إضاءةٌ على كتاب “كلام على شفير الميتافيزيقا”

 تكوين

تترجّح عند أكثر المتابعين لنتاج الفكر العربي السائد، قناعةٌ مفادها، إذا كان التاريخ قد عَرَفَ إبان مراحله المتعاقبة، تياراتٍ عقلانية ناقدة لخصوصية هذا الفكر وطاعنة في مقدِّماته، ومتجاوزةً لأسواره، فإنّ حظوظَها من الوجود والحضور لم تكنْ على القدر الذي وفَّر لها سُبل الاستمرار والتأثير في مجرى الصراع على المعنى الذي شَهِدَهُ هذا التاريخ، فسقطت بحمولتها الفلسفيةِ أمام غزْواتِ الفكر المتشدِّدِ بوجهيه: القومي والديني. فمع انتصارِ العاقلية الأشعرية-الغزالية (صفةً ذاتية للعقل) على عقلانية المعتزلة والفلاسفة وثباتِ التقليد على حساب التحديث والأصالةِ على حساب المعاصرة، وبعد الارتيابِ من الآخر والتشكيكِ في فكره الدخيل المختلف، وتسلُّطِ العقيدة على الرأي والقبيلةِ على المجتمع المدني، بدأت تترسَّخُ عواملُ المأساة وتتكونُ الآفاقُ المُظلمةُ لمستقبلِ هذه الأمة على امتداد ساحاتِها وحواضرها، فأطبقَ الفكرُ الإلغائي بأدواته العنيفة وعقمِه الإنساني، على إمكان قيامِ الدولة الحديثة، بعد نيله من شروط قيامِها المتمثلةِ في قيم: الحرية والعدالة والديمقراطية و حقوق الإنسان.

هذه المقالاتُ البحثيةُ، بمحمولها المفاهيمي، وقد انتظمت بين دفتي هذا الكتاب، تتكاملُ في التعبير عن ثراء الفكر العربي والإسلامي السائد، وهو ثراءٌ موسوم بخصوصية تنأى به عن مسار العقلانية الفلسفية المركوزة على الكُلِّي من المقولات المعرفية والقيم الكُلِّية، كما أنها تكشف كثافة العتمة التي تغمر هذا الواقع المعاند لفكرة التغيير، وتحاول أن تُبْرِزَ من داخل التراث المعرفي العربي، وعن طريق مصطلحاتٍ ومفاهيمَ أصيلةٍ، معالمَ تلك الخصوصية المعرفية والثقافية التي وسمت تاريخَ الفكر العربي والإسلامي السائد. فاستبطنت في بِنيتها التكوينية نسقًا معرفيًا بلغ من الصرامة والتأثير حدَّ التمكّنِ من تجميد هذا الفكر وتقليصِ دوره في إنتاج المعرفةِ ونقدِها.

إن مفاهيمَ مثلُ الاعتبارِ والاقتداء والقياس، مع ما يلازمها من وظيفة معرفية، ناشطة داخل الثقافة التراثية وفاعلة في نشرها وتعميمها، وما تقوم عليه من أركان مُنعقدة على معاني المماثلة والمشابهة، كانت كفيلة برسم الحدود التي يتحرَّكُ في إطارها الفكر العربي والاسلامي، وتتعيَّنُ معها نوعيةُ الثقافة التي يُنتجُها، وهي ثقافةٌ مغاليةٌ في تقديس نفسها والتعصُّبِ لأصولها الضاربة في تراث يتماهى فيه الديني والسياسي تماهيًا مولِّدًا لأسباب الصراع المدمَّى. ثقافة تتعزز فيها منازل التبديع والتكفير، وتتنامى عند أصحابها مشاعرُ الحذر من الآخر، والرفضِ المضلِّلِ لكل قولٍ مختلفٍ لا ينتظم في سياقاتها أو يستهدي بمقاصدِها، ولكلِّ فكرٍ نقدي يسألُ، ابتغاءَ مراجعةِ القراءاتِ التمجيدية للخطاب التراثي المهيمن، أو إبرازِ المهمشِ واللا مفكَّرِ فيه والمسكوتِ عنه في هذا التراث.

لا أحد يُنكر وجودَ تياراتٍ اجتهدت في سبيل تجديد ما، في الحقول الدلالية للتراث القرآني، وتوسَّلت بأحدث فنون القراءة والتأويل، وبالمنهجيات التي أفرزتها علوم الإنسان والمجتمع، لكنَّ الحقيقةَ أيضًا أنها لم تصلْ إلى نتائجَ مرضيةٍ ورافقها الفشلُ والإفشالُ في جميع مراحلها، والواقعُ الفكري والسياسي والاجتماعي والثقافي الذي تعيشه مجتمعاتُ التراث، لا يتركُ مجالًا للتشكيك في عمق المأزِق الذي يواجهُه، وعقمِ التربة القِيَميّة التي يغتذي منها.

مرَّة أخرى ترانا أمامَ سؤالِ ما العمل إزاء  ما نحن عليه من مناعةٍ مقاوِمة لأسباب التجدُّدِ والترقِّي، والسؤال يفضي إلى تداعي أسئلةٍ تتصل بالسياسات التربوية وأنظمة التعليم ونوعية البرامج  التي تعتمدُها السلطاتُ السياسية و المؤسساتُ الدينية والمدنية وتطول منظومة القيم التي تسترشد بها، من أجل تجاوزِ الأضرار التي تُحْدِثُها، في علم المتلقي وعمله، القراءاتُ الموجَّهةُ والموجِّهةُ للنصوص الدينية والتراثية عمومًا، لعلّ مطالبةَ هذه المؤسسات بتقديم قراءاتٍ بديلةٍ يكون الإنسانُ محورَها، بوصفه القيمة المطلقة، فيحدث تحت هذا الاعتبار، تفعيلُ مبدأ التوقُّفِ (توقف العمل بالنص عند تناقض الأدلة)، على كلِّ نصٍّ من النصوص المرجعية، يقطعُ سُبلَ الوصلِ الطيِّب بين إنسانٍ وآخرَ على قاعدة الاشتراك في الإنسانية، أقول لعلّ هذه المطالبة من المسائل الملحةِ و المؤثرة في تحرير المجتمع من الرواسب القبَلية والقيودِ الأيديولوجية وإخراجِه من ثقافة الكراهيةِ والغلبة إلى ثقافةِ المحبة الحاضنةِ و التعاضدِ الإنساني البناء.

هل يصلُ العقلُ التدبيري بأدواته المؤسسية إلى إنتاج ثقافةٍ مستنيرة تعزز في المجتمعات العربية والإسلامية حضورَ القيمِ الأخلاقية الكلية وتفعِّلُ دورَها في ترسيخ الاعتقاد الجازم بالحرية والعدالة، مفهومين مكرَّسين لكلِّ تقدّمٍ منشودٍ وحداثةٍ ممكنة!؟

سؤالٌ،  يبقى الجوابُ عنه مُعلَّقًا، وفي أحسن الأحوال، مشروطًا بالرهان على وعيٍ يتحقق في هذه المجتمعات، تجودُ به تجارِب الحياة ودروسُ التاريخ، يُفضي إلى قناعةٍ بأن الاختلافَ من سُنن الحياة وطبائعِ التاريخ، وبأن الآخرَ المختلفَ هو شريكٌ في صوغ هُويتك الفردية والاجتماعية، وفي إرساءِ وجودِك على قاعدةٍ، تكتسب صلابتَها من تنوِّعِ مكوِّناتِها وتكاملها في آن.

ومع ذلك كُلِّه، يبقى إقحامُ اللهِ ورسله وأنبيائه وأوليائه في صراعاتٍ يختارُ البشرُ، مقاصدَها وأبعادَها، و زجُّ عزَّتِه في صناعة التاريخ وتحريكِ الشعوب، والاقتتالُ، على مراده في وحيه وتنزيله، اقحامًا استثماريًا في لعبة السلطة وتشريع الاستلاء على مقاليدها، واقتتالًا مشبوهًا، تقود مسالكُه إلى واقع محفوفٍ بعوامل الاستبدادِ وتوليدِ المِحَن والفِتن، أقول، يبقى كلُّ ذلك، تعبيرًا عن واقعٍ مُعقَّدٍ، تستعصي معالجةُ أزْماتِه، عندما يكون المجتمعُ مجافيًا للعقلانية المستنيرة، متوجسًا من أدوات اشتغالها، حذِرًا من لغتها ومنطقها، مناوئًا لمآلاتها، غارقًا في يقينياتٍ مُتعالية على التاريخ، ورافضًا لكل حكمةٍ تدبيرية،  تمنع الاستباحة الفاضحة والمدمرة للقيم الإنسانية، وتحدُّ من صلفِ التديُّن الأعمى، والتعصُّبِ الفئوي والغلوِّ الأيديولوجي الذي يجتاحُ مكوناتِه.

أيها الأصدقاء، لكلِّ ما تقدَّمَ، كان هذا الكتاب، تفاعلًا حيًّا بين فكرٍ مخصوص وأدوات بيانية ناجعة، وتكاملًا فطِنًا، انعقدَ قوسُه على مصطلحٍ وفيٍّ لتربته ومنبِتِ جذرِه. وأمينٍ على هُوية ثقافية طالما رافقت الخطابَ الإسلاميَّ وتقدَّمت مقاصدَه وزيَّنت سماتِه.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete