استراتيجيات خطاب العنف المعولم.. كيف نفكك خرائط الذهنية المتطرفة؟

 تكوين

التطرف… ماذا بعد؟

لا يتحرك الفعل المتطرف في دائرة مفرغة دومًا، وإنما هناك ما يمنحه الحضور والغياب، الثبات والتغير، الصلابة والسيولة. لكن المؤكد أن وراء كل فعل عنيف تاريخٌ من الإجرام البشري، كما أن وراءه بصمات ثقافية وفكرية تغذيه وتحرضه وتستفزه في كل وقت وحين. لهذا لم يستطع الإنسان في مسارات تكوِّن وعيهِ الفكري والاجتماعي والسياسي، أن يوقف هذا المدَّ العنيف، لأنه من جهة يرتبط بالحالة البشرية التي تحِنُّ في كثيرٍ من الأحيان إلى أصولها وجذورها، وكذلك ارتباط الإنسان الثقافي بعالم الفكر والمفاهيم والثقافة والدين، وكل المكونات التي تجعل منه كائنًا مغتربًا عن ذاته، يصنع الأشياء والأفكار، وبدل أن يتحكم فيها تتحكم فيه.

هذا يذكرنا بالربط الذي قام به “إيريك فروم” بين مفهومين أساسيين: الوثنية والاغتراب. فالوثنية وفق “فروم” ليست صناعةَ أحجار وأصنام والعكوف عليها بالعبادة كما يظن البعض، أو كثيرٌ من الناس فحسب. وإنما الوثنية تتجاوز كل ذلك كما أكد “فروم” نفسه، إلى أن تصير نمطًا من أنماط الاغتراب العميق، الذي تتمُّ فيه عملية الإسقاط المادي على كائنات صمَّاء، مع الخضوع التام لها، والشعور بالعجز اتجاهها. هذا الاغتراب المُعَبَّر عنه هنا، خاصة في سياق التحليل النفسي الذي أطَّر تفكير “إيريك فروم”، هو نوع من الانفصال بين الإنسان وذاته، حين يعجز عن إدراك أن الله أو العقيدة أو الفكرة، ليست كِيانات منفصلة عنه، بل تعبيرٌ عن قواه الداخلية العليا: الحب، الحرية، العقل، والشجاعة.

هناك نوع مما يُمكن تسميته بالانكسار الوجودي، أو الفراغ الوجودي الذي يشعر به المرء حسب منظومة “فروم” النقدية، يُفِرِّغُ الإنسان من المعنى والهدف والغاية، ويملأ هذا الفراغ بصورة مرعبة بأفكار وأصنام ذهنية يهابها ويعبدها، ويُصَعِّبُ من عملية الانفصال عنها. المُثير هنا هو التشابه الذي وضعه “إيريك فروم” بين مفهومي الاغتراب والوثنية الموجود في العهد القديم، وأيضًا جميع الكتب المقدسة بما في ذلك القرآن الكريم. فـ “فروم” يضعُ تشبيهًا بالغَ العُمْقِ بين ظاهرة الاغتراب في المجتمع الحديث وظاهرة الوثنية (idolatry) في المجتمعات القديمة. إذ يؤكد بأن الإنسان عندما يُنتجُ أشياءً (أفكارًا، سلعًا، أنظمة، مؤسسات)، ثم يفقد السيطرة عليها، وتتحوَّلُ إلى قوى تتحكم فيه وتخيفه وتفرض عليه شروطها، فإنه يعيش حالة اغتراب شبيهة بحالة الإنسان الوثني، الذي يصنع الصنم بيده ثم يعبده بوصفه إلهًا. فالوثنيُّ يصنع تمثالًا من الخشب أو الحجر، ثم يفترض فيه القوة والعظمة ويخشاه ويتوسل إليه، وهو في الحقيقة محض منتج بشري.[1]

وإذا كنا نتفق مع “إيريك فروم” فيما ذهب إليه، خاصة في الربط المنطقي بين مفهومه للاغتراب والوثنية، فإن ذلك يمنحنا أيضًا ربطَ هذه الوثنية والاغتراب بالظاهرة الإرهابية، أو الفعل المتطرف والعنيف. فالشخص العنيف بداية لا يُقْدِمُ على أي ممارسة تدميرية ضد الذات أو الآخر، إلا إذا كان الفعل الذي سوف يُقْدِمُ عليه مُقَدَّسًا، أو ذا قيمة اعتبارية عنده، وهو ما يُسمى بجنون الإيمان، أي اللحظة التي تتحول فيها الفكرة إلى مُثِيْرٍ ومُحَرِّضٍ على الفعل العنيف، والخروج بالإنسان عن حدود المألوف، ولهذا نُطلق على هذه المغذيات والمحرضات اسم الخطاب، فيصدق عليها مفهوم الخطاب الإرهابي.

  • ماذا نقصد بالخطاب؟

من اللغة إلى السلطة:

قبل أن نتحدث عن أن للإرهاب والجماعات المسلحة والعنيفة خطابٌ، وجبَ أن نتحدث عن مفهوم الخطاب، لأن من خلاله يتأسس الفعل العنيف، وعبره يتم التجنيد والاستقطاب، وممارسة القوة التدميرية في أبشع صورها. ولا شك أن القارئ لمختلف السياقات المعرفية اليوم، يتبين له شيوع هذا المفهوم، وبروزه بروزًا واضحًا في مجالات مختلفة، منها: النظرية النقدية، وعلم الاجتماع، والفلسفة، والدراسات الدينية، والفلسفة وعلم النفس، وغير ذلك من الأفرع المعرفية المتعارف عليها. لكن هذا الشيوع لا يعني أن نُضْجَ هذا المفهوم ونموه الأساسي كان بالأساس في: حقل النظرية النقدية الأدبية، وتحليل النصوص، والتخصصات اللُّغوية واللسانية المختلفة.   وبالعودة إلى بعض المعاجم للوقوف عند دلالات هذا المفهوم، نجدُ أن المعاني الأعم للمصطلح ودلالاته النظرية، تداخلت والتبست، نتيجةَ التطور والاستخدام المُكَثَّف للفظ، وسنأخذ بعضًا من هذه المعاني كما تم إيرادها في بعض القواميس:

  1. Discourse تواصلًا شفاهيًّا، حديثًا، حوارًا.
  2. المعالجة المنهجية لموضوع ما شفاهيًّا أو كتابيًّا.
  3. وَحْدة من نص يستخدمها اللُّغويون، لتحليل الظواهر اللُّغوية التي تشمل أكثر من جملة واحدة.
  4. To discoures القدرة على تفكير مهجور.
  5. to discourse on/upon تحدثَ أو كتبَ عن شيء.
  6. حاور.
  7. عزف لحنًا مهجورًا.[2]

وعلى الرغم من أن المعنى الملازم لكلمة الخطاب ظلَّ مقرونًا بالحوار، والعزف على موضوع ما، والحديث، والتواصل، إلا أن هذا المفهوم بدأ يعرف تحولات كبيرة بعد ستينيات القرن الماضي، قد أشارت إليها “ميلز”[3] في كتابها “الخطاب”، ولعل أبرز تحول، هو ذلك الفصل بين مفهوم الخطاب والنص، إذ مَيَّزَ بينهما “ديفيد كريستال”، وحُدِّدَت كيفيات استخدامهما بطريقة مختلفة في سياقات متعددة. فالنص في فكر “كريستال” يُعَدُّ الوحدة اللُّغوية التي تحتوي على مجموعة من الكلمات والجمل التي تترابط لتكوِّنَ خطابًا متكاملًا. وهو يُمكن أن يكون مكتوبًا أو منطوقًا، ولكنه في النهاية يكون مستقلًا عن التفاعل الفوري بين المتكلم والمستمع أو القارئ. إذ يُنظر إليه بوصفه مُنتجًا لُغويًا ثابتًا يُحَلَّلُ في ذاته، دون الحاجة إلى التفاعل الفوري مع الآخرين. وكأننا أمام النص نركز على البنية اللُّغوية، مثل: النحو والصرف والمعجم، وكيفية تأثير هذه العناصر على المعنى داخل النص ذاته.

أما الخطاب، فهو يُشير إلى اللُّغة المستخدمة في سياق تواصلي حي وديناميكي. كأننا في الخطاب نكون أمام تفاعل لُغوي حي، يتم بين المتكلم والمستمع أو القارئ في لحظة معينة، تتطور فيه المعاني والأفكار عبر هذا التفاعل المستمر. فالخطاب لا يقتصر على الجمل والكلمات، وإنما يشتمل على سياق تواصلي تتداخل فيه عوامل مختلفة، مثل: الزمان والمكان والمواقف الاجتماعية والثقافية. كما تتحقق غايته عن طريق أهداف تواصلية مُعَيَّنَةٍ مثل: الإقناع أو التأثير، وتُعد اللغة في هذا السياق وسيلة، لتحقيق تلك الأهداف. فما يُمَيُّزُ الخطاب هو أنه يعتمد اعتمادًا كبيرًا على التفاعل الفعلي بين الأطراف، وهو ما يجعله مختلفًا عن النص، الذي يُمكن تحليله بمعزل عن هذا التفاعل المباشر.

وإذا ما انتقلنا إلى السياق الاجتماعي والثقافي والفكري في استعمال مفهوم الخطاب، فسنجد كتابات الفيلسوف الفرنسي “ميشال فوكو” بارزة في هذا الباب لمجموعة من الاعتبارات. لعل أهمها أن اجتهادات “فوكو” في نظام الخطاب، كان لها تأثيرًا عميقًا في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وهذا واضح في مختلف كتاباته، وأيضًا الدراسات التي اهتمت بأعماله، وفلسفته. فـ “نورمان فيركلف” في كتابه ” الخطاب والنظام الاجتماعي”[4]، يُشير إلى هذا الاحتفاء بمفهوم الخطاب في فلسفة “فوكو”، ويؤكد أن دوره لا يُمكن تجاهله في انتشاره، وتطوير أساليب تحليله باعتباره منهجًا دراسيًّا. هنا تنبع أهمية هذا المفهوم في فكر “فوكو” من خلال سببين اثنين: الأول، يتعلق بأن عديدًا من علماء الاجتماع يعتمدون على مدخل “فوكو” في تحليل الخطاب بوصفه نموذجًا مرجعيًّا. أما السبب الثاني، فهو أن أي بِناء لنظرية تحليل خطاب فعَّالة، يُمكن تطبيقها عمليًا في دراسات التغيرات الاجتماعية والثقافية، لا بُدَّ أن يدمج بين التوجهات اللُّغوية في تحليل الخطاب مع المبادئ التي طرحتها النظريات الاجتماعية الحديثة. وقد أسهم “فوكو” إسهامًا كبيرًا في تطوير نظرية اجتماعية للخطاب، خاصة في مجالات، مثل: العلاقة بين الخطاب والسلطة، وكيفية بِناء المعرفة والهُويات الاجتماعية من خلال الخطاب، وأثر الخطاب في التغيير الاجتماعي.

بالرجوع إلى كتاب نظام الخطاب لـ “ميشيل فوكو”[5] يُمكننا رصد المداخل الأساسية لتحليل الخطاب عند الفيلسوف الفرنسي. خاصة تأثيراته في مجالات متعددة وحقول معرفية متنوعة مثل: الفلسفة والاجتماع والسياسة. ويُمكن التأكيد أن مفهوم الخطاب من العلامات الفارقة في فلسفة “فوكو”، إذ وظفه بطريقة واضحة في فهم الطريقة التي تكوَّنت بها السلطة والمعرفة عن العالم الاجتماعي، وكيفية بِناء الهُويات والمعاني. مُقدمًا بذلك مفهومًا فريدًا عن الخطاب، يتجاوز الكلمات أو النصوص، إلى الوجود الفعلي للأنظمة التي تحكم كيفية إنتاج المعرفة، وكيفية استخدام السلطة لها في تكوين الحقائق.

ينظر “فوكو”، إلى مفهوم الخطاب بطريقة مغايرة، فهو عنده أداةً مركزيةً في بناء الحقيقة والمعرفة. متجاوزًا بذلك النظرة الاختزالية التي ظلَّت تحصر وتسجن الخطاب فقط في اللغة والكلمات أو النصوص. وقد مكَّنه هذا التجاوز إلى أن يمد المفهوم بطريقة أساسية ليشمل كلَّ الممارسات الاجتماعية التي تسهم في تكوين المعرفة. إذ يصير الخطاب هو ذلك النظام الذي يُنتج ويدير ما يُعَدُّ صحيحًا أو مقبولًا في المجتمع. ويُنظِّمُ العلاقات الاجتماعية والأيديولوجية وفق ما تسمح به أو تمنعه السلطة، ومن ثمَّ فالخطاب يكوِّنُ طريقة رؤيتنا للعالم.

يُعَدُّ الربط بين الخطاب والسلطة من أبرز الموضوعات التي تُسَيِّجُ أعمال “فوكو”. فعندهُ، فإن الخطاب ليس محايدًا أو محض تعبير عن أفكار أو آراء فردية، وإنما هو أداةٌ للسلطة، تُستَخدم للتحكم في سلوك الأفراد، وأفكارهم، ومعتقداهم الفكرية والسياسية والدينية، كما أنه هو الوسيلة الكبرى، لتحديد المسموح وغير المسموح في المجتمع. فكلما تمكَّنت فئة أو مؤسسة معينة من فرض خطاب معين، فإنها تكتسب القدرة على التحكم في المعرفة وتحديد الحدود الاجتماعية. إذ إن الخطاب يُمكن أن يُسهم في بِناء “الذوات” الاجتماعية عن طريق تصنيفات ومعايير محددة تروجها السلطة.

أركيولوجيا المعرفة:

في عمله المعروف بـ “أركيولوجيا أو حفريات”[6]، يُقدم “فوكو” طريقة لفهم تطور الخطاب عبر الزمن. إذ يُشير إلى أن الخطاب ليس تراكمًا معرفيًّا عاديًّا، بقدر ما هو شبكةٌ من القواعد التي تُحدد ما يُمكن قوله من عكسه في فترة زمنية معينة. وكلمة الأركيولوجيا أو الحفريات في فلسفة “ميشيل فوكو” تُشير إلى منهجية تحليلية تَهْدِفُ إلى دراسة التكوينات المعرفية عبر الزمن، أي كيف يتكوَّنُ الواقع الاجتماعي والمعرفي عبر أنماط معرفية تُهيمن في أوقات معينة ثم تندثر في أوقات أخرى. كما أنه يُشير هنا إلى النبش في الخطاب، وفي المعرفة الإنسانية، واللغة، وأدوات التواصل المختلفة، بما يسمح بإدراك وفهم طرق تطور وتكوُّن الأنظمة المعرفية، والمجالات المختلفة.

إن أهم ما كشف عنه البحث الأركيولوجي المعرفي من المنظور الفوكوي، هو العلاقة الكامنة بين المعرفة والسلطة، التي لا يقتصر البحث الأركيولوجي فيها على الوصول إلى الحقائق والمعرفة، وإنما يتجاوز كل ذلك إلى أن يصيرَ أداة لفهم كيفية تأثير علاقات السلطة في تكوين هذه المعرفة. لقد كانت هذه النظرة متمركزة حول قضية محورية يمكن اختصارها في العبارة التالية: “المعرفة لا تُنْتَجُ في فراغ “، أي أنها مرتبطة دائمًا بسياق اجتماعي وثقافي وسياسي، كما أنها خاضعة لعلاقات القوة والسيطرة، إذ يُحَدِّدُ الفاعلون الاجتماعيون (مثل: السلطات السياسية، الدينية، أو العلمية) ما يُعَدُّ معرفة وما لا يُعَدُّ في فترة زمنية محددة. ومن ثمَّ تصبح الأركيولوجيا هنا أو الحفريات مثل أداة رئيسة لإدراك تكوينات المعرفة، وطرق التعبير عنها، والوسائل التي تستخدمها السلطة لبثها وتنظيمها. كأننا أمام علاقة تداخلية أو تكاملية بين الخطاب والأركيولوجيا، إذ يشتمل الخطاب على الشروط الاجتماعية والثقافية التي تحدد ويُنْتَجُ من خلالها ما يُعَدُّ “حقيقة” “معرفة” في لحظة معينة من الزمن.

  • ماذا نعني بالخطاب الإرهابي؟

قبل أن نُجيب عن هذا السؤال، لا بُدَّ أن نطرح سؤالًا آخرَ: هل يُمكن أن نعتبر ما يسوقه الإرهابيون والجماعات المسلحة، والأيديولوجيات العنيفة خطابًا؟ في هذا السياق لا بُدَّ من التذكير بأن مفهوم الخطاب هو مفهوم إشكالي كما سبق أن رأينا، وهو يتجاوز حدود اللغة، والحوار والحديث، إلى أعمق من ذلك، حينما يتحول إلى الدلالة على البِنى الاجتماعية المكوِّنة لعلاقة الإنسان بمحيطه، وبالآخر، وبالكينونة الذاتية. وكي نُطلق على ما يصدر عن الإرهابيين مفهوم الخطاب، وجب التذكير بأن الخطاب يتجاوز اللغة كما مرَّ معنا، على الرغم من أن اللغة تُمثل الوسيلة الأساسية للتواصل وتكوين الخطاب، كما أنها هي المحدد الأساسي للتعبير عن كل طُرق التفاعل الاجتماعي. فالخطاب ليس مقتصرًا فقط على الكلمات أو الألفاظ المنطوقة أو المكتوبة، وإنما يشملُ مجموعةً واسعة من العناصر: الاجتماعية، الثقافية، والسياسية التي تؤثر في كيفية إنتاج الرسائل وتفسيرها. وكي نفهم خطابًا ما فإننا نستحضر الأبعاد التالية:

  • السياق الاجتماعي والثقافي: إذ لا يُفهم الخطاب بمعزل عن السياق الذي يُستخدم فيه. فالمعاني لا تُستنبط فقط من الكلمات نفسها، وإنما من: العلاقات الاجتماعية، والقيم الثقافية، والأيديولوجيات السائدة في المجتمع.
  • الوسائل غير اللفظية: يشمل الخطاب أيضًا الوسائل غير اللفظية مثل: الإيماءات، تعبيرات الوجه، لغة الجسد، وحتى الأماكن والفضاءات التي يتم فيها التواصل. هذه العناصر تُسهم في تكوين المعنى، ويمكن أن يكون لها تأثيرًا كبيرًا في تفسير الرسائل.
  • السلطة والنفوذ: يرتبط الخطاب ارتباطًا وثيقًا بمسائل السلطة والنفوذ. فالأشخاص الذين يمتلكون السلطة الاجتماعية أو السياسية يُمكنهم توجيه الخطاب وصياغته بما يتوافق مع مصالحهم.
  • التفاعل الاجتماعي: الخطاب يتأثر بتفاعلات الأفراد في سياق اجتماعي معين. فهو لا يحدث في فراغ، بل هو جزءٌ من ديناميكية اجتماعية تشمل التفاوض المستمر حول المعاني والمواضيع الاجتماعية.

لذلك يُمكننا أن نعتبر أن الخطاب يتجاوز اللغة بوصفه مكونًا اجتماعيًا وثقافيًا يشملُ عناصر متعددة ومعقدة بعيدًا عن النظرة الضيقة للجوانب اللُّغوية. هذه العناصر تسهم في تكوين المعنى وإنتاجه وتفسيره، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، مما يجعل الخطاب ظاهرة معقدة تتداخل فيها عناصر متعددة ومجالات معرفية مختلفة. ومن ثمَّ يمكننا أن نسحب مفهوم الخطاب على الظاهرة الإرهابية. إذ كل ما يصدر عن الجماعات الإرهابية من: أفكار، وتوجهات، وأفعال، ودراسات، يخضع بالضرورة إلى مفهوم الخطاب، ومن ثمَّ فهو موضوعٌ للتفاعل والدراسة، والتحليل، والتفكيك. هنا نتوافق مع ما ذهب إليه “نورمان فيركلف” الذي اشتغل على تيمة الخطاب والتغير الاجتماعي، إذ تعامل مع الخطاب بوصفه نوعًا من الممارسة الاجتماعية لا بوصفه فعلًا فرديًّا أو ردَّ فعلٍ على المتغيرات الظرفية. وهذا رَتَّبَ مجموعة من الوقائع: أولًا، أن الخطاب هو نوع من الفعل الاجتماعي، يُمَثِّلُ تفاعلًا حيًّا بين الأفراد والمجتمع، سواء في صيغة تواصل شفهي أو مكتوب. ثانيًا، يُشير هذا الفهم إلى وجود علاقة جدلية بين الخطاب والبناء الاجتماعي، إذ يُمَثِّلُ هذا الأخير الخطاب ويُحَدِّدُ نطاقه في مستوى أوسع وأعمق من مجرد الإطار الظرفي للحدث الاجتماعي. هذا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمفهوم الذي طرحه “ميشيل فوكو” بشأن تكوين الخطاب وكيفية تأثيره في تكوين الهُويات الاجتماعية والمفاهيم الثقافية.

من هنا، يُمكننا أن نُميز ثلاثة جوانب رئيسة للتأثير البَنَّاء للخطاب. أولًا، يُسهم الخطاب في بِناء «الهُويات الاجتماعية» و«مواقع الذوات»، التي تُسهم في تكوين الشخصيات والطبقات الاجتماعية وأنماط الفكر. ثانيًا، يُساعد الخطاب في بِناء «العلاقات الاجتماعية» بين الأفراد ويُجسدها ويطورها ضمن مجتمعاتهم المختلفة. ثالثًا، يُسهم الخطاب في بِناء «نظم المعرفة» و«الأنماط العقائدية»، إذ يرتبط بالمفاهيم الفكرية والمعرفية في المجتمع. هذه الأبعاد الثلاثة، التي تشمل الهُوية والعلاقة والفكر، تتفاعل في كل خطاب وتحدد معناه[7].

من ناحية أخرى، يُشير التحليل إلى أن الخطاب ليس فقط تعبيرًا مباشرًا عما في الواقع، وإنما يتجاوزُ ذلك إلى إعادة تكوينه وَفْقَ مستخدميه، أو المُعَبِّرِيْنَ عنه. فالخطاب وَحْده له هذه الصلاحية، أن يُعيد إنتاج الواقع بما يتلاءم مع الفكر والثقافة السائدة، أو يُعيد تكوينه كما هو مُشاهد في الوقائع التاريخية. ومع ذلك، فمن المُهم النظر في العلاقة الجدلية بين الخطاب والبناء الاجتماعي، وذلك عن طريق القفز على التصور الأحادي، والنمطي للأشياء، والذي مفاده أن الخطاب محض انعكاس للواقع الاجتماعي من جهة، أو أن الخطاب مصدرٌ لتكوين المجتمع من جهة أخرى. فالتصور الأول يُعزز فكرة أن الخطاب هو محض مرآة للواقع الاجتماعي العميق، في حين يُفْرِطُ التصور الآخر في تقديم الخطاب بوصفه مُؤَسِّسًا للمجتمع. ومن ثمَّ فإن النظرة الجدلية تُعَدُّ أكثر قدرة على تفسير العلاقة بين الخطاب والبِنية الاجتماعية بوصفها ممارسة متغيرة ومعقدة. وبذلك يُمكننا القول إن الخطاب ليس محض تجسيد للأيديولوجيا أو الأيديولوجيات المهيمنة، وإنما هو أداةٌ فاعلةٌ في تكوين القوى الاجتماعية والأيديولوجية، ويمكنه أن يُعيد صياغة هذه القوى أيضًا من خلال صراعات متجددة على السلطة.

الخصائص العامة للخطاب الإرهابي: الذئب المنفرد نموذجًا

بِناءً على ما سبق، يُمكننا أن نرى ما يَصْدُرُ عن الجماعات الإرهابية خطابًا، وذلك استنادًا إلى تصورات متعددة بخصوص مفهوم الخطاب الذي يتجاوز حدود اللغة والحديث المباشر. فكما تمت الإشارة إلى ذلك، فالخطاب لا يقتصر فقط على الكلمات المنطوقة أو المكتوبة، وإنما يمتدُّ ليشمل مجموعة من العناصر الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تُسهم في تكوين المعنى.

إذن، إذا أدرجنا هذا في سياق الجماعات الإرهابية، وتحديدًا معضلة الذئاب المنفردة، نجد أن هذه الجماعات تُصْدِرُ نوعًا من الخطاب الذي يعتمد على مجموعة من الأدوات والتِقْنيات المتنوعة التي تشمل:

  • السياق الاجتماعي والثقافي: إذا كان الخطاب يحتاج إلى سياق اجتماعي وثقافي، يعمل فيه، وينشأ وينمو حتى يصير من المحددات الأساسية في علاقة الإنسان بفهم العالم حوله، فإن الخطاب الإرهابي يُفْهَمُ في سياقات اجتماعية وثقافية متشابكة ومعقدة، لا يُمكن النظر إليه فيها بوصفه محض تفاعل لفظي بين أفراد، وإنما بوصفه ظاهرةً تنبع من بِنى اجتماعية وسياقات تاريخية وحضارية. وبما أننا في سياق الحديث عن معضلة الذئاب المنفردة، كونها إشكالية من إشكاليات الجهادية العالمية، أو عولمة الإرهاب، فإننا نقول بأن الخطاب الإرهابي، خاصة في تكوين رؤية الذئاب المنفردة لا يخرج عن هذا السياق، في كونه يَسْتَغِلُّ الوضع الاجتماعي الذي يتسم بالتهميش، اللا مساواة، أو النزاعات العرقية والدينية والسياسية لتكوين خطاب محرضٍ على العنف. وغالبًا ما تظهر هذه الذئاب المنفردة في بيئات تعيش حالة من الاستبداد السياسي، أو الفقر المدقع، أو الاحتلال، أو بيئات حاضنة للعنف والتطرف العنيف. ولعل ما كتبه “أبو محمود المجاهد”[8] في كتابه “الذئب المنفرد” يُفيد في هذا السياق، إذ يُحدد ملامح تكوين الذئب المنفرد، وكذلك الدوافع والعوامل والفضاء الذي يشتغل فيه، وإذا أردنا أن نحدد بدقة السياق الاجتماعي، كما ورد في كتاب “أبو محمود المجاهد” فإننا نجده يتحدث عن بلاد الكُفْر، أو ما يُسمى في الأدبيات الجهادية بدار الحرب، وكذلك البلدان التي تعلن حربها على الإسلام والمسلمين، أو تشارك في هذه الحرب.

في هذا السياق الاجتماعي والثقافي، يتبين لنا خطورة الخطاب الإرهابي، إذ لا تقتصر أهدافه على الاحتفاء بالقوة والعنف، أو إبراز مظاهر الغلبة والشدة فقط، وإنما يتعدى ذلك إلى إعادة تكوين هُوية جديدة قائمة للذات، أساسها أن التطرف والعنف هو الوسيلة الوحيدة، لمقاومة ما يُعَدُّ ظُلمًا أو قهرًا. ولهذا نجد أن الخطاب الإرهابي المُوَجِّه والمؤثر في تكوين ذهنية الذئب المنفرد، غالبًا ما يتوجه إلى فئة معينة في المجتمع، تتسم مشاعرها بمشاعر الإحباط والغضب تجاه الأوضاع السائدة. وقد أشار إلى بعض من هذه المشاعر “عبد الصمد الديالمي”، وأضاف إليها بُعْدًا آخرَ غالبًا ما يتحاشاه الباحثون في هذا المجال، نظرًا لحساسيته، وأيضًا لتحييده واستبعاده في المقاربات البحثية المتعلقة بالإرهاب. هذا العامل، هو الجنس أو الكبت الجنسي، ودوره في تكوين الفرد الإرهابي، أو الذئب المنفرد، أو جماعة الذئاب المنفردة.

  • الظاهرة الإرهابية من منظور “عبد الصمد الديالمي”: الجنس المحرك الأكبر

تكمنُ أهمية هذه المقاربة، وأطروحة “عبد الصمد الديالمي”[9]، في أنها تبحث في الهوامش، وفي الأماكن المسكوت عنها، وداخل أروقة الممنوع عما يكوِّنُ ظاهرة الإرهاب والتطرف وفق مقاربة جنسية، إذ يُركِّزُ الكتاب على فهم ظاهرة الإرهاب والتطرف في السياق الاجتماعي والثقافي للمدينة الإسلامية من خلال مقاربة جنسية، إذ يُحلَّلُ فيها التفاعل بين الأبعاد الاجتماعية والجنسانية في تكوين هذه الظواهر.

يرى “الديالمي” أن تصميم المدينة الإسلامية التقليدية، لم يوضع بطريقة اعتباطية، بل كان يخدم هدفًا أساسيًّا بما في ذلك توزيع الأماكن العامة والخاصة، هذا الهدف خَدَمَ غرضًا اجتماعيًا يتعلق بكبح جماح الأفراد، وضبط القوة الجنسية، وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات بين الجنسين. كما أن فكرة الكبت وعلاقتها بتصميم المدينة تخلق نوعًا من الضبط الثقافي والأخلاقي. إذ يتضح بأن أطروحة “الديالمي”، تحاول أن ترى بأن هذه الضوابط العمرانية والثقافية التي تحكم المدينة الإسلامية تسهم في إعادة إنتاج ممارسات الكبت، خاصة عن طريق المراقبة الاجتماعية والتوجيه الديني الذي يحكم السلوك الجنسي والعلاقات الإنسانية. ومن ثمَّ تؤدي المدينة إلى خلق بيئة تعزز الخوف من الممنوع وتزيد من شعور الأفراد بالعُزْلَةِ أو القمع الجنسي[10].

إن العلاقة بين المدينة والإرهاب، أو بين الهندسة العمرانية والإرهاب هي علاقة معقدة ومتشابكة، كما تم الكشف عنها في الطرح الفكري “لعبد الصمد الديالمي”. ففي المجتمعات الحضرية، أو لنقل المدنية، هناك ضغوط تمارس على الأفراد، تكشف عن نوع من الضبط الاجتماعي، وتنظيم الحياة الاجتماعية والجنسية. هذه القيود يُمكن أن تؤدي إلى الكبت الداخلي للفرد، وهو ما يُعَدُّ أحد العوامل التي قد تسهم في ظهور سلوكيات متطرفة أو إرهابية. فعندما يُحْجَبُ الأفراد عن التعبير عن رغباتهم أو أفكارهم بحرية في فضاءات المدينة، فقد تُوَجَّهُ هذه الطاقات المكبوتة إلى أعمال عنف أو تمرد ضد النظام الاجتماعي، مما يخلق بيئة ملائمة لتجنيد المتطرفين. هذا الأمر نفسه قد أشارت إليه “باربارا ويتمر” [11] باسم نظرية “التحريم الاجتماعي”، وتُشير إلى كيف أن المجتمع يفرض تحريمًا أو تقييدًا على سلوكيات أو مشاعر معينة ويرها محظورة أو غير مقبولة اجتماعيًا، مثل: الغضب أو العدوانية. ووفقًا لهذه النظرية، تقوم المجتمعات بتكوين أعراف اجتماعية تُلزم الأفراد بالكبت والامتناع عن التعبير عن مشاعر سلبية أو سلوكيات عنيفة. هذا التحريم الاجتماعي قد يُستخدم بوصفه وسيلةً، لتنظيم العلاقات الاجتماعية والحفاظ على النظام الاجتماعي. ولكن في الوقت نفسه، يؤدي هذا التحريم إلى تراكم مشاعر مكبوتة قد تجد طريقها إلى الانفجار في صورة عنف جماعي أو فردي، إذ يُصبح الأفراد غير قادرين على التعبير عن مشاعرهم السلبية بطريقة سلمية أو مقبولة، فالمجتمع يفرض قوانين غير مكتوبة، أو ما يسمى بـ “الأعراف” على سلوك الأفراد، ويشجعهم على قمع مشاعرهم أو سلوكياتهم. وكلما زاد الكبت، زادت احتمالية تحوله إلى عنف، فالكبت المُتزايد للمشاعر السلبية، يمكن أن يؤدي إلى تراكم هذه المشاعر داخل الأفراد، حتى تجد لها متنفسًا في صورة سلوكيات عنيفة أو عدوانية. هذه النظرية تُقدم تفسيرًا نفسيًا واجتماعيًا، لكيفية تطور العنف في مجتمعات قد تحظر التعبير عن مشاعر القوة أو الغضب بطريقة علنية، مما يؤدي إلى أن يصبح العنف وسيلة مقبولة في سياقات معينة.

بالعودة إلى مجال المدينة الحديثة كما عَبَّرَ عنها “عبد الصمد الديالمي”، وعلاقتها بالإرهاب والتطرف، فإننا نجدُ بأن هذا التفسير للظاهرة الإرهابية له مكانته ووجاهته، على اعتبار أن المدينة تخلق فجوة بين الأفراد في المجتمعات التقليدية، خاصة عندما يشهد سكان المدن تغيرات سريعة في نمط الحياة والاقتصاد والثقافة. هذا التحول السريع قد يؤدي إلى حالة من الاغتراب والانعزال عن الهُوية الثقافية والدينية. هذه الفجوة يُمكن أن تُسهم في تطور مشاعر الاستياء والعزلة، وهي عوامل تُسهم في تطور الفكر المتطرف، إذ يجد الأفراد في الأيديولوجيات الإرهابية فرصة لتأكيد هُويتهم أو الانتقام من الشعور بالتهميش.

هنا لا بُدَّ من الانتباه إلى أن المدينة ليست فضاءً للسكن، أو ممارسة أشكال التبادل الإنساني فقط، وإنما هي منطقةٌ للتوترات الدينية والأيديولوجية، وذلك لأنها فضاء تتخلله مختلف الأيديولوجيات والأديان والمجموعات الثقافية، وتؤثر فيه كل أشكال التواصل الإنساني. وحينما تصير المدينة فضاءً للتوترات الدينية والإيديولوجية، تتحول بكيفية أو بأخرى إلى مجال لتنفيس الصراع والعنف البشري، وقد يتخذ هذا الصراع أشكالًا متعددةً، أخطرها هو التطرف والإرهاب. لذلك نجد بعض الجماعات المسلحة، والعنيفة، تَسْتَغِلُّ مناطق التوتر، لخلق بيئات ملائمة، وحاضنات شعبية تُحفز على العنف، والعمل الإرهابي، والتخريب باسم الدين أو الهُوية الثقافية.

إضافة إلى ذلك، ففضاء المدينة، فضاء مفتوح، يعتمد على مفهوم الوفرة في كل شيء، لهذا مَثَّلَ دومًا بيئة لوجستية مثالية للمنظمات الإرهابية، لتنظيم وتحريك الأفراد والموارد. كما أن البنية التحتية الحضرية مثل: وسائل النقل، الاتصالات، الأماكن العامة، ووسائل الإعلام، يُمكن اعتبارها وسائل مساعدة على توفير منصات للتخطيط والتنظيم. فالأحياء الفقيرة أو المُهَمَّشَةُ في المدن الكبرى، دومًا كانت تُمَثِّلُ العناصر المستهدفة بالاستقطاب والتجنيد، باعتبارها النفسيات المهيأة قبليًّا، لتقبل العنف، والفكر المتطرف، والشعور بالاغتراب أو القمع.

كما أن المُدُنَ نفسها تُمَثِّلُ أهدافًا رئيسة للهجمات الإرهابية. فجميع الهجمات الإرهابية تكون المدينة محورًا رئيسًا لها، خاصة المدن الكبرى، أو المدن السياحية والتجارية، لأنها تضم بصورة أكبر الأماكن العامة أو المرافق الحيوية. وهي الهدف الرئيس لكل عمليات التخريب الممنهج، الذي يهدف إلى خلق حالة من الفوضى والذُعر، والسيطرة النفسية والفكرية على مقدرات الناس، واللعب بتوجهاتهم، ولفت الانتباه إلى قضايا معينة، مثل: الاستبداد السياسي، الحروب، أو الفقر. ناهيك عن أن المدن الكبرى، هي رموز للقوة والنفوذ السياسي والاقتصادي، وعناوين للممارسات السياسية القوية، ما يجعلها هدفا رئيسًا إلى المجموعات والعصابات الإرهابية المنظمة.

ولأن المجتمعات الحضرية تتسم أحيانًا بجو من القمع الاجتماعي والسياسي. فالتوترات التي تنشأ بِناءً على هذه التفاعلات الاجتماعية الناشئة من عنف بعض القوانين، أو جورها، والتمييز الذي يشعر به المواطن اتجاهها، والممارسات الأمنية التي قد تتجاوز المشروع والقانوني، قد تدفع الأفراد إلى اللجوء إلى المقاربات العنيفة والمتطرفة. وفي بعض الأحيان، قد يكون التطرف ردَّ فعل على القيم السائدة في المدينة التي يراها الأفراد قمعية أو غير عادلة.

  • الاستغلال الثقافي والجذب الجماعي: بالتركيز في الخطاب الإرهابي المتطرف نجد بأنه يُعطي الأولوية في عملية التجنيد والاستقطاب للمجتمعات المُهمشة، إذ يُمكن استغلال الرموز الدينية أو الثقافية لتبرير استخدام العنف. فقد تتبنى الجماعات الإرهابية مجموعة من المفاهيم الدينية أو المذهبية العقائدية، من أجل رفع مستوى التحريض والتحفيز، واستغلال الرموز الدينية، أو المظالم التاريخية للقيام باستنهاض الهمم، والعزف على الجروح النرجسية، من أجل إعادة تكوين الواقع السياسي والاجتماعي، بما يتلاءم مع تطلعاتها وأهدافها. في هذا السياق، يُمَثِّلُ الخطاب الإرهابي نوعًا من رد الفعل على القيم السائدة في المجتمع، إذ يُرَوُّجُ لأسطورة “العدالة” التي يرى أن العنف والتدمير الممنهج هو السبيل لتحقيقها.

حينما نتحدث عن الجانب الهُوياتي في الخطاب الإرهابي، فإننا نرى بأنه يسعى في بناء هُوية جماعية، تتأسس على مشروعية المناهضة والتمرد على النظام القائم، ومن ثمَّ يُعزِّزُ هذا الخطاب شعورَ الانتماء إلى جماعة قوية ذات أهداف مشتركة، مع تبرير الوسائل العنيفة التي تُستخدم لتحقيق هذه الأهداف. وهذا يدلُّ على أن الخطاب الإرهابي في أساسه هو خطابٌ أيديولوجي، لأن الخطاب المبني على هدف التجميع والحشد هو أحد الوظائف الأساسية للخطاب الأيديولوجي، إذ لم تَعُدْ الأيديولوجيا ذلك العلم المهتم بدراسة الأفكار كما كان يراها “دي تراسي” عندما اعتبرها “علمَ العلم” أو “علمَ الأفكار”. بل أصبحت وظائفها أكبر من ذلك بكثير، إذ يُمكن اختزالها في خمس وظائف رئيسة: الأولى، هي التعيين، ثم تأتي وظيفة التجمع  (ralliment)، تليها وظيفة التبرير (justification)، ثم وظيفة الإخفاء، وأخيرًا وظيفة تجويز الإدراك (autoriser la  perception).  ومن خلال هذه الأدوار، يُمكننا أن نرى الخطاب الإرهابي تجسيدًا فعليًّا لكل القيم الأيديولوجية، مهما تنصَّل هذا الخطاب منها، تحت ذريعة المطلق والمقدس[12].

  • الذئب المنفرد وخطاب الهُوية:

فيما يتعلق بالذئب المنفرد، نجدُ أنه غالبًا ما يتصرف في سياق اجتماعي وثقافي مماثل، لكنه يختلف عن الجماعات الإرهابية في أنه لا ينتمي إلى بِنية مُنظمة. رغم ذلك، فإن الذئب المنفرد يتأثر هو الآخر بالمجتمع المحيط به، إذ تؤثر القيم السائدة في المجتمع في تفسيره لواقع العالم حوله. قد يشعر هذا الفرد بالتهديد أو التهميش أو حتى الغربة داخل مجتمعه، مما يفتح المجال أمام الأيديولوجيات المتطرفة، لتصبح وسيلة لفهم وإعادة تكوين واقع لا يتواءم مع توقعاته.

مشكلة الهُوية في الخطاب الإرهابي تأخذ أشكالًا متعددة، والذئب المنفرد جزءٌ من هذه الإشكالية، لهذا سَمَّى “داريوش شايغان” كتابه “بأوهام الهُوية”[13]، وهي أحد المفاهيم الأساسية التي عَنَى بها فكره وفلسفته، إذ ينطلق “شايغان” من رؤية تُشَبِّه الهُوية بـ “الريزومية”، (Rhizome)  وهي مفهوم فلسفي مُسْتَوْحَى من علم النبات، طوره “جيل دولوز” و”فيليكس غاتاري”، ويُشير إلى بِنية معرفية غير هرمية، متعددة التفرعات، ومتشعبة دون مركز ثابت، تتيح إمكانات غير محدودة للاتصال والتفاعل. هذا المفهوم اقتبسه أيضا “داريوش شايغان” من قراءته للحضارات والهُويات الثقافية، إذ رأى أن العالم المعاصر يتسم ببنية ريزومية متشابكة، تتجاوز التصورات التقليدية للهُويات المغلقة والثابتة. فهو يرى بأن الهُويات لم تَعُدْ أحادية أو منغلقة، بل أصبحت “هُويات ريزومية” تتكوَّنُ من خلال التأثيرات المتداخلة والمتشابكة بين الثقافات. فالهُوية في السياق الحديث ليست معطىً ثابتًا، بل كِيانٌ ديناميٌّ يتأثر بالمجالات الحضارية المختلفة، مما يجعلها في حالة تفاعل دائم مع الحداثة والتِقْنية والثقافة الكونية. ولعل المثال الواضح هنا ما أسفرت عنه الثورة الإيرانية، إذ أحدثت تحولًا عميقًا في مفهوم الهُوية داخل إيران، واستُبدِلت بالهُوية الفارسية الإيرانية الراسخة هُوية دينية إسلامية، وهو التوجه الذي لم يقتصر على إيران وحدها، وإنما امتدَّ، ليصبح المرجعية الأيديولوجية للحركات الأصولية في عديدٍ من البلدان العربية والإسلامية. وقد تعززت مركزية الهُوية الدينية بوصفها بديلًا عن المشاريع القومية، بعد تفكك الدول العربية، وانهيار التصورات القومية العروبية، ما أدى إلى ظهور الهُويات الطائفية والعشائرية بوصفها منافسًا للدولة الوطنية.

ينتقد “شايغان” هذه الحالة في العقليات الأصولية عمومًا ويُطْلِقُ عليها الوهم “ الوهم المزدوج“ (Double Illusion”، ويقوم هذا الوهم على تصورين متناقضين يعيشان في الذهنية التقليدية، مما يؤدي إلى مأزق وجودي وثقافي يصعب تجاوزه. فما هو الوهم المزدوج؟ يُجسَّدُ هذا المفهوم في مستويين من التفكير المتناقض داخل المجتمعات التي لم تُحقق قطيعة واضحة مع ماضيها التقليدي ولم تندمج كليًّا في الحداثة:

  • وَهْمُ استعادة الماضي الأصيل: تعيش المجتمعات التقليدية على أمل استعادة الماضي، وإمكان استرجاعه، سواء كان ذلك عبر: إحياء التقاليد الدينية، أو الثقافية، أو الفكرية كما كانت قبل الاستعمار والحداثة الغربية. وهي نظرة حَنينية مثالية، تجعل الهُوية مفهومًا ثابتًا وجوهريًّا غير متحول، يُمكن إحياؤه فورَ التخلص من التأثيرات الغربية. لكن “شايغان” يرى أن إمكان الرجوع إلى الوراء هي إمكان مستحيلة، لأن الزمن لا يعود إلى الوراء، كما أن الحداثة قد غيَّرَت البنى العميقة للحياة، مما يجعل أي محاولة للعودة إلى الماضي محض وهم ثقافي.
  • وَهْمُ تبني الحداثة دون شروط: تعتقد المجتمعات الأصولية أنها تستطيع تبنِّي الحداثة الغربية بكل مظاهرها، دون الحاجة إلى المرور بالمسارات الفكرية والتاريخية نفسها التي مرَّت بها أوروبا. وقد عزَّز هذا الوهم بعض النخب في العالم الإسلامي، خاصة تلك المتأثرة بالنموذج الغربي، لأنها تعتقد بأن الحداثة محض أدوات وتِقْنيات يُمكن استيرادها، دون أن يكون هناك تحولات جوهرية في أنماط التفكير والمجتمع. لكن “شايغان” يرى أن الحداثة ليست تقدمًا علميًّا أو تكنولوجيًّا فحسب، وإنما هي منظومةٌ فكرية متكاملة، تتطلب تغييرًا جذريًّا في نظرة الإنسان إلى العالم، وهو أمر لم يتحقق في كثير من المجتمعات التقليدية.

ولأن المجتمعات التقليدية، والأصولية تعيش بين هذين القطبين المتناقضين، أي أنها لا تستطيع العودة إلى ماضيها، كما لا تستطيع أن تدخل الحداثة دخولًا كاملًا، مما يخلق أزمة هُوية مستمرة. فالنتيجة هي حالة من “الازدواجية الثقافية”، يتعايش فيها التقليد والحداثة في المجتمع دون انسجام، مما يؤدي إلى التوترات الفكرية والاجتماعية. وهنا لا يُقدم “شايغان” حلًا جاهزًا، أو بديلًا ممكنًا، لكنه في المقابل يرى إمكان الخروج من هذا المأزق، أو الاستعصاء الثقافي، عبر الفهم العميق للحداثة، وليس محض استيرادها أو رفضها. كما يدعو إلى تجاوز الثنائية بين “الأصالة” و”المعاصرة”، عبر البحث عن نموذج ثقافي قادر على التفاعل مع الحداثة، دون الوقوع في الاستلاب أو الجمود.

  • العزلة الاجتماعية والاستجابة الذاتية للظلم: يتميز الذئب المنفرد غالبًا بالعزلة الاجتماعية، أو بتعبير أدق عدم القابلية للانخراط الإيجابي في المجتمع، فهو أقرب إلى الشخص الخجول الذي لا يُعَبِّرُ عن نفسه إلا عن طريق مجموعة أو تنظيم معين، بل يتأثر في تجارب فردية ومشاعر شخصية. وعلى الرغم من عزلة هذا الفرد، فإنه الأقرب إلى تبني الخطاب الإرهابي، ومواجهة الواقع، والعمل على تغييره وفق فهمه للتغيير بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الاستعمال المُفْرِطُ للقوة والعنف.

إذن يَغْلُبُ على تصور الذئب المنفرد للمجتمع السوداوية وخطاب التيئيس والعدمية المفرطة، إذ يرى وفق هذا الطرح أن المجتمع يعيش في الظلم أو الفساد، وهناك من ذهب أبعد من ذلك، حينما وصف العالم اليوم بالجاهلية، كما فعل “محمد قطب” في كتابه “جاهلية القرن العشرين”، وهو يصف كل المكتسبات الفكرية والعلمية والمعرفية بالجاهلية، وهو تصور أفضى إلى خطاب تيئيسي يجعل من الفرد والجماعة شخصيات تسعى في إحداث التغيير، حتى لو تطلب ذلك استعمال العنف المفرط. لأن وفق هذا الخطاب، فالعنف وسيلة لتصحيح الواقع، بمعنى أن مُهمة العنف والتطرف العنيف هنا هي تصحيح الظلم الذي يعانيه المجتمع أو الأفراد الآخرين. هذا التصور يُمَكِّنُ الذئب المنفرد من تبرير أفعاله الإرهابية بِناءً على أيديولوجيات مشابهة لتلك التي تروج لها الجماعات الإرهابية.

من هنا يُمكننا الجزم بأن الذئب المنفرد لا يعمل في فراغ؛ بل هو نتيجةُ خطاب، أو إفرازٌ لواقع يُغْرِقُ المجتمع بخطاب المظلومية التاريخي، والناتج وفق هذا التصور، في أن هناك أشخاص أو جهات يعملون على إفساد الدين، ورموزه، وشرائعه. ومن ثمَّ يجدُ الذئب المنفرد نفسه متأثرًا بطريقة أو بأخرى، بالأيديولوجيات الإرهابية، التي تجعل من العنف الوسيلة الوحيدة لإغراق المجتمع في الفوضى تمهيدًا لإدارة التوحش فيه. رغم أن الذئب المنفرد قد لا يكون على اتصال مباشر مع هذه الجماعات وبنياتها التنظيمية، فالتأثير قد يكون غير مباشر، عبر وسائل الإعلام، أو منتديات الإنترنت، أو حتى الخطاب الذي يُنْتَجُ في السياقات المجتمعية.

ولكي نفهم جيدًا مغزى هذا الخطاب الذي يصنع الذئاب المنفردة، ويجعلها فريسة سهلة للانقياد، والتأثير، والتأثر، يكفي أن نفهم استراتيجية هذا الخطاب الأصولي والإرهابي. فكتاب “إدارة التوحش” “لأبي بكر الناجي”[14] من أكثر الكتب إثارة للجدل في الأدبيات الجهادية المعاصرة، كما أنه يضع رؤية استراتيجية كاملة لمراحل نشوء ما يسميه بـ “الدولة الإسلامية” عبر الاستفادة من حالات الفوضى والانهيارات الأمنية التي تعانيها الدول المستهدفة بالإرهاب.

يطرح الكتاب تصورًا منهجيًّا لكيفية استغلال الفجوات الأمنية والانقسامات السياسية لخلق بيئة ملائمة لظهور التنظيمات الجهادية، التي تسعى في ملء الفراغ الناجم عن ضعف الدولة المركزية. وينطلق الكاتب من فرضية أساسية، مفادها أن النظام العالمي يمرُّ بمراحل ضعف وتراجع تتيح للتيارات الجهادية فرصة لإقامة ما يرونه “حكمًا إسلاميًا”، عبر مراحل ثلاث: “شوكة ونكاية”، و”إدارة التوحش”، ثم “التمكين”. تُمَثِّلُ المرحلة الثانية جوهر الكتاب، إذ يشرح كيفية إدارة الفوضى الناشئة عن انهيار الدولة، عبر آليات مثل: توفير الأمن، وفرض النظام، وتقديم الخدمات الأساسية للسكان، مع توظيف الدعاية الإعلامية لضمان الاستقطاب وكسب الشرعية. وقد ركز الكتاب على أهمية العنف بوصفه أداةً لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، مُشددًا على ضرورة استخدامه بطريقة محسوبة لتحقيق أكبر قدر من التأثير النفسي والسياسي. ويستلهم المؤلف عديدًا من التجارب التاريخية، ليُبرر توجهاته، مثل تجربة طالبان في أفغانستان، أو النماذج الجهادية في العراق والصومال. كما يدعو إلى الاستفادة من التكتيكات الحديثة في الإعلام والدعاية، مُستعينًا بالدروس المستخلصة من الحروب غير النظامية والثورات المسلحة.

الكشف عن آليات السيطرة في الخطاب الإرهابي:

بوصولنا إلى الحدِّ الذي كشفنا فيه السياق الذي يشتغل فيه الخطاب العنيف، خاصة عند الذئاب المنفردة أو الجماعات والأفراد الأصوليين، نكون قد لفتنا النظر إلى أهمية قراءة الخطاب العنيف والمتطرف بعيدًا عن المكوِّن اللُّغوي فحسب، لأن الخطاب هو أكثر من نصوص ولغة وبيانات، حينما يصير سلطةً وأداة للسيطرة، ووسيلة للتفاعل مع الواقع المُعَقَّد والمُرَكَّب للذهنية المتطرفة. لكن ما نودُّ الإشارة إليه في هذا الجزء الأخير من هذا البحث، هو أن هذا الخطاب الإرهابي والعنيف لا يقوم بكل هذا التأثير المحوري عند معتنقيه في غياب وسائل التأثير وآليات السيطرة، وهي استراتيجيات تمويهية وتضليلية الغاية منها، خلق حالة من التفاعل السلبي بين الإنسان وواقعه، وكذلك خلق حالة من الضبابية والغموض بين الدين والتدين، بين النص وعملية التأويل. وكي تتضح الأمور بصورة أكثر جلاءً، سنحاول فيما تبقى من هذا المقال الإشارة إلى بعض هذه الآليات، والوسائل المعتمدة التي تعتمدها الجماعات العنيفة، والذئاب المنفردة لتأبيد العمل التدميري، وإكسابه الشرعية من أجل الاستقطاب والتجنيد. ولعل أهمها ما يلي:

  • التِقْنيات اللُّغوية والتلاعب بالمفاهيم

التحريف الدلالي للنصوص الدينية:

يتميزُ الخطاب الإرهابي بصورة عامة بقدرة رهيبة على التلاعب بالنصوص الدينية، والعمل على قراءة هذه النصوص ضمن سياقات مذهبية أو أيديولوجية عقائدية، الغرض منها هو إضفاء الشرعية على التوجهات الكبرى لهذا الخطاب الأصولي الماضوي. وإذا أردنا فهم هذه الذهنية التي يتحرك فيها هذا الخطاب لا بُدَّ لنا من أن نوضح مجموعة من الأمور المرتبطة بالعلاقة مع النصوص الدينية. هذا ما يُسميه “علي حرب” بنقد النص[15]، أي محاولة تفكيك النصوص والخطابات السائدة، سواء كانت دينية أو فلسفية أو أدبية، عبر منهج تفكيكي يُعيد النظر في مسلَّمات القراءة والتأويل، ويطرح تساؤلات بشأن: كيفية إنتاج المعنى، وهيمنة الخطابات، وسلطة النصوص على الفكر والمجتمع.

النص والمنهج التفكيكي:

“علي حرب” كعادته لا يَخْفَى أنه من رواد التفكيك في العالم العربي والإسلامي، حتى أنه كتب كتاب ” هكذا أقرأ… ما بعد التفكيك ” يواصل فيه معركته التفكيكية ضد الخطابات والنصوص، بل تجاوز المنهج التفكيكي التقليدي ليؤسس ما يسميه بـ “ما بعد التفكيك”، إذ لا يكتفي بتحليل النصوص وكشف تناقضاتها، وإنما يسعى في إعادة بنائها بطريقة جديدة تفتح آفاقًا مختلفة للفكر والمعرفة. هذه الرؤية تنطلق من قاعدة أن التفكيك ليس عمليةَ هدم أو نقض فحسب، وإنما هو أيضًا مجال للإبداع الإنساني، كما أن النقد ليس غاية في ذاته، بل هو تجاوزٌ للإطارات المغلقة، وقراءةُ الحقيقة وَفْق التحيزات الاجتماعية والفكرية والثقافية. من هنا، يصير التفكيك هو القاعدة الصلبة لإنتاج المعنى، وإعادة القراءة وفق منهجيات تستجيب للشروط المعاصرة.

إن النصوص التي يقوم بالاستشهاد بها الخطاب الإرهابي وفق هذه الرؤية، هي ليست كِيانات ثابتة ذات معانٍ نهائية فحسب، وإنما هي كِيانات مرنة ومتحركة، خاضعة للتغير، والتأويل، والتشكيل وفق الشروط الممكنة والمتاحة. ولذلك، فالمطلوب أمام التحيز الذي تفرضه القراءات الأصولية الإرهابية، أن نتجاوز هذه القراءات التي تبحث عن “حقيقة النص”، أي أنها تفترض مُسبقًا أن النص يُعَبِّرُ عن حقيقة كاملة ومتكاملة. مع التأكيد أن كل نص يحمل في داخله احتمالات التأويل المتعددة، وهذا ما يجعل النص مجالًا ومساحة للإبداع والكشف والتجلي، بدل أن يكون فقط نصًّا للاستهلاك والحقيقة. وإذا كنا نتحدث عن احتمالية وجود عدد لا نهائي من المعاني، فإن ذلك يُحيلنا إلى مسألة أخرى أكثر تعقيدًا، وهي السلطة النصية، فالنصوص ليست محايدة تمامًا، بل تمارس سلطة على القارئ، وتعمل على تكوين وعيه وأيديولوجياته. ومن ثمَّ فإن النقد الحقيقي لا يقتصر على تحليل النصوص، وإنما يتعدى ذلك إلى نقد الأنظمة الفكرية والثقافية التي تنتجها وتُعيد إنتاجها.

الخطاب حجاب:

إن كل خطاب حجاب، وهذه العبارة تحمل دلالة فلسفية عميقة تتعلق بطبيعة اللغة والخطاب وعلاقتهما بالحقيقة والمعرفة. فالخطابات، سواء كانت دينية أو فلسفية أو علمية، لا تعكس الحقيقة كما هي، بل تقوم بإعادة تكوينها وفق مصالح معينة، مما يجعلها حجابًا يمنعنا الوصول إلى الحقيقة المطلقة. الخطاب، وفق هذا الفهم، ليس محض أداة للتواصل أو النقل، وهو أمر كشفنا عنه في بداية هذا البحث. وإنما هو سلطةٌ معرفية تكوِّنُ رؤيتنا عن العالم وتُحَدِّدُ طرق تفكيرنا دون أن نعي ذلك. فعندما نقرأ نصوصًا دينية أو فلسفية أو أيديولوجية، نحن لا نتعامل مع “الحقيقة” في شكلها النقي، بل مع تمثلاتها التي صنعتها هذه الخطابات. ومن هنا، يصبح الخطاب حجابًا لأنه يُظْهِرُ ويُخْفِي في آنٍ واحد، يُظْهِرُ جزءًا من الحقيقة، لكنه يُخْفِي أجزاءً أخرى، وفق منطق انتقائي يخدم أهدافًا معينة.

كينونة النص:

تعكس كينونة النص عند “علي حرب” بوصفها مفهومًا فلسفيًّا نقديًّا رؤيته الخاصة عن طبيعة النصوص وكيفية التعامل معها. فالنص ليس كائنًا ثابتًا أو مغلقًا يحمل معنى واحدًا نهائيًا، بقدر ما هو كِيان ديناميكي يخضع للتأويل المستمر والقراءة المتعددة. أي أن النص بتكوَّنُ مع كل قراءة ويُنتجُ معاني جديدة باستمرار بطريقة توليدية للمعاني لا محدودة. ومن ثمَّ هناك رفض صريح من “علي حرب” لفكرة أن النصوص تحملُ معانٍ مُستقرة أو حقائق ثابتة كما تجلت في كل السرديات الكبرى. وإنما تكمن كينونة النص في علاقته بالقارئ والسياقات التي تتم فيها التفاعلات مع النص. بمعنى أن النصوص المختلفة وفق رؤية “حرب” ليست مُنتجًا ثابتًا من الماضي كما يظن الدوغمائيون من مختلف التوجهات فقط، وإنما النصوص في حالة تحوُّلٍ دائم، تخضع للتفسير المستمر والتأويل المتعدد، والنقد مستمر الذي يُعيد تكوين النصوص ويكشف عن طاقات جديدة لها.

خاتمة:

كانت غاية البحث والنبش في الخطاب الإرهابي والعنيف، الذي يتبناه عديدٌ من الأصوليين على مدار فترات تاريخية متباينة، هو التحذير من خطورة الخطاب وامتداداته الواقعية، والكشف عن ملابسات تكوُّنِهِ، والظروف التي تبني الحواضن الشعبية والفكرية لإثرائه. ومن أجل ذلك ارتأينا أن نُشير إلى أن التطرف العنيف، أو الفعل التدميري الذي يكتسي صِبْغَةً دينية، ليس محض أفعال معزولة أو انفعالات آنية، وإنما هو نتاجُ خرائطَ ذهنيةٍ مُعَقَّدَةٍ، تتغذى من نصوص مؤولة، وسياقات اجتماعية متوترة، وأزمات هُوية عميقة. فالذئب المنفرد مثلًا، وإن بدا فاعلًا منفصلًا عن الجماعة، يظلُّ انعكاسًا لخطاب كُليٍّ يستثمر في المظلومية، ويُعيد إنتاج العنف بوصفه وسيلة وحيدة للتغيير. ومن هنا تتضح خطورة الخطاب الإرهابي، الذي لا يكتفي بالتعبير عن الأفكار، وإنما يُعيد تكوين الواقع والهُوية والعلاقات الاجتماعية وفق منطق التدمير والفوضى.

لقد أظهر البحث أن تفكيك هذا الخطاب يقتضي النظر إليه في أبعاده المتعددة: اللُّغوية والفكرية، الاجتماعية والسياسية، النفسية والثقافية. كما أن مقاربة الظاهرة لا يُمكن أن تكون أمنية فقط، وإنما تستدعي جُهدًا فكريًّا وفلسفيًّا يُعيد مساءلة النصوص، وكشف سلطتها، وتحرير الإنسان من أوهام الهُوية المُغلقة والاغتراب الوجودي الذي يفتح الباب أمام التطرف. فمواجهة الذهنية المتطرفة تستدعي استراتيجيات مضادة تقوم على إحياء قيم الحرية والعقل والحوار، وتجديد الفضاء الديني والفكري بما يضمن إنتاج خطابات بديلة قادرة على استيعاب التعددية، وتفكيك أوهام المطلق، وإعادة الإنسان إلى مركز الفعل الإيجابي بدل الارتهان إلى خطاب العنف. بذلك فقط يُمكننا الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن إدارة التوحش إلى إدارة العقلانية والتعايش.

 

______________________________________

المراجع:

[1] – انظر ما كتبه إيريك، فروم. حول مفهوم الوثنية والاغتراب. مفهوم الإنسان عند ماركس. ترجمة محمد سيد رصاص. دراسات فكرية، ط1،1998, ص: 63.

[2] – سارة، ميلز. الخطاب. ترجمة عبد الوهاب علوب. المركز القومي للترجمة. ط1، 2016, ص: 13.

[3] – المرجع السابق. ص: 16.

[4] – نورمان، فيركلف. الخطاب والنظام الاجتماعي. ترجمة محمد عناني. مؤسسة هنداوي، ط1،2022, ص: 51.

[5] – ميشال، فوكو. نظام الخطاب، ترجمة محمد سبيلا. دون دار نشر، أو طبعة، أو تاريخ إصدار.

[6] – ميشال، فوكو. حفريات المعرفة. ترجمة سالم يفوت. المركز الثقافي العربي، ط2،1987,

[7] – نورمان، فيركلف. المرجع السابق.

[8] – أبو محمود، المجاهد. الذئب المنفرد. دون دار نشر أو طبعة أو تاريخ. ص:18 .

[9] – عبد الصمد، الديالمي. المدينة الإسلامية والأصولية والإرهاب. مقاربة جنسية. دار السافي، ط1،2008. ص: 81.

[10] – المرجع نفسه. ص: 13.

[11] – باربارا، ويتمر. الأنماط الثقافية للعنف. ترجمة ممدوح يوسف عمران. عالم المعرفة، عدد 337. مارس 2007. ص: 2015 .

[12] – الإيديولوجيا. إعداد وترجمة محمد، سبيلا وعبد السالم بنعبد العالي. دار توبقال للنشر. ص 53/54

[13] –  داريوش، شايغان. أوهام الهوية. ترجمة محمد علي مقلد. دار الساقي، ط1،1993, ص:5.

[14] – أبو بكر، ناجي. إدارة التوحش أخطر مرحلة ستمر منها الأمة. مركز الدراسات والبحوث الإسلامية، دون تاريخ نشر أو طبعة. ص: 11.

[15] – علي، حرب. نقد النص. المركز الثقافي العربي، ط4 ، 2005.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete