تكوين
موجتان متناقضتان تجتاحان النفس الإنسانية وتُدخلانها في أزمةٍ وجودية: الرغبة في استقواء “الأنا” وإدخال الفرد في حالة اغترابٍ مع ذاته ومع الآخرين، وتلاشي هذه الرغبة تدريجًا أمام نُبل العلاقات المجتمعية المُحارِبة لكل أَثَرَةٍ، في الباطن كما في الظاهر.
ولأننا نعيش في عالمٍ موسومٍ بتنوعٍ ثقافي وحضاري وإثني وعرقي وديني وسياسي واقتصادي… فنحن أمام خياراتٍ ثلاثة: إما أن ندخل سياقًا رفضيًا، فنتفلت من العلاقة مع الاختلاف، ونرتد إلى ما يُشبه الانغلاق النفسي الطوعي، وإما أن نُقر بواقعية ما ومَن نواجه ونشارك، فنشعر بأننا محكومون بالتزام قبول هذا الاختلاف، وإما أن ننحو منحىً مثاليًا بإرادةٍ عقلانيةٍ ثابتة الأصل والمآل، فنحيا مع الآخر صدقية القلب في صفائه، والفكر في تساميه.
من هنا تُطرح إشكالية “العيش المشترك” ضمن فلسفة احتواءٍ قَدري للاختلاف، ورفض لواقع الكذب على الذات والتكاذب في العلاقات المجتمعية. وقد طُرحت هذه الاشكالية تحت مسمياتٍ مختلفة منذ بدايات التفكر الفلسفي الاجتماعي وحتى اليوم، وهذا ما سنتناوله في دراستنا.
أولًا: مفهوم “العيش المشترك” في الفلسفة الإغريقية
جاب سقراط Socrate (نحو 470-399 ق.م.) شوارع أثينا، جامعًا حوله مجموعةً من المواطنين الذين تجتاحهم تساؤلات فكرية عميقة، باحثين معه عن حقيقة الخير والفضيلة والشجاعة والاعتدال… هو عاش مع تلامذته دون أن يؤسس مدرسة بالمعنى التقليدي للكلمة، وأطلق تعاليمه وحواراته مع مَن كانوا يتحلقون حوله حيثما وُجد، فجعلهم يُدركون معنى الصداقة بعيشها معًا وسيلةً للبحث الفلسفي، ومعنى الحرية عبر التفكير المنطلِق بلا حدود، ومعنى السكينة الداخلية بقبوله حكم الاعدام بشجاعةٍ فائقة جعلت منه شهيدًا للإنسانية جمعاء، وليس للفلسفة فقط، كما رأى هيجل.
تحلق حوله الشباب الأثيني، فاختبروا سويةً تجربة التناغم الفكري الهادف إلى تقييم الذات والمجتمع من خلال بناء تعاونٍ خلاقٍ يؤدي إلى إنجاح عملية استبطان الأفكار واستيلادها، وكأنه كان يرسم منذ ذلك الزمن مشهدية التعايش معًا، مُتقنًا لغة تحاورٍ استثنائية تُقدس الفضائل الروحية والأخلاقية بعيدًا عن لوثة الماديات.
واستكمل أفلاطون Platon (428-347 ق.م.) ما بدأه أستاذه، وقد كانت السنوات التسع التي قضاها بجانبه كفيلةً ليكرسه الشخصية الأولى في محاوراته كلها، وليجعله قدوةً له ولتلامذة الأكاديمية التي أسسها العام 387 ق.م. فور عودته إلى أثينا بعدما غادرها عام أسلم سقراط روحه وحياته فداءً لأفكاره وقناعاته، والتزامًا بقوانين مدينته.
وضع أفلاطون نُصب عينَيه مفهوم “العدالة” ليكون هدفًا ساميًا، وفق أنظمةٍ وقوانين ترمي إلى خير المواطنين عبر الدفع بهم إلى تنظيم حياتهم المجتمعية ضمن سياقٍ توازني بين أجزاء المجتمع المختلفة، المقابِلة لمَلَكات النفس الثلاث: العقل والعاطفة والشهوة… فيكون الحكام فلاسفةً والفلاسفة حكامًا، ويدافع الحراس عن المدينة بشجاعتهم، ويُترك الإنتاج للعمال.
ومع أن أوطوبية “صاحب المُثُل” مثَّلت بريقًا لم يستطع الزمن إخفاته منذ القرن الرابع ق.م. وحتى اليوم، وقد أراد بها أن يُؤمثل مواطني جمهوريته لدرجة أن ينجحوا في العيش مع بعضهم البعض تحت قبة الخير والعقل والجمال والحقيقة… فإن طرحه “نظرية تحسين النسل” تحت إشراف الدولة، إلى جانب تشديده على “شيوعية النساء والأطفال والمِلكية”… إنما أدخلا مقارباته ذات الطابع المثالي داخل سلسلة عواصف نقدية طالت ابتداعاته تلك ورفضتها من منطلقٍ إنساني. فكأنه جمع طلابه في أكاديميته، وعمل من حيث “لا يدري” ربما على تقسيمهم ليكونوا مواطنين!
من جهته، ركز أرسطو Aristote (384- 322 ق.م.) على المنحى الاجتماعي للإنسان الذي وصفه “بالحيوان السياسي” المحكوم بطبيعته بالاندماج داخل مجتمعٍ منظم، ساعيًا مع مَن يتعايش معهم وراء تحقيق الحياة المنعقدة على الخير والعدل، بعيدًا عن أية انعزاليةٍ فردانية. وإذا كان أرسطو قد خط صفحاتٍ طويلةٍ عن مفهوم “الصداقة”، فلأنه رآها شرطًا مركزيًا لبلوغ الفضيلة على ألا تكون صداقة مرماها المنفعة أو المتعة، وإنما تلك التي تتماهى مع الخير في الواقع المُعاش، والقادرة على مساعدة الأفراد لبلوغ المستوى الأعلى الممكن في الكمال، من خلال مساعدة بعضهم بعضًا على تكوين ذواتهم في نموذجٍ قويمٍ وفعلي. فتكون الحياة سويةً مبلغًا إلى السعادة، في إطار نظام عدالةٍ يتصدى للجوانب المظلمة في طبيعتنا البشرية، وتكون الحياة المجتمعية هي المدخلُ الأساس لدخول حالة “الأوديمونيا” والإفادة النفسية من هذه الحالة، وبخاصة إذا ما تشاركناها مع أبناء بيئتنا، تحت مظلة العقلانية المترافقة مع الفضيلة (areté) الماثلة، في الفلسفة الأرسطية، وسطًا بين طرفي نقيض، والهادفة إلى التعايش وفق قوانين الخير العام: العقل والإرادة والعدالة في تفهم الذات والآخرين معًا،
“فنبلغ بذلك الغاية الأساسية للمدينة، وهي مساعدة المواطنين على بلوغ السعادة والفضيلة وفقًا لاحترامهم هذه القوانين.”1
ولم يسلم أرسطو أيضًا من الانتقادات التي وُجهت له في ما يخص إباحته نظام الرق، والمترافقة مع نظرةٍ دونيةٍ لبعض أفراد المجتمع، وكأن التعايش الذي دعا إليه كان حكرًا على فئةٍ من المواطنين دون أخرى.
في المقابل، ومن مؤسس مذهب الفلسفة الرواقية زينون الكيتيوني Zénon de Citium (نحو 336-264 ق.م.)، وحتى الإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس Marc-Aurèle (121-180).. . وضع الرواقيون قائمةً بالأفعال الملائمة، ونعني بذلك وظائف الكائن العقلاني وواجباته القادرة على حماية حياته وحياة من حوله، وتتضمن
“الاهتمام بالجسد، بفعلي: الصداقة والاحسان، بواجبات الأسرة، وبالأنشطة السياسية.”2
وشددوا على صفاء العلاقات الاجتماعية إذا ما ارتكزت على التوافق مع الطبيعة والعيش وفقًا للعقل، لأن الرواقي الذي يصطدم أحيانًا بسلوك الآخر، يمتلك القدرة على التحكم بردة فعله، فيختار كيف يستجيب للمواقف بصوابية العاقل، بدلًا من الانجرار إلى ردود فعلٍ قد تكون سلبيةً ولا تُشبهه، وإن هو لم يُفلح، فعليه قطع العلاقة.
ولا ينجح التعايش في المجتمع، وفق الفلسفة الرواقية، إن لم يبدأ الفرد بتنمية السلام داخل ذاته، باحتراف عيش الفضيلة وبناء علاقاتٍ سليمةٍ مسؤولة تقوم على الاحترام المتبادَل. بهذه الطريقة، يكون الرواقي حكيمًا حقًا في صداقاته، “فلا يعرف ندمًا، ولا حزنًا، ولا خوفًا.”3 وتكون له السلطةُ في اختياراته. وتتجسَّدُ هذه الحكمة الرواقية في فعل الخير طوال حياتنا، كما ورد في قول ماركوس أوريليوس:
“لا، ليس أمامك آلاف السنوات لتعيشها. القدر بين يدَيك. ما دمتَ حيًا، بقَدر ما تستطيع، إسعَ لأن تكون صالحًا.”4
“كل البشر إخوة”، بتعبير زينون. ولا تكتمل هذه الأخوة إلا بتجرد الفرد كليًا من انفعالاته الهوجاء كافة، مستندًا إلى العقل وحده، فيكون التعايش مع الآخر، لا على قاعدة السياسة أو الطبقة أو اللغة أو الدين، بل على مرتكزٍ أولي وحاسم هو الإنسان، علمًا أن وجود الإنسان اجتماعي غائي، هو يسعى في تنقية الروح من أجل ذاته ومن أجل إنجاح علاقته بالآخر.
لقد خُلقنا لنتعاون ونحيا سويةً، متحررين من شوائب الغضب والإساءة وتسلل الشر إلى نفوسنا، سالكين درب العقلانية والتقشف الروحاني.
وتأتي الأبيقورية لتُضفي نكهةً فلسفيةً خاصة على مصطلح “التعايش”. فقد عاش أبيقورس Epicure (341-270 ق.م.) في أثينا حيث أسس مدرسةً في الهواء الطلق العام 306 ق.م. (حديقة أبيقورس)، إلى جانب مجموعةٍ من الأصدقاء والطلاب حيث كانوا يتحاورون في: الفيزياء الذرية والفلسفة الأخلاقية.
ويُمكن القول إن الفلسفة الأبيقورية تتقاطع مع مفهوم العيش المشترك من خلال تأكيد صاحبها أن السعادة الحقة إنما تنبع من العيش في إطار مجتمعاتٍ صغيرة تتسم بالانسجام والسكينة، مع الابتعاد ما أمكن عن صخب الحياة العامة والسياسية وعن لذة الجاه والمال والكرامات الاجتماعية المسببة للنزاعات الواهية. بهذه الطريقة يتحقق مراد الأبيقوريين في التمتع بحياةٍ تغيب عنها مشاعر الألم والخوف والقلق، وتسيطر فيها طمأنينة النفس، في ظل عيشٍ يعتمد على البساطة والاكتفاء، ويرمي إلى بناء ثقةٍ وانسجامٍ مع أصدقاء حقيقيين داعمين لنا، لا سيما في أوقات الشدة، أصدقاء “يُشعروننا بالأمان ويساعدوننا على تلافي الألم”5 ويكونون لنا مصدر دعمٍ نفسي واجتماعي، في رحلة حياةٍ ترمي الأبيقورية إلى جعلها مصدرًا وقاعدةً لسلامٍ داخلي فعلي.
ثانيًا: “التعايش” في فلسفة الفارابي وابن رشد وابن خلدون
لماذا الفارابي (870-950) ؟ لأنه “المعلم الثاني” الذي رسم مدينةً فاضلة أشبه بالمدينة السماوية “يحكمها رئيس حكيم يتشبه بالعقل الإلهي في فعله وتدبيره”6 ، فيكون فيلسوفًا وإمامًا ومرشدًا متعقلًا، يستمد مبادئ علمه مما يفيضه العقل الفعال عليه من الصور الروحانية، ولأنه قال باحتياج الإنسان إلى الاجتماع والتعاون. فكل واحدٍ من الناس
“مفطور على أنه محتاج في قوامه، وفي أن يبلغ أفضل كمالاته، إلى أشياء كثيرة لا يمكنه أن يقوم بها كلها وحده، بل يحتاج إلى قومٍ يقوم له كل واحدٍ منهم بشيءٍ مما يحتاج إليه. وكل واحدٍ من كل واحد بهذه الحال.”7
فلذلك لا يمكن للإنسان بلوغ الكمال إلا إذا عاش داخل جماعةٍ حيث
“يقوم كل واحدٍ لكل واحد ببعض ما يحتاج إليه في قوامه، فيجتمع مما يقوم به جملة الجماعة لكل واحدٍ جميع ما يحتاج إليه في قوامه، وفي أن يبلغ الكمال، ولهذا كثرت أشخاص الإنسان، فحصلوا في المعمورة من الأرض، فحدثت منها الاجتماعات الإنسانية.”8
وقد شبَّه الفارابي مدينته “بالبدن التام الصحيح الذي تتعاون أعضاؤه كلها على تتميم حياة الحيوان، وعلى حفظها عليه.”9 ومن هذا التعاون، ينطلق مفهوم “التعايش” بين المواطنين تحقيقًا لغاياتهم المشتركة، على أن يكون لكل فردٍ الموقع الذي يستحقه وفقًا لقدراته ومؤهلاته، وعلى أن يكون العقل هو الموجه لحل النزاعات بين الأفراد والتخفيف من حدة التناقضات بينهم. ويكون ذلك كله بانسجاميةٍ مثلى مع بناء فردٍ تتأصل مكارم الأخلاق في ذاته، وتنسحب تردداتها على علاقاته الإنسانية مع فئات المجتمع كلها، عن طريق تلقينه المستمر لجوهر الفضائل النظرية والفكرية والخلقية والعملية، بحزمٍ فاعلٍ وإرادةٍ لا تلين.
لماذا ابن رشد؟ لأنه الفيلسوف الجريء الذي لم يسمح لأي اضطرابٍ بالتسلل إلى تفكيره وشروحاته الأرسطية، ولأنه رأى خير الإنسان والإنسانية في وحدة العقل وفي الأسس المنطقية المشتركة لقبول الآخر والتعايش السلمي معه. فقد نختلف مع الآخرين في ثقافاتهم ومعتقداتهم وصولًا إلى نظرياتهم الفلسفية، كما حدث ذلك معه شخصيًا.. . إلا أن العدالة تقتضي، في رأيه، أن نجد الحجج لخصومنا كما نجدها لأنفسنا، فنتحاور معهم وفق ميزانٍ عقلي في الحكم، فلا نفرض رأينا ولا نسمح بفرض الرأي الآخر علينا، بل نسعى في الاستفادة من التناقضات لتحويلها فكرًا وفعلًا إيجابيين في تطورنا الفكري.
من هنا كان رفضه القطعي كل حالةٍ انغلاق، وترحيبه الدائم لحالة الانفتاح ثقافيًا، لأنه كان فيلسوفًا توفيقيًا “واسع الآفاق، ومتدينًا على طريقته الخاصة، حريصًا على تحديد ما يوافق كل طبقةٍ من أعمال العبادة ومظاهر الاعتقاد. فللعامي من الجمهور ظاهرُ الشرع كما هو، لأنه ضروري لحفظ النظام الاجتماعي، وللفيلسوف دين العقل والبرهان، لأنه يستطيع أن يتصل بالعقل الفعال في أزليته”10، بحسب المؤرخ الفرنسي غوتييه Léon Gautier (1832-1897).
بهذه الشخصية المميزة، عاش ابن رشد قيم التعايش الفكري في مؤلفاته ومناقشاته، محتضنًا حضارتي: العرب والمسلمين والغرب والإغريق، فكان ذاك “الجسر الحضاري بين الشرق والغرب” كما رآه المستشرق والمؤرخ الفرنسي رينان Ernest Renan (1823-1892) الذي نشر أطروحته عن “ابن رشد والرشدية” العام 1852.. كما كان ذاك الممسك بحكمة الإقناع العقلي لتكون قاعدةً لغرس القيم والأخلاق في البشر وتحقيق تلاقيهم.
ولماذا ابن خلدون (1332-1406) ؟ لأنه وضع ركائز “العمران البشري”، وعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال “مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من المُلك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكَسب والمَعَاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحدثُ من ذلك العمران بطبيعته من الأحوال.”11 فكأنه حضَّر، منذ القرن الرابع عشر، الأرضية الملائمة لطرح مصطلح “التعايش” وتحليله فلسفيًا واجتماعيًا.
فقد رأى صاحب “المقدمة” أن الإنسان مدني بالطبع ومتميز بالعقل، وأن عيشه المشترك ضرورة لاستمرار بقائه، وهو عيش قائم على التماسك الذي تؤمنه العصبية. فبالعصبية تكون “الحماية والمدافعة والمطالبة”12 والآدميون “بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماعٍ إلى وازعٍ وحاكمٍ يزع بعضهم عن بعض”13 ويضع حدًا لعدوانيتهم الفطرية، لأن البشر مفطورون على النزعة العنفية، ولا بد لمن يردع صراعاتهم واقتتالهم.
إن غاية السلطة تكمن إذًا في خلق جو من التعايش السلمي بين الناس، وتحقيق أمنهم وأمانهم تحت سقف قانونٍ يحفظ الحق والسلم والحرية، ويُنصف المستَضعَفين ويلبي “شكوى المستغيثين”14. وعندما يتفنن الإنسان في أحوال الحياة الحضرية، عند بلوغ الدولة طورها الثالث، أي الفراغ والدعة، فإن التعايش يتطور ويتوسع ليغدو تفاعلًا بين الأمم، فتتواصل ثقافاتها وتندمج حضاراتها وعوائدها.
وإذا كان الفارابي نسج “مدينته الفاضلة” بحسب المثال الأفلاطوني المثالي، فقد مال ابن خلدون نحو الواقعية في توصيفه النُظُم السياسية والاجتماعية بنوعٍ من المحايثة المؤدية إلى مفهومٍ “وضعي” للعيش المشترك، بعيدًا عن الأحكام ذات الطابع الانشائي.
ثالثًا: “الأنا والآخر” في الفكر الغربي الحديث والمعاصر
حاول الفيلسوف الألماني كنط Emmanuel Kant (1724-1804) في فلسفته القائمة على مرتكزاتٍ عقلانيةٍ وأخلاقيةٍ وقيمية، والموجهة إلى الذات الإنسانية الكونية، أن يُضيء مسألة المبادئ الأخلاقية مُتبعًا منهجيةً منطقيةً، ولا سيما في تحليل المعنى العميق للأنا والآخر، إذ تُعد كلتا الحرية والإرادة عند الفرد شرطين وجوديين له ولعلاقته بالغير، ودائمًا تحت سقف القانون الذي على السياسة أن تنحني أمامه.
وضع كنط مرتبة الإنسان فوق كل شيء، ورفض اختزاله إلى وسيلةٍ لتحقيق غايات الآخرين، مُعلنًا في “السلام الدائم” (Pour la paix perpétuelle) التشجيع على الحلم بمجتمعٍ مثالي وبسلامٍ بين الأمم، “سلامٌ لا يجوز فيه اعتبار أية معاهدة “معاهدةَ سلام” إذا أبرمت مع وجود تحفظٍ سري بشأن أسباب استئناف الحرب.”15 وفي كتابه “الأنتروبولوجيا من وجهة نظرٍ براغماتية” (L’Anthropologie d’un point de vue pragmatique)، أوضح التوتر القائم بين القوة الأولية للإنسان، والغايات التي يستطيع أن يضعها لنفسه، بمعنى أن يُصبح كائنًا هدفه النهائي بلوغ مرحلة التحقق الأخلاقي وفقًا لمتطلبات العقل العملي.
وفي جميع الأحوال، وحده القانون “الكنطي” هو الذي يُتيح للمواطنين التمتع بأقصى قَدرٍ ممكنٍ من الحرية تمتعًا موضوعيًا متساميًا، ضمن الحدود التي يفرضها التعايش السلمي، في ظل جمهوريةٍ يكون العقل فيها اللاعب الحاسم في أداء الدور التنظيمي على النحو الأمثل. وانطلاقًا من هذا التعايش السلمي الذي قدمه كنط ضمن رؤيةٍ فلسفيةٍ لمفهومي: السلم والحرب، فقد دعا الناس في عصره، وما نزال مدعوين معه اليوم إلى الاقتناع بوجوب تجاوز المصالح الفردية إنجاحًا لالتزامٍ مشتركٍ جدي. “فإذا كانت السياسة تحثنا على أن نحمل “حكمة الأفاعي”، فالأخلاق تدعونا إلى أن نرتقي إلى “براءة اليمام”.”16
وفي السياق عينه، طرح الفيلسوف الألماني هيجل Georg Wilhelm Friedrich Hegel (1770-1831) إشكالية “الصراع من أجل الاعتراف المتبادَل”، وبخاصة في مؤلفه “ظاهريات الروح” (Phénoménologie de l’esprit)، لافتًا إلى أن هذا الاعتراف، في حال تحققه، إنما يؤدي إلى اندماجٍ حقيقي أولي يُضيء على المصالح المشتركة للأفراد والجماعات التي تتنازع فيما بينها. وأدخل مصطلح “العمل” بوصفه نشاطًا يؤدي بطبيعته إلى إتمام العملية التبادلية، يُتغلب به على الاغتراب بين العالَمَين: الذاتي والموضوعي، ضمن تفكُّرٍ أنطولوجي يحمل مضمونًا اجتماعيًا.
وفي “نظام الحياة الأخلاقية” (Système de la vie éthique)، وصف هيجل واقع الأخلاق في إطار المؤسسات الاجتماعية وعادات الشعوب، شاملًا بوصفه: الأسرة، والمجتمع المدني، والدولة. وبالارتكاز على الحياة الأخلاقية، يندمج الفرد ضمن المعايير الجماعية، مُحققًا ذاته وحريته الكاملَتَين، ومن ثم تعايشه المجتمعي، الذي تُمثل فيه الأسرة وحدةً أساسيةً يُدمج فيها الفرد بداءةً عضوًا في كل، ثم يستقل شيئًا فشيئًا عبر التعليم، ويكون المجتمع المدني المنبثق من هذه العملية مجالَ تعايشٍ حقيقي يسعى فيه الأفراد وراء مصالحهم الخاصة عبر العمل والارتباط بالآخر. وأخيرًا، تُوفر الدولة كِيانا أسمى وأكثر عقلانيةً من الوحدة لهذا التعايش، بدمجه في إطارٍ مؤسسي يعكس هوية مواطنيها، بالنظر إلى أن الدولة “هي الواقع الفعلي للفكرة الأخلاقية.”17
وتُكمل فلسفة التعايش دربها الفلسفي بطروحاتٍ استثنائيةٍ مع الفيلسوف الفرنسي ذي الأصل الليتواني ليفيناس Emmanuel Levinas (1905-1995)، وقد رأى أن العلاقة بين الأنا والآخر تحتاج إلى ترميم عن طريق بناءٍ أخلاقي يتجاوز نتائج التأويل الأنطولوجي الذي لطالما تمركز حول الذات على حساب الغير. فتكون نظرة رفض وقمع واضطهاد تجاه الآخر لا يُمكن القبول بها، ذلك أن الفرد الذي يعيش وسط الأشياء والموجودات، إنما يكون على علاقةٍ بها “عن طريق الرؤية واللمس والتعاطف والعمل المشترك.”18 وبما أن الأخلاق، وَفْق رأيه،
“ليست محض فرعٍ من الفلسفة، وإنما هي الفلسفةُ الأولى”19
فقد تمحورت فلسفته الإتيقية حول “أخلاق المسؤولية”، تكون الأنا فيها مسؤولةً عن الآخر مسؤوليةً مُطلقة. وفي هذا الإطار، وعلى رغم غياب التشابه بين الذات والغير، تنمو علاقةٌ أخلاقيةٌ متسامية قائمة على الاحترام والاهتمام، وعلى استكشاف الهُوية الداخلية لأعماق الفرد، “والتعبير عن هُوية الأنا”20 في الوقت ذاته، بعيدًا عن أية نزعةٍ سلطويةٍ للأنا قد تؤسِّسُ لعداوةٍ أو لتنافر، وبخاصة في عالمٍ سيطرت عليه ولا تزال فلسفةُ القوة المُتمثلة في الحروب والصدامات والأعمال العنفية.
على الأنا أن تستوعب الآخر، وكأنها “تستضيفه” في عالمها، وتحتضن “وجهه”، ذاك الوجه الذي عَدَّهُ ليفيناس وجهًا “يتكلم”21، وهو يُخفي وراء ملامحه الوصية الأخلاقية المُثلى “لا تقتل”، مُستبقةً أي قانون، لأنها “مبدأ أساسي في الحياة الرُوحية.”22 فمنذ اللحظة التي ينظر فيها الآخر إليَّ، أكون مسؤولًا عنه. وقد خرج ليفيناس من “فينومينولوجيا الوجه” إلى ما يُمكن تسميته “بما وراء الوجه”، وهو المصطلح الذي يفتح باب التحاور من منطلق العلاقة الوثيقة بين الوجه الكاشف للمشاعر الداخلية، والحوار بوصفه فعلًا عاقلًا للإنسان. فالآخر يفرض ذاته علي لأسمع نداءه وأستجيب لهذا النداء، بمسؤوليةٍ غير تبادليةٍ وغير مشروطة ولا متناهية، وكأنني فردٌ مسؤولٌ، ليس تجاه الآخر فحسب، وإنما من أجل الآخر... وهذا ما ينبغي أن يُمَثِّلُ أساسًا للعدالة وللحياة السياسية السوية، لأن السياسة، في فلسفة ليفيناس، مأسسةٌ للأخلاق، ويجب أن تنعتق من قيود الأيديولوجيات الاستعمارية والنزعات التطرفية.
ومن منطلق هذه الأخلاقية المسؤولة، شدَّد فيلسوفنا على مفهوم “الطيبة” التي تقوم على اعتبار الآخر أكثر أهميةً من الذات، فتكون صورة من صور التعالي المؤدية إلى الشعور بالسلام وبالمعنى الحقيقي للوجود. فعندما تنعقد العلاقة بين الأنا والآخر على الأخلاق، فإنها تتجاوز كل تحديدٍ أنطولوجيٍ ماهوي، وتنحو نحو تحقيق ما سماه “الضيافة الإنسانية” التي تُوقظ في الناس إنسانيتهم، فيتقاسمون الحد الأدنى للعيش بدلًا من البذخ والترف، ويعودون إلى الطبيعة وإلى المحبة بأصالتها. إنها مسؤوليةٌ لا يسبقها أي تعاقدٍ مُسبق، هي البنيةُ الأولية للذاتية، لفرادة الذات المسؤولة وعدم خضوعها للاختزال، تلك الذات التي لا وجود لها إلا انطلاقًا من الآخر.
وأمام مثالية الفلسفة الغيرية لليفيناس، يُمكن أن نتساءل بشأن واقعية واجبنا الأخلاقي تجاه الآخر ومدى قدرتنا على إنجاح مهمتنا، مع جهلنا المُسبق لردة الفعل التي قد نتلقاها منه. من جهةٍ أخرى، وفي مقابل التضحية لأجل الآخر وَفْق ليفيناس، أتى الفيلسوف الوجودي الفرنسي سارتر Jean-Paul Sartre ( 1905-1980) مع قوله بِنظرة الآخر التي توقعنا في “الجحيم” وترمينا في صراعٍ أبدي معه… فالآخر ضروري لتعي الأنا ذاتها، ولكنه، في الوقت عينه، تهديدٌ لحريتها، انطلاقًا من كون العلاقة بينهما جدليةً مزدوجة. فعلى الاثنَين أن يتعايشا، وإنما وَفْق مرتكزاتٍ فلسفيةٍ تتحدد بعاملي الحرية والمسؤولية.
أما عند الفيلسوف الفرنسي دولوز Gilles Deleuze (1925-1995)، فنجد أن لكل فردٍ “شمسه الخاصة” التي تُنير دربه نحو إيجاد منطقه الخاص… وذلك في ظلِّ واقعٍ تنوعي، لا بل تضادي في بعض الأحيان، وهو واقعٌ يحمل ثراءً للكينونة الإنسانية الطامحة إلى الإبداع في مجالات الحياة كافة. ولا يتم الأمر، في رأيه، إلا باحتضان “الاختلاف والتكرار” (Différence et répétition)، عنوان رائعته عن الفلسفة والمنطق.
وفي حين رأى كنط في الأخلاق حقائق، وفي العقل مصدرًا للمعرفة المطلقة، وكرَّس مفاهيمه النقدية التي لا تزال تطبعُ الفلسفة إلى اليوم على هذين الأساسَين، إلا أن دولوز أبى أن يرى المشروع الكنطي بناءً مغلقًا على مفاهيم محددة، محاولًا أن يُثبت أن النقد لا يُقيد الفكر، بل يساعد في تحريره. وذهب إلى إعطاء الأهمية للحدث الذي، بطابعه المختلف والمتكرر، إنما ينعتق من سطوة الضروريات والمنطقيات.
وعمد، في الموضوع الإتيقي، إلى تكريس الاختلاف بين الأفراد والجماعات ليكون جوهرًا أساسًا لوجودهم. هي فلسفةُ الاختلاف المتداخلة مع عامل الصيرورة المستمرة والمستَمَدة من واقع الحياة، وذلك مع تمييزه بين الصيرورة والرجوع والعود، “فليست الاختلافات عناصر من صيرورةٍ عظمى تحملها في جريانها، وليست هي الرجوع الذي يميل إلى التكرار كحلقة ودائرة ورجوع إلى نقطة البدء. إن الوجود هو الرجوع وقد تخلص من انحناء الدائرة ليغدو عودًا أبديًا. ذلك أن العود يتم على خط مستقيم، إلا أنه عَودٌ للاختلاف، وما لن يعود هو المشابه والمماثل والمطابق…”23
كان دولوز يفتح دومًا سُبُلًا جديدةً للتفكير، وكأنه مُؤتَمَنٌ على التفلت من الأنموذج التقليدي المتقولِب في إطار دوغمائيةٍ تفكريةٍ للانطلاق، بمسؤوليةٍ عالية، نحو مجاراة الحياة المتدفقة أبدًا. وهو الذي كان يرى داخل كل منا نوعًا من الزهد، وكأننا “صحاري، وإنما مأهولة بالقبائل والحيوانات والنباتات. وكل هذه الجموع لا تمنع الصحراء التي تتجسد في زهدنا، بل بخلاف ذلك، هي تسكنها، تعبرها، وتتجاوزها.”24 وفي صحراء ذواتنا نجد هُويتنا الوحيدة، وفرصتنا لجمع ولملمة ما هو كائنٌ فينا… أعطانا دولوز فرصةً لالتقاط هُويتنا، وعلينا أن نحولها مجالًا لترتيب لقاءٍ إنساني يجمعنا مع هُوية الآخر الذي نساكنه على المستوى الفكري، ما دمنا نتعايش معه على المستوى المجتمعي.
ومن دولوز إلى الفيلسوف وعالِم الاجتماع الألماني هابرماس Jurgen Habermas (1929-). حداثةٌ، أَنسنةٌ، و”عقلانيةٌ تواصلية”.. تجاوزٌ للأنا وللذاتانية، قبولٌ للآخر مهما كان نوع اختلافه… وكل ذلك تحت حكم أخلاقيات التحاور وأدبيات العلاقات النابذة للعنف، وإتقان الصدقية الخالصة في مواجهة التكاذب وادعاءات الصلاح والاصلاح.
بهذه الذهنية المتميزة، حاول هابرماس في كتابه: “الخطاب الفلسفي للحداثة” (Le discours philosophique de la modernité ) الصادر العام 1985، أن يؤكد أن الحداثة مشروعٌ لم يبلغ حد اكتماله بعد، بعدما رأى نفسه من جيل المثقفين والأساتذة الألمان الذين عايشوا النازية، ثم عاشوا ضمن جمهورية ألمانيا الفدرالية، قبل أن يشهدوا على ثورات طلابهم وتمردهم المحق. من هنا كان ركونه إلى وجوب تفعيل دور الفلسفة في تأكيد أهمية العقل ضمن النظريات الاجتماعية المطروحة، وفي إطلاقٍ موازٍ للطاقة الإنسانية الإبداعية للفكر التنويري، على أن تنبني هذه الأفكار على إسكاتٍ فلسفي نقدي لفلسفات الوعي والذات، في سبيل وضع الأسس النظرية لفلسفة التواصل الإنساني عن طريق اللغة. ففي رأيه أن فلسفة الوعي قد أُنهكت،
“ولا بُدَّ من أن تختفي أعراض الانهاك فعلًا بالانتقال إلى نموذج التفاهم”25
بُغية درء خطر تهميش “العقلانية التواصلية” بتهديد هيمنة العقل الأداتي عليها.
غير أن كل هذه اليقظة الفلسفية ما لبثت أن ترنحت بين ادعاء المثالية واتخاذ مواقف مقلقة على الصعيدَين الفلسفي والإنساني، وذلك إثر البيان الذي أصدره هابرماس، إلى جانب مجموعةٍ من المفكرين، لإدانة ما ارتكبته منظمة حماس ضد دولة إسرائيل… فكان انحباسٌ للأنسنة في سبيل انتصارٍ جارحٍ للأنوية المتمادية!
من منطلقٍ إنساني بحت، لسنا هنا في معرض الدفاع عن جهةٍ ضد أخرى، وإن كانت إسرائيل أمعنت في إطالة معاناة الفلسطينيين وارتكبت المجازر بحق جميع الفئات العمرية، متسلحة بدعمٍ أميركي علني ومباشر. لن ندخل هنا عمق السياسة المتلونة دومًا، في تقييمنا هذا، بل سنحاول أن نُشير إلى مدى تجسيد هابرماس إصراره على اعتماد اللغة التواصلية، تحقيقًا للتقارب بين البشر. وهذا ما كان يستدعي منه موقفًا معتدلًا يكون عُنوانه “الإنسان أولًا”، إلى أية جهةٍ انتمى، لأن المصالحَ تتبدل، ولا بُدَّ أن يأتي يوم يجلس فيه متقاتلون حول طاولةٍ وقد غدت دماء الأبرياء غبارًا في أُفُقٍ سحيق بالكاد سيتذكرونه عندما يوقعون على معاهدات “سلامٍ” أو “شبه سلامٍ”، مؤقت أو دائم، فتسقط المثالية شهيدة الواقع، ويسقط عنها زيف عناوينها التي تنضح كذبًا!
ومن هابرماس إلى موران Edgar Morin (1921-)، الفيلسوف وعالِم الاجتماع الفرنسي الذي شهد على أبرز أحداث القرن الماضي، بما حملته من مآسٍ وأوجاع، من ظلمٍ وفوضوية… ما جعله يمتلك شخصيةً آسرة تلتزم الفكر المجدول على الحق والحقيقة.
نحن نعيش، بحسب موران، عجرفةً فارغة وغرورًا كبيرًا، وكأن الجنس البشري ما يزال قابعًا في جمودية ما قبل العقل البشري. علاقتنا بالطبيعة مضطربة، تحتاج إلى الخروج من عباءة “السيادة الديكارتية” نحو وعيٍ إيكولوجيٍ حقيقي، وعالمنا المضبوط بالرقمية والحتمية والضرورة يستحوذ سلبًا على علاقة الفرد بالمجتمع.
في مقابل هذا الواقع، نحن كائناتٌ بشرية نُكوِّنُ جزءًا من العالم الفيزيائي والبيولوجي الكوني، غير أن ما يميزنا، هو وعينا وثقافتنا وهُويتنا الأنتروبولوجية، ومجتمعاتنا التي يُحققها الأفراد بالتعايش الذي يجعلنا ننتقل بحركيةٍ مستمرة من “الأنا” إلى “النحن” ومن “النحن” إلى “الأنا”. وفي هذا السياق، يرى موران “الوازع الديني والأسطوري مذهلًا في الإنسان مثل الجانب التقني، ولذلك يتعين عدم الفصل بين الإنسان المتدين والإنسان الميتولوجي والإنسان الصانع، إذا أردنا فهمًا شاملًا ورؤيةً مُركبة للكائن البشري غير مجزأة ولا منقوصة.”26
التعايش في فكر موران، هو عاملٌ مركزي في نوعية الحياة بعيدًا عن الغطرسة الطبقية والفوقية العِرقية والتسلسل الهَرَمي للشعوب والحضارات. وللانعتاق من كل هذه الآفات، على الكائن البشري أن يُجسد قيم التسامح والاعتراف بالاختلاف، متجاوزًا الفكر التبسيطي ومتبنيًا فكرًا مركبًا يستوعب جميع التعقيدات والتناقضات. كما أن عليه أن يتمرس في إدارة هذه التعقيدات والتناقضات لأن التفكير معًا في مبادئ متعارضة مثل: الخير والشر، والنظام والفوضى، والمحبة والكراهية… إنما يُفضي إلى إنعاش التعايش في إطار توازنٍ ديناميكي بين النُظُم البشرية والطبيعية، لا سيما أننا نعيش عولمةً تتفاقم في طياتها الأزمات البيئية والاجتماعية والاقتصادية، ونوعًا من البطء في العمل السياسي الذي من شأنه مواجهة تلك الأزمات.
إن الارتباط الأخلاقي بين البشر، هو العنصر الأساس في البِنية المجتمعية التي “ينبغي فيها على أية رؤيةٍ أخلاقيةٍ أن تعي أن الفعل الأخلاقي، هو فعل اتصالٍ فردي: اتصال مع شخصٍ آخر، مع جماعة، مع مجتمع… وفي النهاية اتصال مع الجنس البشري.”27
إلى ذلك، فقد أعطى موران أهميةً للبعد الجمالي الذي تُمثله الفنون (مثل: الرواية والسينما)، والتي تهِب فهمًا أكثر عمقًا لوضع الفرد وعلاقاته في سبيل إنجاح عيشه المشترك في المجتمع. فعلى الفرد أن يحيا حياةً شعريةً، وأن يؤمن بالحب… عليه أن يواجه القسوة ويحارب الهمجية في إطار وعيٍ جماعيٍ مكتمل و “حكمة تعايش”، فنتشارك سويةً بهجة الحياة ودفئها.
موران، الفيلسوف الذي تخطى المئة يُعطينا دروسًا في إنسانية الحياة، هو من دعا البشرية إلى أن تتطور لضمان بقائها واستمراريتها، كما دعا الغرب تحديدًا إلى أن يجمع أفضل ما عنده ليُلاقي به أفضل ما في سائر الحضارات، فتكون “الاصلاحات مترابطةً”28 شاملةً ميادين: الحياة والسياسة والفكر والتعليم والأخلاق والحضارة!
وكذلك عند عالِم الاجتماع الفرنسي بورديو Pierre Bourdieu (1930-2002)، الذي كان يرمي إلى قولِ الحقائق في العالم الاجتماعي، وإلى التحذير من مختلف طرقِ الهيمنة التي قد تقتحم هذا العالم.
فلا وجود “للأنا” في عزلةٍ عن “الآخر”، بل هي تتحدد في سياق علاقتها به، تلك العلاقة التي تتصف حكمًا بديناميكية التمييز، في ميادين العمل والعيش وأنماط الاستهلاك، ما يسمح بتكوين شعورٍ بهُويةٍ خاصة وبموقعٍ خاص لكل فردٍ داخل الجماعة.
وتتوسط هذه العلاقة وَفْق بورديو، المفاهيم الآتية: الهابيتوس، حقل التفاعلات الاجتماعية، ورأس المال:
- الهابيتوس L’habitus : ويُمكن التعبير عن الكلمة في اللغة العربية بألفاظٍ عدة: التطبع، السجية، السَمت. وهي تعني نظامًا من أساليب الفعل والشعور والتفكير، يتكوَّنُ من ثلاثة عناصر: التنشئة الاجتماعية التي تبدأ داخل الأسرة والمدرسة والبيئة الاجتماعية الأولية، وتستمر في تطورها حتى مرحلة البلوغ، التنشئة الداخلية وتتضمن استيعاب الفرد للأعراف والقواعد، وطرق سلوكه وردود فعله إزاءها، والخبرات التي تُمَثِّلُ التجارب المُعاشة، وتُفسر لماذا يتشارك الأشخاص الذين يتشابهون في ظروفهم المعيشية، في تصوراتٍ وسلوكياتٍ متشابهة.
- حقل التفاعلات الاجتماعية ورأس المال: فلكل حقلٍ قواعده ورهاناته الخاصة، إذ يتنافس الأفراد على تجميع أنماطٍ مختلفة من رأس المال الثقافي والاجتماعي والاقتصادي. هكذا تتحدد “الأنا” ضمن لعبةٍ اجتماعية تُثبت فيها ذاتها وتميزها عن الآخر.
وداخل هذه اللعبة الاجتماعية نوعٌ من العنف رصده بورديو، وسماه “بالعنف الرمزي” غير المحسوس وغير المرئي الذي يتسلل عبر قناتي: اللغة والثقافة. فيمنح فرصة الهيمنة على الآخر، ما يجب بالطبع رفضه. وهذا العنف هو الذي تتسبب به النيوليبرالية، في رأيه، لأنها تعمد إلى فصل الاقتصاد عن الحقائق الاجتماعية.
وفي كتابه “بؤس العالم” (La misère du monde)، الصادر عام 1993، حاول بورديو بمشاركة عددٍ من الباحثين في علم الاجتماع، أن يدرس تركيبة المجتمع الفرنسي، عن طريق حواراتٍ مع عمالٍ ومهاجرين وعاطلين عن العمل، وتحقيقات بخصوص مشكلاتهم الحياتية داخل بيئاتهم وأحيائهم، إضافةً إلى تحليلاتٍ خاصة بالأزمات النافرة التي تنتظر الحلول الناجعة، ولا تأتي بتاتًا في شكلٍ جدي ومستدام، مثل: العنف، والعنصرية، والبؤس النفسي والاجتماعي، والرضوخ لهيمنة الأقوى اقتصاديًا، “والمأساة التي يولدها التصادم بين وجهات النظر المتباينة”29… وصولًا إلى صعوبة العيش مع “الآخر” المختلف في ظروفه، والذي لم يعرف يومًا وجع أولئك الناس، ولا سيما إذا ما حاولوا التستر على هذا الوجع لإخفائه، أو إذا ما انتفضوا في وجهه فيستحيل للأسف وجعًا أكبر.
ونُشير إلى أن عالِم الاجتماع والإبستمولوجي الفرنسي باسرون Jean-Claude Passeron (1930) كان طوَّرَ بالتعاون مع بورديو، نظريةً عن “التعايش” بين التفاوتات الاجتماعية، وبخاصة في كتابهما “الوَرَثَة” (Les Héritiers)، إذ جزمَ كلٌّ منهما بأن النجاح على الصعيد المدرسي لا يرتبط بالكفاءة الفردية بقدر ارتباطه بامتلاك رأس مال ثقافي موروث من الأسرة، وعلى المدرسة أن تُضفي شرعيةً على التفاوت في الكفاءة وعلى الموهبة الفردية.
رابعًا: “العيشُ المشترك” في الفكر العربي الحديث والمعاصر
كثيرةٌ هي المجتمعات التي تحتضن تنوعًا واختلافاتٍ وتبايناتٍ تصل إلى حد التناقضات على الأصعدة الفكرية والحياتية كافة. العالم بأسره يغصُّ بمثل تلك المجتمعات، لكنَّ المنطقةَ العربية تمتلك في هذا المجال خصوصيةً تتفرد بها، لتجعل من مسألة “العيش المشترك” ضمن حيزها موضوعًا مفتوحًا على أزماتٍ لا تنتهي، ومُغلقًا على تراكماتٍ ذهنيةٍ تتجمد فيها الأعراف والمعتقدات، وكأنها إما تختبئ خارج الزمن، وإما تأبى الاعتراف بصيرورة هذا الزمن وتحولاته المحتومة. من هذا المنطلق، سنحاول أن نبحث في هذه الفكرة تحديدًا عند مجموعةٍ من المفكرين المحدثين والمعاصرين، محاولين الوقوف على نظرياتهم الخاصة بمفهوم “التعايش”.
رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873)، سليلُ أسرةٍ ضمت قضاةً ورجال دين، أحد رواد الفكر التحديثي في مصر…
فكَّر وحلَّل، ترجم ونقل، ودوَّن معلوماتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ وتاريخيةٍ وجغرافيةٍ، ولا سيما في كتابه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”. استلهم من الأجواء الفرنسية ومن صدى الأنوار فيها فكرًا تفتح على تنويرٍ متنامٍ، وعلى جمع الدين والعصرنة، بهدف تحديث الدولة عبر المناداة بحقوق المواطنة والحرية والتعليم وإخراج المرأة من ظلمة عباءة اللا مساواة واللا عدالة.
وقد جعله تخرجه في “الأزهر الشريف” في عامه الواحد والعشرين، مُضافًا إلى رغبته في التجديد، من أوائل المُنادين بالتقدم المجتمعي وبخاصة في مصر، معتمدًا في ذلك على عقلنةٍ في الفكر كانت شبه نادرة يومذاك، وكانت العامل الأبرز في وصله بين مبادئ الدين الاسلامي والعلوم الوافدة من الغرب، في إطار خطابٍ نهضوي مُنفتح على الفلسفة والعلم.
وما ساعده في ترسيم حياته الفكرية كما فعل، كانت سعة اطلاعه على مختلف ميادين الفكر من التاريخ القديم إلى الفلسفة الإغريقية، إلى علمي: المنطق والرياضيات. وقد حاول إسقاط ما تعلمه على صورة المجتمع كما أرادها، صورة تُنيرها مصطلحات إنسانية لطالما رددها في مؤلفاته، من “حب الوطن” إلى “قيمة العائلة” إلى “قوة الصداقة”… وجميعها مرتكزات أساسية للعيش المشترك.
وما يؤسس لهذا العيش المشترك ويترجمه عملانيًا، كان يتمثلُ وَفْق الطهطاوي في تحديدِ مكانة “الأنا” إزاء “الآخر” على مستوى التقابل الحضاري والتأثير المتبادَل بين الشرق والغرب، وكذلك على مستوى حمل قضية المرأة العربية والدعوة إلى مساواتها بالرجل في الحقوق والتعليم والعمل، تمثلًا بالنساء الفرنسيات المثقفات، وذلك في كتابه “المُرشد الأمين للبنات والبنين”. فعندما تتصالح “أنا” الشرقي مع “أنا” الغربي، عن اقتناعٍ وفهمٍ ودراية، فإنه يسهل على هذه الأنا أن تتصالح مع ذاتها وتحيا التعايش الفعلي والفاعل مع الآخر داخل المجتمع وخارجه. وعندما تُنصف المرأة الشرقية وتشعر باحترام الآخر لها، فإنها تندمج في مجتمعها بأسلوب عملي ينعكس إيجابًا على مستويات حياتها كافة. وهذا ما مَثَّلَ مرتكزًا للتحديث والتنوير كما عاشهما الطهطاوي، وكما عبَّر عنهما في مؤلفاته.
وباستحقاقِ مكانةٍ محوريةٍ في الأدب العربي الحديث، كان الإصلاحي اللبناني أحمد فارس الشدياق أحد الذين رأوا نهضةَ القرن التاسع عشر عابرةً للمِلَلِ والطوائف، لا سيما أن بداءات التحرر الفكري الذي أطلقته تلك النهضة كانت العامل الأول في المناداة بتحقيق تعايشٍ حقيقي ضمن مجتمعٍ تتفاوت فيه الطبقات وتتعدد الديانات. (إشارة إلى أن الشدياق انتقل من المارونية إلى البروتستانتية ثم إلى الإسلام). وقد أَجرى مقارنةً بين الحياة في أوروبا والحياة في الشرق، مُفضلًا الأولى لجهةِ تخطي الفوارق في المعتقدات، لكن مع الابقاء على نقده اللاذع للمجتمعات الأوروبية على أصعدةٍ أخرى، وللمجتمعات العربية كذلك. صحيحٌ أن ما كتبه ظل سجين اللغة وعلم الاجتماع، ولم يتحول إلى مقاربةٍ فلسفيةٍ جدية، إلا أن اسمه يبقى حاضرًا بقوة في سياق الفكر الرامي إلى التحديث.
ومن الشدياق إلى المؤرخ والموسوعي اللبناني المعلم بطرس البستاني (1819-1883)، صاحب “دائرة المعارف” ومعجم “محيط المحيط”، مؤسس مدرسة وطنية عالية تميزت بالرقي المعرفي، معاصر الطهطاوي والشدياق، والداخل حركة التنوير العربية من بابها العريض. أراد البستاني من العرب أن يلجوا دائرة الصحوة الثقافية ليحققوا داخلها حريتهم كأفراد، في مجتمعاتٍ منغلقة من واجب المثقفين أن يعملوا على تأمين انفتاحها على المدى الطويل.
وما جعل منه متنورًا مميزًا كان طرحه مفهوم “العَلمانية” في نمطٍ متصلٍ بمفهوم “حرية الضمير”. وقد عرَّف “العَلماني” “بالعامي الذي ليس بإكليريكي”30 ، وعرَّف “الضمير” بأنه تلك القوة “المخلوقة داخل الإنسان للتمييز بين ما يجوز عمله وما لا يجوز”31 ، وهو الحس الداخلي الذي “ينبه على الحلال والحرام ناهيًا عن الأخير.”32
تلك الدعوة شبه الصادمة إلى العَلمانية آنذاك، جغرافيًا ومعتقديًا، مضافةً إلى إيقاظ روُح المسؤولية في الإقدام على الخير والابتعاد عن الشر قولًا وفعلًا، وإلى رفض الصورة النمطية التقليدية للمرأة في الشرق العربي… كل ذلك كان بهدف صقل عقول المواطنين العرب بالصحوة الوطنية المؤدية حكمًا إلى تآلفٍ وتعايشٍ على أرض الواقع، منعَقِدَين على اقتناعٍ بالمساواة والاحترام، بمنأى عن التعصب الأعمى الذي كان سائدًا يومذاك.
وأتى فرح أنطون ليستكمل مسيرةَ الحداثة من لبنان إلى مصر… هو واضعُ كتاب “ابن رشد وفلسفته”، مترجِم “تاريخ المسيح”، الداخل في مناظراتٍ بخصوص علاقة الدين والسياسة، المُعايش للفِتَن الطائفية الناتجة عن التعصب الديني، الثائر في وجه الاضطهاد العثماني… هو المفكرُ الذي صقلته أزمات الحياة الفكرية والسياسية لينادي بجرأةٍ بالفصل بين الدين والدولة واعتماد العَلمانية، بعد التفلت المدروس والدقيق من الارتباط بثقافة العصور الوسطى، لأن عصر العقل والحريات لا تبدأ بشائره إلا بالنضال في وجه المعضلات التي تؤسس الطائفية لها، وترمي الأفراد والجماعات بين براثنها.
في الدولة التي حلم بها أنطون، على المسيحي والمسلم أن يعيشا مدنيتهما، دون رمي الأول بتهمة الكفر والثاني بتهمة الزندقة: حكمٌ مدني، ضميرٌ حر، تسامحٌ وتصالحٌ مع الآخر ضمن علاقةٍ لا يحدها زمانٌ ولا مكان ولا اختلاف عرقٍ أو دينٍ أو إيديولوجيا، وحيث للمواطنين جميعهم الحقوق ذاتها والواجبات ذاتها.
هذا هو النموذج المجتمعي القادر على جمع المواطنين في إطارِ تعايشٍ سلميٍ حضاري، كما رأى أنطون، بخلاف الدول الدينية التي وصفها بالضعيفة. “فالسلطات الدينية ضعيفة بطبيعتها، لأنها تحت رحمة مشاعر الجمهور، وهي تُسبب بدورها ضعف المجتمع، لأنها تلح على ما يُفرق بين الناس.”33 وما ساعد على إنقاذ المجتمعات من ضعفها هو العامِلُ التربوي الرامي في رأيه، إلى ولوج أعماق الذات الإنسانية لاستئصال الفساد منها والإضاءة على الفضائل، وكأنه كان يُريد أن يُحقق، على الطريقة السقراطية، تربيةً أسريةً ومدرسيةً وأدبية… وحينما يسود الخير منتصرًا على الجهل ويطوف الذات بكامليتها، يسهل عند ذاك اللقاء مع الآخر والتآخي معه وقبوله، مهما كانت الظروف المناهضة للإلفة والتلاقي صعبةً أو شبه معدومة.
وهنا، لا بُدَّ من لفتةٍ وإن موجزة إلى الشيخ الأزهري علي عبد الرازق (1888-1966) الذي أحدث مؤلفه “كتاب الاسلام وأصول الحكم” الصادر العام 1925 ضجةً في مصر، وقد رفض فيه مفهوم “الخلافة” داعيًا إلى إقامة دولةٍ مدنية. وكان شديد التأثر بفلسفتي أفلاطون وأرسطو السياسية، وبعقلانية ابن رشد. لن ندخل هنا في مَن انتقده واتهمه بالضلال في مقابل مَن دافع عنه من المفكرين المتنورين، بل سنكتفي بالإضاءة على جرأته الكبيرة في الدعوة إلى تأسيس الفكرة العَلمانية داخل الوسط الاسلامي، باعثًا بذلك رؤيةً جديدة لفصل الدين عن الدولة، متأثرًا طبعًا بالحداثة في أوروبا وبالقوانين المدنية فيها. ومن شأن هذه الرؤية أن تُثمر تعايشًا سلميًا بين مواطنين يخرجون من تقليديتهم الذهنية لينفتحوا على الآخر المختلف، ضمن نظامٍ حقوقيٍ عادل، لا يرأسه مستبد، ولا تستبدُّ به قوانين دينية مجحفة.
ونُنهي هذا الجزء من الدراسة مع “عميد الأدب العربي” الأديب والناقد المصري طه حسين (1889-1973)، الذي وصفه الأديب والشاعر المصري عباس محمود العقاد (1889-1964) بالرجل “الجريء العقل والمفطور على التحدي”. وقد تجسَّدت جرأته في كل ما كتب، طامحًا إلى أن يُقَدِّمُ إلى المصريين خصوصًا “الإخلاص والنُصح وصدق العزيمة”34 ، وهو القائلُ: “اعترف بأني لا أهاب شيئًا كما أهاب رضى الناس عني.”35
من هذه الثوابت في شخصيته الفكرية، انطلق طه حسين ليؤكد قناعاته الآتية: العقل الإنساني واحد، بناء الحضارة لا يقوم على وهمية الحلول الدينية والسياسية والعسكرية، بل على عاملي: التبادل والتفاعل الإيجابيين والمطعَّمَين بالصدقية، وجوب تخطي قيود التخلف والتخلي الطوعي عن الفكر الانعزالي الذي يفصل بين الأفراد والجماعات والشعوب والحضارات.
من هنا يُمكن رؤية فكره مستقبليًا، هو الذي عايش حاضرًا حدا به إلى القول، بأنه عندما ينتشر الجهل ويصبح جماعيًا شموليًا، فهو يتحول إلى جهلٍ مقدس لا يُمكن انتقاده. وقد ركز رفضه الجهل وامتعاضه من نتائجه الكارثية على المجتمع، على إطارٍ رَسَم قاعدته وهيكله على أسس الحرية والعدالة والتسامح الإنساني، ولم يأبه لمَن وجد في قناعته بالمرتكزات الفكرية الغربية نوعًا من “التغريب الثقافي”، لأنه أراد الانعتاق من عقدة التقليد للانعطاف نحو زمنٍ متقدم، غير مرتَهَن إلا للمُعطى العقلاني.
فعندما يكون التحكيم للغة العقل، يتواصل الأفراد فيما بينهم ويتعايشون في شكلٍ تلقائي عفوي يمر بجانب الانتقادات اللاذعة، وبالكاد يُسمع صداها. وقد تجسَّدت جُرأته في كل ما كتب، طامحًا إلى أن يُقَدِّمَ إلى المصريين خصوصًا “الإخلاص والنصح وصدق العزيمة”34 ، وهو القائل: “أعترف بأني لا أهاب شيئًا كما أهاب رضى الناس عني.”35
خامسًا: فلسفة التعايش
تتلبَّدُ في سماء العلاقات بين البشر اليوم أجواءُ حذرٍ مشوبٍ بتخوفٍ علنيٍ حينًا ومخفي حينًا آخر، وبخاصة مع طرح مسألة التعايش والعيش المشترك في ظلِّ الايديولوجيات الهنتنغتونية عن “صدام الحضارات”، وتلك الفوكوياهامية عن “نهاية التاريخ”، مُترافقةً مع آثارٍ مدوية نفسيًا، في وعي الفرد وفي لا وعيه، بعد حربَين عالميتَين مدمرتَين، واستمرار “الحرب العالمية الثالثة” بوجوهها المختلفة بنثر أشواكها ومآسيها في كل أقطار العالم تقريبًا.
وسط هذا الواقع المظلم، لا تغيب عن العقل الفلسفي أفكار الفيلسوف الألماني غادامير Hans-Georg Gadamer (1900-2002) عن الوعي التأثيري التاريخي للأفراد، والتأكيد أنهم متأصلون في التاريخ والثقافة الخاصة التي كوَّنتهم، وأنه على كل واحدٍ منهم أن يتنبه ليس لما يفعله، بل لما يجب أن يفعله... لأننا بأمسِّ الحاجة في حاضرنا إلى نظريته عن “انصهار الآفاق”36 لتكون عمليةً تفاعليةً حواريةً تُقوي قدرتنا على استيعاب الآخر في وجوده وفكره المختَلفَين عنا. صحيحٌ أنه في كتابه “مَن أنا ومَن أنت” (Qui suis-je et qui tu es)، الصادر العام 1987، استكشف وفسَّر قصائد الشاعر الألماني سيلان Paul Celan (1920-1970)… إلا أنه كان يَهْدِفُ في ذلك الكتاب إلى إتاحة فهمٍ أكثر عمقًا للعلاقات والهُويات بالاستناد إلى منهجٍ تأويليٍ، يقينًا منه بأن الإنسان الحديث الذي أصبح “على وعيٍ مُشبع بتاريخية كل الحاضر وبنسبية كل الآراء،”37 إلى جانب انتمائه الفعلي إلى التراث والتقليد، إنما عليه ألا يسقط في فخ الأحكام المُسبقة المتسرعة التي تكوُّنُ تعطيلًا للإدراك القويم وتفهم الآخر، بل أن يعتمد الأحكام المُسبقة الوقائية التي تُبقيه على اتصالٍ صحي وسليم بمن يتعايش معهم.
نحن في حاجةٍ إلى فلسفة تَعايش ذات أهدافٍ بعيدة المدى، فلا تقتصر على زمانٍ معين ولا تكون ظرفية. وكي نعتمد هذه الفلسفة في علاقاتنا الاجتماعية، علينا أن نعترف بأن الأزمات التي تعترض تلك العلاقات ليست ظواهرَ طبيعية، بل هي نتاجُ اضطرابٍ وجوديٍ، ما يستدعي تأملًا نقديًا في أنطولوجيا فهمنا العالم والأفراد والجماعات الذين نتشارك معهم الحياة. ينبغي إذًا إزالةُ العوائق التي تعترض إنجاح الالتقاء والتخفيف قدر المستطاع من إمكان التصادم، فلا نسمح للأنوية بأن تنتصر على الغيرية، ولا نُقصي الآخر خدمةً للذاتانية التي قد تتملكنا، بل نُقدم على محاولة فهم الاختلاف بوصفه قيمةً فلسفيةً، ثقافيةً، وإنسانية... ونبتعد بذلك عن أية نزعةٍ عنفيةٍ من المرجح أن تُدخلنا في نفقٍ لا خروج منه، ونستحضر هنا الفيلسوف الألماني فايل Eric Weil (1904-1977) الذي تمحورت أعماله حول دور الفلسفة في نبذ العنف، والذي رأى أن الإنسان الذي يغلبه طابع العنف لا يُمكنه أن يُخاطب إنسانًا آخرَ، لا بل يذهب إلى حد التهجم عليه مُبررًا موقفه. هذا العنف هو وَفْق قول فايل، “عنف إنسانٍ يُثبت ذاته في كينونته كما هو عند ذاته، والذي لا يريد التعبير عن نفسه إلا كما “يشعر” هو.”38 والإنسان هو “الحيوان الوحيد الناطق، من بين الحيوانات الناطقة، الذي يستخدم لغته ليقول: لا.”39 وهذا ما يجعل الحوار المُحتمل يُفرض فرضًا ويتخذ طابع اللا عقلانية ويمتلئ بالتناقضات. والفيلسوف مُطالبٌ بطرح بدائل لهذه الصورة السلبية، عن طريق اعتماد المنطق الذي يكمن دوره في إزالة تلك التناقضات القائمة بين المتحاورين، ومساعدتهم على بناء حالةٍ تواصليةٍ انسجاميةٍ مع الآخر.
إنها محنةُ وجودٍ تخترق حياتنا بتفاصيلها الدقيقة، وهي المسألةُ التي تقصَّد الفيلسوف الفرنسي ريكور Paul Ricœur (1913-2005) التعمق في مضامينها ومفاعيلها، وبخاصة في كتابه “الذات عينها كآخر” (Soi-même comme un autre) الصادر العام 1990، وفيه تناول العلاقة الجوهرية بين الذات والآخر، إذ على “الذات القادرة” أن تُواجه الظلم والشر، بهدف التعايش مع الآخر داخل مؤسساتٍ تضمن فيها العدالة حرية الأفراد وكرامتهم. ويكون دور الفلسفة هنا وهبُ معنىً للحياة، فنجدنا أمام ذاتٍ تستشرس للخروج من الحالة الانغماسية في العنف، إلى الحالةِ الإنسانيةِ المُكتملة بانتصار مبدأ الخير فينا. هكذا تنفتح الذات على البِنية الثنائية الحوارية لاكتشاف الآخر والتعايش معه.
ولا تكتمل فلسفة التعايش إلا بانكشاف صدقية الذات وأصالتها في العمق كما في العَلَن، في الفكرة المجردة كما في التطبيق، وهذا ما يُمَثِّلُ نموذجًا أخلاقيًا يتأسس عليه الحوار مع الآخر، في سياق متطلبات الحداثة ومتغيراتها المجتمعية المتصلة بالتعددية الثقافية للجماعات. وكان الفيلسوف الكندي تايلور Charles Taylor(1931-) ممن طرحوا أعمالًا عن الذات والحداثة (“اضطراب الحداثة” Le malaise de la modernité (1994)، “حرية المحدثين” La liberté des modernes (1997)، “منابع الذات” Les Sources du Moi (1998) )، داعيًا إلى الموازنة بين مفهومي: الاختلاف والوَحْدة، فلا يعود الآخرُ أداةً لمساعدة الأنا، ويخرج الإنسان من شرنقة العقل الأداتي الذي ينظر إلى ازدهار الذات نظرةَ هدفٍ أساسي. وهذا ما يتلاقى مع تشديد الفيلسوف الألماني أبل Karl Otto Apel (1922-2017) على وجوب إيجاد مساحةٍ مشتركة لتجاوز الاختلافات بتقبلها والخلافات بحلها، في عالمٍ مليءٍ بالتعقيدات. ويكون ذلك “بعقلانيةٍ تواصليةٍ” ترسندنتالية وبراغماتية في آن، تتبع معايير أخلاقية عالمية، وتكون وجهتها حوارًا وتفاهمًا متبادَلَين.
لكن للأسف تبقى هذه الأفكار، وإن تلاقت في بعض النقاط وتباعدت في أخرى، سجينة الغلاف التنظيري، ليس على الطريقة الماركسية التي اعتمدها الفيلسوف الألماني ماركس Karl Marx (1818-1883) لينتقد الفلاسفة داعيًا إياهم لتلمس أرض الواقع، وإنما على طريقة مَن حاول ويحاول تجسيد الحلول المقتَرَحة للأزمات، وغالبًا ما يفشل! ربما لأننا نعيش في عالمٍ تُسيطر فيه المظاهر، والأفعال المناقضة للأقوال، وحيث “الأنا” تستضعف “الآخر” وتستبدُّ به، ثم تدعي الرغبة في التعايش معه.
ولعل الحروب التي شهدتها منطقتنا العربية منذ سنواتٍ طوالٍ وحتى اليوم، الدليل اليقيني على ما نقول. فقد ترددت آلاف المرات عبارة “العيش المشترك” إبان الحرب اللبنانية التي بدأت عام 1975 ولم تنتهِ بعد، وظل الحذر خافتًا صامتًا داخل النفوس، وقابلًا للاستيقاظ في أي لحظةِ توترٍ أو نزاعٍ أو مواجهة. والمثَل اللبناني على خصوصيته، إنما ينطبق بصوَرٍ وأبعادٍ مُغايرة إلى حد ما، على الدول العربية كُلها التي تشهد أزماتٍ حالية.
لا تعايش دون عمقٍ أخلاقي، لا تعايش دون عدالة ودون محبةٍ صافية… لا تعايش دون القضاء على بذور التطرف، وبخاصة الديني، قولًا وفعلًا، عند اليهود والمسيحيين والمسلمين. وأين نجد هذه “الذخائر” القيمة؟ هي موجودةٌ في ذواتنا، وما علينا إلا أن نستنبطها ونُسقطها على الآخرين… هذه هي فلسفة التعايش بمضمونها الحقيقي.
خاتمة
ما دام أن “الأنا”، بمعناها التملكي والتسلطي والرفضي، تسكن غالبية الأفراد، وما دام أن “الآخر” يُمَثِّلُ ذلك المختلف والمتباين إلى حد التناقض، والذي تضعنا الحياة معه في حدودِ مكانٍ وزمانٍ محددَين بقَدَريةٍ حتمية… فنحن إذًا أمام خيارَين: إما أن نُسكت أنانيتنا، كي تنبثق نطفة الإنسانية من أعماقنا وتتبدى صورتها بشبه كماليتها في وجوهنا وأفعالنا وعلاقاتنا، وإما أن نحول تلك الأنانية القابعة فينا إلى نارٍ تُحرق كل مَن لا يُشبهنا وكل مَن نختار رفضه.
فماذا نُقرر؟! أن نصل مُرهَقين منهَكين عند نهاية الطريق، بعدما تأملنا عميقًا في الحياة والناس، على الطريقة الشوبنهاورية التشاؤمية، فنرفض أن تُمس أنانا ولو على حساب المَنحى الخير؟ أم أن نتكاتف مع الآخرين فنترافق، وإن اختلفنا، طوال رحلة الحياة، لنجعل المسافة الفاصلة بين الولادة والرحيل مسافة طمأنينةٍ وسلام؟
المؤسف أن تكون فلسفة التعايش التي تقع في مرمى استهدافنا التفكري محضُ مثالية، تستقبلها على أرض الواقع أمواجٌ متداخلة من الشر والحقد والغضب والخبث والمصلحة، والنزوع إلى العنف المُتمثل في الصراعات والحروب التي يبدو أن لا نقطة نهاية لها في غالبية بقاع العالم.
إنها إشكاليةُ “العيش المشترك” بين التنظير في المُثُل الفضلى، وممارسة عكسها وإنما خلف أقنعةٍ جامدة صادمة، أكثر خطورةً من ظلم البشر ومن ظلامية حروبهم التي تتبختر على رمالٍ متحركة لا تبتلع سوى المظلومين!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1] – Emile Bréhier, Histoire de la philosophie, Tome I, Paris, Quadrige/P.U.F, 1989, p. 223.
[2] – Ibid, p. 290.
[3] – Ibid, p. 292.
[4] – Marc-Aurèle, Les pensées de Marc-Aurèle, Traduit par A.-P. Lemercier, Ed. Félix Alcan, Paris, 1916, p. 35.
[5] – Emile Bréhier, Histoire de la philosophie, op.cit, p. 316.
[6] – جميل صليبا، تاريخ الفلسفة العربية، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان، 1981، ص. 167.
[7] – الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1959، ص. 96.
[8] – المرجع نفسه.
[9] – جميل صليبا، تاريخ الفلسفة العربية، مرجع مذكور، ص. 192.
[10] – Léon Gautier, Ibn Rochd, Paris, 1948, p. 280.
[11] – ابن خلدون، المقدمة، دار الجيل، بيروت، ص. 38-39.
[12] – المرجع نفسه، ص. 153.
[13] – المرجع نفسه.
[14] – المرجع نفسه، ص. 158.
[15] – Emmanuel Kant, Pour la paix perpétuelle, projet philosophique, Presses Universitaires de Lyon, Coll. Dirigée par Jean-François Balaudé, 1985, p. 50.
[16] – Ibid, p. 73.
[17] – Hegel, Système de la vie éthique, III, première édition.
[18] – Emmanuel Levinas, Le temps et l’autre, Ed. P.U.F, Quadrige, Paris, 1983, p. 21.
[19] – Emmanuel Levinas, Totalité et infini, Essai sur l’extériorité, Ed. Nijhoff La Haye, 1961, p. 281.
[20] – Emmanuel Levinas, Ethique et infini, Le livre de poche, Biblio-essais, 1992, p. 97.
[21] – Emmanuel Levinas, Transcendance et Intelligibilité, Labov et Fides, Genève, 1984, p. 79.
[22] – Emmanuel Levinas, Difficile liberté, Le livre de poche, Biblio-essais, Paris, 1990, p. 21.
[23] – عبد السلام بنعبد العالي، فكر الاختلاف عند جيل دولوز، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، www. Mominoun.com، ديسمبر 2013.
[24] – Gilles Deleuze, Dialogues avec Claire Pamet, Paris, Flammarion, 1977, p. 18.
[25 ] – يورغن هابرماس، الخطاب الفلسفي للحداثة، ترجمة د. فاطمة الجيوشي، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1995، ص. 454.
[26] – عبد المنعم الكيواني، الفكر المركب في مواجهة الأزمات الراهنة، (قراءة في كتاب التفكير الشامل لإدغار موران)، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، www.mominoun.com ، فبراير 2025.
[27] – Edgard Morin, Ethique, Tome 6, Ed. Seuil, Paris, 2004, p. 19.
[28] – Edgard Morin, La Voie, Pour l’avenir de l’humanité, Fayard, 2011, p. 297.
[29] – Pierre Bourdieu, La misère du monde, Ed. Seuil, Paris, 1993, p. 9.
[30] – المعلم بطرس البستاني، محيط المحيط، قاموسٌ مطول للغة العربية، مكتبة لبنان، بيروت، 1987، ص. 628.
[31] – المرجع نفسه، ص. 528.
[32] – المرجع نفسه.
[33] – ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة (1798-1939)، دار النهار للنشر، الطبعة الرابع، بيروت، 1986، ص. 306.
[34] – طه حسين، حديث المساء، تحقيق وتقديم محمد سيد كيلاني، دار العرب للبستاني، الطبعة الأولى، القاهرة، ص. 20.
[35] – المرجع نفسه، ص. 19.
[36] – Hans-Georg Gadamer, Vérité et Méthode, Traduit par Pierre Fruchon, Gean Grendin et Gilbert Merlio, Ed. Seuil, Paris, 1996, p. 328.
[37] – Hans-Georg Gadamer, Le problème de la conscience historique, Ed. Seuil, Paris, 1996, p. 23.
[38] – إريك فايل، الفلسفة، الخطاب والعنف، ترجمة حمادي أنوار، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2019، ص. 6.
[39]- Eric Weil, Logique de ls philosophie, J. Vrin, Paris, 1967, p. 8.