تكوين
تقع العدالة في موقع الفضيلة الأولى في المؤسسات الاجتماعية، كما في الحقيقة في أنظمة الفكر، والنظرية في باب الاقتصاد أو غيره، تسقط أو يعاد النظر فيها إذا وهنت صلاحيتها، كذلك الأمر في المؤسسات والقوانين التي يصبح العمل على إصلاحها مسألة لا بد منها إذا اختل میزان العدالة فيها؛ كل شخص يحظى بنوع من الحصانة المؤسسة على العدالة، يستحيل الاعتداء عليه باعتباره من مكونات الجماعة ويتمتع بالخير الذي يظللها؛ لهذا يبدو تبرير خسارة البعض لحرياتهم بحصول البعض الآخر على خير أعم، أمراً ترفضه العدالة وتحظره ولا يقبل أن يكون البديل عن التضحيات الأقلية مضاعفة مكاسب الأكثرية؛ وعليه، في مجتمع تسوده العدالة، تعتبر المساواة في الحقوق المدنية وفي الحريات مسألة نهائية، والحقوق التي تضمنها العدالة ليست موضوع مساومة سياسية أو مجالاً لاحتساب المنافع الاجتماعية. هذا الموقف من موضوع العدالة، مع ما قد يكون عليه من ملاحظات، يبقى مقبولاً مع غياب نظرية في المفهوم أفضل منه، وفي الوقت نفسه، إن نسبة من اللاعدالة أو الغبن يصعب القبول بها إلا إذا كانت ضرورية من أجل دفع اختلال أعظم في ميزان العدالة، الحقيقة والعدالة فضيلتان ملازمتان للسلوك البشري، وبما أنهما كذلك، فإنهما لا يحتملان أي نوع من أنواع التسوية.
لا تخرج العلاقة بين المساواة والحرية عن فضاء هذه المقدمة، وهي في توترها مشكلة ملازمة المجتمعات الحديثة، حيث تجاور الحرية القصوى حدود اللامساواة، لقد شغل هذا الأمر جون رولز Jhon Rawls (۲۰۰۲)، فاجتهد في سبيل إظهار نوع من التكامل بين الاتجاهات المشروعين في رأيه، بمنأى عن أمارات التناقض التي قد تظهر بينهما، لقد ربط رولز نظريته (۱) بشكل صريح بالمدار الاجتماعي – الديمقراطي، جوابًا على تساؤل: كيف يمكن التوفيق بين الحرية والعدالة الاجتماعية؟ سعى هذا المفكر إلى إنجاز تصور منهجي للعدالة الاجتماعية، يستطيع الحلول محل النفعية Utilitarianism التي تعود أصولها إلى القرن الثاني عشر Jeremy Bentham (1832 م) والتي أرخت بظلها على الفكر السياسي الأنغلوسكسوني.
تدعي النفعية أو المذهب النفعي أن مجتمعاً ما هو أفضل من غيره، إذا استطاع أن يؤمن أكبر قدر من الخير للمواطنين “السعادة الأعظم للعدد الأعظم من المواطنين”؛ هذا التصور الذي يبدو للوهلة الأولى لافتا وجذابا، لم يقو على الصمود أمام النقد، فهو لا يعير الاهتمام إلا لكمية الخيرات، دون أن يأخذ بعين الاعتبار الكيفية التي من خلالها سوف تصل إلى الأفراد، بمعنى آخر ، المهم في هذا البرنامج “قالب الحلوى”، حتى ولو لم يكن حظ البعض منه إلا الشيء اليسير؛ وعليه، فلا حرج في التضحية ببعض الأفراد أو المجموعات غير المحظوظة إذا كان خير الأكثرية يقتضي ذلك.
يريد رولز أن ينتج نظرية، أكثر فاعلية من المذهب النفعي، على أن تكون ملائمة للشعور الأخلاقي، معتقدا أن العدالة الإجرائية هي أساس نظريته، ما يعني أن النتيجة الحاصلة لا يمكن أن تكون عادلة إلا إذا كان الإجراء نفسه عادلاً ومنصفاً.
حجاب الجهل :
يواجه رولز أمرًا يتعلق في كون كل واحد منا يسعى إلى اختيار مبدأ يساعده في تحسين شروط موقعه الشخصي، فالغني، على سبيل المثال، يستطيع أن يدعي بأن الغاية من فرض الضرائب، وضع معايير اجتماعية غير عادلة، في حين يذهب الفقير إلى نقيض ذلك، والسؤال الذي يطرح نفسه، كيف يمكن إنجاز طريقة إجرائية تقي من هذا المأزق؟
يتخيل رولز وضعاً افتراضياً “تجربة تفكير” قد تقدم الشروط الضرورية لإجراء منصف، هذا الوضع يشبه حجاب الجهل وهو المفهوم الأكثر ابتكارا في فكر جون رولز، تحت هذا الحجاب، أي من الناس لا يعرف حقيقة وضعه في المجتمع، كما أنه ليس على بيئة من مؤهلاته الطبيعية، فيكون في هذه الحالة أو في هذا الوضع، عاجزا عن إنجاز مبادئ يعود نفعها إليه وحده؛ في ضوء هذا الاحتمال، يقع على الناس أمر تحديد القواعد لمجتمع يريدون بناءه دون أن يعرفوا مسبقا ما قد يؤول إليه وضعهم الاجتماعي أو مؤهلاتهم الشخصية (ذكاء، قوة …..) كل واحد يجهل مزايا شخصيته، تصوره للخير، مشروع حياته الشخصي.
بالنسبة لرولز، إن “حجاب الجهل” يسمح بالإجماع على تصور خاص للعدالة، لأن شركاءاً راجحي العقل، مع جهلهم لما يجعلهم مختلفين عن غيرهم، يصبحون أكثر استعدادًا للاقتناع بالحجة نفسها، إذا حصل أن أحداً وجد بعد تفكير عميق أن تصوراً للعدالة هو أحسن من تصور آخر، عندئذ يجمع الكل على الاستحسان الجديد؛ هكذا يرفع رولز نظرية روسو في “العقد الاجتماعي” إلى أبعد مايكون في التجريد.
يصل هؤلاء الأشخاص فى نهاية الأمر إلى مبدأين اثنين : الأول، مبدأ المساواة في الحرية، أما الثاني، فينطوي على حقي الاختلاف وتكافؤ الفرص. يتقدم المبدأ الأول على غيره ويهدف إلى ضمان الحريات والحقوق للجميع بالتساوي، كل إنسان له حقٌ يتساوى فيه مع الجميع في نظام الحريات الأساسية وأهمها الحريات السياسية (حق الانتخاب، حق إشغال منصب عام وحرية التعبير والاجتماع، حرية التفكير، احترام الوضع الطبيعي والنفسي للشخص، حق الملكية الشخصية ……).
أما المبدأ الثاني، فيذهب باتجاه تأسيس العدالة الاجتماعية، مشيرا إلى أن المجتمعات التي تسود فيها المساواة الشاملة والكلية غالبا ما تواجه خطر انخفاض الإنتاجية، وأن الجميع، بمن فيهم المعوزين والمحرومين يطالهم ضرر هذا الانخفاض، وتؤذيهم آثاره، يؤكد رولز أن اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية هي عادلة فقط إذا أنتجت بالمقابل فوائد ومكاسب للأفراد الأكثر حرمانًا، ولا تكون العدالة مفقودة إذا حصل أن عددا قليلاً من الناس قد أصاب من الفوائد ما تجاوز حد الوسط، شرط أن تتحسن في الوقت نفسه أوضاع المعوزين والأقل حظاً.
إلى العدالة الاجتماعية، لكل فرد أن يستفيد من مبدأ تكافؤ الفرص مثل غيره، فيصل إلى الوظائف والمواقع الاجتماعية على اختلافها؛ والحق بالمساواة أمام هذا المبدأ يجب ألا يكون مشروطاً بالاختلاف أو الفرق في حياة كل فرد من الأفراد.
إن نظرية رولز كما يعلق تيرّيه François Terré ، تستبعد نوعين من التضحيات، الفئة الأكثر حرمانا لحساب الفاعلية الاقتصادية، ما يؤدي إلى اتهام الليبرالية المتوحشة، والفئة الأكثر حظاً وثراء باسم العدالة الاجتماعية، ما يعادل رفض الاشتراكية المتسلطة (٢).
أحدثت هذه النظرية صدى قوياً عند أهل الاقتصاد والقانون، إلى حد جعل الرجوع إليها عند هؤلاء والإفادة منها في آرائهم وأحكامهم أمرًا لا مفر منه، ومع ذلك، فإن عددا من المفكرين إلى اعترافهم بثراء هذه النظرية، لم يترددوا في نقد هذه الفكرة أو تلك منها.
لقد أشار بول ريكور Paul Ricoeur (2005م) إلى الحلقة المفرغة التي دارت فيها مقاربة رولز و برهانه، فاعتبر أن رولز، قد عرّف وشرح مبادئ العدالة قبل فحص شروط الاختيار وظروفه، يعني قبل “حجاب الجهل” (۳)، إن أكثر ما يمكن أن يقدمه تحليله، نوعاً من العقلنة لمعنى العدالة المفترض، لكن ريكور المتسامح يؤكد أن هذا النظام الدائري، هو سمة ملازمة لكل تأمّل أو تفكير أخلاقي، في حين يذهب بودون Raymond Boudon إلى أن المبادئ التي انطلق منها رولز غير ملائمة لأحكام الحس المشترك. إن مجتمعًا فيه بعض الفروقات بين الأغنياء والفقراء، هو بحسب رولز أكثر خرقًا للعدالة من مجتمع يبدو فيه الفرق بين الطرفين كبيرا، لكن الفقراء يتمتعون بالحد الأدنى من الاحتضان والمساعدة التي لا يحصلون عليها في المجتمع الآخر. لكن هذا التصور لم يلق الاعتبار عند الأكثرية من المستفتين حوله؛ يذكر بودون (4) أن دراسة جرت في الولايات المتحدة وبولونيا، طلب فيها إلى مجموعة من الأشخاص فحص توزيع وهمي أو اعتباري للمدخول، واختيار التوزيع الذي يرونه أكثر عدالة، فكانت النتيجة أن تصوّر رولز (الفرق) قد جاء الأقل اختياراً (1,23%) من الأشخاص فقط، و (77,8%) اختاروا الصيغة التي تسمح بمدخول وسط يكون في الحدود التي يتحقق معها الحد الأدنى من الضمان الاجتماعي، لا سيما للأشخاص الذين يتقاضون أجورا ضعيفة.
بالنسبة لبودون، يرتكز هذا الخيار على أسباب قوية، أهمها كون الحس المشترك، يجمع على أن اللامساواة في تجلياتها المختلفة، تبقى مقبولة بالقياس إلى الإلغاء والتهميش اللذين لا يمكن احتمالهما، وعليه يرى بودون إلى نظرية رولز متهافتة من الناحية العلمية، لأنها لا تأخذ في الحسبان شعور العدالة كما يمكن ملاحظته فعلا وواقعا.
إن عددا غير قليل من المفكرين في الولايات المتحدة يميلون إلى هذا الرأي، ويعتبرون كل فكر أو فعل ينتمي في أصله إلى سياق معين، و أنه من المستحيل تحديد توزيع عادل في مجتمع ما بمعزل عن اعتبار ثقافة هذا المجتمع وطبيعة حركته مايكل والزر Michael Walzer من بين هؤلاء، ينتقد سمة التجريد الذي يطبع بناء نظرية رولز، لاسيما غياب الرابط بينها وبين الواقع الفعلي الذي تعيشه مجموعة بشرية (٥) ، ويرى إلى أنه لا يمكن أن يوجد مبدأ وحيد للعدالة، إنما مبادئ مختلفة، كل واحد منها قابل للتطبيق في مساحة معينة من مساحات الحياة الاجتماعية.
يعتقد والزر أن الخيرات تتوزع في قطاعات ثلاثة : السوق، الأهلية والاستحقاق، الحاجة، ومعيار الإنسان العادل يتغير ويتبدل بين قطاع وآخر؛ السوق يقوم بدوره عندما يهتم بتوزيع المواد الاستهلاكية، ويخرج عن هذا الدور إذا حاول أن يعدل في قواعد الحياة السياسية، ومثال ذلك السياسيّ عندما يسعى، عند استحقاق انتخابي شراء الأصوات، وعليه، فإن ثمة تعددية ما في مبادئ العدالة، ويبرز الاستبداد عندما تختلط الأمور فتمد السلطة المكتسبة في حقل معين نفوذها إلى حقل آخر .
واجه رولز نقدًا من أنصار الحرية المطلقة، فرفضوا تحت شعار حماية الحرية أي تدخل من جانب الدولة في حياة الأفراد، حتى ولو كان هذا التدخل بهدف تحقيق القدر الأكبر من العدالة الاجتماعية؛ في مقدمة هؤلاء روبير نوزيك ( (Robert Nozick، يأخذ على رولز اعتقاده أن أهلية الشخص و جهده يجب ألا يسهما في تحسين أجره أو دخله، ويعتبر أن القدح باستقلالية الشخص وإنكار مسؤوليته عن أفعاله نهج مثير للشك لنظرية تبتغي تعزيز كرامة الكائنات البشرية وترسيخ احترامها.
استطاع رولز أن يصمد أمام هذا التشريح الذي أصاب نظريته، فحرص في سياق تطوير بعض الأفكار فيها على صون جوهرها (۷) ، إذ عمل على تعيين حدود الحقل التطبيقي لهذه النظرية بعد أن كان في مؤلّفه الأول يؤكد أنها قابلة للتطبيق في كل مجتمع مركب من أفراد علانيين وفي أشكال الوجود على اختلافها، عاد لاحقا ليعلن أنها لا تصح إلا في مجتمع يمقراطي؛ إلى ذلك، بعد تشديده في كتابه على السمة العقلية للمكلفين، حرص على التمييز ين عقلي rationnel و عاقل raisonnable، موضحًا أن العاقل مسكون بالاعتبارات الأخلاقية وحس العدالة وهو أسبق على ما هو عقلي وبالتالي هو أكثر التصاقا بمعنى العادل.
مع هذا النقد لم يتردّد نوزيك في القول أن كتاب رولز Théorie de la justice ، الذي نشر منذ أكثر من ثلاثين عاما، يبقى مرجعا في الفلسفة السياسية، لكن أهميته، وإن تضاءلت بفعل مقاربات النقدية التي تلقاها، تبقيه مفيدًا من جهة الأفكار التي طرحها والتي تشد قارئيه وقوتها تكمن في قدرتها على الإثارة والتحريك أكثر مما هي في صحتها وصوابية مقاصدها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي:
1) John Rawls, Théorie de la justice, Paris, Seuil. 1987.
2) F. Terré, <<Préface » dans l’ouvrage collectif, individu et justice sociale, autour de John Rawls, Paris, seuil, 1988.
3) Paul Ricaeur, Le juste, Paris, Esprit, 1995.
4) R. Boudon, “A propos des sentiments des justice: nouvelles remarques sur la théorie de Rawls”, in L’année sociologique, 45, (2/1995), 273-296.
5) M. Walzer, Sphères de justice. une défense du pluralisme et de l’égalité, Paris, Seuil, 1997; et Id., Pluralisme et démocracie, Paris, Esprit, 1997.
6) R. Nozick, Anarchie, Etat et utopie, Paris, puf, 1988.
7) J. Rawls, Justice et démocracie, Paris, Seuil, 1993; et Id., Libéralisme Politique, Paris, puf, 1995 (coll. «Philosophie morale»).