تكوين
لطالما شغلت مسألة الزمن مكانة مركزية في الفكر الديني والميثولوجي، وهو ما يجعل دراسة تصورات الزمن في الأديان وسيلة لفهم العلاقة بين الإنسان والمطلق، بين الحاضر والمستقبل، بين الخبرة الفردية والجماعية للوجود. لم يكن من المستغرب أن تطورت عند معظم الأديان تقاويم زمنية مختلفة، لم تقتصر وظيفتها على تنظيم الأيام والأعياد، وإنما كانت وسيلة لتجسيد فهم خاص لطبيعة الزمن ودلالاته، سواء كان ذلك في نمط الزمن الدوري الذي يعيد نفسه، أو الزمن الخطي الذي يمتد من نقطة بداية إلى نهاية محددة. تعكس هذه التقاويم اهتمام المجتمعات الدينية بتسجيل اللحظات الاستثنائية، والربط بين الأحداث المادية والبعد الرُوحي، ما يجعل الزمن أداة رمزية تتجاوز وظيفته الكمية البحتة.
تُظهر دراسة الميثولوجيا القديمة أن الأديان تعاملت مع الزمن بطرق متباينة، وغالبًا ما ربطت المعجزات والزمن ربطًا متبادلًا، لتجسيد قدرة الشخصيات البطولية على تجاوزه أو التأثير فيه. يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة مقارنة لمفهوم الزمن في السرديات الدينية والفلكلورية، من داخل ثلاثة محاور رئيسة: أولًا، تحليل التصورات المختلفة للزمن بين الأديان القديمة والإبراهيمية والهندية، وثانيًا، دراسة مظاهر تجاوز الزمن في شخصيات معجزة وطول العمر، وثالثًا، فحص قصص تعليق الزمن أو إيقافه، وربطها بالوظيفة الرمزية والسياسية–الدينية للمعجزة. من قلْب هذا المسار، نسعى في إظهار أن الزمن في الخطاب الديني ليس إطارًا طبيعيًا أو تاريخيًا محضًا، بل أداةٌ سردية ومعرفية تكشف عن طبيعة العلاقة بين الإنسان والمطلق، وتُبيّن كيف يُعاد صناعة التاريخ لإعطائه معنًى وتوجيهًا أخلاقيًا ورُوحيًا.
الزمن في الأساطير القديمة: من العدو الوجودي إلى الرمز الكوني
لا يمكن القول إن الأديان أو الأساطير القديمة قد بلورت تعريفًا فلسفيًا مُمنهجًا للزمن، بقدر ما عبّرت عنه في صورة سرديات رمزية، اختلطت فيها الحكمة بالخيال، والقلق الوجودي بالتصور اللاهوتي. ففي الحضارة العراقية القديمة، يظهر الزمن في هيئة قوة لا تُقهر، تقف دائمًا في صف الموت والفناء، وهو ما يتجسد بوضوح في ملحمة جلجامش، التي تمثل واحدة من أقدم النصوص الإنسانية التي واجهت سؤال الخلود مواجهةً مباشرة.
فجلجامش، البطل نصف الإله، لا يخوض رحلته بحثًا عن الخلود بدافع القوة، بل نتيجةَ صدمة الفقد بعد موت صديقه المُقرب أنكيدو، إذ يتحول الزمن فجأة من إطار محايد للأحداث إلى عدو وجودي يهدد معنى الحياة نفسها. وتكشف رحلته إلى أوتو-نبشتم، البشري الوحيد الذي نال الخلود، عن إدراكٍ مبكر بأن تجاوز الزمن ليس حقًا مكتسبًا، بل استثناءٌ إلهيٌ نادرٌ. ويبلغ هذا الإدراك ذُروته حين يفشل جلجامش في الاحتفاظ بنبات الخلود، في إشارة رمزية إلى استحالة كسر قانون الزمن، مهما بلغت قوة الإنسان أو حكمته¹.
أما في الميثولوجيا اليونانية، فيأخذ الزمن بعدًا أكثر تجريدًا، إذ يظهر في صورة الإله “خرونوس”، الذي لا يُعبد ولا يُجسّد تمثاليًا، في تمييز لافت بينه وبين بقية الآلهة الأولمبية. فخرونوس ليس إلهًا شخصيًا بقدر ما هو مبدأ كوني، سابق على التجسد، مرتبط بفكرة “الكاوس” أو الفوضى الأولى. وغياب طقوس العبادة الخاصة به يعكس إدراكًا ضمنيًا بأن الزمن ليس قوة يمكن استرضاؤها، بل شرطٌ وجودي لا فِكاك منه.
يتخذ مفهوم الزمن منحًى أكثر انتظامًا داخل الأديان الكبرى، فيمكن رصد تمايزٍ واضح بين نموذجين أساسيين: النموذج الخطي، والنموذج الدائري. تتبنى الأديان الإبراهيمية –اليهودية والمسيحية والإسلام– تصورًا خطيًا للزمن، يقوم على فكرة البداية والنهاية، يبدأ فيه التاريخ بفعل الخلق الإلهي، وينتهي بلحظة خلاص كبرى أو حساب نهائي، وهو ما يُعرف عادةً بيوم الدينونة أو يوم القيامة.
غير أن هذا الاتفاق البِنيوي لا يُلغي التباين العقدي في تحديد صورة النهاية. ففي اليهودية، يتجسد أفق النهاية في ظهور “المسيّا” الذي يقود شعب إسرائيل إلى النصر واستعادة المملكة المفقودة. وفي المسيحية، يبلغ الزمن غايته مع المجيء الثاني ليسوع المسيح، إذ يفصلُ نهائيًا بين الخلاص والهلاك. أما في الإسلام، فيرتبط انتهاء الزمن بعلامات الساعة الكبرى، وبظهور المهدي في المتخيل السني والشيعي، وإن اختلفت التفاصيل العقدية بين المدرستين.
في المقابل، ترفض الأديان الهندية الكبرى، كالهندوسية والبوذية، هذا التصور الخطي، وتستبدل به نموذجًا دائريًا للزمن، يقوم على مبدأ “السامسارا” أو التناسخ، فلا بداية مطلقة ولا نهاية نهائية، بل دوراتٌ متكررة من الميلاد والموت. ويؤدي مبدأ “الكارما” دور الضابط الأخلاقي داخل هذا النظام، بطريقة يصبح الزمن نفسه أداة لإعادة التوازن، لا مسرحًا لخلاص نهائي².
يحتل مفهوم الزمن في الإسلام موقعًا خاصًا، يتجاوز كونه إطارًا للأحداث إلى كونه أحد مظاهر الفعل الإلهي في الكون. وتعبّر بعض الأحاديث النبوية عن هذا المعنى بوضوح، حين يُربط بين “الدهر” والتدبير الإلهي المباشر، في نفيٍ صريح لأي استقلالية للزمن عن الإرادة الإلهية. فسبّ الدهر يُعد –في هذا السياق– اعتداءً رمزيًا على فعل الله ذاته، لا على مفهومٍ مجرد³. ولا يعني هذا التصور تأليه الزمن، بقدر ما يؤكد نزع الفاعلية الذاتية عنه، وتحويله إلى وعاء تتجلى فيه مشيئة الله، ما يعكس حساسية لاهوتية دقيقة تجاه العلاقة بين المطلق والزمني.
معجزات التغلب على الزمن بين الخلاص والعقاب والاصطفاء
إذا كانت الأديان قد تباينت في تصوراتها النظرية للزمن، فإنها تكاد تتفق –على اختلاف سياقاتها اللاهوتية– في إدماجه داخل بِنيتها السردية بوصفه مجالًا للمعجزة، لا بوصفه قانونًا ثابتًا مغلقًا. فالمعجزة، في هذا الإطار، لا تُلغِي الزمن بقدر ما تُعلّقه أو تُعيد توجيهه لخدمة معنى ديني أسمى، سواء كان هذا المعنى مرتبطًا بالخلاص، أو بالبرهان على صدق النبوة، أو بالعقاب الرمزي، أو بالاصطفاء الإلهي.
ومن ثمّ، فإن قصص التغلب على الزمن –بإطالة العمر، أو تأجيل الموت، أو تعليق قوانين الفناء– لا يمكن قراءتها بوصفها حكايات عجائبية منفصلة، بل بوصفها أدواتٍ رمزيةً لتفسير العلاقة بين الإله والإنسان، وبين المطلق والزمني، وبين التاريخ والميتافيزيقا.
يقدّم العهد القديم نموذجًا مبكرًا لفكرة تجاوز الحدود الطبيعية للزمن عبر إطالة أعمار البشر الأوائل، إذ تُنسب إليهم أعمار استثنائية لا يمكن فصلها عن موقعهم الزمني القريب من لحظة الخلق الأولى. ويُعد متوشالح بن أخنوخ المثال الأبرز على ذلك، إذ تذكر نصوص سفر التكوين أنه عاش تسعمئة وتسعٍ وستين سنة، وهو أطول عمر يُنسب إلى إنسان في الكتاب المقدس4.
ولا يبدو هذا الامتداد الزمني محض معلومة تاريخية داخل النص، بل يحمل دلالة لاهوتية عميقة؛ فكلما اقترب الإنسان من لحظة الخلق، كان أقل خضوعًا لتآكل الزمن، وأكثر التصاقًا بالحياة الإلهية الأولى. وبذلك يتحول الزمن من كونه عقوبة لاحقة على السقوط، إلى مؤشر على درجة القرب أو البعد عن الأصل المقدس.
في التقليد المسيحي، تتخذ فكرة التغلب على الزمن بعدًا مختلفًا، إذ لا ترتبط فقط بالاقتراب من الخلق، بل بوظيفة برهانية واضحة. وتمثل قصة سمعان الشيخ نموذجًا دالًا في هذا السياق. فبحسب رواية الكنسية، كان سمعان أحد مترجمي العهد القديم إلى اليونانية في الترجمة السبعينية، وحين بلغ في ترجمته لسفر أشعيا موضع النبوءة القائلة: «هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا»، استشكل إمكان تحققها، فبُشّر من الملاك بأنه لن يذوق الموت حتى يشهد تحقق النبوءة بنفسه. وهكذا يُمدّ في عمره حتى يحضر ميلاد المسيح، ليغدو الزمن نفسه شاهدًا حيًا على صدق الوعد الإلهي. ويكتسب اعتراف سمعان –الوارد في إنجيل لوقا– دلالة لاهوتية مضاعفة، إذ لا يُمثّل تسبيحًا فرديًا بحتًا، بل إعلانٌ عن اكتمال مرحلة تاريخية، وانتقال البشرية من زمن الوعد إلى زمن التحقق5.
على النقيض من التصورات السابقة، يقدّم التقليد المسيحي أيضًا صورة مغايرة لتجاوز الزمن، يتحول فيها الامتداد الزمني من نعمة إلى لعنة. ويتجسد ذلك في أسطورة “اليهودي التائه”، الذي يُروى أنه سخر من المسيح في أثناء آلامه، فحُكم عليه بالبقاء حيًا حتى المجيء الثاني. وفي هذا النموذج، لا يُمنح الخلود بوصفه اصطفاءً، بل عقابًا دائمًا، يُفرغ الزمن من معناه الخلاصي، ويحوّله إلى حالة من التيه الأبدي.
وتكشف هذه الأسطورة عن إدراكٍ ديني عميق بأن الخلود في ذاته، ليس قيمة إيجابية مطلقة، بل يتحدد معناه بحسب موقع الإنسان من الحقيقة الإلهية. فالبقاء الأبدي خارج الخلاص لا يمثل انتصارًا على الزمن، بل غرقٌ فيه.
يتكرر هذا التمييز بين الامتداد الزمني الإيجابي والسلبي في التراث الإسلامي. ففي قصة السامري، الذي يُنسب إليه صنع العجل الذهبي لبني إسرائيل، يتحول الحكم عليه إلى صورة من صور النفي الزمني والاجتماعي معًا. فالعقوبة التي يذكرها المفسرون –والمتمثلة في “لا مساس” – لا تقتصر على العزلة الجسدية، وإنما تؤسس لحالة من الانقطاع التاريخي، يعيش فيها السامري خارج الجماعة، وخارج الزمن الاجتماعي، إلى يوم القيامة6.
في المقابل، تحتفي الثقافة الإسلامية بشخصية الخضر بوصفه نموذجًا معاكسًا، لأنه يُمنح طول العمر لا بوصفه عقوبة، بل بوصفه نتيجةً للعلم اللدني والولاية الخاصة. ويكشف كلام النووي –وهو من أكثر النصوص تمثيلًا لهذا الاعتقاد– عن حضور واسع لفكرة بقاء الخضر حيًا داخل المخيال الصوفي والسني التقليدي، إذ يصبح الزمن نفسه خاضعًا لمنطق الاصطفاء والمعرفة، لا للقانون الطبيعي وحده7.
تبلغ فكرة التغلب على الزمن ذروتها في العقيدة الشيعية الإمامية الإثني عشرية، التي يتحول داخلها الإمام الثاني عشر، محمد بن الحسن العسكري، إلى محور يلتقي عنده الزمن والتاريخ والخلاص. بحسب المعتقد الشيعي، غاب الإمام عن الأنظار في أواخر القرن الثالث الهجري، لكنه يظل حيًا إلى يومنا هذا، في انتظار لحظة الظهور التي يُعاد فيها ملء التاريخ بالعدل بعد أن مُلئ ظلمًا. هذا الغياب الطويل لا يُفهم بوصفه معجزةً فرديةً بحتة، ولكنْ هو شرط عقائدي لإدامة الحجة الإلهية في العالم، ووسيلة لضمان استمرار العلاقة بين الله والبشر عبر التاريخ، فيصير الإمام رابطًا حيًا بين الماضي والحاضر والمستقبل.
في هذا السياق، يتحول الزمن من مسار خطي طبيعي، يقاس بالساعات والسنين، إلى زمن معلّق ومؤجل، ينتظر لحظة الانفجار الخلاصي في آخر الزمان. هذا الزمن المعطل يعكس إدراكًا عميقًا للطبيعة اللا خطية للخلاص، حين لا تكون الأحداث التاريخية محض تراكم عشوائي للأحداث، وإنما ترتيب إلهي مشحون بالمعنى، يخضع لتدخل الإله وفق منظور شيعي إمامي. يصبح الغياب الطويل للإمام بمنزلة تعليق للزمن التاريخي، مؤجلًا لحظة العدالة الكبرى، لكنه في الوقت نفسه يضمن استمرار الحجة الإلهية، ويجعل التاريخ برمته في حالة انتظار دائمة للظهور النهائي.
كما يضفي هذا التصور على الزمن بعدًا رمزيًا ورُوحيًا، فهو ليس ببساطة إطار للسرد التاريخي، بل فضاءٌ متسعٌ يمكّن المؤمن من العيش في أفق الوعي بالإمام الغائب، ويحول الانتظار إلى تجرِبة وجودية. لهذا، يتحول الإمام الغائب إلى محور للزمن والتاريخ والخلاص، يصبح فيه كل عصر فرصة لاستيعاب الحضور الرُوحي المستمر، والانتظار المدروس للعدالة الإلهية التي سيعيد ملء العالم بنورها في اللحظة الحاسمة. وهكذا، تُجسد العقيدة الإمامية الإثني عشرية رؤية فريدة للزمن، بوصفه أداةً للخلاص ومؤشرًا على امتداد الحُجة الإلهية عبر التاريخ.8.
تكشف هذه النماذج المتنوعة –على اختلاف سياقاتها الدينية– عن دلالة مشتركة مفادها أن الزمن، في الوعي الديني، ليس إطارًا محايدًا محضًا للأحداث، ولكنْ أداةٌ تأويلية تُستخدم لإنتاج المعنى، وتبريرِ الاصطفاء، وتأكيدِ العقاب، وبناءِ السرديات الخلاصية الكبرى. فالمعجزة الزمنية لا تُلغِي التاريخ، بل تُعيد توجيهه، ولا تُنهي القانون الطبيعي، بل تُعلّقه مؤقتًا ليشير إلى ما يتجاوزه.
توقّف الزمن وتعليق النظام الكوني بين المعجزة والشرعية الدينية
تُمثّل قصص توقّف الزمن الذروة القصوى في السرديات الدينية المتعلقة بالمعجزة، إذ لا يقتصر الخرق فيها على تجاوز حدود العمر أو تأجيل الموت، وإنما يمتد إلى تعليق النظام الكوني نفسه. ففي هذا المستوى، لا يصبح الزمن محض إطار للأحداث، وإنما يتحول إلى عنصر خاضع مباشرة للإرادة الإلهية، يُعطَّل أو يُعاد توجيهه حين تقتضي الغاية الدينية ذلك.
ومن اللافت أن هذا النمط من المعجزات يظهر غالبًا في سياقات صراعية أو تأسيسية: لحظات حرب، أو تثبيت لوصاية دينية، أو تأكيد لاصطفاء إلهي خاص. وبذلك يغدو توقّف الزمن حدثًا استثنائيًا لا يُقصد به إبهار المخيال فحسب، ولكنْ إنتاج شرعية رمزية تتجاوز القانون الطبيعي والتاريخي معًا.
تُعدّ قصة توقّف الشمس في سفر يشوع واحدة من أبرز الروايات الدينية التي تجسد تعليق النظام الكوني لصالح مشروع ديني وتاريخي محدد. ففي سياق المعركة الحاسمة التي يخوضها يشوع بن نون عند دخول أرض كنعان، يقدم النص التوراتي وصفًا صريحًا لتدخل إلهي غير مسبوق، إذ تتوقف الشمس في كبد السماء ويثبت القمر في موضعه حتى يكتمل انتقام بني إسرائيل من أعدائهم. هذا الحدث لا يقتصر على كونه معجزة كونية؛ ولكنه يحمل دلالة رمزية مزدوجة، فهو يربط النصر العسكري بالقدرة الإلهية ويجعل الزمن نفسه أداة لتحقيق إرادة الله، وهو ما يعكس فهمًا للكون برؤيته خاضعًا لسلطة إلهية يمكن أن تتجاوز قوانينه الطبيعية حين تتطلب العدالة الإلهية تحقيق هدف محدد.
يمكن النظر إلى هذا الحدث أيضًا بوصفه مؤشرًا على التلاقي بين البعد التاريخي والبعد الإيماني: فالمعركة ليست صراعًا بشريًا على الأرض فحسب، ولكنها تمثل استمرارًا لمشروع إلهي يمتد عبر الزمن، يصبح للنصر العسكري فيه بعد رُوحاني يتجاوز الأحداث المادية. توقّف الشمس إذن ليس فقط حدثًا خارقًا للطبيعة، بل وسيلةٌ سردية لتأكيد فكرة أن الزمن الطبيعي قابل للتعليق والتغيير في إطار إرادة إلهية محددة، ما يعكس تصورًا عميقًا للربط بين القوى الكونية والتاريخية.
علاوة على ذلك، يحمل النص في طياته دلالات رمزية عن الانتصار والعدالة: فالكون بأسره يتوقف، ليس لإظهار القوة فحسب، وإنما ليصبح مشاركًا في تحقيق العدالة الإلهية لصالح شعب الله المختار. بهذا الأسلوب، تتحول حادثة توقّف الشمس من وصف لمعادلة فيزيائية مستحيلة إلى سردية معقدة تتشابك فيها المعجزة، الزمن، السلطة الإلهية، المشروع التاريخي. لتقدم نموذجًا صارخًا على كيفية توظيف النص الديني للرمزية الكونية لتعزيز معنى النصر الإيماني والتاريخي9.
ولا تنفصل هذه الرواية عن تصورٍ لاهوتي يرى في الطبيعة ذاتها أداة طيّعة بيد الإله، تُسخَّر بالكامل لخدمة “التاريخ المقدّس”. فالحرب هنا ليست صراعًا سياسيًا أو عسكريًا خالصًا، وإنما فعل ديني محض، تُعلَّق من أجله قوانين الكون. ومن ثمّ، يصبح توقّف الزمن علامةً على رضًى إلهي، وبرهانًا على شرعية الفعل التاريخي ذاته.
وتكتسب هذه الرواية أهمية إضافية بوصفها مرجعًا تأسيسيًا، سيُعاد توظيفه لاحقًا في سياقات دينية أخرى، خاصة في الجدل بشأن الوصاية والخلافة والاصطفاء. في المتخيّل الشيعي الإمامي، تظهر حوادث “ردّ الشمس” بوصفها إعادة إنتاج رمزية لمعجزة يشوع بن نون، ولكن داخل سياق إسلامي–سياسي مختلف. إذ تروي المصادر الشيعية أن الشمس قد رُدّت من المغرب إلى المشرق مرتين من أجل علي بن أبي طالب، في دلالة صريحة على مكانته الاستثنائية، واصطفائه بوصفه وصيَّ النبي محمد وخليفته الشرعي.
تنقل رواية عبد الله بن جعفر الحميري القمي عن الإمام جعفر الصادق تفاصيل الحادثة الأولى، إذ تُربط المعجزة بطاعة علي للنبي، وتقديمه خدمة له حالت دون أدائه صلاة العصر في وقتها، فيُستجاب الدعاء بردّ الشمس، كي لا تفوته الصلاة. وفي هذا السياق، لا تُفهم المعجزة بوصفها محض كرامة فردية، ولكنْ بفهمها علامةً كونية على أولوية علي الدينية والرُوحية10.
ويُلاحظ أن الرواية، وإن وُجدت بصيغ مختلفة في بعض المصادر السنية، فقد اكتسبت في التدوين الشيعي وظيفة عقدية واضحة، إذ جرى الاستدلال بها لإثبات الإمامة، عبر القياس الرمزي بين علي ويشوع بن نون، وصيّ موسى. فكما توقّفت الشمس لوصي نبي بني إسرائيل، كذلك تُردّ لوصي نبي الإسلام، في توازٍ مقصود بين السرديتين.
تتكرر حادثة ردّ الشمس في الرواية الشيعية التي يوردها الشيخ الصدوق في “من لا يحضره الفقيه”، لكنْ في هذه النسخة تأخذ الأبعاد الدلالية طابعًا أكثر تعقيدًا. فالمكان هذه المرة هو بابل، المدينة التي تُصوَّر على أنها أرض ملعونة، وأول موقع شهد عبادة الأصنام في التاريخ البشري، ما يجعلها مسرحًا لمواجهة رمزية بين الطهارة الإلهية والفساد البشري. في هذا السياق، يرفض علي، بوصفه وصي النبي ووريثًا للرسالة، أداء الصلاة داخل حدود هذه الأرض، مؤكدًا امتداد وصايته عبر سلسلة تاريخية تمتد من إبراهيم إلى الأجيال اللاحقة، قبل أن يتجاوز المكان نفسه. غير أن غروب الشمس يحول دون إتمام الصلاة، فتحدث المعجزة مجددًا: تتوقف الشمس عن الغروب، ليُتاح للمصلي أن يُتم واجبه الإلهي.
ولا تكتفي الرواية بالحادثة الخارقة لتكون ظاهرة معجزة، ولكنْ تضيف طبقات رمزية متعددة: فالنطق بالكلام “كأنه بالعبرية” لا يظهر عابرًا، بل يشير إلى استدعاء تراث نبوي أقدم، وربط علي مباشرة بالخط النبوي والوصاية الإبراهيمية. هكذا يصبح الفعل العلوي ليس معجزة زمنية بحتة، وإنما تأكيدٌ على استمرار السلطة الرُوحية والتاريخية للوصي.
علاوة على ذلك، تُبرز الرواية دور الليل والنهار بتقديمهم عناصر تنظيمية للنظام الكوني: فالليل يعود بعد الصلاة ليعيد التوازن الطبيعي، مما يؤكد أن الخرق الذي أحدثه عليًا كان مؤقتًا ووظيفيًا، لا دائمًا، وأن النظام الكوني لا ينكسر إلا لإتمام فعل إلهي محدد. بهذا، تتحول حادثة ردّ الشمس في بابل إلى سردية متشابكة بين المعجزات الفردية، والرموز التاريخية، والوظيفة الكونية، لتصير لحظةً تُجسّد التلاقي بين البعد الإنساني للوصي، والبعد الإلهي للنظام الكوني، ضمن سياق شيعي غني بالرموز والتاريخية الدينية.
خاتمة: الزمن بين القانون والمعنى في الوعي الديني
تكشف القراءة المقارنة لمفهوم الزمن في السرديات الدينية والميثولوجية عن حقيقة مركزية، تتمثل في أن الزمن لم يُفهم قط فهم إطارٍ محايد أو قانونٍ طبيعي جامد، بل كان دائمًا مجالًا مشحونًا بالمعنى والدلالة، يلتقي فيه الإلهي بالتاريخي، والميتافيزيقي بالإنساني، ليصبح أداةً للتأويل ورمزًا للسلطة والمعنى. فمنذ أساطير الحضارات القديمة، مرورًا بالديانات الإبراهيمية، والتقاليد الهندية والبوذية، وصولًا إلى التصورات الشيعية المتأخرة، ظلّ الزمن محورًا مفتوحًا للتفسير، يتجاوز وظيفة الحساب والتقويم البسيطة إلى مجال رمزي يعكس موقف الإنسان من الوجود والخلاص.
ويُظهر المحور الأول أن الوعي الديني المبكر تعامل مع الزمن تعاملَ القوة الوجودية المؤثرة، أحيانًا وعدوًا للفناء، وأحيانًا شرطًا للخلاص، وهو ما تجلّى في التباين بين التصورات الخطية والدائرية للتاريخ. ففي الأديان الإبراهيمية يُنظر إلى الزمن نظرةَ مسارٍ يمتد بين بداية ونهاية، تتخلله لحظات استثنائية من الوحي والاصطفاء الإلهي، فيما تعيد الديانات الهندية صياغته بوصفه دورة متجددة لا نهاية لها، تصبح فيها مسألة البداية والنهاية سؤالًا عبثيًا لا معنى له. ويعكس هذا التباين أن الزمن ليس محض معطى طبيعي ثابت، بل بناءٌ تصوري يختزل رؤية كل دين للعالم، وللإنسان، ولمصيره.
أما المحور الثاني، فيوضح أن تجاوز الزمن في الميتافيزيقا الدينية لا يُقدَّم دائمًا على أنه انتصار إنساني على الفناء، بل يمكن أن يتخذ صورًا متناقضة بين النعمة والعقوبة. فامتداد العمر قد يكون علامة قرب من الإله أو امتيازًا خاصًا، كما في شخصيات الخضر أو الإمام الغائب عند الشيعة، في حين يتحول في بعض السرديات الأخرى إلى لعنة وجودية، كما في أسطورة اليهودي التائه. وفي جميع هذه الحالات، لا يعمل الزمن وفق منطق الطبيعة، بل يُعاد توظيفه ليصبح أداة لإنتاج خطاب ديني وأخلاقي، يربط طول العمر أو قِصَرِه بالموقف العقدي والوظيفة الخلاصية، ويؤكد أن الإنسان محكوم بتفسير الزمن كما تراه السلطة الرُوحية أو الوحيية.
أما المحور الثالث، فيبرز أن الزمن لا يظل محض عنصر قابل للتمديد أو التأجيل، ولكنْ يتحول في لحظات استثنائية إلى نظام كوني يُعلَّق بالكامل. فقصص توقّف الشمس أو ردّها، كما في قصة يشوع بن نون أو علي بن أبي طالب، لا تهدف فقط إلى إظهار القدرة الإلهية المطلقة، بل تؤدي وظيفة سياسية–دينية دقيقة، تتمثل في تثبيت شرعية تاريخية، أو تبيين اصطفاء شخص معين، أو تبرير قيادة دينية معينة. وهنا يتحول الزمن من كونه مسرحًا بحتًا للأحداث إلى شاهد كوني على لحظة التأسيس أو الاصطفاء، إذ تُعلَّق القوانين الطبيعية، ويعاد ترتيب المعنى وفق غاية أخلاقية ودينية، ما يبرز البعد الرمزي للمعجزة الزمنية.
وفي المحصلة، يُمكن القول إن المعجزةَ الزمنية، على اختلاف صورها، لا تسعى في نفي القانون الطبيعي بقدر ما تسعى في تجاوزه رمزيًا، لتأكيد أن التاريخَ الديني لا يُقاس بالسببية المادية وحدها، ولكنْ بمنطق الغاية والمعنى. فالزمن في الوعي الديني ليس فقط وَحْدةَ قياسٍ، وإنما معيارٌ يُقاس به الإنسان ذاته: إيمانه، وموقعه من الحقيقة، وعلاقته بالمطلق، وقدرته على إدراك العِبَرِ والدروس. ومن هنا، فإن دراسة الزمن في الخطاب الديني تتجاوز الفيزياء والفلسفة الطبيعية، لتصبح نافذة كاشفة على كيفية بناء الأديان لسردياتها الكبرى، وكيفية إعادة صناعة التاريخ، ليغدو مجالًا مفتوحًا للتأويل، وفضاءً تتلاقى فيه الرموز والمقدسات، والسلطة والمعنى، في سياق واحد يربط بين الإنسان والكون والله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
- طه باقر، ملحمة جلجامش، تحقيق وترجمة: طه باقر، بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، د.ت، ص 105–112.
- ” مبدأ الكارما في الهندوسية يشير إلى قانون السبب والنتيجة الرُوحي: كل فعل يقوم به الإنسان—جيد أو سيء—يؤثر على حياته الحالية والمستقبلية. الكارما تحدد دورة الولادة والموت (السنسارة)، وتشجع على السلوك الأخلاقي والتوازن الرُوحي لتحقيق التحرر النهائي (الموكشا)”. ميرسيا إلياد، المقدّس والمدنّس: طبيعة الدين، ترجمة: كمال بومنير، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2007، ص 68–74.
- “لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قال: أنا الدَّهْرُ، الأَيَّامُ واللَّيالِي أُجَدِّدُها وأُبْلِيها، وآتِي بِمُلوكٍ بعدَ مُلوكٍ” محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا﴾، بيروت: دار ابن كثير، 2002، ج 6، ص 337.
- الكتاب المقدس، سفر التكوين، الإصحاح الخامس، الآيات 21–27.
- الكتاب المقدس، إنجيل لوقا، الإصحاح الثاني، الآيات 25–32.
- شمس الدين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، القاهرة: دار الكتب المصرية، 1964، ج 11، ص 241–242.
- يحيى بن شرف النووي، شرح صحيح مسلم، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1392هـ، ج 15، ص 134–136.
- محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، تحقيق: علي أكبر الغفاري، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1407هـ، ج 1، ص 336–338.
- الكتاب المقدس، سفر يشوع، الإصحاح العاشر، الآيات 10–14.
- عبد الله بن جعفر الحميري القمي، قرب الإسناد، تحقيق: عبد الله نوراني، قم: مؤسسة آل البيت، 1993، ص 179–180.