطبيقها، يعنى الإقرار بعدم ملاءمة الشريعة للتعامل مع سياقات زمنية ومكانية بعينها، وهذا بعينه هو مقتضى قانون التطور.

 

 

عبد الجواد يس

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete