تكوين
مقدمة:
مثّل الدين في روسيا خلال مراحلها التاريخية الثلاث: القيصرية والسوفيتية ثم البوتينية، أحد المرتكزات البنيوية التي ستظل محايثة للبنى والمؤسسات في فترات الامبراطورية كما مع أفول الحكم القيصري وصعود الحكم البلشفي وعلى متّنه مرجعية شمولية متمثلة في رؤيته الأيدولوجية الماركسية التي ترى محددات البنى الفوقية (الدين، الفن، الثقافة) ضمن إطار فلسفي المادية الجدلة وقوانين الديالكتيك الثلاثة. إذ إن الدين هو ظاهرة اجتماعية تقع في نطاق التاريخ وليس خارجاً عنه أو مفارق لشروطه، بل يعكس البنية الاقتصادية والسياسية للمجتمع، ومن ثم، يتخطى ما هو ظاهري منه على مستوى الطقوس والمعتقدات الفردية أو الشعائر. وبحسب النظرية الماركسية، لم يكن الموقف هو موقف عدائي محض، إنما كان الدين يحمل طابعاً مزدوجاً، حيث إنه قد يكون ثورياً ويحض على عدم قبول الظلم والقهر، وقد يكون وسيلة للتغطية على أنماط القهر والاستغلال بل والإذعان لشروطها.
وفي سياق التقييم التاريخي للأوضاع السائدة، كان الدين ضمن الأدوات التي يتم الاستعانة بها للتعمية عن القهر الاجتماعي والسياسي، ووضع حواجز بين البشر وبين تطلعاتهم لتحسين واقعهم وشروط وجودهم الإنساني. ولهذا، لم يتردد الفيلسوف الألماني كارل ماركس في وصف الدين بأنه “أفيون الشعوب” (1) وهي العبارة الكليشيه التي لطالما تم اجتزاؤها من سياقها كما وردت في “نقد فلسفة الحق عند هيغل”. والعبارة هي ضمن فقرة في كتاب ماركس كان يلح على أن النضال في الأرض وليس موجهاً للسماء، ومن أجل الحقوق والحريات والسياسات وبعيداً بالكلية عن اللاهوت. غير أن السياسات السوفيتية، ارتكزت في تطبيقاتها العملية والقسرية أو ربما الانتقائية والبراغماتية للماركسية على أساس أيدولوجي ينبني على فكرة المدرسية التامة، ومن ثم، تم التعاطي مع الدين على أنه قوة اجتماعية في مواجهة الأيدولوجيا الثورية، أو مشروع التغيير الاشتراكي، وبالتالي، له تأثيرات مباشرة على الوعي الجماهيري، الأمر الذي يحتاج ضبط وهندسة جديدين للمجتمع من خلال تثقيف ماركسي/ علماني ينطلق من مفهوم لينين بأن الدين هو “عدو الطبقة العاملة” (2).
الثابت أن الموروث الديني في روسيا سواء في وضعه المركزي مع المرحلة الامبراطورية والقيصرية ومن خلال الكنيسة الأرثوذكسية، أو في إبعاده وإقصائه التام على أسس أيدولوجية وسياسية مغايرة، لم يكن منفصلاً عن السياسي والتاريخي وأبعادهما المختلفة، بل أداة مرنة يتم تطويعها لإدارة الهوية والشرعية. ويمكن افتراض أن الدين بقدر ما يبدو مجالاً للصراع والاستقطاب، فهو ركيزة لبناء الشرعية الإمبراطورية مروراً بإعادة تشكيل الروح العامة القومي، خصوصاً في لحظات التأزم والانحسار، وتوظيفه لدى الدولة لإحداث الانفراجة المطلوبة وتسييل الأزمة والانسدادات القائمة، وحتى بروزه كعنصر قومي تاريخي وحضاري في الفترة البوتينية لمواجهة “الآخر” بحمولته الحضارية الأوروبية ومعاداة الأنساق التي تقف على النقيض من خصوصية روسيا المحلية، التاريخية والثقافية، حسب الخطاب الرسمي.
تمثلت أول أنماط التوظيف التاريخي للدين في روسيا في السيطرة الحكومية الكاملة على الكنيسة، كما هو الحال بعد إصلاحات القيصر بطرس الأكبر في أوائل القرن الثامن عشر، حيث تم إلغاء البطريركية وتأسيس المجمع المقدس، وهو هيئة كنسية تخضع بشكل كامل للدولة وتدار عبر جهاز بيروقراطي مدني يمثل القيصر. هذا التغيير رسخ مبدأ التبعية المؤسسية للدين للسلطة الزمنية، مما جعل الكنيسة الأرثوذكسية ذراعاً إدارية وعقائدية للدولة وليست شريكاً مستقلاً. كانت هذه السيطرة تهدف إلى تحويل الكنيسة إلى أداة لشرعنة التوسع الإقليمي والإدماج القسري للشعوب. ومنذ نشأة النظام الملكي الروسي، تبلورت علاقة عضوية بين الدولة والكنيسة الأرثوذكسية، بحيث غدت كلتاهما كياناً واحداً متداخلاً لا يمكن الفصل بينه. فقد تأسست الملكية الأرثوذكسية عقب معمودية روس كييف، التي شكّلت نقطة التحول المركزية في القضاء على الوثنية وتوحيد البنية الروحية للدولة الناشئة. ومنذ ذلك الحين، ارتبطت شرعية الحكم الروسي بالإطار الديني، إذ جرى تتويج القيصر إيفان الرابع وفق الطقوس البيزنطية الأرثوذكسية، ليترسخ المبدأ القائل بأن النظام القيصري يقوم على إرادة إلهية، وأن القيصر هو الناطق باسم هذه الإرادة.
وقد خضع جميع القياصرة الروس لمراسم تتويج أرثوذكسية صارمة، كما كان اعتناق الأرثوذكسية شرطاً أساسياً لتولي العرش. ومع اعتلاء بطرس الأول الحكم وإعلانه قيام الإمبراطورية الروسية، اتخذ لقب “الإمبراطور” إلى جانب لقب “القيصر حامي الكنيسة”، ليجمع في شخصه السلطة الزمنية والهيمنة الروحية، مستنداً إلى عقيدة تُخوّله قيادة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية والإشراف الكامل على شؤونها. وفي عهده، ألغيت البطريركية وحلّ الإمبراطور محلّها بوصفه رأس الكنيسة، ولم تُستعد هذه المؤسسة إلا خلال العهد السوفيتي بمبادرة شخصية من جوزيف ستالين.
أما خلال الحقبة السوفيتية، فانحسر الدور الكنسي بشكل كبير، إذ أخضعت الدولة الدين لرقابة صارمة وحدّت من نشاطه. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، شهدت روسيا عملية واسعة لإعادة بناء مؤسسات الكنيسة وإحياء دورها الاجتماعي والسياسي.
الكنيسة الأرثوذكسية والانشقاق الكبير
رغم حضورها التاريخي العريق، لم تكن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية الأقدم بين الكنائس الشرقية، لكنها حصلت منذ تأسيسها على المركز الخامس في سلم الكنائس الأرثوذكسية العالمية، وتحوّلت مع مرور الزمن إلى أكبر الكنائس الأرثوذكسية وأكثرها تأثيراً وانتشاراً. وبعد الانشقاق الكنسي الكبير عام 1054، انقسم العالم المسيحي إلى كنيستين: كاثوليكية غربية ذات ثقافة لاتينية يقودها البابا، وأرثوذكسية شرقية ذات تقاليد يونانية. وقد بلغ عدد الكنائس الأرثوذكسية الرئيسة اليوم خمس عشرة كنيسة، بينها الروسية، والقسطنطينية، وأنطاكية، والإسكندرية، والقدس وغيرها. كما حصلت كنائس عدة على استقلالها عن بطريركية موسكو عبر مراحل مختلفة، مثل الكنيسة البولندية (1948)، والتشيكية والسلوفاكية (1951)، والكنيسة الأرثوذكسية في أمريكا (1970) (3).
وفي عام 2019، أصدر بطريرك القسطنطينية برثلماوس الأول مرسوماً يمنح “الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا” المستحدثة استقلالاً عن بطريركية موسكو، ما أدى إلى أزمة كنسية حادة (4). إذ دعمت كنيستا القدس والإسكندرية قرار القسطنطينية، بينما امتنعت عدة كنائس عن اتخاذ موقف، في حين أيدت ست كنائس الموقف الروسي، ليتشكل تكتل مؤيد لموسكو داخل البنية الأرثوذكسية العالمية. وقد اعتُبر هذا الخلاف ضمن عملية تسييس كبرى دفعتها الولايات المتحدة ودول غربية لإضعاف نفوذ موسكو الديني والجيوسياسي. وفي مواجهة ذلك، بدأت بطريركية موسكو بإنشاء مكاتب تمثيلية (إكسرخيات) في أوروبا الغربية وإفريقيا وجنوب شرق آسيا. كما انشق عدد من رجال الدين الأرثوذكس في إفريقيا عن بطريركية الإسكندرية وانضموا إلى الكنيسة الروسية احتجاجاً على موقف بطريرك الإسكندرية المؤيد للقسطنطينية.
ولا يقتصر حضور الكنيسة الأرثوذكسية الروسية على الشأن الديني الداخلي؛ فهي لاعب مؤثر على الساحة الدولية. فيما تعكس الوثيقة العقائدية “أساسيات المفهوم الاجتماعي للكنيسة الأرثوذكسية الروسية” (5) توجّه الكنيسة نحو قضايا الدولة، والأمة، والأخلاق، والقانون، والحرب والسلام، والسياسة، والبيئة، والعلاقات الدولية، والعولمة، بما يبرز طبيعة نشاطها ذي الطابع العالمي.
أما من الجانب الاقتصادي، فتملك الكنيسة أصولاً ضخمة، إذ تدرّ مبيعات الأدبيات الدينية والخدمات الكنسية نحو 6 مليارات روبل سنوياً وفق تقديرات مختلفة، وهي عائدات معفاة من الضرائب. كما تشكّل المؤسسات التجارية التابعة للكنيسة نحو 55% من دخلها، بالإضافة إلى التبرعات التي تبلغ قرابة 40% (6). ومع أن مواردها المادية كبيرة، فإن أهم أصول الكنيسة الأرثوذكسية الروسية هو قاعدتها الشعبية الواسعة. وتعمل الكنيسة والدولة اليوم في إطار تعاون وثيق يقوم على المنفعة المتبادلة. فمع ما يُعرف بـالتحول المحافظ في روسيا، حصلت القوى الدينية التقليدية على دعم رسمي كبير، ما عزز نفوذ الكنيسة في مناطق تُسمى تقليدياً “الحزام الأرثوذكسي”. وقد ترافق ذلك مع خطاب يستند إلى تراث راسخ في الوعي الشعبي، مثل فكرة “موسكو روما الثالثة”، ورؤية الغرب بوصفه قوة مهدِّدة أو “عدواً أخروياً”، وهي سرديات تمنح الكنيسة بعداً تعبويّاً خاصاً، وتعمّق تداخل الأيديولوجيا الدينية مع مشروع الدولة.
الدين الرسمي للإمبراطورية
على الرغم من أن الأرثوذكسية كانت الدين الرسمي للإمبراطورية، إلا أن التوسع الجغرافي ضمّ شعوباً إسلامية ضخمة (كالتتار وشعوب القوقاز). ولأن الإمبراطورية لم تستطع القضاء على هذه المكونات، اعتمدت سياسة التسامح المشروط الذي يهدف إلى احتواء هذه الأقليات وتوجيهها ضمن المصالح القيصرية.
إلى ذلك، برز اهتمام روسيا المبكر بالمجتمعات الإسلامية كجزء من رؤيتها الجيوسياسية. في القرن الثامن عشر، وبمبادرة من القيصر بطرس الأكبر، بدأ الاهتمام بالاستعراب والاستشراق. أمر القيصر بنسخ بقايا الكتابات العربية المحفوظة في مدينة بولغار، وتم تأسيس أول مطبعة بالحرف العربي على يد كانتيميرف (1673-1723)، وصدرت أول ترجمة كاملة للقرآن الكريم باللغة الروسية عام 1716 (7). هذا الاهتمام لم يكن مجرد فضول ثقافي، بل كان توظيفاً استراتيجياً للدراسات الشرقية بهدف فهم المجتمعات الإسلامية التي كانت تقع على خطوط التوسع الروسي، خاصة مع السعي القيصري للوصول إلى المياه الدافئة التي تحيط بالدول الإسلامية. كان القيصر بطرس الأكبر يمتلك رؤية استراتيجية لتوسيع النفوذ الجيوسياسي بدلاً من الترويج للحملات الصليبية، وهذا يتطلب إدارة دقيقة للأقليات المسلمة المدمجة حديثاً.
يُعتبر التداخل بين الدين والدولة أحد أهم مفاتيح فهم تشكّل الهوية السياسية في روسيا عبر العصور. فمنذ بروز الكيان الروسي المبكر في عهد كييف روس، مروراً بمرحلة القيصرية الممتدة لقرون، ثم القطيعة الأيديولوجية الجذرية مع الدين في الحقبة السوفيتية، وصولاً إلى إعادة تفعيل المرجعية الدينية في روسيا البوتينية اليوم، ظل الدين الأرثوذكسي عاملاً محورياً في صياغة سرديات الشرعية السياسية، وفي ضبط علاقة الفرد بالسلطة، وفي إنتاج تصور جمعي للذات الوطنية والقومية. وفي هذا المسار التاريخي المتعرّج، اتخذ التوظيف السياسي للدين أشكالاً متباينة، تراوحت بين التحالف العضوي، الإدارة والضبط، أو القمع والمنع والمصادرة، ثم إعادة التقديس السياسي، بما يكشف عن دينامية مستمرة تحكم علاقة الدولة بالدين في روسيا.
في الحقبة القيصرية، خصوصاً منذ عهد القيصر إيفان الرهيب ثم بطرس الأكبر، أصبحت الأرثوذكسية الروسية أكثر من مجرد عقيدة دينية؛ حيث تحولت إلى عنصر تأسيسي في مفهوم روسيا كإمبراطورية. ذلك ما جعل الكنيسة شريكاً مباشراً في صناعة الهوية السياسية. ومع الإصلاحات البطرسية، ورغم تبني روسيا لآليات تحديث واسعة، ظلت الكنيسة أداة مركزية في دعم استقرار السلطة الإمبراطورية وتكريس ولاء الرعايا، مع إعادة صياغة دورها بما يجعلها جزءاً من الجهاز التنظيمي للدولة. وهذا التحالف الوظيفي بين العرش والكنيسة رسّخ تصوراً مركّباً عن الهوية الروسية يجمع بين الإيمان الأرثوذكسي والولاء القيصري، وهو ما أنتج لاحقاً بنية ذهنية تعتبر أي تهديد سياسي بمثابة تهديد ديني وثقافي، وبالتالي تهديد وجودي للدولة.
السوفييت من القطيعة إلى الإدارة المستترة
مع قيام الاتحاد السوفيتي، تبنّت الدولة مشروعاً جذرياً يقوم على تفكيك جميع البنى التي اعتُبرت أسساً للإقطاع، وعلى رأسها الكنيسة الأرثوذكسية. ورغم سياسات الإلحاد الرسمية، وموجات القمع الواسعة التي طالت رجال الدين والمؤسسات الكنسية، لم تستطع الدولة البلشفية محو الدين تماماً من الوعي الجمعي. فقد بقي الدين كامناً، ليس بوصفه ممارسة شعائرية فحسب، بل كأحد المرتكزات الثقافية للهوية الروسية.
ومع اندلاع “الحرب الوطنية العظمى” (1941–1945)، كما يرد ذكرها في التاريخ الرسمي السوفيتي، وهي الحرب بين روسيا السوفيتية وألمانيا النازية، عندما لامست الحرب العالمية الثاثية حدود الاتحاد السوفيتي، اضطر ستالين إلى إعادة توظيف الدين من جديد، حين رأى أن استدعاء الرموز الأرثوذكسية يمكن أن يرفع الروح المعنوية ويعزز الوحدة الوطنية في مواجهة الغزو النازي. ومن هنا أعيد فتح بعض الكنائس، وتمت استعادة جزء من القيادة الكنسية، في مثال واضح على أن الدين ظل احتياطياً سياسياً تلجأ إليه الدولة عند الحاجة، رغم الخطاب الماركسي المعلن.
مع صعود فلاديمير بوتين في مطلع الألفية، اتخذت العلاقة بين الدولة والكنيسة الأرثوذكسية طابعاً جديداً. فقد أصبحت الأرثوذكسية، مرة أخرى، مكوّناً مركزياً في الهوية الروسية الرسمية، ليس من منظور ديني محض، بل كأداة ثقافية سياسية تستند إليها الدولة لترسيخ القيم الروسية التقليدية في مقابل الغرب الليبرالي. وتحوّلت الكنيسة إلى شريك فعلي في عملية إعادة بناء خطاب قومي يربط بين القوة الروسية الراهنة والإرث التاريخي للقيصرية، مع إعطاء الدين دوراً في دعم سياسات الدولة الخارجية والداخلية. في هذا السياق، تم توظيف الخطاب الديني لترسيخ فكرة “العالم الروسي” وهو الفضاء الجيوسياسي لموسكو، وبالتالي، يمنح الخطاب شرعية لوجودها ضمنه وتغلغلها وتوغلها في داخله.
يمكن قراءة مسار العلاقة بين الدين والدولة في روسيا ضمن إطار نظري يربط بين ثلاثة مفاهيم مركزية:
- الدولة كفاعل هووي:
فالدولة الروسية، في مختلف حقبها، لم تتعامل مع الدين كحيّز مستقل، بل كأداة لإنتاج سردية سياسية شاملة. ففي القيصرية كان الدين أساس الشرعية، وفي السوفيتية أصبح نقيض الشرعية، وفي البوتينية عاد ليكون مصدر شرعية جديد. وهذا التحول يعكس قدرة الدولة على إعادة تعريف الهوية الجمعية بما يخدم حاجتها لتثبيت السلطة.
- الدين كرأسمال رمزي:
يمتلك الدين الأرثوذكسي في روسيا حمولة رمزية هائلة، نابعة من دوره التاريخي في تشكيل الوعي الروسي، ومن قدرته على مخاطبة المشاعر الجمعية. ولذلك ظل قابلاً دوماً للتسييس. وتظهر الدينامية الروسية أن الدين لا يصبح قوة سياسية فاعلة إلا عندما تتجه الدولة نحو تعبئته، أو الحد من تأثيره، أو إعادة إدماجه في مشروع سياسي جديد.
- الهوية بوصفها مجال صراع وتأويل:
الهوية الروسية ليست ثابتة، بل هي نتاج صيرورة تاريخية تتقاطع فيها الذاكرة الدينية، الإرث الإمبراطوري، التجربة السوفيتية، وطموحات الدولة الحديثة. ومن هنا فإن موقع الدين داخل الهوية يمكن أن يتغير، لكنه لا يختفي. وفي اللحظة البوتينية، تُجرى عملية إعادة تعريف للهوية تجعل من الأرثوذكسية حجر زاوية في تمييز “الروس” عن “الآخر” الغربي والأوروبي، ومن ثم في دعم خطاب الأمن القومي الروسي.
إن التوظيف السياسي للدين في روسيا ليس حالة عابرة، بل نمطاً تاريخياً متجذراً يعبّر عن بنية العلاقة بين الدولة والمجتمع، وعن فهم روسي خاص لوظيفة الهوية والثقافة في بناء السلطة. وتكشف مسارات الروس القيصرية والسوفيتية والبوتينية أن الدين ظل جزءاً لا ينفصل عن مشروع الدولة، سواء في صيغة التحالف أو القطيعة أو إعادة التقديس. وفي كل مرحلة، ظل الدين يشكل إحدى أهم الأدوات التي تستند إليها الدولة في صناعة سرديات الوطنية والشرعية والسلطة.
هذه التباينات تكشف عن تفاوت في الأنماط والمفاهيم كما في أشكال التوظيف أو آليات المنع والمصادرة. حيث إنه في الإمبراطورية الروسية، ساهمت الكنيسة الأرثوذكسية في توطين الشرعية لدى السلطة القيصرية، عبر مفهوم شراكة مقدسة، متمثلة في مفهوم القيصر “حامي الإيمان”، والكنيسة باعتبارها مؤسسة ترسّخ البنى الأخلاقية والاجتماعية. هذا التحالف لم يكن فقط طقوسياً، بل شمل جهازاً بيروقراطياً يمنح الكنيسة نفوذاً في الإدارة المحلية والهوية القومية والسلوك العام. ويشير مصطلح “القيصر حامي الإيمان” إلى مفهوم روحي أو ديني مسيّس في التاريخ الروسي حيث كان القيصر يُنظر إليه على أنه المدافع عن الإيمان الأرثوذكسي الشرقي، وهو مفهوم تم التعبير عنه بشكل خاص من قبل فيلوثيوس بسكوف الذي طرح فكرة “موسكو – روما الثالثة” (8). هذه الفكرة برزت بعد سقوط القسطنطينية، حيث اعتبرت موسكو آخر معقل للإيمان الأرثوذكسي.
العالم الأرثوذكسي
فيما تعود سلالة روسيا الموسكوفية، التي تُعتبر فرعاً من بيزنطة وخليفتها الروحية، إلى روس الكييفية؛ تلك الدولة الإقطاعية التي تأسست في القرن التاسع على يد خليط من كبار لوردات ريوريكيد الإسكندنافيين والفلاحين السلاف، والتي استلهمت من بيزنطة مبدأ الهرمية المسيطر وتعريفها الأيديولوجي لذاتها. وفقاً للسجل التاريخي الروسي الأساسي (قصة السنين الغابرة، المُؤلَّف عام ١١١٥ تقريباً)، كما ورد في كتاب: “الأسس الثقافية للأمم”، لأنتوني دي سميث، فإن اعتناق فلاديمير الأول المسيحية الأرثوذكسية عام ٩٨٨ كان سببه الإعجاب الروسي بجمال الليتورجية والطقوس الأرثوذكسية، على الرغم من أن الأمور الجغرافية السياسية والتجارة كانت على الأرجح أكثر حسماً. ورغم ذلك، دعمت الرمزية الأرثوذكسية قوة كبار دوقة كييف، وساعد الطقس الأرثوذكسي تدريجياً في توحيد المجتمع الروسي، في حين أن عقيدة المعاناة والفداء المسيحية سريعاً ما اندمجت مع الاعتقاد القوي بالاختيار العرقي (9).
هذه العقيدة الأرثوذكسية المتمثلة في معاناة الجماعة العرقية وخَلاصها امتدت إلى الريف على يد حركة الرهبنة التي قادها تبشيريون مثل القديس سرجيوس والقديس إسطفانوس في القرن الرابع عشر، اللذين مثَّل مسعى حياة القديسين بالنسبة إليهما مثالاً روسياً خالصاً، وغطاءً للاتحاد الناشئ بين الكنيسة الأرثوذكسية وسلطة السلالة الحاكمة المتمركزة حالياً في دوقية موسكو الكبرى؛ ذلك لأن سقوط القسطنطينية في القرن التالي شجَّع على تكوين اتحاد أكثر متانة بين الدولة والكنيسة، بالإضافة إلى تعزيز فكرة أن روسيا هي المعقل الأخير للإيمان الحقيقي. لذلك، في اللحظة التي اكتسبت فيها الكنيسة الروسية مكانة الكنيسة القومية المستقلة، أصبح المجتمع الديني مطابقاً للمجتمع السياسي، وراحت الدولة تتحول بمعدل مُطَّرد إلى دولة أوتوقراطية وهرمية، وتبنَّى حكامها على نحو واعٍ ألقاباً بيزنطية مثل “أوتوقراط” و”قيصر”، بالإضافة إلى تبنّي مراسم ورموز البلاط البيزنطي، مثل النسر البيزنطي المزدوج الرأس (10).
في ظل هذه الظروف، لم يكن متوقعا إلا ضرورة أن يُسفر المعتقد الديني عن معتقد سياسي. وفي المجلس الكنسي الذي عُقد عام ١٥٠٤ أكد الأباتي جوزيف أحد رهبان دير فولوكولامسك مبدأ أوتوقراطية وسيادة القيصر الذي يتسلم صولجانه من الرب. إلا أن مفهوم روسيا الأرثوذكسية بصفتها “روما الثالثة” صيغ في تعبير كلاسيكي في خطاب يعود لعام ١٥٠٦ بعثه الأباتي فيلوثياس أحد رهبان دير بسكوف إلى الحاكم فاسيلي الثالث. ذلك الخطاب الذي أعلن أن روما الأولى سقطت بسبب هرطقتها، وأن روما الثانية سقطت بسبب الترك الكفار، وخلَص إلى التالي: سقطت روماتان، لكن الثالثة ما زالت ثابتة المكانة، ولن توجد روما رابعة. لن يحصل أحد آخر على مملكتك المسيحية (11).
ولم يصبح تعبير “روسيا المقدسة”، الذي ينطبق على الأرض والناس، منتشراً كرمز لتقوى وورع شعب يعاني إلا في أواخر القرن أثناء وقت الأزمات (١٥٩٨–١٦١٣)، لا سيما أثناء تعرُّض السويديين والبولنديين للغزو. إلا أن هذه الأسطورة العرقية ﻟ “الشعب الروسي” لم تنفض عن نفسها أبداً مفهوماً أكثر قوة، ألا وهو مفهوم القيصر المعصوم “أبو الشعب”؛ ومن ثَمَّ لم تتخلص من أسطورة اختيار السلالة الحاكمة. وفي الانشقاق العظيم الذي حدث لاحقاً في ستينيات القرن السابع عشر، بدا أن الأسطورة العرقية الروسية تصف على نحو أفضل مستوطنات المؤمنين القدامى، في حين راحت أسطورة اختيار السلالة الحاكمة تزداد انفصالاً عنها، وارتباطاً بالإمبراطورية الروسية الناشئة، لا سيما بعد بطرس الأكبر وخلفائه (12). لكن الحالة الروسية مختلفة بعض الشيء؛ فلم يقتصر الأمر على وجود تعريف ذاتي واضح للمجتمع منذ وقت مبكر، بالإضافة إلى تنمية الكثير من الأساطير والقصص المتوارثة والتقاليد والذكريات الروسية، بل وجد أيضاً ارتباط قوي بالوطن الروسي.
علاوة على ذلك، شهدت فترة روسيا الموسكوفية تَكوُّن ثقافة عامة أرثوذكسية أصبحت بعد سقوط الإمبراطورية البيزنطية ثقافة دينية روسية حصرية لمملكة الإيمان “الحقيقي” الوحيدة المتبقية. إذ إنه منذ تأسيس أسرة رومانوف (1613) اتخذت فكرة “الملكية المقدسة” مكانتها المركزية، والبطركية لعبت أدواراً بارزة (مثال ذلك فيلاريت) في القرن السابع عشر (13). كما أن الإصلاح في التعليم اللاهوتي تضاعف الاهتمام به في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إلى جانب انتشار البعثات والأديرة الممتد لمناطق بعيدة مثل سيبيريا. وفي روسيا القيصرية كان يتم تصوير رجال الدين كشهداء ومحاربين، بما يقدم رصيداً رمزياً هائلاً للكنيسة، تتمثل في ذاكرة التضحيات التي تغذي شرعية مؤسسة وتخلق سرداً يبرر المطالب السياسية (مثل مقاومة النفوذ الأجنبي أو توسُّع النفوذ الروحي). هذه الذاكرة تتحول إلى رأسمال رمزي في إطار ما يخدم السياسات المحلية والخارجية. وقد تم الاستعانة بهذا الرأسمال الرمزي لتعيين الحدود الدينية، ومن ثم، تمييز المحلي وخصوصيته في إطار بناء القومية الروسية عن الخارجي والوافد والأجنبي، وتحديد من هو “الآخر” (بولنديون، كاثوليك، بروتستانت، مسلمون محليون). عملية بناء الحدود هذه تعمل كأداة لتوحيد الاستجابة الشعبية في أوقات الأزمات.
كما أن التركيز على المدارس اللاهوتية والإصلاح التعليمي يبرز مقاربة مؤسساتية، حيث إن صناعة الهوية تحتاج مؤسسات وأجهزة واقتصاديات لإعادة إنتاجها. كل ذلك يجعل من الثقافة الدينية معرفة مُنظَّمة من خلال عملية إصلاح ومناهج وبناء مدارس، لتنتقل من الإطار العفوي والتلقائي إلى المؤسسي والاستراتيجي. بالتالي تتشكل سياسات مستدامة لجهة ولاءات محددة. ففي مرحلة تأسيس رومانوف، كانت الحاجة ملحة إلى شرعية موحدة كبيرة؛ فتم استدعاء البطركية والكنيسة لجهة دعم الملوك الجدد، الأمر الذي كان حاسماً لإعادة الاستقرار، بعد فترة اضطراب في القرن السابع عشر. بذلك، لم تكن الكنيسة مجرد داعم رمزي بل شريك سياسي حقيقي. كما أن انتشار الأديرة والبعثات في سيبيريا والمناطق الجنوبية ليس مجرد نشاط روحي بل عملية إمبراطورية، برز فيها الدين أداة دمج للأقاليم بما يتجاوز المعنى الجغرافي إلى السيطرة الثقافية والسياسية.
وقد “تقوَّت ونمت روسيا مرهبة الأعداء بالاتحاد والتمسك بالمبادئ القويمة والثقة بقادتها الذين يقودونها في سبيل الحياة. إن المبدأ الأساسي الحيوي، الذي سارت عليه روسيا في خلال ثلاثمائة عام، هو مبدأ الإيمان الأورثوذكسي القويم، وإخلاصها وطاعتها لمليكها الأورثوذكسي. إذ إن القيصر هو ممسوح من الله على المملكة، ولذلك فهو راعٍ للكنيسة، ومدير شئونها الروحية أيضاً، وحياة روسيا قائمة على ثلاثة أمور، هي: “اتحاد الشعب والملك والكنيسة”، وفي هذا الاتحاد تكون قوة روسيا” (14).
عسكري الرأسمال الرمزي للدين
وبحسب ما يشير كتاب: تاريخ آل رومانوف”: “رجال الدين كانوا يظهرون بمظهر الأبطال البواسل، وهذا أمرٌ لا يحتاج إلى برهان؛ لأن المنازعات والحروب كانت جميعها تحدث بسبب الدين، وكان الروسي يفضِّل الاستشهاد على تغيير دينه، وقد أُهرقت دماء ألوف الروسيين بسبب الدين، ولكن إيمانهم لم يتزعزع، ولكن هذه الشدائد والأهوال التي ذاقها الروسيون بسبب الدين، قد أثمرت فيما بعد أثماراً شهية غزيرة”. كما أن لفظة “الوطن مقدسة عند الروسي، ولكنه يعتبر أن الوطن هو الدين الأورثوذكسي، ومع أن روح التعصب تشتمُّ من هذا التعبير، ولكنه لا يعبأ بذلك، بل يعتقد اعتقاداً راسخاً في نفسه أن كل تغيير في الدين ولو في بعض الطقوس يعتبر خيانة شنعاء، وسقوطاً للنفس، وخراباً للوطن”. ويردف: “الروسي يفهم الوطن غير ما يفهمه الآخرون، فهو في نظره عبارة عن الكنيسة وجميع ملحقاتها، وبناء على ذلك فإن (روسيا الصغرى) هاجمت ضد بولونيا؛ لأنها مسَّت إحساسات أهلها الدينية، وانضمت بعد ذلك إلى موسكو، وبوجه الإجمال فإن الروسيين يحافظون على دينهم محافظتهم على نفوسهم”. لذلك فهم “حماة الأورثوذكسية” في روسيا، وفي الشرقين الأقصى والأدنى وفي أميركا وجميع أنحاء العالم.
بالمحصلة، فإنه في خلال ثلاثمائة عام تعززت الكنيسة الأورثوذكسية، ونمت وتضاعفت قوتها على مثال الكنيسة البيزنطية، عندما كانت في أوج مجدها، وقد أُدخلت على المدارس اللاهوتية إصلاحات عديدة للغاية، جعلتها لا تخرج في تعاليمها عن حدود تعاليم الإنجيل. ويمكن القول إن التحالف أعطى الدولة قدرة على تبرير سياسات توسعية وفرض الانضباط الاجتماعي، لكنه أيضاً ترك تراثاً ثقافياً واجتماعياً أعاد إنتاج نفسه لاحقاً في أزمان الاضطراب (سواء في مقاومة الإلحاد أو في إعادة الاستدعاء الرمزي في القرن العشرين).
مع اندلاع الثورة البلشفية وشبكة المؤسسات السوفيتية، اعتبرت الدين عقبة أيديولوجية على طريق بناء الإنسان الثوري الجديد. لذلك كانت هناك سياسات مناهضة للدين، تمثلت في مصادرة أملاك الكنائس، إغلاق مدارس دينية، وقمع القساوسة والنخب الدينية. لكن هذه الإجراءات التي تبدو ظاهرياً على عداء مباشر وعنيف وصدامي مع الدين، تخفي الدور الذي اضطلع به القادة الماركسيون والبلاشفة في صياغة علاقة الدولة بالمقدس وتحويل الفراغ الديني إلى مشروع ثقافي جديد. نفس السياسة سعت لملء المساحة الروحية بمبادئ اشتراكية وطقوس مدنية.
تعقب المراحل المختلفة في المرحلة السوفيتية يكشف جملة أمور، أساسها الدور الوظيفي المستمر، حيث في المرحلة الأولى (عقود العشرينات والثلاثينات)، ساد قمع منظّم للمؤسسات الدينية، حملات تعليمية للتحرر من “الخرافة”، وفق التعبيرات الأيدولوجية للماركسية في خطها الرسمي وقتذاك. أما المرحلة الوسطى (الحرب العالمية الثانية وما بعدها)، تحوّل مؤقت في الموقف الرسمي للدولة سمحت بعودة الكنيسة بشكل محدود لتعزيز الوحدة الوطنية في مواجهة الغزو، واستُخدمت الكنيسة لرفع الروح المعنوية ودعم الجهد الحربي. وأخيراً المرحلة المتأخرة، حيث تم إدراك أن الإقصاء الكامل غير ممكن؛ فتمت إدارة الدين عبر مؤسسات الدولة: رقابة، ترخيص، وتقنين عمل المؤسسات الدينية بما يخدم مرونة التحكم الاجتماعي والسياسي.
الصفقة الستالينية
العلاقة المعقدة والمزدوجة بين جهاز أمن الدولة السوفيتي “الكي جي بي” والمؤسسات الدينية الرئيسية، وخاصة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي، يمكن اكتشاف تفاصيلها وملابساتها من خلال الوثائق السرية الروسية المرفوع عنها الحظر، لتقدم صورة لأجهزة الدولة وهي تدير وتراقب، بل وتخترق، الحياة الدينية. فهناك مرحلة “التعايش القسري” بعد الحرب العالمية الثانية، حيث الاعتراف الضروري لما اضطر الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين، خلال الحرب، التخفيف من حدة الاضطهاد ضد الكنيسة الأرثوذكسية في ما يُعرف بـ “الصفقة الستالينية” (15). كان الهدف هو تعبئة المشاعر الوطنية والدينية لدعم المجهود الحربي ضد النازية وذلك بتصوير الحرب على أنها “حرب وطنية مقدسة”. ثم إنشاء هيئات الرقابة. إذ باشرت الدولة وأجهزة حكومية بتدشين مجلس شؤون الكنيسة الأرثوذكسية الروسية ومجلس شؤون الطوائف الدينية لممارسة الرقابة على رجال الدين وتعيينهم وإدارة شؤون الكنائس والمساجد. كانت هذه المجالس هي الواجهة الرسمية التي استخدمها الـ “كي جي بي” لضمان خضوع المؤسسات الدينية.
وعليه، صعد دور “الكي جي بي” في إدارة الحياة الدينية، حيث تشير الوثائق بوضوح إلى الآليات التي استخدمها الجهاز الأمني لإخضاع المؤسسة الدينية وتحويلها إلى أداة لخدمة الأهداف السوفيتية؛ بداية من تجنيد العملاء السريين، وفق ما تُظهر الوثائق بأنه لم يكتفِ بمراقبة رجال الدين، بل قام بتجنيد أعداد كبيرة منهم كعملاء سريين داخل المؤسسات الدينية (مثل المتروبوليت والأساقفة وغيرهم). كان الهدف هو السيطرة على القرارات الداخلية للكنيسة وضمان عدم ظهور أي قيادة دينية معارضة.
السيطرة على التعيينات: لم يكن من الممكن تعيين أي شخص في منصب قيادي كنسي رفيع (مثل بطريرك أو أسقف) دون موافقة وتزكية من الـ”كي جي بي”. كان الجهاز يضمن ترقية أولئك الموالين أو القابلين للتعاون وتهميش المستقلين.
التوظيف في السياسة الخارجية: استخدم الـ”كي جي بي” رجال الدين كـ “وكلاء نفوذ” في الخارج. كان رجال الدين السوفييت، وخاصة أولئك الذين يحضرون مؤتمرات السلام الدولية أو اللقاءات المسكونية، يمثلون خط دفاع عن السياسة الخارجية السوفيتية، مروجين لصورة الاتحاد السوفيتي كقوة مسالمة تضمن حرية الأديان.
مراقبة الأقليات الدينية: لم يقتصر الأمر على الأرثوذكسية؛ بل شملت المراقبة واختراق الجماعات الدينية الأخرى في الاتحاد السوفيتي، بما في ذلك المسلمين والكاثوليك والبروتستانت، لمنع ظهور أي حركات قومية أو سياسية تحت غطاء ديني.
كما توضح الوثائق أن العلاقة كانت قائمة على نوع من الازدواجية، حيث ظلت الأيديولوجية الرسمية للدولة هي الإلحاد، واستمرت حملات التضييق على التدين الشعبي، وإغلاق الكنائس والمدارس الدينية غير الرسمية، ومعاقبة النشاط التبشيري. وإلى جانب ذلك، أو في مقابله، تتزايد وتيرة الاستغلال والتوظيف في الوقت ذاته، فاستخدمت الدولة المؤسسة الدينية لـضبط الجماهير والحفاظ على النظام الاجتماعي وتمرير الرسائل الوطنية. وقد حصلت الكنيسة على حق البقاء المؤسساتي، وإن كان ذلك تحت رقابة مشددة.
مع تدهور الأوضاع في الاتحاد السوفيتي وتزايد الانفتاح في مرحلة “البيريسترويكا”، بدأت السيطرة الأمنية على الكنيسة تتراجع.
لهذا، لم يكن مباغتاً أنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي قد برز في روسيا تحولاً يتمثل في إعادة إحياء الدين الشعبي، توطين الكنيسة في الحياة العامة، وظهور خطاب سياسي يربط بين الأرثوذكسية والهوية الروسية. خلال حكم فلاديمير بوتين تحول هذا الربط إلى أداة مباشرة لكسب شرعية واستقطاب شعبي وتبرير سياسات داخلية وخارجية. ومع المرحلة البوتينية، اعتمدت موسكو كذلك على التشريعات والإطار المؤسسي، ودعم المؤسسات الكنيسة الرسمية الموالية للكرملين. ثم استعادة ذاكرة تاريخية انتقائية، سياسية ودينية، بشراكة الكنيسة في مناسبات أو سياقات مختلفة، بغرض إنتاج سردية تاريخية حضارية تربط روسيا بمصير “العالم الأرثوذكسي” وتعارض ما يُصوّر كقيم غربية مناهضة للتقاليد (قضايا الأسرة، الأخلاق العامة). يضاف لذلك، توظيف الدين لتبرير مواقف وسياسات خارجية (على سبيل المثال، حجة حماية المسيحيين أو الحفاظ على “القيم التقليدية” في المنطقة، الصراع في سوريا، الحرب الأوكرانية)، وكذلك لتعزيز مركزية السلطة وشرعنة سياسات الأمن الداخلي.
السياسات الدينية والكرملين
هذا ما تلمحه على نحو صريح في عدة مواقف، سياسية أخلاقية واجتماعية وحتى عسكرية، علانية يخوضها البطريك كيريل راعي الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، وهي جميعها تتماهى مع الكرملين. ومن بين تلك المواقف مطالبته رؤسا الكنائس المماثلة في العالم وحتى الكنائس الأخرى والطوائف الدينية المغايرة، الاصطفاف لحماية الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية خلال الصراع المحتدم والدموي في كييف. جاء ذلك خلال كلمة القاها البطريرك كيريل أمام رؤساء وممثلي الكنائس الأرثوذكسية وغيرها من الطوائف الدينية. وقال خلال كلمته: “على مدى سنوات عديدة، تعرضت الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية للاضطهاد من قبل السلطات الحكومية في أوكرانيا، وشنت حملة تشهيرية مناهضة ضد رجال الدين والمؤمنين فيها عبر وسائل الإعلام، بهدف تشويه سمعة الأرثوذكسية الكنسية، وتحريض وتشريع العنف وضرب المؤمنين ورجال الدين، والاستيلاء الجماعي على الكنائس تحت مسمى (الانتقالات الطوعية)” (16).
فيما سبق للبطرك كيريل أن اعتبر الكنيسة الأرثوذكسية الروسي بمثابي “حامي الإيمان” أمام طوفان الإلحاد، وفي الوقف الذي أضحت فيه الكنائب “فارغة” “في مكان ما” حسب تعبيره الغامض الذي ربما يحمل تلميحات وإشارات من طرف خفي لخصوم موسكو، فإن “كنائسنا مزدحمة”. وقال: “تلعب روسيا دورا تاريخيا وتعرقل إلى حد كبير انتشار الكفر وإنكار الله والكنيسة على نطاق الحضارة الإنسانية”. وأضاف: “إذا أصبحت الكنائس في مكان ما فارغة لأن الناس يتركونها، فإن كنائسنا تصبح مزدحمة، لأن الناس المعاصرين المقيمين في روسيا قد اتحدوا في عقولهم وقلوبهم وإيمانهم بالله والمعرفة العلمية والثقافة الحديثة. وتحمل هذه التوليفة أهمية تاريخية وتشكل إنجازا حضاريا حقيقيا لروسيا، يمكن أن يؤثر على حياة البشرية كلها” (17).
إذاً، لم يعد الدين، والحال كذلك، مجرد أداة داخلية؛ بل صار مُدخلاً في السياسة الخارجية، خصوصاً مع استدعاء الذاكرة التاريخية والكنسية لتبرير التدخّلات في الجمهوريات السلافية، مثلاً، وتعزيز تفسير أن الصراع هو أيضاً صراع حضاري/روحي. وقد ترافق الخطاب الديني مع العمليات السياسية والعسكرية في ما بعد 2014 مع التدخل الروسي في سوريا، وبشكل مكثف بعد 2022، مع الحرب الروسية الأوكرانية. من هنا، الدين برز أداة لبناء الإرادات والشرعية عبر التاريخ الروسي، فيما تراوحت أدواره بين دعم شرعية النظام (قيصري)، وهدف قمعي أو بديل أيديولوجي (سوفيتي)، وأداة شرعية واستقطاب شعبي (بوتيني). فالدولة بالمعنى المباشر كمؤسسات وأجهزة، وخطاب وسياسات، هي التي تدير في الأحوال كافة المجال الديني سواء بالقوة المباشرة والخشنة أو بالقوانين أو بالعلاقات المؤسسية كما التفاهمات سواء معلنة أو خفية. في حين الهدف دوماً هو تقليل الاستقلالية السياسية للمجال الديني وجعله متسقاً مع مصالح الدولة/ الإمبراطورية. وبعبارة أخرى، الدين شكَّل جزءاً من الخطاب الرسمي والهوية الوطنية، واستُخدم لتأطير الأعداء/الحلفاء في رموز أخلاقية/حضارية.
عليه، يمكن القول إنه من الناحية التاريخية لم تظهر الكنيسة الأرثوذكسية في لحظة داخل السياق التاريخي الروسي باعتبارها منافساً للسلطة السياسية، إنما تتاخم الأخيرة في الأهداف والمصالح وتتداخل ضمن إطار البنية الرمزية لهذه السلطة، والتي يجري حشدها وإدارتها وقد أخذت هذه العلاقة جملة أشكال وصياغات ومقاربات مختلفة، وباتت تعرف في الفترة البوتينية بـ”الدبلوماسية الروحية”.
من ثم، فاللحظة المفصلية للتحول الأخير جاءت مع صعود فلاديمير بوتين، الذي لم يستدعِ الكنيسة فقط، بل أعاد توظيفها ضمن بنية الشرعية الروسية الجديدة. ويمكن التوقف عند لحظة كشفية في هذا المسار، وهي تدشين تمثال ضخم للأمير فلاديمير في قلب موسكو عام 2016، بحضور بوتين والبطريرك كيريل، في يوم “الوحدة الوطنية” (18). لم يكن ذلك مجرد إحياء للتراث الكييفي، بل إعادة تمركز للكنيسة كأداة تأصيل رمزي حضاري للسيادة. استخدم بوتين المناسبة ليعلن أن الأمير فلاديمير وحّد الشعوب الثلاثة: روسيا، وأوكرانيا، وبيلاروس تحت راية روحية واحدة. وهكذا تأتي إعادة دمج الكنيسة في عهد بوتين امتداداً لنمط سيادي قديم، يقوم على مصادرة الرمزية الدينية وتوظيفها في إنتاج الشرعية. هذا التوظيف لا يتم من خلال تديين الدولة، بل من خلال إعادة تشكيل المجال الديني ضمن منظومة الحكم نفسها، أي يُعاد تعريف القداسة لتتماهى مع السيادة، وترسيخ خريطة ذهنية للهوية الروسية، تقوم على مركزية موسكو بوصفها الوريثة الشرعية لكييف وبيزنطة معاً، هذا التداخل بين الجغرافيا المقدّسة والسلطة السياسية يعيد إنتاج الكنيسة بوصفها حارسة للمجال الحضاري الروسي، لا بوصفها كياناً دينياً مستقلاً.
وفي دراسته المعنونة بـ” الكنيسة الأرثوذكسية بوصفها فاعلًا رمزيًّا في السياسة الخارجية الروسية”، يقول فراس بوزان (19): “تعمل الكنيسة في عهد بوتين ضمن منطق السيستيما، أي البنية الفعلية للسلطة التي تتجاوز الشكل القانوني لتُدار عبر شبكات التنسيق غير الرسمي بين الأجهزة والمؤسسات والرموز. في هذا السياق، تموضع الكنيسة داخل هرم الدولة لا يتخذ طابعاً تشاورياً أو موازياً، بل وظيفياً ومنّسقاً، حيث تُستخدم رمزية الكنيسة لتعزيز الشرعية القيمية للقرار السياسي، دون أن تمتلك قدرة تقريرية فعلية. ومن هنا فإن علاقة الكنيسة بالدولة في روسيا ليست علاقة تحالف أو شراكة بين مؤسستين؛ بل علاقة اندماج وظيفي داخل نسق سيادي يجعل من الدين أداة لإنتاج الذات الجماعية، وليس ميداناً مستقلاً للفعل أو المعارضة. كما يتجلى هذا التموقع أولاً في العلاقة مع الكرملين، حيث تُمنح الكنيسة حضوراً رسمياً في المناسبات السيادية الكبرى، مثل احتفالات “يوم النصر”، أو خطاب “الحالة الروحية للأمة” الذي يُلقيه البطريرك كيريل موازياً لخطاب بوتين السنوي أمام الجمعية الفيدرالية”.
ويتابع: “كما تشارك شخصيات رفيعة من الكنيسة في “المجالس الرئاسية” بصفة استشارية، خاصةً تلك المعنية بالهوية الوطنية، والتعليم، والسياسة الثقافية؛ مما يجعل الكنيسة جزءاً من الديكور السيادي المنظم. أما على مستوى مجلس الأمن الروسي، فالعلاقة تتخذ طابعاً مزدوجاً رمزياً أمنياً. فخلال خطاب ألقاه البطريرك كيريل في عام 2014، بعد ضم القرم، وصف العقوبات الغربية بأنها “حرب على القيم الأرثوذكسية”، معتبراً أن روسيا “تحمي حدوداً روحية” لا مجرد أراض سياسية. وقد تلقف الكرملين هذا الخطاب ليُدرج الكنيسة ضمن المنظومة المفهومية “للأمن القومي الشامل”، الذي لا يشمل الحدود فقط؛ بل القيم، والعقيدة، والتاريخ”.
وفي ما يخص وزارة الخارجية، تتجسّد العلاقة من خلال ما تُسمى “الدبلوماسية الروحية”، إذ تؤدي الكنيسة أدواراً وظيفية في الخارج، لا سيما في دول البلقان، والشرق الأوسط، وفي المحافل الدولية. على سبيل المثال، تشير الوثائق الرسمية إلى تنسيق مستمر بين الخارجية الروسية والبطريركية في تنظيم زيارات “السلام الأرثوذكسي” التي قادها كيريل إلى صربيا وسوريا، بوصفها مبادرات تستأنق السياسة الخارجية الروسية، وتُضفي عليها بعداً روحياً مضاداً للهيمنة الغربية (20).
بهذا، فإن التداخل بين السياسة الداخلية والخارجية عبر أدوات دينية لم يكن فقط لإدارة الصراعات الخارجية إنما لتعميم المصالح داخلياً وتثبت النظام فوائض قوته وتدشين مصالحه محلياً وإقليمياً، ثم كسب الشرعية والتعمية عن عمليات القمع من خلال فكرة الأمن القومي التي تتداخل فيه الحدود الجغرافية بالمصالح الجيوسياسية، وكذا الخصوصية التاريخية الثقافية والمحلية. فاستعادة التاريخ مع الربط التاريخي المؤسسي بين الكنيسة والدولة ساهم في تعزيز رموز السياسة والدين والأمن معاً.
وليس خافيا أن الرموز الدينية في السياق التاريخي لروسيا شهدت عسكرة في ظل تورطها بالنزاعات الخارجية، وتم الاستعانة بها في الخطاب الرسمي السياسي والإعلامية لتبرير الحملات العسكرية كما هو الحال في كييف ودمشق. بالمحصلة الدين في روسيا ليس حالة ثابتة إنما أحد الموارد السياسية التي يتغير استخدامها مع تغير أهداف الدولة والتهديدات المحيطة بها. الإمبراطورية وظّفته لتثبيت سلطة تقليدية، السوفيت حاولوا استبداله أو التحكم فيه عبر مشروع ثقافي أيديولوجي، أما في عصر بوتين فهو جزء مركزي من بناء خطاب قومي حضاري يهدف إلى شرعنة السلطة داخلياً وتبرير سياسات موسكو خارجياً، خصوصا مع العداء للقيم الأوروبية والغربية.
من الإسلام السوفيتي إلى بوتين قديروف
فالدين في روسيا، وبالأخص الكنيسة الأرثوذكسية الروسية والإسلام كأكبر ديانة أقلية، يمثل عنصراً جوهرياً في البنية السياسية والاجتماعية للدولة. إن العلاقة بين السلطة المركزية والمؤسسات الدينية لم تكن يوماً مجرد تعايش، بل أداة بنيوية ومنهجية للشرعنة الداخلية والسيطرة على الشعوب وتوسيع النفوذ الجيوسياسي. فهي أداة هيكلية تستخدمها الأنظمة المتعاقبة لتعزيز الشرعية السياسية للنظام المركزي. وقد تم استخدام الدين لتشكيل وتوحيد “الأمة” أو “العالم الروسي” في مواجهة “الآخر”. فروسيا هي دولة متعددة الأديان والقوميات. في حين يشكل المسلمون أكبر أقلية دينية، حيث يقدر عددهم بنحو ثمانية وعشرين مليون مسلم، أي حوالي 20% من السكان، مما يعني أن واحداً من كل خمسة روس هو مسلم. يعود وجود الإسلام في هذه الأراضي إلى فترة ما قبل المسيحية الروسية، حيث اعتنق سكان مدينة بولغار (تتارستان حالياً) الإسلام عام 922م. هذا العمق التاريخي الذي يمتد لأكثر من ألف عام جعل الإسلام جزءاً أصيلاً من المشهد الروسي، مما يحول دون اعتباره ديناً “دخيلًا” (21). كما تتمتع روسيا بفضل هذا التعداد الإسلامي الكبير بدور العضو المراقب في منظمة التعاون الإسلامي. هذه الحقيقة تمنحها ورقة أساسية ليس فقط في سياستها الداخلية لإدارة جمهوريات الأغلبية المسلمة (مثل تتارستان والشيشان)، بل وفي سياستها الخارجية الطامحة إلى استعادة مكانة القطب الدولي في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية. إن إدراك هذا البعد الجيوسياسي للكتلة الإسلامية ضروري لفهم الاستراتيجية الروسية المعاصرة.
مع ذلك، توجد بالفعل توترات بين الكنيسة الأرثوذوكسية والكرملين، فمن الناحية الهيكلية، تستضيف الدولة الروسية مجموعات دينية متعددة، مما يجعل الحكومة مترددة في رفع دين واحد باعتباره الدين الأساسي في البلاد على حساب الآخرين. فعلى الرغم من أن التعديلات الدستورية لعام 2020 حولت بطريركية موسكو إلى وصي على الهوية الروحية لروسيا، فإن النظام يقر بأن الأولوية الصريحة للأرثوذكسية على الجماعات الدينية الأخرى يمكن أن تسبب مشاكل، على الرغم من أن احتياجاتها الحالية يبدو أنها تدفعها في هذا الاتجاه، كما تضع التحركات الإقليمية الروسية الكنيسة الأرثوذوكسية وبطريركية موسكو في موقف صعب مع السلطات الدينية المحلية (22).
فيما يتضح من قراءة المسار التاريخي للعلاقات بين المسيحية الأرثوذكسية وروسيا أنّ ثمة ارتباطاً بنيوياً عميقاً ظل يوجه ملامح الدولة والمجتمع عبر القرون. ورغم أن الدستور الروسي يقرّ رسمياً بفصل الدين عن الدولة، فإن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية ما تزال تمثل إحدى أبرز المؤسسات ذات النفوذ الرمزي والاجتماعي والسياسي. وقد حافظت الكنيسة على حضور فعّال داخل روسيا وخارجها، سواء من خلال علاقاتها بالكنائس الأرثوذكسية الأخرى، أو عبر دورها في تشكيل التصور العام للدولة الروسية بوصفها وريثة تقاليد روحية وحضارية ممتدة. ولا ينحصر هذا النفوذ في الجانب الديني فحسب، بل يتسع ليشمل المجالين الثقافي والسياسي، حيث تُسهم الكنيسة في إنتاج سرديات الهوية الوطنية ودعم رؤية الدولة لذاتها ولدورها على الساحة الدولية. وهكذا تبدو العلاقة بين الطرفين علاقة تفاعلية متبادلة، تتجدد باستمرار، وتعكس مزيجاً من الشرعية التاريخية والديناميات المعاصرة التي تجعل من الأرثوذكسية عنصراً ثابتاً في بنية الهوية الروسية وفي هندسة خطابها العام.
وقد استغل الرئيس بوتين تنامي دور الكنيسة الأرثوذكسية لخدمة سياساته الرامية إلى الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي داخلياً، وتوسيع نفوذ روسيا إقليمياً ودولياً. فيما تعتمد هذه الشراكة على مصلحة متبادلة، حيث توفر الكنيسة شرعية روحية للنظام، بينما يمنحها النظام موقعاً متميزاً في الحياة العامة والتعليمية. وغم وصفها بالشراكة، فإن العلاقة تميل إلى كونها تبعية هرمية. حيث تُظهر الكنيسة ولاءها وإخلاصها لسلطة الكرملين، مؤكدة على الدور الاستثنائي لروسيا بوصفها “معقل التقاليد وموئل القيم الروحية”. في المقابل، يركز كبار السياسيين على الدور الاستثنائي للكنيسة في تاريخ روسيا، ولكن تبعية الكنيسة للسلطة أكبر بكثير من تبعية السلطة للكنيسة. هذه العلاقة تضمن أن المؤسسة الدينية الرئيسية لا تشكل تحدياً سياسياً على الإطلاق، بل تعمل كبوق دعاية للنظام.
في عصر بوتين، تحول الدين إلى أيديولوجية مضادة تستخدم لتعريف الهوية الروسية في مواجهة النفوذ الغربي. إذ يوظف البطريرك كيريل، بطريرك موسكو وعموم روسيا، خطابه لمهاجمة منظومة القيم الغربية، ويصف “حرية الاختيار المطلقة” بأنها “قنبلة موقوتة” تنسف جميع القيم الأخلاقية. ويرى البطريرك أن هذه الثمار القاتلة للقيم الغربية، مثل شرعنة زواج المثليين وإباحة القتل الرحيم، ناجمة عن ابتعاد الغرب عن الدين ومفهوم العدالة السماوية. هذا النمط من التوظيف يحوّل الصراع الجيوسياسي (بما في ذلك العقوبات الاقتصادية المفروضة من الغرب) إلى صراع أخلاقي وجودي. ويبرر البطريرك الصعوبات الاقتصادية الناتجة عن العقوبات بالقول إن روسيا “لم تخشَ في يوم من الأيام الأعداء الخارجيين، فنحن دائماً ننتصر عليهم”، ويدعو الروس إلى الالتفاف حول الدولة وتجاهل تدهور الوضع الاقتصادي. هذا يضمن تعزيز شرعية بوتين كحامٍ للتقاليد والقيم، ويقلل من تأثير السخط الداخلي على النظام. فتُستخدم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية كأداة نفوذ فاعلة في السياسة الخارجية. من خلال ارتباط الكنيسة الروسية بالكنائس الأرثوذكسية في الجمهوريات السوفييتية السابقة، يعمل النظام على ترسيخ مفهوم “العالم الروسي”. هذا المفهوم لا يقتصر على الروابط الثقافية، بل يهدف إلى إضفاء شرعية دينية على محاولات موسكو لاستعادة نفوذها في مناطق ما بعد السوفيت، وخصوصاً في الصراع المستمر مع أوكرانيا حيث تلعب الكنائس التابعة لموسكو دوراً حاسماً في تعبئة القواعد الشعبية.
يشكل الإسلام في روسيا تحدياً وفرصة في آن واحد للكرملين. فبينما يمثل المسلمون ورقة أساسية في السياسة الخارجية لروسيا الطامحة لاستعادة موقعها الدولي، يمثل الإسلام السياسي تحدياً أمنياً عميقاً في مناطق مثل شمال القوقاز. لذا، تبنت موسكو استراتيجية مزدوجة للتعامل مع هذا المكون الحيوي. ولقد أثبت التوظيف السياسي للدين في روسيا، عبر المراحل القيصرية والسوفيتية وفترة بوتين، أنه ليس حادثاً عابراً بل هو نمط ثابت في إدارة السلطة المركزية. قبل الثورة البلشفية، ظهرت محاولات منظمة للإسلام السياسي لتمثيل حقوق المسلمين. كان حزب “اتفاق المسلمين” مثالاً على النضال من أجل الحقوق الدينية والسياسية في بيئة مليئة بالتحديات. هذا الحزب، الذي جمع بين الأنشطة السياسية والتعليمية والثقافية، أسهم في تعزيز وضع المسلمين وأثر في مجريات الأحداث السياسية في بداية القرن العشرين. يشير وجود مثل هذه التنظيمات إلى أن الإمبراطورية كانت تواجه بالفعل تحدي التعددية السياسية الدينية وأن الإسلام كان يمتلك أدوات للحشد والضغط، مما يوضح سبب تركيز الأنظمة اللاحقة على تفكيك هذه البنية المؤسسية القادرة على العمل المستقل (23).
وشكل العهد السوفيتي مرحلة قطيعة أيديولوجية، حيث حلت الأيديولوجية الإلحادية محل الأرثوذكسية الرسمية. ورغم أن الثورة البلشفية كانت في البداية ردة فعل ضد الكنيسة الأرثوذكسية التي مثلت القيصر، إلا أن حرب الإبادة سرعان ما امتدت لتشمل جميع المؤسسات الدينية، بما في ذلك الإسلامية. في عام 1917، قبل استيلاء السوفييت على السلطة، كان عدد رجال الدين الإسلامي في روسيا يبلغ 45,339 إماماً وواعظاً لـ 17 مليون مسلم. بعد الثورة، دخل النظام الشيوعي في صراع شامل ضد الهيكل الديني، ما أدى إلى هدم وإغلاق الآلاف من المساجد والكنائس خلال حكم كل من الإمبراطورية الروسية أولاً ثم الشيوعيين ثانياً. لم يقتصر القمع السوفيتي على تفكيك البنى التحتية الدينية، بل امتد إلى سياسات عرقية-دينية قاسية. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، اتخذ السوفييت إجراءات عقابية بحق شعوب إسلامية قوقازية كأهالي القرم والشيشان والإنجوشية، وتم ترحيل أهلها من ديارهم بدعوى “الخيانة خلال الحرب”. هذه الإجراءات كان لها أثر استراتيجي عميق، حيث ربطت الدين (الإسلام القوقازي تحديداً) بـ “العدو الداخلي” وعدم الولاء للدولة، مما أسس لذرائع التدخل العسكري والقمع الذي ظهر لاحقاً في فترة ما بعد السوفيت، خاصة في الشيشان (24).
مع فشل الاتحاد السوفيتي في التدمير الكامل للذاكرة الدينية للشعوب المسلمة، تحولت استراتيجيته إلى نمط الاحتواء البيروقراطي والتوظيف البراغماتي. كما حاول السوفييت خلق ما سُمي بـ “الإسلام الشيوعي” لدمج الدين ضمن الإطار الأيديولوجي للحزب. ولكن الإسلام الذي ترسّخ في عقول وقلوب أتباعه السوفييت على مدار ألف عام لم يكن من الممكن تدميره بنصف قرن من الدعاية المعادية. على الرغم من موجات “غسيل المخ الحمراء”، لم تتقلص أعداد المسلمين كثيراً؛ بل على العكس، نما عددهم بشكل هائل، حيث بلغ 44 مليون فرد في عام 1979 (مقارنة بـ 24 مليوناً في عام 1959)، مما وضع الاتحاد السوفيتي كخامس أكبر دولة يعيش فيها مسلمون في العالم. هذا النمو الديموغرافي شكّل تحدياً هيكلياً أثبت فشل المشروع السوفيتي في إبادة الدين. وقد أجبر هذا الفشل النظام على التخفيف من حدة القمع في أواخر عهده، مما أدى إلى إصلاحات شكلية مثل بناء 1700 مسجد خلال الحرب وفتح معهدين إسلاميين في ألوفا وبالو وعقد دورات لإعداد الأئمة في القفقاس في عام 1989 (25).
يقول الباحث الروسي ديمتري بريجع إن تاريخ الإسلام السياسي في روسيا يقدم نموذجاً فريداً للتفاعل بين الدين والدولة، وهو تفاعل يمتد إلى أكثر من ألف عام، تشابك خلالها الإسلام مع التقاليد الروسية المتعددة، والإمبراطورية الروسية الواسعة، ولاحقًا الاتحاد السوفيتي، وصولًا إلى الاتحاد الروسي الحديث. تكمن أهمية الإسلام السياسي في روسيا في كونه ليس مجرد جزء من النسيج الديني للبلاد؛ بل هو عنصر حاسم في شكل السياسة الداخلية والخارجية الروسية ومسارها. ويردف: “تغيرت الأوضاع جذرياً بعد الثورة البلشفية عام 1917، حيث اعتمد النظام الجديد سياسات معادية للدين بهدف بناء مجتمع علماني قائم على أسس ماركسية” (26). كما تأسس حزب “اتفاق المسلمين” في سياق النضال من أجل الحقوق الدينية والسياسية التي كانت الإمبراطورية الروسية تعيشها في أوائل القرن العشرين. كان تأسيس الحزب نتيجة للمؤتمر الإسلامي الثالث لعموم روسيا، الذي عُقد على أساس الاتحاد الإسلامي لعموم روسيا الذي تشكّل سابقاً. الحزب الذي كان يتألف غالباً من التتار وغيرهم من المسلمين في روسيا، اعتمد الليبرالية جزءاً من أيديولوجيته، مع التركيز على قضايا الدين والحريات الفردية على نحو خاص، وفق بريجع، ويقول: “منذ تأسيسه، عمل حزب (اتفاق المسلمين) على التعاون- تعاونًا وثيقًا- مع الحزب الدستوري الديمقراطي، خاصة في إطار عمل مجلس الدوما. هذا التعاون كان يهدف إلى تعزيز الحقوق الدينية والسياسية للمسلمين في روسيا، وقد أسهم- على نحو فعال- في تعزيز الوعي السياسي والثقافي بين المسلمين”. وتابع: “على الرغم من التحديات الكبيرة التي واجهها حزب “اتفاق المسلمين”، بما في ذلك المقاومة من السلطات القيصرية، والكنيسة الأرثوذكسية التي استمرت في الحفاظ على مركزها المهيمن، فإن الحزب استطاع أن يحقق كثيراً من الإنجازات، من بينها تمكُّن الحزب من تحقيق مستوى معين من الحرية الدينية للمسلمين، والمشاركة الفعالة في الحياة السياسية لروسيا”.
وعلى ما يبدو أن علاقة بوتين بالرئيس الشيشاني رمضان قديروف مثيرة ولافتة في إطار توجهه الاستراتيجي للاستفادة الدينية من الناحية السياسية، فالأخير يروج لنفسه باعتباره نموذجاً للمسلم الجهادي الصلب الذي يتصدى للقيم الغربية ويواصل تسليح وتعبئة قواته في حروب بوتين الخارجية لا سيما بكييف، وقد سبق له أن صرح بأنه مجرد “جندي مشاة بأتمر بأمر بوتين”. كما ظهر بوتين معه وهو يحمل نسخة مزخرفة بالذهب من القرآن ويقبلها أثناء جولة في مسجد “النبي عيسى” بالعاصمة الشيشانية.
في المحصلة، نحن أمام بحث دائم وملح عن غطاء ديني مسيس ومؤدلج لسياسات السلطة، ودق أجراس الكنيسة لتعلن نداء أو دعم السياسات وتكون حاضنة لها ومؤازرتها في الحروب، وكما اصطفت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية إلى جوار بوتين في حروبه وصراعاته بسوريا مروراً بأوكرانيا وحتى عدائه للغرب والولايات المتحدة وتعزيز الروح القومية بعمق ومزاج ديني، فإن بوتين سبق له في وقت رئاسته للوزاراء عام 2012 وأن أعلن عزمه الدفاع عن المسيحيين ممن يتعرضون للظام في جميع أنحاء العالم. وقال في اجتماع جمعه وقادة الكنائس بروسيا: “علينا أن نعمل كشركاء حقيقيين لمعالجة القضايا الداخلية والدولية الأكثر إلحاحا وتطوير مبادرات مشتركة لصالح وطننا وشعبنا”.
وقال بوتين في فيلم من إعداد المكتب الإعلامي للكنيسة الأرثوذكسية، وعرض على قناة “روسيا اليوم” الحكومية في يوليو /تموز 2013، إنه “في أصعب الأوقات التي مر فيها تاريخنا عاد شعبنا إلى جذوره إلى الديانة المسيحية وإلى القيم الروحية”. وأضاف بينما بجواره بطريرك موسكو وسائر روسيا كيريل، حول عودة الروس إلى القيم المسيحية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ” كانت ولادة جديدة طبيعية للشعب الروسي”. ورأى أن “الكنيسة ملأت الفراغ الأخلاقي بسبب غياب القيم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في 1991..” (27).
وكما كانت روسيا في فترة الدولة العثمانية تعتمد منطق الحماية الدينية لتكون لها قدم في الشرق الأوسط، وتوظيف الإرساليات التبشيرية، والدفاع عن المسيحيين الأرثوذكسي، فيبدو أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد عاود تكرار السيرة ذاتها، وقال في نهاية آب/ أغسطس عام 2021 بخصوص الدفاع عن تدخل روسي العسكري في سوريا: “روسيا لم تساعد على الحفاظ على الدولة فحسب بل أيضا على المسيحية في سوريا”. وقال: “هذه ( سوريا) مهد المسيحية، وكانت البلاد مهددة باختفاء جميع المواطنين الذين يعتنقون الديانة المسيحية”.
وفي تصريحات أخرى مماثلة ذكر: “وزارة الخارجية الروسية بالتعاون مع الكنيسة الروسية تتخذ خطوات ملموسة لحماية المسيحيين، وخاصة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”. فالدور المحوري والمركزي للدين في روسيا يمكن أن نفهم عمق تأثيراته مع ما أوضحه ول ديورانت في كتابه الشهير: “قصة الحضارة”، بأن الكنيسة الروسية في زمنها الذهبي تعد “الحاكم الحقيقي لروسيا”. ويشير إلى مفارقة لافتة بأن سلطان الإمبراطور إيفان الذي حكم في الفترة بين عامي 1530و1584م كان مقيدا محدودا. بينما “الطقوس الدينية، إن لم تكن قواعد الفضيلة والأخلاق، تُقيِّد الجميع، حتى القيصر نفسه”، ويردف: “كان الكهنة يراقبون هل غسل يديه بعد مقابلته لسفراء الدول من خارج نطاق الأرثوذكسية. وكانت الصلاة وفق الطقوس الرومانية الكاثوليكية غير مُرخَّص بها، أما البروتستانتية فقد تسامحوا معها على أساس المشاركة في العداء للبابا في روما. وكان إيفان الرابع يزهو بعلمه في اللاهوت” (28).
خاتمة:
وقع الدين في روسيا بين عدة منحنيات معقدة، كما صعد على متن الحياة السياسية والاجتماعية وفق التطورات التاريخية سواء في روسيا القيصرية ثم وصول البلاشفة وبدء الحكم السوفييتي الشيوعي وحتى أفول هذا الماضي وبدء مرحلة جديدة عرفت بـ”البوتينية”. فالدين رغم كل التحولات التي صاغتها السياسية وأشكال الحكم بروسيا في عهودها المختلفة، وأخذت ملامح عامة كما وصف في فترة الشيوعية بأنه قد تسيد موقف رسمي ضد الدين، يؤمن على نحو صارم بالموقف الأيدولوجي الماركسي الستاليني المتوجس وربما المعادي للدين تماما باعتباره وسيلة يتم بها تهدئة مشاعر الطبقات المسحوقة والفقيرة، إلا أن الثابت هو إدارة السلطة للدين وتوسلها له في لحظات عديدة، واستثمارها للدين ومؤسساته ورجالاته في مصالحها وسياساتها وحروبها، حتى في تلك الفترة التي حكمها السوفييت المعروفين بمواقفهم الراديكالية تجاه الدين.
في ظل القيود التي حدثت بفترة الاتحاد السوفييتي والتي شهدت في غالبية فترات حكمها درجة قصوى من القمع تجاه الدين نظرا للحمولة الأيدولوجية للحكم البلشفي ومرجعيته الماركسية، وعلى إثرها تم حظر الدعاية الدينية، فالحسابات السياسية خففت من تلك القيود عندما واجهة موسكو خطر الهجوم النازي وتعبئة ستالين المسلمين والمسيحيين من قبل القادة الروحيين وتوظيف الخطاب الديني لحشدهم عسكرياً.
بالتالي موقع الدين في روسيا كان انعكاسا مباشرة للرؤية الأيدولوجية والبراغماتية معاً، من دون تنحية مرجعية لحساب أخرى. فيتم قمع الدين أو توظيفه واستثماره حسب حاجة السلطة ورغبتها وحسابات الربح والخسارة. وقد كان الدين في أحواله عبارة عن رافعة للأهداف السياسية المحلية والخارجية. فعلى منصة الكرملين كتب بوتين أن الروس والأوكرانيين والبيلاروسيين هم نفس الأشخاص الذين يعتبرون كييف “منبع معموديتهم المشترك”، وذلك في مقال بعنوان: “الوحدة التاريخية للروس والأوكرانيين”. ومع الغزو الروسي لأوكرانيا تستمر الرؤية البوتينية ذاتها، والتي يروج لها البطريرك كيريل رئيس الكنيسة الأرثوذكسية بموسكو وسائر روسيا، حيث لا يكف عن تأييد حروب بوتين الخارجية، مرة في سوريا، ومرة أخرى في أوكرانيا.
وقد وصف البطريرك الغزو الروسي لأوكرانيا بأنها “حرب مقدسة” بين “الكنيسة والمسيح الدجال”، واصفاً أحداثها بأن لها طبيعة غير ظاهرة وميتافيزيقية تتصل “بالخلاص الأبدي” (29). وقال في عظة قبل سنوات يوم الأحد: “إذا مات شخص أثناء أداء هذا الواجب، فإنه قد عمل بلا شك عملا يعادل التضحية. وبالتالي، نعتقد أن هذه التضحية تغسل كل الذنوب التي يرتكبها الإنسان”. بينما في بيان رسمي قال بطريرك الكنيسة الروسية كيريل: “لقد اتخذت روسيا قراراً مسؤولاً باستخدام القوة العسكرية لحماية الشعب السوري من المعاناة التي يلحقها بهم الإرهابيون” (30).
عليه، ظل الدين في منطقة وسط بين التهميش والتوظيف، أحيانا يتم قمعه وإضعاف صوته أو إسكاته تماماً، وأحيانا أخرى يرتفع ليثير صخباً وضجيجاً مطلوباً وملحاً لكن ضمن دعاية السلطة والترويج لأهدافها وشرعنة قراراتها وإجراءاتها سواء في الحروب كما في الغزو الروسي لأوكرانيا أو انخراطها العسكري في الشرق الأوسط لا سيما سوريا، كما في تعزيز الاصطفاف الوطني لمواجهة النازية أربعينات القرن الماضي.
هذا الدور الوظيفي تعتمده السلطة في علاقتها وتعاطيها النفعي المصالحي مع الدين، وكأنها تصنع شكلاً أو تصيغ نمطاً من الدين لا يتخطى رؤيتها السياسية ومن دون أن تسمح للآخرين باحتكار هذا المقدس لصالحه، بل يظل في مجالها وتحت خدمة رهاناتها المختلفة. فالربط السياسي المزدوج بين الأرثوذكسية والقومية الروسية في عملية تسييس الدين أو تديين السياسية انطلق من كون الأرثوذكسية تمثل خط الدفاع الروحي للهوية الروسية. ذلك ما يتماهى مع تاريخ روسيا القديم وميراثها الذي يرفع فيه شخوصه ومنهم القادة الروحيين إلى درجة القديسيين، منهم الطوباوي سيرغي ويعود تاريخه للقرن الرابع عشر، الأب الروحي للكنيسة الأرثوذكسية، ولضريحه في موسكو منزلة مهمة تشهد عليها الزيارات التي تتدفق له.
وإلى جانب دور إرساليات التبشير في الشرق الأوسط وتغلغلهم في فترة الامبراطورية العثمانية ومحاولة السيطرة على البطاركة والأساقفة الأرثوذكس، هناك دور للروس في شراء الأراضي بفلسطين نظرا للأراضي المقدسة هناك والمرتبطة بميلاد السيد المسيح. ذلك ما تكشف عنه معاهدة “كيتشوك كاينارجي” عام 1774 مع الدولة العثمانية بعدما منيت بهزائم مريرة على يد موسكو. وبموجب هذه المعاهدة بات للروس الحق في حماية والدفاع عن الأرثوذكس في أي مكان تحت حكم الدولة العثمانية. وكان من تداعيات ذلك اندلاع حرب القرم.
وفي المحصلة، يكشف تاريخ توظيف الدين وتطويعه وإدارته على المستويين السياسي والتاريخي في روسيا عن استمراره وديناميته في نظم متغيرة، ووجوده ضمن عناصر القوة الرمزية في بنى السلطة، وهو عنصر من عناصر الهوية الثقافية والاجتماعية والسياسية، فضلاً عن تنامي تأثيراته بما يتخطى الجغرافيا الروسية إلى المحيط الإقليمي الأوسع والفضاء الجيوسياسي الذي يمثل نطاقها الحيوي والاستراتيجي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجع:
1- كارل ماركس، نقد فلسفة الحق عند هيغل – مقدمة، ترجمة: فالح عبد الجبار، ضمن: “نصوص ماركس في المسألة الدينية”، بيروت: دار الفارابي، 2005.
2-Lenin, V. I. (1909). Religion and Socialism (Religion and Science). Available in: Lenin’s Collected Works, Vol. 13.
رابط: من هنا
3-لماذا تُعَدّ روسيا القائد العالمي للأرثوذكسية؟، ليونيد سافين، مركز الدراسات العربية الأوراسية، دراسة، 5 تموز/ يوليو 2024، رابط: هنا
4-انقسام الكنائس الأرثوذكسية… رصاصة “دينية” تهدد بوتين، اندبندنت عربية، إنجي مجدي، تقرير، 4 آذار/ مارس، 2022. رابط: هنا
5-Bases of the Social Concept of the Russian Orthodox Church, Department for External Church Relations of the Moscow Patriarchate, 30 nov 2025, رابط: هنا
6- مرجع سابق، لماذا تُعَدّ روسيا القائد العالمي للأرثوذكسية؟
رابط:
7- الإسلام و”الإسلام السياسي ” في إستراتجية روسيا الاتحادية، منصة زمان الوصل الإلكترونية، مقال، 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013
8- تحليل للرؤية الإستراتيجية لمعهد تساريغراد “روسيا 2050.. صورة المستقبل”، مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديمتري بريجع، مقال، 9 تموز (يوليو) 2025. رابط:
9- الأسس الثقافية للأمم: الهرمية والعهد والجمهورية، أنتوني دي سميث، ترجمة صفية مختار، كتاب، نسخة إلكترونية، مؤسسة هنداوي.
10- مرجع سابق، الأسس الثقافية للأمم: الهرمية والعهد والجمهورية
11- مرجع سابق، الثقافية للأمم: الهرمية والعهد والجمهورية
12- مرجع سابق، الثقافية للأمم: الهرمية والعهد والجمهورية
13- تاريخ آل رومانوف، سليم قبعين، كتاب، نسخة إلكترونية، مؤسسة هنداوي.
14- مرجع سابق تاريخ آل رومانوف.
15- كي جي بي والدين في الاتحاد السوفيتي. من الوثائق المرفوع عنها السرية، موقع روسيا اليوم الرسمي (جهة حكومية)، 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، رابط: هنا
16- البطريك كيريل يدعو العالم المسيحي إلى حماية الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية، خبر، موقع روسيا اليوم، 24 آب (أغسطس) 2024.
17- البطريرك كيريل: روسيا تعيق انتشار الإلحاد في العالم، خبر، موقع روسيا اليوم، 9 حزيران (يونيو) 2024.
18- بوتين يدشن تمثالا للأمير فلاديمير في موسكو، خبر، روسيا اليوم، 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016.
19- الكنيسة الأرثوذكسية بوصفها فاعلًا رمزيًّا في السياسة الخارجية الروسية، مركز الدراسات العربية الأوراسية، دراسة، فراس بورزان، 1 حزيران (يونيو) 2025.
20- مرجع سابق، الكنيسة الأرثوذكسية بوصفها فاعلًا رمزيًّا في السياسة الخارجية الروسية.
21- مرجع سابق، الإسلام و”الإسلام السياسي ” في إستراتجية روسيا الاتحادية
22- كيف توظف روسيا “الأرثوذوكسية” لتعزيز نفوذها العالمي؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، تقرير، 16 آذار (مارس) 2025.
23- مرجع سابق تاريخ الإسلام السياسي في روسيا
24- الدين الأحمر: عندما حاول السوفييت خلق «إسلام شيوعي»، مقال، موقع إضاءات، 22 أيلول (سبتمبر) 2021. رابط: هنا
25- مرجع سابق، الدين الأحمر: عندما حاول السوفييت خلق «إسلام شيوعي».
26- مرجع سابق تاريخ الإسلام السياسي في روسيا
27- بوتين: القانون الأخلاقي لبناة الشيوعية مقتطف بدائي من الإنجيل، خبر، روسيا اليوم، 15 كانون الثاني (يناير) 2018.
رابط: هنا
28- قصة الحضارة، ول ديورانت ترجمة زكي نجيب محمود، الفصل التاسع والعشرون توحيد روسيا، ص 26، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم دار الجيل للطبع والنشر والتوزيع.
29- روسيا وأوكرانيا: من هو البطريرك كيريل، رجل بوتين الذي يريد الغرب فرض عقوبات عليه؟، تقرير، بي بي سي عربية، 14 أبريل (نيسان) 2022. رابط: هنا
30- الموت في قتال أوكرانيا يغسل كل الذنوب.. “فتوى” لزعيم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية تثير الجدل، خبر، الجزيرة، 27 أيلول (سبتمبر) 2022. رابط: هنا