اشكالية الدين والدولة الحديثة 1

هل كان الدين علمانيًا؟

-1-

أين المشكل في علاقة الدين ” بالدولة الحديثة”، ولماذا يبدو أكثر تعقيدًا في السياق الإسلامي؟

تشكل مفهوم الدولة الحديثة في الغرب على وقع الصدام الطويل بين سلطة اللاهوت المسيحي المركزية التي يمثلها البابا، وسلطة الملوك المحليين التي صارت تتفاقم تدريجيًا في المراحل المتأخرة من العصر الوسيط. التطورات الاقتصادية والعقلية الواسعة التي انطلقت من عصر النهضة فرضت على الكنيسة فك ارتباطها التقليدي مع الدولة، والتخلي عن نفوذها الموروث في المجال العام (السياسي والتشريعي) ونتيجة لذلك تكونت الخصائص الأولية للدولة الحديثة كرد فعل مضاد لما تمثله السلطة  “الدينية” بالذات أو بالدرجة الأولى، أي تكونت كنقيض موضوعي للثيوقراطية، قبل أن تتبلور في صيغتها السائدة كنقيض للأوتوقراطية. عند نهاية القرن التاسع عشر – حيث بلغت جاذبية الحداثة ذروتها – كان نموذج “الدولة الوطنية” قد تمدد خارج أوربا و فرض نفسه كنموذج مركزي قادر على اختراق الثقافات المحلية عبر العالم، بما في ذلك الثقافات الدينية التاريخية ومن بينها الثقافة الإسلامية . لكن فيما استطاعت هذه الثقافات اعادة التكيف مع الفكرة الوطنية ، لاتزال الثقافة الإسلامية تواجه صعوبات حقيقية في عملية التكيف مع هذه الفكرة بسبب التشابك الفقهي الموروث بين الدين والشريعة من جهة ، والإصرار على مبدأ الخلاص الحصري المنافي للتعددية من جهة ثانية

تناقش هذه المقالات الافتتاحية تطور المعنى الإشكالي لعلاقة الدين بالدولة منذ البدايات المبكرة لظهور السلطة السياسية – وهي لاحقة على حضور الدين- حتى تطور النموذج الراهن للدولة الوطنية في القرن التاسع عشر، وذلك تمهيداً للنقاش حول التجليات الزاعقة لهذا المشكل في السياق الإسلامي المعاصر.

-2-

يبدو التشابك قديمًا بين الدين وفكرة السلطة المنظمة. منذ البداية كان وجود ” الملك” مسألة دينية إلهية: في الميثولوجيا المصرية – يشرح إلياد- “كان تأسيس الدولة الموحدة يتساوى مع النشكونية، والفرعون الإله المجسد أوجد عالمًا جديدًا. كل مدينة وكل معبد كان يعتبر كمركز للعالم والمكان الذي بدأ فيه الخلق. فعلم نشأة الكون المصري، كما هو الشأن في تقاليد أخرى، يبدأ مع الانبثاق لتلة أو أكمة من المياه الأولية. والتلة الأساسية تصبح أحيانًا الجبل الكوني الذي تسلق عليه الفرعون لمقابلة الإله / الشمس”. ( مارسيا، إلياد، تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية. الترجمة العربية، ج1، ف4، ص 14-115. وانظر النصوص المصرية المترجمة في

Frankfort, Hinry, Kingship and the Gods, P. 206

في نصوص الدولة المصرية القديمة يستخدم لقب “نثر” ليشير إلى الملك كإله، ويظهر لقبه “سا” الذي يجعل الملك ابنًا للإله ( سارع/ ابن رع) ثم استخدمت ألقاب أخرى مثل “تيت” بمعنى صورة الإله ومثل الإله. منذ ذك الوقت صار معروفًا أن الملك يمتلك قوى الآلهة مثل ” حو” ( النطق المقدس”، و ” سيا” ( المعرفة المقدسة) و “حكا”  (القوة المقدسة والسحر). وعند بداية المملكة الحديثية (1580 – 1085 ق.م)  كان تأليه الملك قد صار عقيدة راسخة بحيث توجه إليه العبادة والطقوس. لقد كان جزءًا من طبيعة “ماعت” أي من طبيعة النظام الاجتماعي الذي يتداخل- بغموض نشكوني- مع نظام وتوازن العالم (راجع مصادر النصوص في كتابي : “اللاهوت ” أنثروبولوجيا التوحيد الكتابي ، ص 75 وما بعدها).

وفي الميثولوجيا البابلية تحكي ملحمة جلجامش أن مردودك بعد عدة معارك إلهية، عين ثلاثمائة إله تحكم السماء و ثلاثمائة اله لحكم الأرض. وأن الآلهة لكي يعبروا عن شكرهم لمردوك أخذوا في بناء هيكل أو مذبح له، وظلوا يصنعون اللبنات لمدة سنة قبل أن يقيموا هيكلاً على جسد “أبو” ( إله قديم ) أسماه مردوك ، “بابل”، ليكون مسكنًا للثالوث المقدس مردوك، وإنليل، وإيا”           ( إلياد، السابق، ص 94).

يعتبر الياد أن الصور المتتابعة لنشأة الكون مثارة في مختلف التقاليد الثقافية ، وأن “الأساطير في الواقع ترجع حصراً إلى حوادث لها محلها في زمن متخيل للبدايات، ويلاحظ إلياد أن “المرور من مدن / المعابد إلى مدن الدول وإلى الإمبراطورية يمثل ظاهرة ذات أهمية كبرى بالنسبة إلى تاريخ الشرق الأدنى”.

في السياق البابلي كما في مصر والشرق الأدنى عمومًا، تداخلت الآلهة مع الملكية بشكل معقد لا يخلو من غموض، وهو تداخل موروث من العصور الأقدم ، حيث مزجت الميثولوجيات النشكونية المعروفة بين نشأة الكون، ونشأة المدينة أو المكان الأول الذي يمثل مركز العالم ، ومعبد الإله ، ومنذ العهد السومري وحتى نهاية العهد البابلي شاع الاعتقاد  بأن الملكية منزلة من السماء وذات أصل إلهي: الملك مختار بقدر سابق من الآلهة ، ويشار إليه أحيانًا كابن للإله، وهو الذي يغفر خطايا الشعب نيابة عنه ( انظر النصوص السومرية في : Kramer, Samuel ” History begins at Sumer 1956)

ومع ذلك يبدو التداخل بين الألوهية والملكية في الرافدين أقل تعقيداً منه في مصر : كقاعدة عامة لا يؤله الملك البابلي ، وكان عليه كما تشير النصوص أن يتجرد بمهانة من شارات السلطة داخل المعبد ويستجدي الآلهة كي تثبته على العرش، وكان الرد يأتيه عبر الكاهن الأكبر . وهو ما يلفت النظر إلى تصاعد دور الكهنة كوسيط بين الإله والناس بما في ذلك الملك.

-3-

يلفت هذا التصاعد إلى تطور أنثروبولوجي جديد “هو تبلور الكهنوت كمؤسسة مستقلة تمثل الدين، وتقع على مسافة من الدولة. كان تبلور هذه المؤسسة يعنى تخفيف درجة التداخل بين الملك والإله. هي وضعية تسمح بالحديث عن مساحة “علمانية” صريحة تعبر عن الطابع الأرضي الدنيوي للسلطة السياسية، أعنى عن وعي الدولة بذاتها ككيان اجتماعي طبيعي منفصل – نسبياً – عن السماء.

ستصبح هذه الملامح واضحة مع ديانات المرحلة الوسطى، التي تقع زمنياً بين مرحلة التدين البدائي المبكرة ومرحلة التدين الكتابي الإبراهيمية التي ستعاود الاحتكاك بسلطة الدولة ، وستكرس فكرة السلطة الكهنوتية خصوصاً في نسختيها اليهودية والمسيحية.( في الإسلام سينحصر الكهنوت عمليًا في الطبقة االفقهية).

تاريخياً، توفرت مؤسسة الكهنوت على درجة من السلطة المستقلة لكنها ظلت وثقية الصلة بالملك، ورغم نزوعاتها الاستقلالية التي كانت تعبر عنها من وقت إلى آخر، وتصطدم بالأغراض العلمانية للدولة، أمكن احتواؤها غالبا تحت الدولة عبر نوع من تقاسم الأدوار.  وبوجه عام، لم يؤد حضورها المتواصل إلى “توتر” جسيم في علاقة الدين بالدولة طوال المراحل السابقة على ظهور النسق الإبراهيمي الذي دشنته الديانة اليهودية.

-4-

بدءا من اليهودية استحدث التدين الإبراهيمي مفهومين جديدين كلاهما مرشح لتوليد التوتر والصدام مع فكرة  الدولة عمومًا، والدولة الحديثة بوجه خاص.

  • مفهوم “التوحيد الكتابي” أو “الخلاص الحصري ” الذي يحصر الحقيقة في الدين ، ويحصر الدين في لاهوت واحد . ما يعني نظريًا نفي الآخر المخالف، أي إنكار التعددية الطبيعية المجتمع، وإنكار مشروعية السلطة المستمدة من أي مصدر خارجي بما في ذلك سلطة الدولة.
  • مفهوم ” الشريعة السماوية” أو “الناموس” الذي يجعل التشريع صلاحية حصرية للإله ، أى عملية مقدسة ( أزلية مؤبدة ) تخرج بدورها عن سلطة الدولة أو تقلصها فيما تخضع -عمليا – لسلطة الكهنة ، ما يعنى أن الدين صار –  يزاحم الدولة على مساحة نفوذها الأصلية التي يمثلها ” القانون” أي صار حضوره يسبب نوعاً من ازدواجية الولاء وازدواجية  السلطة.

في سياقات التدين السابقة – حيث غاب مفهوم الحصرية ومفهوم الشريعة يمكن الحديث عن سمات علمانية للدين ذاته. بمعنى أن التداخل الوثيق مع الدين لم يجعل الدولة ثيوقراطية ، ولم يسفر عن حالة تناقض أو توتر حاد، ويمكن  ملاحظة ذلك في سياقات التدين القديمة في الشرق الأول من مصر إلى سورية والرافدين، وبصورة أوضح في سياقات التدين اليوناني والروماني .

مع اليهودية – التي تشكلت عبر مخاض طويل من الصدام السياسي والثقافي – أخدت تظهر نتائج التوتر بين الدين والدولة بدرجات متفاوتة من العنف؛ سواء في مواجهة الدول ” الخارجية” التي تبادلت السيطرة على شرقي المتوسط عبر الألفية الثانية ق. م( مصرية / آشورية / بابلية / فارسية / يونانية/ رومانية) أو حتى في مواجهة “الدول” التي  أنشأها العبريون انفسهم حسب الرواية التوراتية ( المملكة المتحدة / إسرائيل / يهودية ).

بفكرتي الحصرية والشريعة صارت “الديانة” تنشئ دولتها الخاصة أو تسعى إلى إنشائها، أي صرنا حيال نموذج ثيوقراطي صريح.  في المرحلة المبكرة (فترة المملكة المتحدة القصيرة: شاول/ داود / سليمان) اندمجت مؤسسة “النبوة “مع المؤسسة الملكية تحت رعاية الكهنوت: الملك الأول شاول يمسحه صموئيل فيتحول إلى “نبي ” ويتلقى ” الروح” – من يهوه ( صموئيل 1-10-6) ومع داود وسليمان تتكرس هذه العلاقة الدينية حيث الملك هو رئيس الديانة والكاهن الأول . لكن حتى في هذه الحالة ستنزع الدولة إلى التعبير عن طبيعتها العلمانية، وسينتهي بها الأمر إلى خرق الناموس، وبحسب العهد القديم سيتهم الملوك العبريون ومن بينهم سليمان بالخروج على أحكام الشريعة، وسيتكرر هذا الاتهام ضد ملوك الدولتين. وبالنتيجة ظل التوتر يخيم على علاقة الدولة بالأنبياء والكهنة بامتداد التاريخ العبري المسجل في العهد القديم سواء قبل أو بعد السبي.

لكن النموذج الأبرز للتوتر في علاقة الدين والدولة سيظهر بعد تبلور الديانة المسيحية واشتباكها الطويل والمعقد مع الإمبراطورية الرومانية.

 

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete