تكوين
قد يكون مفهومُ الحداثة الأكثرَ تداولًا في الخطاب السياسي العربي منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلا أنه كذلك الأكثرُ اختلاطًا والتباسًا. فالحداثة في عُرف بعضهم، تُرادفُ الكفر والانحلال الأخلاقي والتبعية للغرب، وفي شرع الحداثويين استبعاد لكل ما هو تراثي أو ماضوي، وكل ما يمتُّ بصلةٍ إلى الذات التاريخية وثوابتها الثقافية والأيديولوجية. والحداثة في وجهها المادي العمراني، على رأي بعضهم، مقبولةٌ، لكنْ منزوعةٌ من جذرها العقلاني ومن سياقها التاريخي الفلسفي، وعلى ما يرى آخرون هي في آن إنجازاتٌ مادية ورُوحية، إذ وراء الانجازات المادية والعمرانية يثوي عقلٌ ورُوح لا تستقيم من دونهما.
هذا الالتباسُ المفهومي واجهَ النهضويين الأوائل، فاذا أقبلوا، وإن تحفظ بعضهم، على الحداثة في وجهها المادي، توجَّسَ أكثرهم إزاء قيمها الرُوحية والعقلانية. وإذ توجهت نخبتهم المتنورة إلى التوفيق أو التلفيق بين الحداثة والأصالة، آثرت قلةٌ منهم التقوقعَ والانغلاق على الذات.
ظلَّ هذا التوجهُ التاريخي في التعامل مع الحداثة سائدًا حتى بدايات القرن الواحد والعشرين، إذ نظر بعضهم إلى الحداثة بوصفها قطيعةً إبستمولوجية مع التراث، ورآها آخرون استمراريةً لثوابته القيمية، ووجهه المتطور المتغير، وإن تناقضها معه تاريخي لا جوهري وجودي. لكنَّ النخبةَ المتنورة أدركت أن الحداثةَ إنما هي رؤيةٌ جديدة إلى السياسة والحكم والمجتمع، تتمثل في نظم وتشريعات وقوانينَ سياسيةٍ واجتماعية مختلفة، وفي مبادئ وأفكار وثقافة، تتعامل مع الإنسان من منظور مختلف بوصفه حُرًّا وراشدًا وقيمةً في ذاته.
واقع الحداثة في العالم العربي
ولو تأملنا مليًّا في الواقع العربي في مطلع هذا القرن، انطلاقا من هذه الرؤية لمفهوم الحداثة، لرأينا أنَّ حداثتنا العربية ما هي في الحقيقة إلا حداثة معطوبة، منقوصة، معوقة، مخادعة. فالعالم العربي يغصُّ بمنجزات الحداثة المادية والتِقْنية من أبسطها الى أكثرها تعقيدًا، من الإبرة والزرِّ إلى السيارة والطائرة، ومن الراديو والتلفاز والفيديو إلى الأقمار الاصطناعية والكومبيوتر والأنترنيت والذكاء الاصطناعي، ومن حبة المُسَكِّن إلى آخر ما توصل إليه الطبُّ من أدوية فعالة وتِقْنيات متطورة، ومن البندقية إلى المدفع والصاروخ والقاذفة الأسرع من الصوت والدرون العصيَّة على الرادار، ومن المنتجات الغذائية من كل نوع وصنف، إلى الحليب الذي نُغذي به أطفالنا والأمصال التي نلقحهم بها. لكن أين نحن من كل هذا؟ هل نحن من أنتج هذه السلعَ أو شارك في إبداعها وانتاجها؟ وهل نحن من ابتكرها أو صممها أو طوَّرها وصولًا إلى كل أشكالها الراهنة؟
لا بالتأكيد، بل إنها وصلت إلينا مُكتملة ناجزة لننعم بها ونفيد منها. ما يُكرِّسُ وضعنا بوصفنا مُستهلكين للحداثة لا مُنتجين لها، فقد دلَّت الإحصاءاتُ المتواصلة، أن العربَ في طليعة المستوردين لكل ما يُنتجه العالم المُتقدم وأنهم، ليس فقط في سلاحهم، بل في قوتهم اليومي، عالة على هذا العالم الذي يُفيد من ثرواتهم الطبيعية أضعاف ما يفيدون هم.
ولو نظرنا فيما يزخرُ به عالمنا المعاصر من بحوثٍ واختراعات علمية وفكرية وثقافية، لرأينا أن إسهاماتنا في هذه البحوث والاختراعات تكادُ تقرُب من الصفر، مع أنه أصبحَ في عالمنا العربي الآن ما يزيدُ على 233 جامعة حديثة، تضمُّ أكثرَ من عشرةِ ملايين جامعي، إضافة الى أكثر من ألف مركز للبحث والتطوير. ولكنَّ إسرائيلَ مع ذلك لا تزالُ تتفوقُ علينا كمِّيًا ونوعيًا فيما تُنتجه من أبحاث واختراعات، ما يؤكد أن حداثتنا العلمية والثقافية ما تزالُ جسمًا غريبًا وناتئًا في بيئتنا، ولم يحصل بعد، التفاعل الإبداعي الخلاق بيننا وبينها، الأمرُ الذي مضى فيه العالمُ المتقدم من دون عوائقَ، مُقدِّمًا كلَّ يومٍ براهينَ مذهلةٍ على القدرات الإنسانية في تغيير العالم.
ولو نظرنا إلى الأنظمة السياسية السائدة في الساحة العربية، لهالنا، على رغم كل مُسمياتها الحديثة، ذلك الانفصامُ الهائلُ بينها وبين الأسس التي قامت عليها الحداثة السياسية، وجفاؤها مع جوهر العقد الاجتماعي الحديث الذي من مُسلماته وبداهاته الأساسية قيام السلطة السياسية على خيارات الناس وارتهانها لمصالحهم وإرادتهم في الحياة الحُرَّةِ وحاجتهم إلى التقدم والتطور البنَّاء، فضلًا عن خضوعها لمراقبتهم ومساءلتهم ومحاسبتهم الدائمة، فهل هذه هي القيمُ والمبادئُ والأسسُ التي تقوم عليها سُلطات عربية كثيرةٌ خارجة عن أي مراقبة أو محاسبة، مُمعنةً في إذلال المواطن العربي وتبديد ثرواته، على رغم الدساتير “العصرية” و”الحديثة” التي تُطلى بها؟ وهل تراعي هذه السلطات المبدأ الأولي والجوهري المؤسس للحداثة السياسية، ألا وهو المساواةُ التامةُ بين المواطنين؟ فالمرأة، على رغم انخفاض نسب الأمية والتحاق ملايين الفتيات بالتعليم الجامعي، لا تزالُ تُعاني من الدونية والتمييز، سواء في فُرَصِ العمل أو في الأجر أو في الحقوق السياسية والاجتماعية والإنسانية.
ولو تأملنا في البِنى الاجتماعية القائمة في الساحة العربية، لرأينا أنَّ البِنى السائدة، على رغم كل التسميات الحديثة، هي تلك التي لا تعترف بالفرد واستقلاليته وقراره الحر، الأمر الذي يُمَثِّلُ رُكنًا أساسيًّا من أركانِ الحداثة. ولوحظ منذ الثمانينيات من القرن الماضي هيمنةُ التنظيماتِ الطائفية والمذهبية في الأحزاب والنقابات والجمعيات العربية، كما أنه ليس من الصعب ملاحظة التمايز الاجتماعي الفادح بين المواطنين، الخلل الذي عملت على التخفيف من وطأته مجتمعات الحداثة من خلال تشريعات مدنية وأنظمة حماية اجتماعية.
أما على الصعيد التنظيمي المؤسساتي، فعلى رغم العناوين الباهرة التي تدَّعي الحداثة والتنظيم العصري، لم تقم بعد في العالم العربي الدولة المؤسسية القانونية التي تُقَدِّمُ العملَ المؤسسيَّ وحكم القانون والصالح العام، على ما عداها من اعتبارات، إذ تتفاقم، كما أشار محمود عبد الفضيل في” الفساد والحكم الصالح في البلاد العربية” (مركز دراسات الوحدة العربية) الدخول الخفية الناجمة عن الفساد، ويفرِّط في أداء الواجب الوظيفي والمهني، فيفقد القانون هيبته في المجتمع، وتفلت المخالفات الصريحة والصارخة لأمن المجتمع الاقتصادي والاجتماعي من العقاب، وتتآكلُ القيمُ والمُثُل التي تُعلي من شأن الصالح العام، كما تتحكم في الوظائف العامة المحسوبيات والعوامل الشخصية والقرابية، ما لا يتفق البتة مع معايير الحداثة التي تأخذ فقط في الحسبان الكفاءة الذاتية والصالح العام.
وإذا كانت المُواطنة والانتماء المواطني والقومي أهمُّ مظاهرَ الحداثةِ التي انتقلت بالإنسان من فلك الانتماءات العشائيرية والفئوية الضيقة إلى أفق المواطنية والقومية الرحب، فإن العالمَ العربيَّ أخذَ في التراجعِ منذ الثُلث الأخير من القرن الماضي إلى العصبويات المتخلفة الما قبل وطنية وما قبل قومية على رغم كل الشعارات الحداثوية المخادعة التي ترفع في كل مكان وكأن الرابطة القومية أو الوطنية أو المدنية باتت من المسلَّمات التي لا جدال بشأنها.
وقد تكون الحداثةُ الفكرية والعقلية هي الأكثرُ زيفًا، فالحداثةُ تتميز أساسًا بالعقلانية والتحرر من الخرافة والوهم والمعتقدات البائدة، ولكنْ على رغم امتلاك أحدث التِقْنيات المادية والمعلوماتية، وعلى رغم التصاعد الكبير في الاختصاصات العلمية والتجريبية وتكاثر معاهد الأبحاث العلمية، فضلًا عن تزايد أعداد المتخصصين في الدراسات الفلسفية، تتقدَّم في الوقت نفسه دعاوى التزمت والتكفير والارتداد إلى الخرافة واللا معقول فيطغى التفسيرُ الخرافيُّ على التفسير العلمي، والرؤية الماضوية للإنسان والمجتمع على الرؤية المنفتحة والعقلانية، وتغدو كتبُ الأبراج والطالع الأكثرَ رواجًا وتداولًا، دانيال بيك في “غسيل الأدمغة، تاريخ التحكم في العقول”.
من هنا، نحن في حاجةٍ إلى المُصالحة مع الحداثة، المُصالحة المُجهضة منذ بدء نهضتنا العربية إلى الآن، إذ لم نتجاوز بعد مرحلة صدمة الحداثة لنلجَ إلى عقلها ورُوحها، إذ بهرتنا مظاهُرها وغرقنا في ترفها، ولم ندرك أننا لن ندخل في ملكوتها، ما لم نشارك حقًّا في إنتاجها، بدل أن نأخذها عن غيرنا، منقوصةً، معطوبةً، مخادعةً.