اضطراب الأخلاق: وغائية مكيافيللي التي تُحدِّدُ مواقفنا الأخلاقية

 تكوين

“لا يُمكن للمرء أن يكون تقيًا، وهو جاهل بما هو خير وحق في جوهره”

سقراط

مقدمة

يبدو أن العالم اليوم في حاجة ماسَّة إلى العودة إلى المشكلات الأخلاقية الأولى التي بدأت بها الفلسفة، حين تساءلت عن التقوى والفضيلة والواجب. فنحن نعيش زمنًا مضطربًا، وعصرًا مصابًا بالهشاشة في بناه الأساسية. عصر تصاعدت فيه الأسئلة الأخلاقية القديمة التي رافقت صعود الفلسفة منذ أن طرح سقراط معنى “التقوى”، وبلور أرسطو مفهوم “الفضيلة”، ورسم كانط حدود “الواجب”، مرورًا بالغائية المكيافيلية التي عمَّت وانتشرت حتى أصبحت تُهيمن على مواقفنا الأخلاقية المعاصرة.

اليوم تتعالى الأصوات بشأن مشكلات أخلاقية كان الاتفاق عليها واضحًا فيما مضى؛ في ما هو جائز وما هو غير جائز، حين كانت القاعدة الأخلاقية البسيطة تقول إن: “الحلال بيِّن والحرام بيِّن” واضحة وشفَّافة عند الأفراد الذين يمتلكون حساسية أخلاقية وضميرًا حيًّا. كانت هناك قواعد أساسية نتشاركها بخصوص الخير والشر، وكان هناك دائمًا ذلك الجسر الرفيع الذي يوازن بين مصلحتي الخاصة ومصلحة الآخرين. أمّا الآن فيبدو أن الجسور تهاوت، وتهاوت معها إنسانيَّتنا. فقد أصبحنا نرى من يبرِّرون — استنادًا إلى غائية مكيافيللي — أن الأخلاق المثلى محض مثالية باردة لا تلائم واقعًا يموج بصراع البقاء للأقوى، متناسين أن هذا هو منطق الغاب ودستور الحيوان.

لقد أصابت الهشاشةُ كلَّ الأساسات. أصبحنا في عصر المحن؛ العصر الذي يجوز فيه — كما فعل عليُّ بن أبي طالب — تعليق حدِّ السرقة. وإذا كان اتساع هذا المنطق بين فئات المجتمع مفهومًا، فإن انتشاره بين محبِّي الحكمة أمرٌ آخر تمامًا.

ففي الأوساط الأكاديمية العربية ظهرت تجارة رائجة كان يُنظر إليها قبل سنوات قليلة على أنها غير أخلاقية: تجارة كتابة رسائل الماجستير والدكتوراة، وأبحاث الترقية للأساتذة، وكذلك بيع الترجمات الجاهزة من لغات مختلفة. كان الموقف الأخلاقي سابقًا واضحًا: الرفض. لذلك كانت تُمارَس في الخفاء بوصفها أمرًا مُخجِلًا للبائع والمشتري معًا. أمّا الآن فقد صعدت إلى سطح المجتمع، وأصبحت تُمارَس في العلن، بل وتُنسج لها المبرِّرات الأخلاقية إلى الحد الذي وصل إلى وصف منتقديها بالمثالية المفرطة، والنزعة الرومانسية التي لا تتوافق مع الواقع المعيش، وجاء ذلك لأن البنية الأخلاقية أصبحت مضطربة، والأسس انهارت، والبناء كلّه تهاوى. فالأسس الأخلاقية الآن — من فرط المرونة التي يطالب بها البعض — أصبحت شبيهة بحلوى “الجيلي” أو ” الهَلام” لا يمكنك الإمساك بها.

في هذه المقالة، سنطوف مع الرؤى الفلسفية المختلفة لنفهم الواقع، ونرى كيف نظَّر الفلاسفة الأوائل للأخلاق، وكيف رسموا خريطتها، وكيف تُطمَس اليوم. لعلَّ رياح الفهم تهبُّ من جديد، فتتناثر الرمال وتضيء خريطتنا الأخلاقية الأولى.

  • سقوط المؤسسة

لا نعلم على وجه الدقَّة هل ينبغي أن ننطلق من الوضع الغائم الذي يعيشه الإنسان المعاصر، وما يشهده من اضطراب في القيم، أم من انعكاس هذا الاضطراب ذاته على حياة الأكاديميين المصريين؛ من باحثين وأساتذة وطلاب. فهؤلاء، بوصفهم عيَّنةً كاشفةً للنظام الأخلاقي العام، يتشابه سياقهم مع سياق المجتمع ويُصاب بالعلل نفسها. ومع ذلك، نفضِّل التركيز على الوضع الأكاديمي المصري تحديدًا، لأن الإنسان العادي – مهما كانت أوضاعه – يمتلك دائمًا مُبرِّرات تُسهِّل عليه الانسياق وراء ما يراه أمامه، وتبرِّر له خياراته.

تبدو الجامعات المصرية اليوم في حالة سقوطٍ مدوٍّ؛ حتى الأمس القريب الذي كان يُشعُّ نورًا ويُعدُّ نموذجًا يُحتذى، صار يبدو مثاليًا ورومانسيًا إذا ما قورن بالواقع الراهن. فقد توحَّشت البنية الاقتصادية، وتغلغلت في كل القطاعات، حتى أصبحت القيمة تُقاس بما يُدرِّه من أرقام وأرباح، لا بما تُخرِّجه الجامعات من مواطنين صالحين ذوي فضيلة وتقوى وفكر. وما قيمة الفكر في منطق السوق وهو “لا يُؤكَل العيش” ولا يلائم رؤوسًا متعبة أرهقتها الحاجة؟

وهكذا انهارت القيم، وانهار معها الوضع الأخلاقي للمؤسسة الأكاديمية برمَّته، إذ يُسيطر الاقتصاد الرأسمالي على العالم شرقًا وغربًا، ويغدو الإنسان فيه مجرَّد “رقم”، كائنًا يخضع لمبدأ الربح والخسارة. ويتم التعامل معه بمنطق تدجين الحيوانات: تأكل ما يشبعك، لا ما ينفعك أو يقوِّيك أو يقيك الأمراض، بل إن الاقتصاد الغذائي أصبح يتكامل — بصورة مُخيفة — مع الاقتصاد الدوائي؛ الأول يخلق المرض، والثاني يتأهب لبيع الدواء، لا بهدف الوقاية، بل بهدف تحويل المرض إلى فرصة استثمارية.

وهكذا باتت البشرية تُقاد بوصفها قطيعًا مُدجَّنًا: تأكل ما يُسهِّل عملها، وتُدفع إلى أداء مهامَّ بلا معنى، تحت شعار واحد: كيف نستمر في الحياة بأقل تكلفة؟

وجد الأساتذة والباحثون أنفسهم وذووهم في المأزق الاقتصادي الذي حوَّل الجميع إلى متسابقين للبقاء أحياء، فانتعشت تجارة الكتب تلك التي كان يَندى لها الجبين فيما سبق، وتُعد فعلًا لا أخلاقيًا واضحًا، حيث تُفرض على الطلاب فرضًا، فيواجه الطالب إمَّا إشكالية القيمة الاقتصادية أو إشكالية بقائه داخل المنظومة التعليمية من الأساس. ثم تَبِع ذلك ندرةٌ في فرص العمل، إن لم يكن استحالة، للباحثين في مجال العلوم الإنسانية، ممَّا دفع كثيرًا منهم إلى الكتابة للغير من بعض الدول العربية، التي تستطيع الدفع. ولأننا شعبٌ يتميَّزُ بحدَّة الفكر عبر العصور، لم نكتفِ بممارسة الفعل غير الأخلاقي فحسب، ولكنْ أنشأنا فلسفة أخلاقية كاملة تحتويه وتُبرِّر له. صنعنا أخلاقًا للا أخلاق.

تعالت النبرة الماكيافيلية بأن “الغاية تُبرِّر الوسيلة“، وأنه لا مفرَّ من السعي في لقمة العيش، لنستمر في الحياة، وأن “الضرورات تُبيح المحظورات“. والعجيب في الأمر أن حدَّة النقاش لم تتجه نحو ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي، بل انحصرت في صعوبة الواقع الاقتصادي الذي لا يترك طرقًا أخرى مفتوحة. وهكذا أصبحت الأخلاق نسبية تُحدَّد بالظروف والسياق؛ فلما لا وسياقنا محتدم وظروفنا غبراء.

لقد كانت الجامعة فيما مضى حصنًا أخلاقيًا وفكريًا، وليست منبرًا للتعليم فحسب. كان التعليم فضاءً لنموِّ التفكير وتفرِّد العقل وتفتُّح الإبداع. أمَّا اليوم فقد تحوَّلت الجامعة إلى مؤسسة تتباهى بما تحققه من “جودة” ورُتب وتصنيفات، لا بما تبنيه من إنسان وفكر وضمير. أصبح المهم هو استيفاء معايير الجودة وعدِّ الأبحاث المنشورة، بغضِّ النظر عن قيمة هذه الأبحاث أو تأثيرها. ولئن كانت بعض هذه الأبحاث في “البطيخ”، فلا بأس؛ فالمهم هو الرقم!

والأدهى أن هذه المعايير مستوردة من الخارج، تُطبَّق بحذافيرها دون مراعاة للسياق العربي أو حتى لخصوصية اللغة. والمفارقة أن صانعي هذه “المعايير” في الغرب بدأوا الآن ينتقدونها، بعدما تحوَّلت صناعة الأبحاث عندهم إلى تجارة رخيصة، تمامًا كما أصبحت عندنا([1]).

  • منطق مغلوط

في العصر الحديث ظهر مذهب المنفعة (Utilitarianism)، الذي يرى أن الخير هو اللذة أو السعادة، والشر هو الألم أو الشقاء. وبذلك يصبح الفعل الأخلاقي هو ما يزيد السعادة أو يقلِّل الألم لأكبر عدد ممكن من الناس. تركِّز النفعية على نتائج الأفعال، لا على نية الفاعل، وتطرح سؤالها الجوهري:

“ما الذي يجعل الحياة تستحق العيش؟”

وتجيب: “أن نزيد مقدار السعادة في العالم.”

ورغم ما يواجهه هذا المذهب من إشكالات نظرية وتطبيقية، فإنه يظلُّ إطارًا مهمًا للتأمل الأخلاقي، مذكّرًا بأن الأخلاق — في النهاية — يجب أن تراعي رفاهية الكائنات الواعية التي تتأثر بأفعالنا.

أما عن نسبية بروتاجوراس فهي تقوم على مقولته الشهيرة: “الإنسان مقياس كل شيء“؛ أي إنه معيار الخير والشر تبعًا لكل فرد. وقد لاقت هذه الفكرة اليوم قبولًا واسعًا، كأن الإنسان قد بلغ من الحكمة والمعرفة ما يؤهله لأن يجعل ذاته معيارًا مطلقًا، أو كأنه اكتشف حقيقة الوجود، وأصبح واعيًا به إلى الدرجة التي تخوِّله تحديد القيم وفق رغباته الخاصة.

وسادت أيضًا غائية مكيافيللي المختزلة في العبارة الشائعة “الغاية تبرر الوسيلة“، رغم إنها تحتاج إلى فهم للسياق التاريخي والسياسي. فهذه المقولة لم يذكرها مكيافيللي حرفيًا، بل استُخلِصت من قراءة كتابه الأشهر “الأمير”، الذي كتبه ليقدّمه إلى لورنزو دي ميديشي. فقد كانت إيطاليا في عصر النهضة ممزقة بين دويلات متصارعة، عرضة للغزو الفرنسي والإسباني، وتعجُّ بالمؤامرات والخيانة السياسية. ومن هذا الواقع المضطرب صاغ مكيافيللي تحليله للطبيعة البشرية كما رآها في الساسة والزعماء، لا كما هي في عموم البشر.

فالسياسة — كما خبرَها— عالمٌ متوحش، أقرب إلى الغابة، تسوده الطموحات والأنانيات وحبُّ السلطة، لا نفوسٌ سوية مستقيمة. لذلك لا يمكن تعميم رؤيته للطبيعة البشرية على الإنسان في كونه إنسانًا. فأنظر مثلا إلى قول مكيافيللي في “الأمير”:

“الإنسان ينسى موت أبيه أسرع مما ينسى فقدان ميراثه.”

وقوله:

“إن الخوف أقوى من الحب، وأن الحاكم الذي يخشاه شعبه أكثر استقرارًا من ذاك الذي يحبونه”.

كيف لحياة أن تستمر إذا هي صارت على مثل هذه الشاكلة من المبادئ؟!([2])

إن المنطق الذي يستند إلى فلسفة مكيافيللي في تبرير الوسائل بالغايات – أو ذلك الذي يختزل الأخلاق في حسابات نفعية بحتة مثل مبدأ “أكبر سعادة لأكبر عدد من الناس” – هو منطق يناقض ذاته؛ لأنه ينطلق من رؤية عرجاء تُفرَّغ فيها الأفعال من قيمتها الأخلاقية الجوهرية. إنه منطقٌ اقتصاديٌّ مُفرَّغ من الإنسانية، تمامًا كالمنظومة التي حوَّلت الإنسان إلى “رقم” في دفتر الحسابات.

بهذا تتضح جذور الأزمة: سقوطٌ في القيم، وسقوطٌ في المؤسسة، ثم سقوطٌ في المنطق ذاته. ومن هنا يبدأ السؤال المركزي لمقالتنا: كيف ولماذا انتعش مبدأ مكيافيللي في وجدان الإنسان المعاصر؟ 

  • الجذور الفلسفية والبدائل الأخلاقية

التقوى عند سقراط

يعرض سقراط مفهوم “التقوى” (εὐσέβεια) في محاورة ” أوطيفرون” ، التي ينتقد فيها التصوَّر الشائع في أثينا آنذاك الذي يختزل التقوى في أداء الطقوس والشعائر الدينية وتجنُّب تدنيس المقدسات، بوصفها أمورًا صورية ظاهرية فحسب. ويرفض سقراط، في حواره مع أوطيفرون، تعريف التقوى بأنها فقط ما تحبه الآلهة، مطلقًا سؤاله الشهير:

“هل الشيء مُقدَّس لأن الآلهة تحبه، أم أن الآلهة تحبه لأنه مُقدَّس؟”([3])

ويحلِّل سقراط هذا الإشكال بالقول:

“إذا كان الشيء مُقدسًا لأن الآلهة تحبه، فالتقوى هنا تصبح مسألة اعتباطية تخضع لمشيئة الآلهة. أمَّا إذا كانت الآلهة تحب الشيء لأنه مُقدَّس، فهذا يعني وجود معايير موضوعية للخير والعدل.”

وعليه، تصبح التقوى عند سقراط معرفةً بهذه المعايير واتباعًا لها. فالتقوى ليست أداءً للعبادات ولا طقوسًا صورية، بل فهمٌ لجوهر الخير الذي تقصده تلك الطقوس. ولذلك ربط سقراط بين التقوى والفضيلة، وجعلها جزءًا من الفضيلة؛ لأنها ترتبط بفضائل أخرى مثل: العدالة والحكمة. فالفضيلة عنده “معرفة”، ولا يُمكن للمرء أن يكون تقيًا وهو كاذبٌ أو ظالم، لأن ذلك يكون رياءً لا تقوى. لذلك حلَّل سقراط  معنى الفضيلة في محاورة “مينون” وقد توصل إلى أن “الفضيلة علم، والرذيلة جهل”([4]).

ويقول سقراط:

“الفضيلة واحدة؛ لا يُمكن للمرء أن يكون تقيًا دون أن يكون عادلًا، ولا عادلًا دون أن يكون حكيمًا. فجميع الفضائل مترابطة، لأنها تنبع من مصدر واحد: المعرفة بالخير.”([5])

لقد حوَّل سقراط مفهوم التقوى من ممارسات خارجية إلى مشروع أخلاقي وفكري داخلي، وجعلها مسؤولية شخصية في أن يعيش الفرد حياةً مفحوصة قائمة على المعرفة والفضيلة. ولذلك أصبح سقراط النموذج الأسمى للإنسان “التقي” بعد موته دفاعًا عن مبادئه.

ويمثل سقراط عندنا الآن نموذجًا يُحتذى؛ فالرجل كان فقيرًا، رثَّ الثياب، وكان يجد قوت يومه بصعوبة بالغة، ومع ذلك آمن بأن للإنسان قيمة عُليا ودورًا سماويًا فرضته الآلهة، عليه أن يبحث عنه ويكتشفه، مهما كانت الأهوال التي تواجهه. فطبيعة الحياة كذلك؛ وإلا لو كانت الحياة يسيرة، فما المتعة وما الأجر الذي سيحصل عليه الإنسان في مُهمته الوجودية السهلة؟ المعاناة طريق إلى المعرفة، ولطالما كان الفقر طريقًا إلى الكشف، ومرتبةً بالقرب من الله كما عند الصوفية.

الفضيلة عند أرسطو

أما أرسطو، فيعرض الفضيلة في كتابه([6]) “الأخلاق إلى نيقوماخوس” Nicomachean Ethics بوصفها الطريق إلى تحقيق السعادة الإنسانية. إذ يطرح السؤال الأساسي: “ما الهدف الأسمى من حياة الإنسان؟”

ويُجيب بأن الغاية هي تحقيق السعادة، التي لا تتأتي من الثروة ولا من اللذة العابرة، بل من العيش وفقًا للفضيلة. ويعبِّر عنها بمفهوم “اليودايمونيا” (εὐδαιμονία – Eudaimonia)، أي العيشُ الجيد وازدهار الطبيعة العقلانية للإنسان. ويُقصد بها الازدهار الإنساني الكامل (Human Flourishing)، أي تحقيق أعلى إمكانات الإنسان. لذا، تُعدُّ “اليودايمونيا” المفهوم المركزي والمبدأ الأعلى في الأخلاق الأرسطية.

يُقسم أرسطو النفس الإنسانية إلى ثلاثة أجزاء:

  1. النفس النباتية: تختص بالنمو والتغذية، وهي التي ننشغل غالبًا بإشباعها وتبرير أفعالنا بناءً على مطالبها.
  2. النفس الحسية/الشهوانية: وهي موطنُ الرغبات والعواطف، وتحتاج إلى فضائل أخلاقية مثل: الشجاعة والعفة. للتأكد من عدم الانغماس في المتع البسيطة والعابرة.
  3. النفس الناطقة (العاقلة): وهي مرتبطة بالفضائل العقلية مثل: الحكمة والفهم. وهي التي ينبغي لها القيادة لضمان عدم الانجراف عن الطريق.

وفي النهاية يتبين لنا أن الفضيلة الأخلاقية عند أرسطو حالة مكتسبة تجعل الإنسان صالحًا وقادرًا على أداء عمله على أكمل وجه. فالسعادة — التي هي الخير الأسمى في الحياة — لا تتحقق أبدًا بالثروة والمال والمتع البسيطة التي نغرق فيها، بل ربما تكون البداية بالعفة والاعتدال، حتى تسمو رُوح الإنسان إلى ما هو أعلى، إلى منبعه الأول وجذوره الإلهية.

كانط: ثورة الواجب والنية الخالصة

مع كانط تحدث الثورة الأخلاقية الكبرى؛ إذ يَنقل مركز الأخلاق من النتائج والعواقب إلى “النية الخيّرة” وفكرة “الواجب”. يبدأ كانط كتابه “أسس ميتافيزيقا الأخلاق” بقوله:

“لا يُمكن تصوُّر شيء في العالم، ولا خارجه، يُمكن عده خيرًا بلا قيد، إلا الإرادة الخيّرة.”([7])

فالذكاء والشجاعة والثروة قد تصبح شرورًا إذا استُخدمت في غير محلها. لذا يرى كانط أن القيمة الأخلاقية للفعل لا تُستمد من نتائجه، بل من الدافع وراءه: احترام الواجب، لا السعي في المصلحة.

ويصوغ قانونه الأخلاقي الأشهر:

“اعمل لتكون القاعدة التي تتصرف وفقها صالحة لأن تكون قانونًا كليًا.”

ويضرب مثالًا بالكذب: إذا فكَّرت أن تكذب لتحقيق منفعة، فاسأل نفسك:

“هل يمكن أن أريد أن يصبح الكذب قانونًا عامًا؟”

الجواب: لا. لأن الثقة ستنهار، ولن يُصدق أحد أحدًا. ولن نستطيع العيش هكذا، بل لا يمكننا حتى تصور ذلك. وهنا يظهر التناقض الذاتي، وتنكشف لا أخلاقية الكذب.

ثم أسقط هذا على كتابة الأبحاث أو الرسائل لغير مستحقيها. فالفعل لا يقف عند منفعة فرد، بل يُسهم — ولو بدافع الحاجة — في نشر الظلم والجهل، وتمكين غير الأكفاء من مواقع تؤثر لاحقًا عليك وعلى غيرك. إنه ضرر يَلحق بالإنسانية جمعاء، مقابل مكسب زهيد لصالح النفس الحيوانية كما عند أرسطو.

ثم تخيَّل لو صار هذا قانونًا عامًا: فيمن ستثق؟ من سيكون طبيبك أو معلُّم أبنائك؟ وكيف ستكون الأجيال القادمة التي سوف تتخرج على هذه الطريقة؟ هل يُمكنك تصور العالم حينذاك؟

والكارثة الكبرى ليست فقط في إمكان تصور عالم بلا فضائل، بل في أنك جزء من تكونه؛ لقد أسهمت في بنائه، ووضعت لَبِنَتَكَ الخاصة فيه، ويا لها من خسارة فادحة.

وفي النهاية يُمكننا أن نخلص إلى أن أخلاق كانط تمنع النسبية الأخلاقية، وتؤسِّس لكرامة الإنسان، وتضع إطارًا لأخلاق كونية مُلزِمة، إذ يقف الواجب الكانطي مؤكدًا قيمة الإنسان وكرامته الذاتية، ومُذكِّرًا بأن الإنسان غايةٌ في ذاته، لا محض وسيلة في معادلة نفعية باردة.

  • هاوية الضرورة وأزمة الأخلاق المعاصرة

أولئك الذين يبرِّرون اليوم أفعالهم تحت مسمى “الحاجة” لا يسلكون طريقًا لا أخلاقيًا فحسب، ولكنْ يفتحون ثقبًا في النسيج الوجودي للإنسان؛ يضاعفون ضياعه، ويقوُّون قبضة النفس الحيوانية على حساب الرُوح. فالأمر لا يقف عند حدود إشباع مطالب الجسد، بل يصل إلى سحق الرُوح وتشويه المعنى.

“كل نفس بما كسبت رهينة”([8])— ستحصل دومًا على ما وضعت. فلو صنعت معروفًا حصلت على مثله، ولو بذرت بذرة خائبة — تحت أي مبرر أخلاقي كان — ستلاحقك ثمارها السيئة؛ لذا، فإن اتباع الفضيلة بوصفها فهمًا ومعرفةً لجوهر الخير سيجنبك حصاد الأشواك، ولن يلقِ بك في الحيرة المعاصرة التي تحاول تبرير الأفعال غير الأخلاقية بسبب الحاجة أو ظروف المجتمع. وربما هذا هو السبب في قول سقراط: “إن الفضيلة علم، والرذيلة جهل”، فقد قال الرجل: جهلٌ لا فقر. والجهل هو أصل الأخلاق الفاسدة.

ألم يقل النبي ﷺ:

“أطِبْ مطعمك تكن مستجاب الدعوة”، و”كلُّ جسد نبت من سُحْت فالنار أولى به”؟

إن القضية هنا لا تتوقف عند حدود الأخلاق والفضيلة، بل تمتد إلى الوجود ذاته، حيث يتأرجح الإنسان بين نمطي وجود: “الوجود الأصيل”  الذي يُحقق الذات، ويمنح الحرية، ويقود إلى المعرفة والرضا، و”الوجود غير الأصيل” الذي يشتت الإنسان، ويُبعده عن نفسه، ويجعله يخسر رُوحه وضميره.

ولا شك أن الأمورَ المادية مهمة، وأن على الإنسان أن يسعى بوسائل مشروعة في إشباع حاجاته؛ ولكنْ ما فائدة الرُوح في جسد ميت؟ وكيف نضحي بالمقصد الأعلى — الوجود ومعناه وكشفه — مقابل عقبة صغيرة تتعلق بالبقاء المادي؟ إن التضحية بالغاية الوجودية العظمى مقابل منافع آنية ليست سوى قتلٍ للرسالة بأكملها من أجل وسيلة صغيرة.

وفي النهاية، يتبيَّن لنا، بعد استعراض محطات الفكر الأخلاقي من سقراط إلى أرسطو، ومن كانط إلى مذهب المنفعة، ومن نسبية بروتاجوراس إلى غائية مكيافيللي، أن الأزمة الأخلاقية التي نعيشها اليوم ليست فقط مسألة فردية تتعلق بفهم كل منا لمعنى الأخلاق أو الضمير، بل هي أزمةُ رؤيةٍ، وأزمة معنى، وأزمة أسس، وأزمة عالمية أيضًا.

لقد رأى سقراط أن الفساد الأخلاقي يعود إلى الجهل، ومن ثم تصبح الفضيلة معرفةً، فيما منح أرسطو الأخلاق بُعدًا عمليًا، وجعلها سبيلًا إلى الازدهار الإنساني. أما كانط، فقد أراد أن يجعل الأخلاق قانونًا كُليًا يُحافظ على كرامة الإنسان، إلا أننا في واقعنا المعاصر نتمسك غالبًا بمبدأ المنفعة الذي يُجرد الفرد من قيمته الذاتية، ونتأثر بغائية مكيافيللي التي تُفرِّغ الفعل من معناه، وتحوِّل الوسيلة إلى وحشٍ يبتلع الغاية نفسها.

إن اضطراب الأخلاق في زمننا الحالي ليس إلا نتيجة لتفكك البنية التي تمنح الإنسان معنى لوجوده. وعندما يغيب السؤال عن ما هو “خير”، وما هو “عدل”، وما هو “واجب”، تعمُّ الفوضى الأخلاقية، ويصبح كل شيء مباحًا، ويغدو الإنسان حاملًا لفراغ داخلي لا يملؤه المال، ولا القوة، ولا النجاح الزائف، وهذا ما نغرق فيه الآن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1] See: Waters, L. (2004). Enemies of promise: Publishing, perishing, and the eclipse of scholarship. Prickly Paradigm Press.

[2] انظر: نيقولا مكيافيلي، الأمير: وهو تاريخ الإمارات الغربية في القرون الوسطى، ترجمة: محمد لطفي جمعة، مؤسسة هنداوي(٢٠١٤).

[3] أفلاطون، محاورات أفلاطون: أوطيفرون – الدفاع – أقريطون – فيدون، ترجمة ذكي نجيب محمود، مؤسسة هنداوي، (٢٠٢٢)، صـ32.

[4]  أفلاطون، مينون، ترجمة: عزت قرني، دار قباء، القاهرة، (2001).

[5] محاورات افلاطون، مرجع سابق، صـ35.

[6] أرسطوطاليس، الأخلاق، ترجمة اسحق بن حنين، حققه وقدم له: عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت،(1979).

[7] إيمانويل كانْط،، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة: عبد الغفار مكاوي، مراجعة: عبد الرحمن بدوي، مؤسسة هنداوي،(2020).

[8] سورة: المُدَّثِّر الآية (38).

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete