تكوين
مقدمة:
ارتبط توسع تعليم النساء ودخولهن سوق العمل بتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، من بينها التحضر، ونمو قطاع الخدمات، وارتفاع تكاليف المعيشة، وحاجة الأسرة المتزايدة إلى أكثر من دخل، وتغير بنيتها الداخلية. غير أن هذه التحولات لم تُلغِ التقسيم الأبوي السابق للعمل داخل الأسرة؛ فدخلت النساء مجال العمل المأجور، بينما ظلت مسؤوليات الطبخ والتنظيف والإنجاب والتنشئة ورعاية الأطفال والمرضى والمسنين تُسند إليهن بوصفها واجبًا طبيعيًا وأخلاقيًا. ومن ثم ظهرت المرأة المعاصرة في وضع متناقض: عاملة مأجورة في النيو ليبرالية، وعاملة غير مأجورة داخل المنزل.
تظهر المرأة المعاصرة في وضع اجتماعي مركب، فهي تعمل بأجر خارج المنزل، وبغير أجر داخل المنزل. فهي ذات قانونية في العمل الأجير، وعضو أسرة أبوية في وجودها داخل المنزل. وهي موضوع لخطاب أخلاقي-ديني، يجعل الرعاية المنزلية وظيفتها الأصلية. ومن هذا “الكل العيني” تعود الدراسة إلى الأشكال التاريخية السابقة للملكية والقرابة والقوامة وتقسيم العمل، لا لافتراض أنها احتوت الرأسمالية أو النيوليبرالية بصورة جنينية مكتملة، وإنما لتبيان كيف أعادت العلاقات الحديثة إنتاجها، وعن الكيفية التي تغيرت بها وظائفها داخل النيو ليبرالية والدولة والأسرة.
ويمثل هذا التناقض أساس الدراسة؛ فالعمل المنزلي والرعائي ليس نشاطًا خاصًا يقع خارج الاقتصاد، بل شرطًا ماديًا لإعادة إنتاج قوة العمل والحياة الاجتماعية. يتيح الأجر شراء وسائل المعيشة، لكنه لا يحولها بذاته إلى طعام جاهز أو مسكن نظيف أو طفل تتم رعايته أو عامل استعاد قدرته على العمل. ويقتضي ذلك عملًا يوميًا إضافيا، يقع قسمه الأكبر على النساء، لكنه لا يظهر في الحسابات الاقتصادية بوصفه عملًا ولا يحصل غالبًا على مقابل مباشر. وهكذا يستفيد النيو ليبرالية من عمل لا تشتريه مباشرة، بينما تعتمد الدولة والأسرة عليه لتعويض نقص خدمات الرعاية العامة.
لكن استمرار هذا التوزيع غير المتكافئ لا يقوم على الحاجة الاقتصادية وحدها؛ إذ يحتاج إلى منظومة رمزية وأخلاقية تمنحه المشروعية. وهنا يؤدي الخطاب الديني المحافظ وظيفة أيديولوجية مهمة، حين يعيد تعريف الرعاية والعمل المنزلي بوصفهما تعبيرًا عن فطرة المرأة وأمومتها وصلاحها، ويقدم القوامة والطاعة والتضحية باعتبارها عناصر في نظام طبيعي وأخلاقي ثابت. وبذلك تتقاطع حاجة النيو ليبرالية إلى خفض تكاليف إعادة إنتاج قوة العمل مع بنية أسرية أبوية تمنح الرجل سلطة القرار، ومع خطاب محافظ يضفي على هذا التوزيع شرعية دينية وأخلاقية.
ولا تفترض الدراسة أن العمل المنزلي والرعائي غير مدفوع الأجر ظاهرة تقتصر على المجتمعات ذات الأديان التوحيدية، فقد ارتبط تاريخيًا بأشكال متعددة من التنظيم الاجتماعي عبر حضارات مختلفة. لذلك تتناول الدراسة الكيفية التي يُعاد بها تطبيع هذا العمل داخل السياق الثقافي للمجتمعات ذات المرجعية التوحيدية؛ حيث لا يُقدَّم بوصفه مجرد تقسيم اجتماعي للعمل، بل بوصفه واجبًا أخلاقيًا ودينيًا يرتبط بالطبيعة، والطاعة، والفطرة، والأمومة. ومن ثم فهي لا تنطلق من افتراض أن المرجعية الدينية أنشأت البنية الأبوية أو العمل المنزلي غير مدفوع الأجر، وإنما من فرضية أن بعض التأويلات التاريخية المحافظة داخل هذه المرجعية قد أسهمت في إطالة أمد هذا الترتيب الاجتماعي، عبر تحويل علاقة تاريخية قابلة لإعادة التنظيم إلى نظام أخلاقي يبدو ثابتًا ومتعاليًا على شروط نشأته التاريخية.
وعليه، تبحث الدراسة في الكيفية التي أعادت بها الرأسمالية، ولا سيما في طورها النيوليبرالي، توظيف بنى أبوية أقدم منها بدلًا من تجاوزها، وفي الطريقة التي تسهم بها التأويلات الدينية المحافظة في إعادة إنتاج هذا الترتيب، عبر إضفاء الشرعية الأخلاقية والدينية على العمل المنزلي والرعائي غير مدفوع الأجر، وتحويله من علاقة اجتماعية تاريخية قابلة لإعادة التنظيم إلى واجب يُقدَّم بوصفه جزءًا من الفطرة والنظام الأخلاقي.
- إشكالية الدراسة:
تتمثل إشكالية الدراسة في السؤال الآتي: كيف تتفاعل البنية الاقتصادية النيوليبرالية مع الأسرة الأبوية والخطاب الديني المحافظ في إعادة إنتاج العمل المنزلي والرعائي غير مدفوع الأجر بوصفه مسؤولية نسائية طبيعية وأخلاقية؟
ولا تفترض الدراسة وجود تحالف واعٍ أو مخطط بين النيو ليبرالية واليمين الديني، بل تبحث في التقاطع الوظيفي بينهما؛ فالنيو ليبرالية والدولة تستفيدان ماديًا من تحميل الأسرة تكاليف الرعاية، بينما يمنح الخطاب المحافظ هذا التحميل شرعية رمزية وأخلاقية.
- أهداف الدراسة:
- تحليل العمل المنزلي والرعائي غير مدفوع الأجر بوصفه أحد شروط إعادة إنتاج قوة العمل في الاقتصاد الرأسمالي.
- بيان الكيفية التي أعادت بها النيوليبرالية توظيف البنية الأبوية في نقل أعباء الرعاية من الدولة إلى الأسرة.
- تحليل الدور الأيديولوجي للخطاب الديني المحافظ في تطبيع هذا التوزيع التاريخي للعمل، مع تطبيق ذلك على خطاب الشيخ محمد متولي الشعراوي.
- تساؤلات الدراسة:
السؤال الرئيس هو: كيف يُعاد إنتاج العمل المنزلي والرعائي غير مدفوع الأجر من خلال التفاعل بين النيوليبرالية والبنية الأبوية والخطاب الديني المحافظ؟
وينبثق منها اسئلة فرعية:
- ما الموقع الاقتصادي للعمل المنزلي والرعائي في عملية إعادة إنتاج قوة العمل؟
- كيف أعادت النيوليبرالية تنظيم العلاقة بين الدولة والأسرة في مجال الرعاية؟
- كيف يُطبع الخطاب الديني المحافظ استمرار التقسيم الجنسي للعمل داخل الأسرة؟
- كيف يتجلى هذا التصور في نموذج لهذا الخطاب اليميني مثل خطاب الشيخ محمد متولي الشعراوي؟
- حدود الدراسة:
الحدود الموضوعية: تقتصر الدراسة على تحليل العلاقة بين العمل المنزلي والرعائي غير مدفوع الأجر، وإعادة الإنتاج الاجتماعي، والنيوليبرالية، والخطاب الديني المحافظ.
الحدود المكانية: تركز الدراسة على الحالة المصرية مع الاستفادة من الأدبيات والبيانات الدولية للمقارنة.
الحدود الزمنية: تمتد من صعود السياسات النيوليبرالية في مصر منذ سبعينيات القرن العشرين حتى الوقت الراهن.
- منهج الدراسة:
تستخدم الدراسة المنهج المنطقي-التاريخي، عبر البدء من الشكل المعاصر الأكثر تطورًا للعلاقة، حيث تجتمع المرأة العاملة، والعمل المنزلي، والنيو ليبرالية، والدولة، والأسرة، والقانون والخطاب الديني، ثم العودة إلى الأشكال التاريخية السابقة لفهم العناصر التي استمرت وتغيرت وظائفها. ولا يعني البدء من الشكل الناضج اعتبار الحاضر أكثر كمالًا أو عدلًا، بل البدء من المرحلة التي انكشفت فيها عناصر العلاقة وتناقضاتها بوضوح أكبر. فمن خلال يوم العمل المزدوج للمرأة المعاصرة يمكن فهم كيف انتقل تقسيم سابق للعمل من تنظيم النسب والملكية والقرابة إلى أداء وظيفة حديثة في إعادة إنتاج قوة العمل وتعويض تراجع الرعاية العامة.
الإطار النظري:
-
المحور الأول: الاقتصاد السياسي للعمل المنزلي غير مدفوع الأجر:
ينطلق هذا المحور من فرضية أساسية مفادها أن العمل المنزلي والرعائي غير مدفوع الأجر لا يمكن فهمه باعتباره مسألة أخلاقية أو عائلية خاصة، ولا أنه امتدادًا طبيعيًا لوظيفة أنثوية ثابتة، بل بوصفه علاقة اقتصادية واجتماعية تدخل في صميم إعادة إنتاج قوة العمل. فالبيت، في الاقتصاد الرأسمالي، ليس خارج النيو ليبرالية تمامًا، حتى حين لا ينتج سلعة مباشرة؛ إنه المجال الذي تُرمَّم فيه قوة العمل يوميًا، وتُربى فيه قوة العمل القادمة، وتُخفَّض من خلاله كلفة الحياة التي يحتاجها العامل لكي يعود إلى العمل في اليوم التالي.
ولذلك يصبح السؤال الحاسم في العمل المنزلي غير مدفوع الأجر هو: من يملك زمن الحياة؟ فالمرأة لا تُستغل فقط لأنها تؤدي عملًا بلا أجر، بل لأن زمنًا حيًا كاملًا يُسخَّر لإعادة إنتاج قوة العمل التي يحتاجها رأس المال. فالطبخ، والتنظيف، والتربية، والرعاية، وترميم الجسد المنهك، ليست أفعالًا عائلية بريئة خارج الاقتصاد، بل لحظات يومية يُعاد فيها تجهيز العامل كي يعود إلى النيو ليبرالية. هكذا يصبح البيت موقعًا يخضع فيه العمل الحي النسائي لمنطق رأس المال من دون أن يظهر في صورة علاقة عمل مباشرة.
-
نقد وهم “الفطرة”: تقسيم العمل ليس قدرًا بيولوجيًا
غالبًا ما يُروج الفكر التقليدي لتقسيم العمل (سواء الطبقي أو القائم على النوع الاجتماعي) بوصفه نتاجًا عفويًا لتطور “طبيعي” تلبي فيه كل فئة دورها الفطري. لكن لا يتعامل الاقتصاد السياسي مع تقسيم العمل بوصفه قالبًا ثابتًا يفسر نفسه بنفسه، بل بوصفه نتاجًا تاريخيًا لبنية القوة السائدة في المجتمع. ويؤكد تغير أشكال تقسيم العمل عبر أنماط الإنتاج المختلفة أنه ليس معطًى فطريًا أو بيولوجيًا؛ فما يتغير تاريخيًا لا يمكن اعتباره قانونًا طبيعيًا ثابتًا. ومن هذا المنطلق لا يكون السؤال: هل يوجد تقسيم للعمل؟ بل: ما الشكل التاريخي لهذا التقسيم؟ ومن يحدده؟ ومن يستفيد منه؟ وما علاقته ببنية السلطة والإنتاج في كل مرحلة؟
في هذا السياق، تكشف المقارنة بين المانيفاكتورة[1] والمجتمعات القديمة أن وجود تقسيم للعمل عبر العصور لا يعني أنه يؤدي الوظيفة نفسها دائمًا. ففي مصر القديمة مثلًا، لم يكن تقسيم العمل مجرد توزيع عفوي للمهارات، بل كان أداة قانونية وسياسية لتثبيت النظام الاجتماعي. فقد اُستخدم العمل كوسيلة لتجميد الزمن الاجتماعي؛ إذ إن إجبار الأبناء على وراثة قواعد الأجداد وحصرهم في مهن عشائرهم يضمن للدولة الحاكمة أمرين: استمرار الإنتاج الاقتصادي دون انقطاع عبر أجيال تمتلك مهارة متوارثة، وشلل الحراك الاجتماعي، لأن المجتمع الذي لا يستطيع فيه الفرد تغيير مهنته أو الجمع بين مجالات مختلفة يصبح مجتمعًا يصعب فيه نشوء قوى اجتماعية جديدة تهدد استقرار النخبة الحاكمة، “حيث إن كل حرفي يتدخل في شؤون الدولة، أو يتعاطى عدة حرف في وقت واحد، يتعرض لعقوبات شديدة. وهكذا، لا شيء يمكن أن يعرقله عن الانصراف كلياً إلى مهنته … يضاف إلى ذلك أنهم، إذ يرثون الكثير من القواعد عن الأجداد، يسعون جهدهم بكل حمية لاختراع الجديد من التحسينات”[2].
هنا يتضح أن تقسيم العمل في مصر القديمة لم يكن “فطريًا” أو “طبيعيًا” أو “عفويًا”، بل كان تنظيمًا اجتماعيًا مفروضًا بالقانون والعقوبة والوراثة. ولذلك فإن الطبيعة هنا ليست طبيعة بيولوجية، بل اسم آخر لعلاقة اجتماعية منظمة سياسيًا.
يكشف هذا التحديد خلط الفكر التقليدي بين قدم تقسيم العمل وبين طبيعته. فكما أُجبر الحرفي في مصر القديمة على قالب مهني ثابت لإعادة إنتاج نظام اجتماعي وطبقي، يتم في العصر الحديث حصر النساء في العمل الرعائي غير المدفوع لسد فجوات سوق العمل الحالية. وبذلك تنزع المقارنة صفة العفوية عن الاثنين، وتضعهما في سياق هندسة اجتماعية منظمة.
وعلى المنوال نفسه، فإن وجود تقسيم جنسي قديم للعمل بين الرجال والنساء لا يعني أن الأسرة الحديثة والعمل المنزلي غير المدفوع امتداد طبيعي لهذا الماضي. فلا يكون السؤال عما إذا كانت النساء قد قُمن بالرعاية تاريخيًا أم لا، بل عن الوظيفة التي اخذتها الرعاية داخل نمط الإنتاج الرأسمالي. إذ تستولي الرأسمالية على تقسيم تاريخي[3] سابق للعمل بين الجنسين، وتعيد تنظيمه داخل علاقة جديدة: تخفيض كلفة إعادة إنتاج قوة العمل عبر تحويل الرعاية إلى عمل عائلي غير مدفوع.
-
الملكية الخاصة والأسرة الأبوية وضبط جسد المرأة
مع ظهور الملكية والفائض، يتخذ تقسيم العمل بين الجنسين شكلًا أكثر ارتباطًا بالسلطة. يربط إنجلز نشوء الأسرة الأبوية والزواج الأحادي بصعود الملكية الخاصة والحاجة إلى ضمان النسب الوراثي. فمع تراكم الثروة في يد الرجل، صار من الضروري تثبيت نسب الأبناء بوصفهم ورثة شرعيين، ومن هنا ارتبط إخضاع المرأة تاريخيًا بضبط وتنظيم حياتها الجنسية والإنجابية؛ أي ضبط علاقاتها، وزواجها، وإنجابها، ونسب أبنائها[4].
لذلك لا يظهر الزواج الأحادي عند إنجلز كتوافق طبيعي بين الرجل والمرأة، بل كصيغة تاريخية ارتبطت بخضوع جنس لآخر وبانتقال الملكية عبر خط الأب. فالأسرة الأبوية ليست مجرد وحدة أخلاقية أو عاطفية، بل شكل اجتماعي ارتبط تاريخيًا بالملكية والميراث وتنظيم السلطة داخل الجماعة.
ومن هنا نرى أن ما بدأ عند إنجلز كضبط للمرأة من أجل ضمان الوراثة، يُعاد تنظيمه في الرأسمالية كضبط للمرأة من أجل ضمان إعادة إنتاج قوة العمل والحد من دفع أجرة أعلى. فالمرأة لا تُحصر فقط في البيت باعتباره فضاءً أخلاقيًا، بل يُعاد توظيف البيت نفسه بوصفه موقعًا اقتصاديًا غير مرئي.
-
الشكل الرأسمالي لتقسيم العمل
في مرحلة المانيفاكتورة، قام تقسيم العمل في أصله الاقتصادي والإنتاجي على عزل العمليات وتفكيكها. يجري تصنيف العمال وتجميعهم في جماعات بناءً على “قدراتهم الغالبة” ومهاراتهم المحددة[5]، فارتبط تقسيم العمل بالمهارة والخصائص الإنتاجية. فتقسيم العمل إلى عمليات جزئية يتطلب في كل خطوة درجة مختلفة من المهارة والقوة، مما يسمح بتركيز خط الإنتاج، والاستفادة القصوى من كفاءة العامل الحرفية، وتوفير الوقت.
غير أن الجديد في تقسيم العمل الرأسمالي أنه لا يهدف فقط إلى تثبيت النظام الاجتماعي كما في الأشكال القديمة، ولا إلى تحسين القيمة الاستعمالية للمنتج فحسب، بل إلى زيادة الإنتاجية وإنتاج فائض القيمة. فالعامل لا يعود حرفيًا كاملًا، بل يتحول إلى عامل جزئي داخل قوة عمل جمعية يملكه رأس المال.
بهذا المعنى، يكون تقسيم العمل الرأسمالي مرتبطًا بإنتاج فائض القيمة. فهو ليس مجرد توزيع تقني للعمل، بل علاقة سلطة داخل الإنتاج. إنه يفكك العامل، ويختزل مهارته، ويربطه بحركة كلية لا يملكها. ومن هنا يصبح تقسيم العمل أداة للسيطرة على العمل الحي، لا مجرد أداة لتنظيم الإنتاج.
-
الصناعة والنيو ليبرالية: التحرر التاريخي وحدوده
كانت الرأسمالية لحظة ثورية كبرى في التاريخ الإنساني؛ إذ حطمت البنى الإقطاعية المغلقة، وفككت علاقات التبعية الشخصية القديمة، ووسَّعت النيو ليبرالية العالمية، وأطلقت تطورًا غير مسبوق في القوى المنتجة والعلم والتقنية. ففي البيان الشيوعي نجد أعلى تثمين لها “فقد لعبت البرجوازية في التاريخ دورًا ثوريًا للغاية، لأنها حيث وصلت إلى السلطة هدمت جميع العلاقات الإقطاعية، والأبوية، والعاطفية”[6].
لقد أسهم هذا “التثوير” الذي أحدثته الرأسمالية في تفكيك القداسة التي أحاطت بالعلاقات الاجتماعية التقليدية، وفتح المجال أمام العمل المأجور ومشاركة النساء في الإنتاج الاجتماعي، فكان ذلك لحظة تاريخية تقدمية قياسًا بالبنى الإقطاعية السابقة. غير أن هذا التحرر لم يُفضِ إلى إلغاء علاقات السيطرة، بل إلى إعادة تنظيمها على أسس جديدة، بحيث أصبحت تقوم على النيو ليبرالية والعمل المأجور، مع استمرار تحميل الأسرة، وعلى نحو خاص النساء، جانبًا كبيرًا من أعباء إعادة إنتاج قوة العمل.
ومن هنا تظهر مفارقة المرأة في الرأسمالية[7]؛ فهي تخرج من التبعية الشخصية للأسرة الأبوية إلى فضاء العمل الاجتماعي، لكنها تدخل في الوقت نفسه في علاقة جديدة مع سلطوية جديدة هي رأس المال، بينما تبقى مسؤولية إعادة إنتاج الحياة داخل البيت في شكل ظهور غير مدفوع الأجر. وعلى هذا الأساس، لا تُفهم الرأسمالية بوصفها مرحلة تاريخية ينبغي الحكم عليها أخلاقيًا، بل بوصفها نمط إنتاج حمل وظيفة تاريخية تقدمية مقارنة بالبنى السابقة، وفي الوقت نفسه أعاد إنتاج تناقضات جديدة تجعل تجاوزه ممكنًا تاريخيًا.
-
دخول النساء والأطفال إلى الإنتاج
ويكشف الانتقال الرأسمالي من المانيفاكتورة إلى الصناعة الكبرى[8] عن تحول في آلية السيطرة على العمل؛ فمع دخول الآلة لم يعد الاعتماد قائمًا على مهارة العامل الفردية، بل على تنظيم عملية الإنتاج بما يسمح بتخفيض تكلفة قوة العمل وزيادة قابلية العمال للضبط. ومع انتقال المهارة من جسد العامل إلى الآلة، أصبح من الممكن تشغيل عمال أقل تدريبًا، ومن ثم التوسع في استخدام النساء والأطفال، لا لأنهم “أنسب” للإنتاج، بل لأن ذلك خفض تكلفة الإنتاج وزاد قدرة رأس المال على التحكم في قوة العمل[9] ·.
وهنا تظهر مفارقة مهمة[10] في تاريخ الرأسمالية؛ الصناعة الكبرى تهدم جزءًا من الأسرة الأبوية القديمة، لكنها لا تحرر المرأة مباشرة. فهي تُخرج النساء والأطفال إلى الإنتاج الاجتماعي، وتكسر احتكار الأب للأجر، لكنها تفعل ذلك في صورة استغلالية: منع دفع أجور أعلى، تشغيل أطفال، يوم عمل طويل، تفكك للرعاية، واستغلال للأسرة كلها.
لذلك لا ينبغي قراءة دخول النساء إلى المصنع بوصفه تحررًا تلقائيًا، بل بوصفه لحظة متناقضة؛ تهدم الأساس القديم للتبعية، لكنها تخضع النساء مباشرة لرأس المال. فالمرأة قد تصبح عاملة مأجورة في المصنع، لكنها لا تتحرر بالضرورة من العمل المنزلي غير المدفوع. بالعكس، ينتج ذلك ما يسمى “اليوم المزدوج”؛ عمل مأجور خارج البيت، ثم عمل غير مأجور داخله.
-
العمل المنزلي كامتداد للمصنع
لم تُلغِ الصناعة الكبرى العمل المنزلي، بل حدث له تحول مزدوج. فمن جهة، خرج جزء من العمل النسائي إلى المصنع بوصفه عملًا مأجورًا رخيصًا. ومن جهة أخرى، بقي جزء داخل البيت أو عاد إليه في صورة عمل بالقطعة، أو تعاقد من الباطن، أو إنتاج منزلي تابع للمصنع أو المؤسسة التجارية.
فرأس المال قد يترك المصنع الكبير عندما يصبح مكلفًا، أو عندما يقوى تنظيم العمال، فيعيد الإنتاج إلى البيت والورش الصغيرة والعمل بالقطعة والتعاقد من الباطن [11]. هنا يصبح البيت نفسه وحدة إنتاج للسوق، لكن من دون حماية المصنع، أو الأجر المستقر، أو التأمين، أو التنظيم النقابي[12].
ويترتب على ذلك تداخل ثلاثة أنماط من العمل في حياة المرأة: العمل المأجور داخل النيو ليبرالية، والعمل المنزلي والرعائي غير مدفوع الأجر، والعمل الإنتاجي المنزلي المرتبط بالنيو ليبرالية عبر العمل بالقطعة أو التعاقد من الباطن، فتتراكم أشكال الاستغلال بدلًا من أن يحل أحدها محل الآخر.
ويكشف ذلك أن الرأسمالية لا تتجاوز دائمًا الأشكال الاجتماعية السابقة بإلغائها، بل كثيرًا ما تعيد دمجها داخل تنظيم إنتاجي جديد يخدم عملية تراكم رأس المال. ومن ثم، لا يصبح معيار التحليل هو مكان أداء العمل، داخل البيت أو خارجه، وإنما العلاقة الاجتماعية التي يُؤدى في إطارها، والجهة التي تستفيد من ثماره، ومن يتحمل كلفة إعادة إنتاجه.
-
إعادة إنتاج قوة العمل
في النيو ليبرالية، لا يشتري الرأسمالي العمل، بل يشتري قوة العمل، أي قدرة العامل على العمل. لكن قوة العمل هذه ليست قوة أبدية متجددة بذاتها، بل طاقة بشرية تحتاج دائمًا إلى طعام، ونظافة، وراحة، وعلاج، وتربية الجيل القادم من العمال، ودعم عاطفي ونفسي.
هنا يصبح البيت هو الموقع الذي ينتج العامل. وكأن البيت مانيفاكتورة غير مرئية لإعادة إنتاج قوة العمل. فالعامل الذي يظهر في النيو ليبرالية لا يظهر كنتاج لعمل طويل من الرعاية والتغذية والتنظيف والتربية، بل كفرد جاهز للبيع في سوق العمل. غير أن هذا “الجاهز” هو نتيجة عمل منزلي ورعائي يومي، غالبًا ما تقوم به النساء.
في المجتمعات السابقة، كان الطهي والرعاية والتربية قيمة استعمالية، أي إنتاجًا مباشرًا للحياة. لكن في الرأسمالية يحدث تحول مهم؛ فهذه الاعمال سلعة من نوع خاص، بل وتنتج أهم سلعة للرأسمالية، وهي قوة العمل نفسها. فالمرأة لا تنتج خدمة عائلية فحسب، بل تشارك في إنتاج “الشرط” الذي يسمح للرأسمال بإنتاج فائض القيمة.
-
العمل المنزلي وخفض قيمة قوة العمل
الأجر يظهر كقيمة قبل أن يدخل البيت، أما العمل المنزلى فيدخل في إنتاج القيمة دون أن يظهر كقيمة. فالرأسمالي لا يشتري العمل ذاته، بل يشتري قوة العمل بوصفها قدرة العامل على العمل. وهذه القوة لا توجد جاهزة بصورة طبيعية، بل يجب أن تُعاد إنتاجها يوميًا عبر وسائل المعيشة. غير أن وسائل المعيشة لا تتحول وحدها إلى قدرة فعلية على العمل؛ فالأرز والدقيق والدواء والملابس تحتاج إلى عمل إضافي يحولها إلى طعام ونظافة وراحة ورعاية وتنظيم يومي. وهذا العمل، حين تؤديه النساء داخل البيت بلا أجر، لا يظهر في شكل قيمة، رغم أنه شرط لظهور قوة العمل نفسها في النيو ليبرالية.
هنا يظهر الفرق بين العمل المأجور والعمل المنزلي. عمل الرجل أو المرأة المأجور يظهر اجتماعيًا أولًا في صورة أجر؛ أي أن النيو ليبرالية يعترف به كقيمة نقدية قبل أن يُنفق داخل الأسرة. أما العمل المنزلي غير مدفوع الأجر، فمشكلته أنه لا يظهر أصلًا في شكل قيمة. إنه يدخل في إنتاج قوة العمل، لكنه لا يُحسب كجزء من قيمتها الظاهرة، لأن صورته الاجتماعية ليست الأجر، بل الحب والواجب والطبيعة.
وبما أن قيمة قوة العمل مرتبطة بكلفة المعيشة الضرورية، فإن العمل المنزلي المجاني يسمح لرأس المال بعدم دفع أجر أعلى. فقوة العمل لا تُعاد إنتاجها يوميًا فقط، بل جيليًا أيضًا؛ أي عبر الحمل، والولادة، والرضاعة، والتربية، والتعليم الأولي، والرعاية النفسية، والتنشئة، وإعداد الأطفال للدخول لاحقًا إلى سوق العمل. وهذا العمل طويل ومكلف، لكن الأسرة، وبالأخص النساء، تتحمل الجزء الأكبر منه. هنا لا ينتج البيت العامل الحالي فحسب، بل ينتج العامل القادم والقادم بعده وهكذا.
ومن هنا يمكن القول إن الرعاية والطبخ والتربية ظلت تاريخيًا محصورة داخل الأسرة وملقاة أساسًا على عاتق النساء، لا لأنها امتداد طبيعي لأجسادهن، بل لأن التقسيم الجندري للعمل جعلها واجبًا أنثويًا يُؤدَّى في الغالب بلا أجر. وقد أسهمت مجانية هذا العمل في تثبيت بقائه داخل الأسرة؛ فما دام يُنجز من دون أن يتحمل رأس المال أو الدولة تكلفته كاملة، يضعف الدافع الاقتصادي إلى تحويله إلى مسؤولية اجتماعية عامة، تُنظَّم من خلال الحضانات والمطابخ والخدمات الصحية ومؤسسات رعاية المسنين والتأمينات الاجتماعية[13]. ويعني الانتقال إلى “شكل اجتماعي أعلى” نقل مسؤولية الرعاية من المرأة المنفردة داخل الأسرة إلى المجتمع ومؤسساته، بالاستعانة بالعمل المأجور والتقنيات والخدمات الجماعية. غير أن هذا لا يحقق تحرر المرأة تلقائيًا؛ فهو يخلق شرطًا ماديًا ضروريًا للتحرر، لأنها تقلل تبعيتها الاقتصادية والزمنية للأسرة، لكنها لا تقضي وحدها على التقسيم الجندري للعمل أو علاقات السلطة الأبوية والطبقية.
-
صنمية الحب
ربما يكون العمل المنزلي أكثر أشكال العنف الرأسمالي انتشارًا وغموضًا، ذلك لأنه حُول إلى صفة طبيعية في شخصية المرأة. ليس لأن النساء بطبيعتهن يطبخن ويرعين، بل لأن المرأة أُنتجت اجتماعيًا• بحيث تبدو هذه الوظائف جزءًا من هويتها. توضح سيلفيا فيديريتشي Federici Silvia هذا البعد المخفي في العمل المنزلي حين تقول: “يقولون إنه حب، ونقول إنه عمل غير مدفوع الأجر”[14] فالرأسمالية لا تأخذ عمل المرأة فحسب، بل تغير شكل ظهوره الاجتماعي. هنا تحدث “الصنمية” حين تختفي العلاقة الاجتماعية ويظهر شيء آخر مكانها. فالعمل المنزلي لا يظهر كعمل، بل يظهر كحب، وطبيعة، وأنوثة، وواجب، وأمومة.
لذلك لا تكون المشكلة هنا في تقاسم العمل المنزلي[15] فحسب، بل في رفض شكله التاريخي. فالمقصود لا يعني “راتبًا لربة المنزل” بمعنى تثبيت النساء داخل المنزل، بل كشف أن ما يسمى واجبًا عائليًا هو علاقة إنتاج. فالأجر هنا أداة سياسية لكشف العمل المخفي، والمطالبة به تجعل ما كان غير مرئي مرئيًا، لأن رأس المال يستطيع استغلال العمل المنزلي تحديدًا لأنه يبدو خارج الاقتصاد.
ولهذا تطرح فيديريتشي السؤال الاعتراضي: تقول بعض النساء: كيف سيغيِّر الأجر مقابل العمل المنزلي موقف أزواجنا منا؟ ألن يتوقع أزواجنا منا الواجبات نفسها كما في السابق، بل وربما أكثر من السابق، عندما نصبح مأجورات عليها؟ بمعنى آخر: هل إذا حصلت النساء على أجر للعمل المنزلي، يعني ذلك أننا نقبل هذا الدور إلى الأبد؟[16]
الإجابة، إن مطلب الأجر ليس دعوة إلى تثبيت النساء داخل المنزل، بل استراتيجية لكشف أن ما يظهر كحب وطبيعة هو عمل اجتماعي مخفي. فـ”القول بأن النساء تريد أجرًا مقابل العمل المنزلي هو الخطوة الأولى نحو رفض القيام به بالشكل المفروض تاريخيًا”[17].
-
العمل المنزلي كقيد اقتصادي
تكشف مجانية العمل المنزلي أن إعادة إنتاج قوة العمل لا تتم بالكامل داخل النيو ليبرالية، بل تعتمد على مجال منزلي غير مأجور يتحمل جزءًا من تكلفة إنتاج العامل. لذلك تصبح الرعاية غير المدفوعة جزءًا من الاقتصاد السياسي للرأسمالية؛ لأنها تسمح بتخفيض التكلفة الظاهرة لقوة العمل، عبر نقل جزء من العمل الضروري للحياة خارج دائرة الأجر والقيمة المعترف بها اجتماعيًا.
تقدَّر منظمة العمل الدولية أن 708 ملايين امرأة كنَّ خارج قوة العمل عام 2023 بسبب مسؤوليات الرعاية غير مدفوعة الأجر، مقابل 40 مليون رجل فقط. وتقول المنظمة إن مسؤوليات الرعاية تفسر لماذا 45% من النساء خارج قوة العمل عالميًا، مقابل 5% فقط من الرجال خارجها[18].
كما وصف تقرير صادر عن مركز التنمية التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في ديسمبر 2014 العمل الرعائي والمنزلي غير مدفوع الأجر بأنه “الحلقة المفقودة” في فهم وتحليل فجوات النوع الاجتماعي في سوق العمل. ويثبت التقرير، بناءً على تحليل بيانات استخدام الوقت المجمع من مختلف الجغرافيات، أن هذه الظاهرة عالمية ولا تقتصر على منطقة محددة. فالنساء حول العالم يقضين وقتًا في الرعاية غير المدفوعة يتراوح بين ضعفين إلى عشرة أضعاف الوقت الذي يقضيه الرجال، وإن كانت هذه النسب تتباين في حدتها من إقليم إلى آخر ومن دولة إلى أخرى[19].
يمثل هذا التفاوت محددًا رئيسيًا في معادلة عرض العمل؛ إذ تترجم كل دقيقة إضافية تخصصها المرأة لهذه المسؤوليات مباشرة إلى تقليص في الوقت المتاح للاستثمار في العمل المأجور أو التعليم أو التدريب المهني. ونتيجة لاستنزاف الوقت والطاقة، تبرز اللامساواة الهيكلية لتفرض فجوات عميقة بين الجنسين في ثلاثة محاور رئيسة: معدلات المشاركة في القوى العاملة، ومستويات الأجور، وطبيعة جودة الوظائف، مما يحد من التمكين الاقتصادي للمرأة ويجبرها غالبًا على قبول وظائف جزئية أو غير آمنة.
وفي مصر تحديدًا، لا يظهر العمل المنزلي غير مدفوع الأجر كمسألة أسرية خاصة، بل باعتباره قيدًا اقتصاديًا مباشرًا على مشاركة النساء في العمل المأجور. فالمرأة لا تُستبعد من النيو ليبرالية فقط بسبب ضعف الطلب أو التمييز المباشر، بل لأنها تدخل النيو ليبرالية محمَّلة بيوم عمل منزلي سابق ولاحق.
وفي نفس السياق، تقضي المرأة في مصر في العمل المنزلي والرعائي غير مدفوع الأجر نحو خمس ساعات وأربع وعشرين (5,24) دقيقة يوميًا، بينما يقضي الرجل المصري في المتوسط نحو ست وثلاثين (36) دقيقة يوميًا في هذا العمل. أي أن الفجوة بينهما تبلغ 4.8 ساعات يوميًا. وهي أوسع من متوسط فجوة دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، البالغ 1,93 ساعة، وأوسع من متوسط الدول الأفريقية المدرجة في مؤشر SIGI، البالغ 3,3 ساعات[20].
وتفسر هذه النسب ضعف مشاركة النساء في قوة العمل. إذ يذكر البنك الدولي أن مشاركة النساء في مصر تقارب 18% فقط، مقابل 73% للرجال، وأن إغلاق فجوة التشغيل بين الجنسين قد يرفع الاقتصاد المصري بنحو 56%[21].
لا تعني هذه الأرقام مجرد تفاوت في العادات العائلية، بل تكشف بنية اجتماعية واقتصادية تجعل النساء يتحملن الجزء الأكبر من إعادة إنتاج الحياة اليومية. فالمشكلة ليست اختيارًا عائليًا، بل تنظيمًا غير عادل للعمل والزمن. غير أن استمرار هذا التناقض لم يعتمد على البنية الاقتصادية وحدها، بل احتاج إلى خطاب ديني وأخلاقي يعيد تعريف العمل المنزلي بوصفه وظيفة نسائية أصلية؛ وهو ما يتناوله المحور التالي.
المحور الثاني: المرأة بين البنية الفقهية التاريخية وإعادة الإنتاج الاجتماعي
يتضح من المحور الاقتصادي أن العمل المنزلي والرعائي غير مدفوع الأجر ليس نشاطًا خارج الاقتصاد، بل أحد الشروط المخفية لإعادة إنتاج قوة العمل. غير أن استمرار هذا العمل لا يعتمد على الحاجة الاقتصادية وحدها؛ فالعمل الذي يظهر كعبء واستنزاف يحتاج إلى أن يُعاد تمثيله اجتماعيًا بوصفه معنى وقيمة. وهنا تدخل الخطابات المحافظة، ومنها التأويلات الدينية الأبوية، لا بوصفها إيمانًا فرديًا، بل بوصفها أنظمة رمزية تمنح تقسيم العمل داخل الأسرة شرعية أخلاقية عبر مفاهيم مثل: الفطرة، الطاعة، التضحية، الأمومة، والشرف.
فمن منظور تاريخي، لم تعمل المجتمعات التوحيدية الأبوية خارج علاقات الملكية والقرابة والسلطة، بل تشكلت قراءاتها الاجتماعية داخل هذه البنى. لذلك كثيرًا ما صيغت المكانة الاجتماعية للمرأة من خلال أدوارها الأسرية، كالزوجة والأم وحافظة النسب، لا من خلال استقلالها بوصفها ذاتًا اجتماعية قائمة بذاتها. وبهذا المعنى، أصبح تنظيم جسدها وزمن عملها المتوقع منها جزءًا من آليات إعادة إنتاج الأسرة والنظام الاجتماعي.
وفي السياق العربي الحديث، لا يمكن فهم استمرار هذه البنية من خلال الدين وحده، بل عبر علاقة الدولة بالمجتمع؛ خصوصًا في ظل ضعف التصنيع المستقل، وهشاشة الطبقات الوسطى، وصعود أشكال ريعية أو شبه ريعية تجعل الأسرة وحدة أساسية لامتصاص الأزمات الاجتماعية التي تعجز الدولة والنيو ليبرالية عن حلها.
-
من “المكلَّف” إلى “الذات الحقوقية”: تاريخية النص والحكم الفقهي
ينبغي أولًا فهم طبيعة الذات التي ينتجها الخطاب التوحيدي في نسخته الإسلامية. فالمدونة التراثية لا تتأسس على مفهوم “الإنسان” الحديث بوصفه ذاتًا مستقلة وحاملة لحقوق كونية، بل على مفهوم الآدمي المكلف؛ أي الكائن المخلوق، والمأمور، والمسؤول أمام الله، والواقع داخل شبكة من الواجبات، والحدود، والقرابة، والجماعة. لذلك فـ”مسلمي اليوم يجدون صعوبة كبيرة في الفصل بين المكانة اللاهوتية للخطاب القرآني، وبين الشرط التاريخي واللغوي للعقل الذي ينتج خطابات بشرية ارتكازًا على النص الأصلي”[22] لذلك لا تظهر الحقوق في مجتمعاتنا غالبًا بوصفها “حقوق الإنسان” بالمعنى الحديث، بل بوصفها حقوقًا وواجبات متبادلة داخل نظام شرعي واجتماعي؛ حقوق الله، وحقوق العباد، وحقوق الزوج، وحقوق الزوجة، وحقوق الوالدين، وحقوق الأولاد. لذلك “يبدو الإنسان داخل هذه المنظومة كائنًا أخلاقيًا مسؤولًا عن الامتثال أو العصيان”[23] ومن ثم تتمحور الذات الدينية حول المسؤولية والتكليف، لا حول السيادة الفردية بالمعنى الذي ستبلوره لاحقًا الفلسفة الليبرالية الحديثة.
بالتالي لا تظهر المرأة، في الغالب، بوصفها ذاتًا حقوقية مستقلة بالمعنى الحديث، بل بوصفها موقعًا داخل علاقات؛ فهي زوجة، أو أم، أو بنت، أو وارثة، أو شاهدة، أو مطلقة، أو مرضعة، إلخ. كما أن بنية الحقيقة في النص الديني لا تقوم على استقلال الذات في إنتاج المعنى، بل على تلقي الحق من مصدر متعالٍ. وإذا كان “الفقه فهمًا تاريخيًا للنص داخل سياقات اجتماعية وثقافية، فإن صورة المرأة التي تقدمها المدونة الفقهية لا تظهر غالبًا كصورة الإنسان المجرد حامل الحقوق الكونية، بل كشخص داخل شبكة من العلاقات الشرعية والاجتماعية: زوجة، وأم، وبنت، ووارثة، وشاهدة، ومطلقة، ومرضعة… إلخ”[24].
فالخطأ والصواب يرتبطان بالهداية والضلال، والإيمان والكفر، لا بمجرد استقلال العقل الفردي. لذلك تتشكل الطاعة في هذا الأفق بوصفها فضيلة مركزية، لا مجرد خضوع خارجي. بالتالي فالمشكلة هنا ليست غياب المرأة من الخطاب، بل شكل حضورها؛ فهي حاضرة بقوة، ولكن حضورها غالبًا حضور علائقي، تُعرَّف فيه من خلال موقعها بالنسبة إلى الرجل والأسرة والجماعة.
وحين تدخل المرأة هذا الأفق داخل بنية أبوية، تصبح الطاعة مضاعفة؛ طاعة الله، ثم طاعة النظام الأسري الذي فُهم تاريخيًا بوصفه امتدادًا للنظام الأخلاقي. ومن هذه النقطة يمكن فهم الكيفية التي يعيد بها اليمين الديني المعاصر توظيف المدونة الفقهية في تنظيم العمل المنزلي والرعائي. فهو لا يقدمه بوصفه عملًا اجتماعيًا ضروريًا يمكن إعادة توزيعه أو تحويله إلى مسؤولية عامة، بل بوصفه مظهرًا من مظاهر أنوثة المرأة وصلاحها وفطرتها. فتُستدعى مفاهيم الطاعة، والأمومة، والتضحية، وحفظ الأسرة، لإبقاء العمل الرعائي خارج نطاق المطالبة بالأجر أو التوزيع المتكافئ.
-
الدين والتاريخ: من النص المطلق إلى المجتمع الذي يؤوله
من المهم توضيح أن نقد خطاب اليمين الديني اليوم ليس نقدًا للإيمان الفردي، بل نقدًا لتحويل ترتيبات اجتماعية تاريخية إلى طبيعة أبدية أو حكم أخلاقي خارج الزمن. فلا يمكن فهم موقع المرأة في المجتمعات الدينية الأبوية عبر النص وحده، بل عبر العلاقة بين النص والبنية الاجتماعية التي تلقته وأعادت إنتاجه. فالتراث الديني لا يتحرك في فراغ، وإنما داخل علاقات مادية قائمة؛ مثل أنماط ملكية، وعلاقات قرابة، وتقسيم عمل، وصور محددة للسلطة.
ومن هنا تكتسب دراسة المجتمع العربي السابق على الإسلام أهمية منهجية لفهم كيف تشكلت تصورات الأنوثة والذكورة والسلطة العائلية الموجودة إلى الآن في مجتمعاتنا. لأن كثيرًا من التنظيمات الاجتماعية التي ارتبطت بالمجتمع الإسلامي الأول كانت لها جذور في المجتمع العربي السابق، وتعامل الإسلام مع بنى اجتماعية موجودة بالفعل لا مع مجتمع مجرد خارج التاريخ. فلم يترك النبي محمد نظام حكم تفصيليًا، وأعادوا المسلمين إنتاج أشكال تنظيم مألوفة تاريخيًا (الشورى، البيعة، أنماط القيادة القبلية).
على سبيل المثال، ظهر الإسلام في بيئة كانت تعرف الاسترقاق، كما عرفت التعدد، والقبيلة، والنسب، والملكية. فالاسترقاق لم يكن اختراعًا إسلاميًا، بل كان مؤسسة قائمة في المجتمعات السابقة، وتعامل معه الإسلام داخل شروط ذلك العالم، قبولًا وتنظيمًا وتقييدًا لا ابتداعًا من عدم[25]. من هنا نستنتج ضرورة التمييز بين النص وبين الواقع التاريخي الذي عالجه؛ فوجود حكم يتعلق ببنية اجتماعية معينة لا يجعل تلك البنية أبدية أو فوق التاريخ. وإذا كان الاسترقاق قد أصبح اليوم مرفوضًا أخلاقيًا وقانونيًا، رغم حضوره في التشريع التاريخي، فإن ذلك يفتح الباب لقراءة كثير من تنظيمات الأسرة والجندر قراءة تاريخية، لا بوصفها تعبيرًا عن طبيعة ثابتة للمرأة أو للرجل، بل بوصفها استجابات لواقع اجتماعي محدد.
وإذا ربطنا ما سبق مع غلبة حضور المرأة في النص القرآني داخل شبكة الأسرة والقرابة والجسد، لا كذات سياسية-حقوقية مفردة مستقلة، فالنساء يُخاطبن جماعيًا: “يا نساء النبي…” (الأحزاب: 32)، “وقل للمؤمنات…” (النور: 31). ويأتي كذلك حضور النساء داخل النص كثيرًا في أحكام مثل الزواج، والطلاق، والعدة، والميراث، والرضاع، والنشوز، والشهادة، والقوامة. بينما الحضور الفردي المسمَّى لامرأة بعينها يبرز بوضوح في نموذج مريم: “يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك على نساء العالمين” (آل عمران:42). وهو ما جعل المرأة في البنية الفقهية والاجتماعية اللاحقة تُقرأ أساسًا بوصفها زوجة، أو أمًا، أو بنتًا، أو موضع نسب، أو طرفًا في نظام الطاعة والشرف.
ومن هنا يمكن فهم المفارقة التاريخية التي ستظهر لاحقًا مع الحداثة. فبينما منحت الدولة الحديثة المرأة التعليم والعمل وبعض الحقوق المدنية، ظل تصورها الاجتماعي، في كثير من الأحيان، مرتبطًا بوظيفتها داخل الأسرة وإعادة إنتاجها. ولذلك لا يكمن التقاطع بين التراث الأبوي والحداثة الليبرالية المبكرة في تطابقهما، بل في اشتراكهما في جعل الرجل هو النموذج العام للمواطن والفاعل السياسي، بينما تُعرَّف المرأة، بدرجات مختلفة، من خلال دورها في الأسرة وإعادة إنتاج المجتمع. ولهذا لم يكن انتقال المرأة إلى المجال العام كافيًا وحده لتفكيك البنية الأبوية، بل استمرت هذه البنية في إعادة إنتاج نفسها بأشكال جديدة داخل الدولة الحديثة، وهو ما سيصبح أحد المرتكزات الأساسية لخطاب اليمين الديني المعاصر.
-
جسد المرأة بين الخطاب الفقهي والممارسة الاجتماعية
لا تمثل المدونة الفقهية، بوصفها خطابًا معياريًا، كل ما كانت عليه حياة النساء في الواقع، بقدر ما تعبر عما رآه الفقهاء حول النظام الأخلاقي والاجتماعي الذي ينبغي أن تكون عليه هذه الحياة. فهي لا تصف الواقع كما كان دائمًا، بل تضع نموذجًا للسلوك وتحدد الحدود التي يُفترض ألا يتجاوزها الأفراد. ومن هنا لا يجوز التعامل مع النصوص الفقهية بوصفها مرآة شفافة للتاريخ الاجتماعي، بل بوصفها أحد الأطراف التي شاركت في تشكيله والدفاع عن صورة معينة للأسرة والجسد والعلاقات بين الجنسين. إذ يكشف الحكم الفقهي القائل “والمرأة كلها عورة إلا وجهها وكفها، إلا إذا خشي منها الفتنة، فلا يجوز النظر حتى إلى وجهها، إلا إذا كانت عجوزاً أو سوداء مُقبحة فيجوز ذلك”[26] أن الجسد الأنثوي لا يُقدَّم بوصفه جسدًا إنسانيًا مجردًا، وإنما بوصفه موضوعًا دائمًا للمراقبة والضبط. غير أن التعليل لا يقف عند حدود التمييز بين الذكر والأنثى، بل يكشف أيضًا تسرب الذائقة الاجتماعية إلى الحكم الفقهي؛ إذ تُجعل الشيخوخة أو سواد البشرة أو ما يصفه الفقيه بالقبح قرائن على انتفاء الفتنة. وهنا يتضح أن مفهوم “الفتنة” لا يعمل فقط كمفهوم لاهوتي، بل كوعاء دخلت إليه تصورات عصره عن الجمال والعمر واللون والمكانة الاجتماعية.
وتزداد أهمية هذا التمييز في مواجهة خطاب اليمين الديني المعاصر، الذي يعزل هذه الأحكام عن شروطها التاريخية، ويعيد تقديمها بوصفها التعبير النهائي والأبدي عن الدين. وبهذا تتحول اجتهادات فقهية تشكلت داخل مجتمع معين إلى أدوات معاصرة لضبط ملبس المرأة وحركتها ومشاركتها في المجال العام، بينما تُحجب الظروف الاجتماعية والثقافية التي أنتجت تلك الأحكام أصلًا.
غير أن حضور هذه الأحكام في المدونة الفقهية لا يعني أن النساء كن مجرد موضوعات صامتة للسلطة الذكورية. فقد أشارت نوال السعداوي إلى أن “النساء العربيات قاومن سلطة الرجل، واعترضن عليها، حتى في أكثر المجالات حساسية، مثل العلاقة الجنسية والحياة الزوجية”[27]. الأمر الذي يكشف أن التاريخ الاجتماعي للمرأة لم يكن مطابقًا دائمًا للتاريخ المعياري الذي صاغته المدونة الفقهية.
ومن ثم، لا ينبغي قراءة الفقه بوصفه وصفًا محايدًا لما كانت عليه حياة النساء، بل بوصفه أحد الخطابات التي شاركت في الصراع على تعريف جسد المرأة، وتنظيم أدوارها، وتحديد حدود حضورها في المجال العام. وهذا ما يفسر استمرار التوتر، حتى اليوم، بين الخطاب الفقهي المحافظ وبين التحولات الاجتماعية التي أعادت تشكيل موقع المرأة في التعليم والعمل والحياة العامة.
-
من الملكية الخاصة إلى الأخلاق الدينية
مع نشوء الملكية الخاصة وازدياد أهمية انتقال الثروة عبر النسب، أصبحت السيطرة على جسد المرأة ووظيفتها الإنجابية مسألة اجتماعية مركزية. فلم يعد تنظيم العلاقة الجنسية مرتبطًا فقط بالأخلاق، بل بضمان الأبوة الشرعية وحماية نظام الوراثة. ومن هنا تشكلت الأسرة الأبوية حول ضبط حياة المرأة الجنسية، لأن تحديد الأبناء الشرعيين أصبح مرتبطًا باستمرار الملكية وانتقالها.
جاءت الديانات التوحيدية داخل هذا الأفق التاريخي، فعمَّقت نموذج الزواج القائم على الإخلاص الجنسي وضبط العلاقات خارج الزواج، لكنها لم تتعامل مع الجسدين الذكري والأنثوي بالتماثل نفسه؛ إذ أصبح جسد المرأة أكثر ارتباطًا بمفاهيم العفة والطهارة والشرف، لأنها الطرف الذي يحمل ضمان النسب واستمرارية العائلة. ففي اليهودية “كان تشديد القواعد حول علاقات المرأة الجنسية وربطها بالطهارة والزواج،… وفي المسيحية المبكرة رفضت بعض أشكال العلاقات القديمة، ورفعت قيمة الزواج الواحد، لكنها جعلت الإخلاص الجنسي والامتناع قيمة أخلاقية عليا، وربطت الجسد بالرغبة والخطيئة،…وتنظيم الزواج والطلاق والميراث والحقوق والواجبات داخل الأسرة، لكنه جاء في مجتمع أبوي قائم أصلًا، فلم يُلغِ البنية الأسرية وإنما أعاد تنظيمها”[28] لذلك فإن التشديد على عفة المرأة والطاعة الزوجية لا يمكن فهمه فقط كفكرة دينية مجردة، بل يرتبط تاريخيًا بتحول أعمق: ظهور الأسرة الأبوية بوصفها مؤسسة تحفظ النسب وتنظم انتقال الملكية. فالاقتصادي يظهر في صورة أخلاقية.
ومن الجدير بالذكر أن “المجتمع العربي قبل الإسلام كان يمثل نوعًا من المجتمعات التي تشهد النظامين الأمومي والأبوي معًا، وكيف كان هذا النظام الأمومي يتناقص بالتدريج بانتشار النظام الاقتصادي وسيطرة الرجال المتزايدة على الحياة وعلى الدين” [29] عندما شاركت المرأة اقتصاديًا امتلكت مساحة اجتماعية أوسع، ” إذ أن بعض نساء البادية امتلكن مساحة أوسع من الحركة والاستقلال نسبيًا بسبب طبيعة الحياة الاقتصادية هناك؛ لأن المرأة كانت تشارك الرجل في العمل والسعي وراء الرزق”[30]، وبالتالي لم تكن محصورة بالكامل داخل المجال المنزلي. وهو ما يؤكد أن موقع المرأة لم يكن نابعًا من طبيعتها، بل من موقعها داخل الإنتاج وتقسيم العمل. بيد أن تثبيت الأسرة الأبوية داخل التشريع الديني لم يؤدِّ إلى تجميدها خارج التاريخ، بل دخلت هذه البنية نفسها في مواجهة مع التحولات التي فرضتها الدولة الحديثة، والتعليم، والعمل المأجور، والرأسمالية الصناعية، وهو ما يطرح سؤالًا جديدًا: هل ألغت الحداثة هذه البنية، أم أعادت إنتاجها بصورة مختلفة؟
-
الدولة الحديثة والعقد الاجتماعي: المواطنة الذكورية
تكشف كتابات روسو أن الحداثة الأوروبية المبكرة لم تقطع مع البنية الأبوية كما يُتصور عادة، بل أعادت صياغتها داخل لغة جديدة. فالمرأة عنده لا تُربَّى لتكون مواطنة مستقلة، وإنما لتصبح زوجة وأمًا أكثر كفاءة، قادرة على حماية فضيلتها وصيانة الأسرة. وحتى حين يدافع عن تعليمها، فإنه لا يجعله حقًا قائمًا بذاته، بل وسيلة لضبط السلوك الأخلاقي ومقاومة الإغواء. وهكذا انتقل مركز الضبط من الخطاب اللاهوتي الصريح إلى خطاب تربوي وأخلاقي، بينما بقيت الوظيفة الاجتماعية للمرأة مرتبطة بإعادة إنتاج الأسرة والأخلاق[31]. ما نراه هنا، أن الحداثة أعلنت حرية الإنسان، لكن نموذج “الإنسان” الذي بنت عليه المواطن كان مذكرًا؛ أما المرأة فأُدرجت في المجال الخاص بوصفها أمًا ومربيةً لفاعل سياسي وهو الرجل. سبب هذا الإقصاء أن أهم خصائص الشخص التي تؤهِّله اكتساب صفة المواطنة هي “الملكية الخاصة” وبالتالي لا معنى لمواطن لا يعمل. وطالما أن المرأة ممنوعة سلفا من التملُّك فهي في مرتبة بيولوجية وليست مدنية.
على الجانب الآخر، لم يطبق الخطاب الليبرالي، الذي جعل العقل أساسًا للحرية والمواطنة، مبدأه بصورة متسقة على النساء؛ حيث تكشف المُفكِّرة وولستونكرافت (1759-1797) عن ضرورة استكمال المشروع الليبرالي منطقه الداخلي حتى لا يكون شبيهًا بالخطاب اليميني على امتداد الخط، تقول: “إن إعداد المرأة لإرضاء الرجل ليس نتيجة طبيعتها، بل نتيجة تعليم اجتماعي ينتج الاعتماد والضعف. إذ يكفي أن نعترف بأن تاريخ المرأة كان دائمًا تاريخًا بين العبودية أو الاستبداد… وأن بنية الحكومات المدنية نفسها قد وضعت عقبات تكاد تكون مستعصية أمام تنمية عقل المرأة”[32]، فرغم تأسيسه الحرية على العقل، لم يطبق الخطاب الليبرالي حينها هذا المبدأ بصورة متسقة على النساء. إذ ينتج المجتمع امرأة محرومة من الاستقلال العقلي، ثم يجعل هذا الحرمان دليلًا على عدم أهليتها للمواطنة “فالمجتمع يجعل المرأة تبقى في المنزل، وتؤدي واجبات الأم وسيدة الأسرة، لكنه يفعل ذلك عبر إهمال تنمية عقلها، حتى يصبح ارتباطها بالواجبات المنزلية أقوى من ارتباطها بأي نشاط فكري”[33]. في الخطاب المحافظ المعاصر، استمر هذا المنطق، ولا سيما لدى اليمين الديني، فبعد أن دخلت المرأة التعليم والعمل، وأعيد تعريف هذا الخروج بوصفه استثناءً مشروطًا بألا يمس واجبها الأصلي داخل البيت. وهكذا لم يعد عمل المرأة مرفوضًا من حيث المبدأ، بل أُعيد إخضاعه لترتيب أبوي يجعل الأجر إضافةً إلى مسؤوليتها المنزلية، لا أساسًا لاستقلالها الاقتصادي أو لإعادة توزيع أعمال الرعاية، لتستمر وظيفة العمل المنزلي بوصفه الالتزام الأول الذي تُقاس عليه شرعية وجودها في المجال العام.
ولم يجعل هذا الانتقال للمرأة من النظام الأبوي التقليدي إلى المجتمع التعاقدي فردًا مستقلًا؛ بل تحولت تبعيتها من سلطة أبوية معلنة إلى ترتيب حديث يفصل بين المواطن العام والمرأة الخاصة. كما ترى كارول باتمان أن “العقد الجنسي هو القصة الخفية للعقد الاجتماعي، أي أن الحرية والمساواة اللتين أعلنتهما الحداثة قامتا على عقد غير معلن ينظم خضوع النساء ويؤسس استمرار السلطة الذكورية داخل المجتمع الحديث”[34]. ويظهر هذا النظام في شتى المناطق في العالم، إذ “يُستخدم مفهوم العقد الجنسي بمعناه العام للإشارة إلى إخضاع النساء في سياقات اجتماعية وثقافية متعددة، وهو شاهد على استمرارية السلطة الذكورية وشمول حضورها”[35]
-
إعادة إنتاج السلطة الأبوية داخل الأسرة
لم يؤدِّ الاعتراف القانوني بالمرأة باعتبارها ذاتًا حاملة للحقوق، ولا دخولها مجالي التعليم والعمل، إلى تفكيك التقسيم الأبوي للعمل داخل الأسرة. فقد اتسعت إمكانات مشاركتها في المجال العام، بينما بقيت أعمال الطبخ والتنظيف ورعاية الأطفال والمسنين وتجديد القدرة اليومية لأفراد الأسرة تُعامل باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لأنوثتها، لا عملًا اجتماعيًا له زمنه وكلفته ووظيفته الاقتصادية. ومن ثم لم تختفِ السلطة الأبوية مع الحداثة، بل أعادت إنتاج نفسها من خلال الفصل بين عمل مأجور يُعترف بقيمته في النيو ليبرالية، وعمل رعائي منزلي يُستهلك داخل الأسرة ولا يظهر بوصفه عملًا منتجًا، رغم كونه شرطًا ضروريًا لاستمرار المجتمع وإعادة إنتاج قوة العمل.
وقد أدرك لينين مبكرًا أن المساواة في القوانين لا تكفي ما دامت المرأة مقيدة بالاقتصاد المنزلي الفردي[36]، يقول: “على الرغم من جميع القوانين التي تحرر المرأة، فإنها تظل عبدةً منزلية؛ لأن العمل المنزلي الصغير يسحقها ويخنقها ويبلدها ويحط من شأنها، ويقيدها إلى المطبخ والحضانة، فتبدد عملها في كدح بربري غير منتج، وضئيل، ومُنهك للأعصاب، ومُبلِّد وساحق”[37]. كما أشار تروتسكي إلى قيام مساواة حقيقية بين الزوجين شرط تحويل هذه الأعمال من أعباء منزلية خاصة إلى خدمات عامة واجتماعية. فالمساواة هنا لا تعني مجرد تعديل العلاقة الأخلاقية بين الرجل والمرأة، بل تغيير الشروط المادية التي تجعل أحد الطرفين يستهلك وقت الآخر وحياته من خلال العمل المنزلي غير المتكافئ[38]، “إذ تعني العودة إلى الطهي المنزلي وحوض الغسيل المنزلي… عودة زوجات العمال إلى قدورهن ومقاليهن؛ أي إلى العبودية القديمة”[39].
ومن هذا المنظور، تمثل الأسرة أحد المواقع الأساسية لإعادة إنتاج المجتمع؛ إذ لا يقتصر دورها على الروابط العاطفية أو البيولوجية، بل تؤدي وظيفة مادية تتمثل في إعادة إنتاج الحياة اليومية وقوة العمل. فمن داخلها تُنجز أعمال الحمل والولادة، وتنشئة الأطفال، وإعداد الطعام، وتنظيف المسكن، ورعاية المرضى والمسنين، بما يضمن استمرار الأفراد وقدرتهم على المشاركة في الإنتاج. ولهذا لا تدخل قوة العمل إلى النيو ليبرالية بوصفها معطًى طبيعيًا، وإنما بوصفها نتاجًا لسلسلة من الأعمال المنزلية واليومية غير مدفوعة الأجر، التي أُلقي عبؤها تاريخيًا على النساء، وهو ما جعل الأسرة أحد أهم المواقع التي يُعاد من خلالها إنتاج السلطة الأبوية.
“ومنذ ثمانينيات القرن العشرين، بدأت ملامح نظام جديد في الظهور، وهو النظام الذي أصبح لاحقًا الرأسمالية المُمَوْلَنة[40] التي تهيمن على عصرنا. ويتسم هذا النظام بالعولمة والنيوليبرالية، إذ يشجع الدولة والشركات على سحب استثماراتها من خدمات الرعاية الاجتماعية، وفي الوقت نفسه يدفع النساء إلى سوق العمل المأجور. وبهذا ينقل عبء أعمال الرعاية إلى الأسر والمجتمعات المحلية، بينما يضعف في الوقت نفسه قدرتها على القيام بهذه الأعمال”[41]. في هذه البنية الاقتصادية والمستمرة إلى الآن، تمثل الأسرة الحصن الأخير في هذا الطور لمعالجة أزمة إعادة الإنتاج. ولأن رأس المال يعتمد على شروط لا ينتجها بالكامل ولا يعترف بقيمتها إلا حين تتعطل، يحمل كل شكل من أشكال المجتمع الرأسمالي نزعة إلى أزمة في إعادة الإنتاج الاجتماعي سواء في عمل الرعاية، أو صحة العمال، أو تربية الأطفال، أو استقرار الأسرة، أو خصوبة الأرض، أو المناخ القابل للحياة. وما دام معيار التنظيم هو الربح لا تجدد الحياة، فإن الرأسمالية تظل تنتج، مع كل تقدم في الصناعة والعلم، إمكانًا دائمًا لتحويل التقدم نفسه إلى أزمة في الجسد والأسرة والطبيعة.
فمع خضوع الدول لضغوط الديون وسياسات التقشف، تقلصت خدمات الرعاية التي كانت الدولة توفرها، دون أن يتراجع الاحتياج الاجتماعي إليها. وبذلك أعيد إنتاج هذه الوظائف داخل الأسرة بوصفها عملًا غير مدفوع الأجر، تتحمل النساء القسم الأكبر منه، بما يضمن استمرار إعادة إنتاج قوة العمل بأقل تكلفة ممكنة بالنسبة لرأس المال، بالتالي أصبح “الموقع المركزي الجديد للدَّين هو المحرك الرئيس لهذه التحولات، والسمة المميزة لهذا النظام، فالديون هي الأداة التي تستخدمها المؤسسات المالية العالمية للضغط على الدول من أجل خفض الإنفاق الاجتماعي، وفرض سياسات التقشف، والتواطؤ مع المستثمرين في استخراج القيمة من الشعوب العاجزة عن المقاومة”[42]. وهكذا أصبحت الديون وسياسات التقشف إحدى الآليات التي نقلت تكاليف إعادة الإنتاج الاجتماعي من الدولة إلى الأسرة، ومن المجال العام إلى العمل المنزلي غير المأجور، مع ما ترتب على ذلك من تعميق العبء الواقع على النساء وتفاقم أزمة الرعاية.
-
اليمين الديني بوصفه إعادة إنتاج حديثة للفقه التاريخي
في المجتمعات الطبقية، تكون جميع الأيديولوجيات أيديولوجياتٍ طبقية. ولا يعني ذلك أن الأفراد يتآمرون عمدًا للدفاع عن مصالح طبقتهم، او يجلسون للتخطيط لإخضاع الآخرين، بل يعني أن الأفكار التي تبدو طبيعية أو بديهية تؤدي وظيفةً اجتماعية حتى دون وعي أصحابها. فالملكية الإقطاعية كانت تُبرَّر يومًا باسم الحق الإلهي، ثم جاءت البرجوازية ترفع شعارات الحرية والمساواة وحرية التبادل، وهي شعارات حملت مضمونًا تحرريًا بالفعل مقارنة بالإقطاع، لكنها عبَّرت في الوقت نفسه عن احتياجات طبقة اجتماعية صاعدة أرادت إزالة العوائق أمام النيو ليبرالية.
وينطبق هذا المنطق كذلك على الخطابات الدينية عندما تؤدي وظيفةً في إعادة إنتاج علاقات اجتماعية قائمة. غير أن إرجاع هذه الوظيفة الأيديولوجية إلى الدين وحده سيكون تبسيطًا مخلًا؛ فالعلاقات الأبوية أقدم من الأديان، وقد وُجدت في مجتمعات دينية وعلمانية على السواء. إلا أن الخطاب الديني المحافظ قد يؤدي وظيفةً أيديولوجية تتمثل في تطبيع ترتيب اجتماعي تاريخي، عبر تقديمه بوصفه أمرًا إلهيًا أو طبيعيًا ثابتًا، بما يحجب طابعه التاريخي وقابليته للتغيير.
وإذا كان الخطاب الديني المحافظ قد اضطلع تاريخيًا بوظيفة إضفاء القداسة على علاقات السلطة الأبوية، فإن هذه الوظيفة لم تنتهِ بانتهاء المجتمعات التقليدية، بل أُعيد إنتاجها في السياق العربي الحديث عبر تيارات اليمين الديني. فهذه التيارات لا تستعيد النصوص الفقهية بوصفها اجتهادات ارتبطت بشروطها التاريخية، وإنما تقدمها باعتبارها أحكامًا أزلية صالحة لكل زمان ومكان، متجاوزةً التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أعادت تشكيل الأسرة والعمل وأدوار النساء. وبهذا تتحول المرجعية الفقهية من نتاج تاريخي إلى أداة أيديولوجية تضفي الشرعية على استمرار علاقات الهيمنة داخل الأسرة والمجتمع. فالدين، في صيغته الأبوية المحافظة، لا يخلق الاستغلال من العدم، ولا يؤسس تقسيم العمل القائم على النوع الاجتماعي، وإنما يطبعه ويشرعنه، فيحول العمل المنزلي والرعائي غير مدفوع الأجر من علاقة اجتماعية واقتصادية تاريخية إلى واجب ديني وأخلاقي، ويجعل الخضوع لهذا التقسيم يبدو امتثالًا للإرادة الإلهية لا نتاجًا لبنية اجتماعية قابلة للنقد والتغيير.
وإذا كانت السياسات النيوليبرالية قد قلصت بعض خدمات الرعاية العامة، ونقلت جانبًا متزايدًا من أعبائها إلى الأسرة، فإن الخطاب الديني المحافظ يضفي على هذا النقل شرعية أخلاقية، ويعيد تسمية الزمن الذي تتحمله النساء حبًا وطاعةً وفطرة. ويتضح ذلك من التمييز الذي وضحناه سابقًا بين النص الديني والخطاب التاريخي المتشكل حوله؛ فالفقه ليس هو النص ذاته، بل حصيلة اجتهادات بشرية نشأت داخل شروط اجتماعية وثقافية محددة. غير أن الخطاب الديني المحافظ يميل إلى محو هذه المسافة، فيرفع التأويل التاريخي إلى مرتبة الحكم الأزلي، ويقدم التصورات التي تشكلت داخل بنية أبوية باعتبارها تعبيرًا مباشرًا عن الإرادة الإلهية. ومن ثم، لا تُعرض تبعية المرأة أو تقسيم العمل داخل الأسرة بوصفهما ترتيبين اجتماعيين قابلين للمراجعة، بل باعتبارهما جزءًا من الفطرة والنظام الأخلاقي للمجتمع.
وفي السياق المصري، اكتسب هذا الخطاب حضورًا جماهيريًا واسعًا عقب الانفتاح الاقتصادي في عهد السادات، وترسخ مع صعود الصحوة الإسلامية خلال ثمانينيات القرن العشرين، واستمر في الاتساع خلال عهد حسني مبارك، حتى أصبح الشيخ محمد متولي الشعراوي أحد أكثر الوجوه الدينية حضورًا في الإعلام الرسمي. ويعكس نشر كتابه المرأة في القرآن ضمن سلسلة مكتبة الشعراوي الإسلامية الصادرة عن مؤسسة أخبار اليوم عام 1990 اتساع تداول هذا الخطاب داخل المجال الثقافي والإعلامي، بما يتجاوز المؤسسات الدينية التقليدية، ولم يكتبه بنفسه، بل كان تفريغًا لحواراته المتلفزة من قبل آخرين.
ويتجلى ذلك بوضوح في معالجته لقضية عمل المرأة[43]؛ إذ لا يُنظر إلى العمل المنزلي والرعائي بوصفه عملًا اجتماعيًا غير مدفوع الأجر، بل باعتباره الامتداد الطبيعي لتكوين المرأة ووظيفتها. يقول الشعراوي: “لننظر إلى عمل المرأة لا لنشفق عليها… لأننا سنجد عملها أصعب وأشق من عمل الرجل، لأن عمل الرجل محصور في طلب الرزق، ثم راحة بعد ذلك… أما هي فعملها يبدأ عندما تعود إلى البيت بعد يوم عمل شاق في وظيفتها، لتجد أمامها أطفالها وزوجها وبيتها… كل منهم يطلب طلبًا”[44]. فالشعراوي يعترف بأن المرأة تتحمل عبئًا مزدوجًا، إذ تعمل خارج المنزل ثم تواصل العمل داخله، بل يقر بأن عملها “أصعب وأشق من عمل الرجل”. غير أن هذا الإقرار لا يقوده إلى مساءلة التوزيع غير المتكافئ لأعباء الرعاية داخل الأسرة أو الدعوة إلى إعادة توزيعها، وإنما يعيد تفسيره بوصفه نتيجة طبيعية لتكوين المرأة ورسالتها داخل الأسرة. وهنا يؤدي الخطاب وظيفته الأيديولوجية؛ فهو لا ينكر وجود العبء، بل يعيد تأويله باعتباره واجبًا فطريًا لا علاقة اجتماعية قابلة للنقد وإعادة التنظيم.
ويتضح المنطق نفسه في تصوره للفطرة وتقسيم الأدوار بين الجنسين. فالرعاية والتضحية والصبر تُنسب إلى طبيعة المرأة، بينما تُربط الولاية والإنفاق واتخاذ القرار بطبيعة الرجل، وبذلك تُمحى الحدود بين الاختلاف البيولوجي والتقسيم الاجتماعي للعمل، ويُقدَّم ما هو تاريخي ومتغير باعتباره نتيجة ضرورية لاختلاف طبيعي ثابت. ولتأسيس هذا التصور، يشبه الشعراوي العلاقة بين الرجل والمرأة بالعلاقة بين الليل والنهار، فيرى أن “لكل منهما وظيفة لا يؤديها الآخر، كما أن الليل لا يمكن أن يكون نهارًا، وأن الرجل والمرأة مختلفان ولكل منهما رسالته”[45]. غير أن مفهوم التكامل هنا لا يؤدي وظيفة وصفية فحسب، بل يؤدي وظيفة أيديولوجية؛ إذ يحول علاقة تقوم على توزيع غير متكافئ للعمل والسلطة إلى علاقة انسجام طبيعي، فيختفي الطابع التاريخي لهذا التقسيم وراء لغة الفطرة والتكامل. ومن منظور إعادة الإنتاج الاجتماعي، لا تكمن المشكلة في الاعتراف بأهمية الرعاية، بل في حصرها في النساء وحدهن، وتحويلها من عمل اجتماعي قابل للتقاسم إلى واجب طبيعي ملازم للأنوثة. ويظهر ذلك بوضوح في قوله: “مهمة المرأة إنجاب الأطفال ورعاية البيت”[46]فهذه العبارة لا تصف وظيفة اجتماعية فحسب، بل تُعرِّف ماهية المرأة ذاتها، إذ تُشتق قيمتها الاجتماعية من دورها الإنجابي والرعائي، بينما يُعرَّف الرجل من خلال الإنتاج والإعالة والعمل خارج المنزل. وهنا يصبح التقسيم الجنسي للعمل، الذي سبق تحليله في هذا البحث، حقيقة تبدو طبيعية وأزلية، بعد أن جرى نزعها من سياقها التاريخي والاجتماعي[47].
خاتمة:
رغم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أدخلت المرأة إلى التعليم والعمل المأجور، فإن الخطاب الديني المحافظ لا يقتصر على تنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة، بل يعيد إنتاج تصور هرمي للسلطة داخل الأسرة، يجعل الطاعة والولاية والقوامة عناصر مؤسسة للنظام الاجتماعي. وعندما تُقدَّم هذه العلاقات بوصفها أحكامًا ثابتة تتجاوز تاريخيتها، تتحول إلى آلية تمنح الشرعية لاستمرار توزيع غير متكافئ للعمل والسلطة.
من هنا تكشف الدراسة أن تاريخ المرأة هو تاريخ العلاقات الاجتماعية المتغيرة، التي لا تُفهم إلا في وحدتها الجدلية بين الاقتصاد والسلطة والخطاب اليميني المحافظ، لا بوصفه سلسلةً من الأفكار المجردة أو الأحكام الأخلاقية المنفصلة عن شروطها المادية، بل بوصفه تاريخًا لإعادة إنتاج علاقات الإنتاج والهيمنة عبر مؤسسات الأسرة والدولة والخطاب الأيديولوجي. كما كشفت الدراسة كذلك عن الآتي:
- لا يعني التوسع في الحقوق القانونية للمرأة، مثل الحق في التعليم والعمل والتملك بالضرورة تحقق المساواة الفعلية؛ إذ تظل هذه الحقوق مقيدة بالتوزيع غير المتكافئ للعمل المنزلي والرعائي، الذي يستنزف زمن المرأة ويحد من قدرتها على ممارسة هذه الحقوق على قدم المساواة مع الرجل. وقد تبين أن الخطاب الديني المحافظ، في صيغته المعاصرة، يسهم في إضفاء الشرعية على استمرار هذا التوزيع من خلال تقديمه بوصفه نظامًا طبيعيًا أو واجبًا أخلاقيًا، رغم تغير الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي نشأ فيها تاريخيًا، وهو ما يجعله يؤدي وظيفة محافظة تُسهم في إطالة أمد البنية الأبوية التي تستفيد منها سياسات نقل أعباء الرعاية إلى الأسرة في السياق النيوليبرالي.
- تجسد الرأسمالية في طورها النيوليبرالي حركة “نفي النفي”؛ إذ زعزعت بعض أسس التبعية الاقتصادية التقليدية بإدخال المرأة على نطاق أوسع إلى الإنتاج الاجتماعي والعمل المأجور، من دون أن تلغي التقسيم الجنسي للعمل، بل أعادت إنتاجه في مستوى أعلى وأكثر تعقيدًا، من خلال الجمع بين العمل المأجور والعمل المنزلي والرعائي غير المأجور. ومع تحول العالم إلى سوق مترابطة وشبكة عالمية للإنتاج، اتجه رأس المال إلى تعميم منطق التراكم والإخضاع للسوق، مع استثماره في الوقت نفسه لتفاوت أشكال العمل وشروطه بين المجتمعات، وإبقائه على العمل الرعائي غير مدفوع الأجر بوصفه أحد الشروط التي تخفض كلفة إعادة إنتاج قوة العمل. ومن ثم لم يؤدِّ توحيد النيو ليبرالية العالمية إلى توحيد شروط المساواة، بل إلى إعادة إنتاج التناقض بين تعميم مشاركة المرأة في الإنتاج واستمرار تحميلها القسم الأكبر من أعباء إعادة الإنتاج الاجتماعي، على مستوى تاريخي وعالمي أوسع.
- تتمثل خصوصية الخطاب الأبوي في التقاليد التوحيدية في قدرته على نقل التقسيم التاريخي للعمل من مجال التنظيم الاجتماعي القابل للتغيير إلى مجال التكليف الأخلاقي المقدس. فالعمل المنزلي والرعائي لا يظهر في هذا الخطاب بوصفه عملًا ضروريًا لإعادة إنتاج الحياة وقوة العمل، وإنما بوصفه امتدادًا لفطرة المرأة ورسالتها الأسرية. ويؤدي هذا الانتقال من الاجتماعي إلى المقدس إلى حجب الطابع التاريخي للتقسيم الجنسي للعمل، وإلى تحويل مساءلة توزيعه إلى مساءلة للهوية الدينية والأخلاقية ذاتها؛ وبذلك تكتسب علاقة اجتماعية متغيرة قوة الثبات التي تنسب عادة إلى الحكم المتعالي.
- لا يعمل مبدأ التكامل بين الجنسين، كما يعاد إنتاجه في الخطابات الدينية المحافظة، بوصفه اعترافًا متكافئًا باختلاف الوظائف، بل بوصفه صيغة أيديولوجية لتنظيم عدم المساواة. فالتكامل يفترض اختلاف الأدوار، لكنه يفصل بين هذه الأدوار من حيث السلطة والاعتراف الاقتصادي: تُنسب إلى الرجل وظائف الإنفاق والولاية والتمثيل العام، بينما تُحال إلى المرأة أعمال الرعاية والخدمة اليومية التي لا تُحتسب اقتصاديًا رغم ضرورتها لاستمرار الأسرة والمجتمع. ومن ثم يساوي الخطاب رمزيًا بين الأدوار المختلفة، في الوقت الذي يحافظ فيه عمليًا على عدم التكافؤ في توزيع الموارد والوقت وسلطة اتخاذ القرار والاعتراف الاجتماعي بين الجنسين.
- لا تُمثل الطاعة داخل البناء الأسري الأبوي علاقة أخلاقية منفصلة عن الاقتصاد، بل تؤدي وظيفة مادية في ضمان استمرار العمل المنزلي والرعائي من دون تفاوض متكافئ حول شروطه أو توزيعه. فعندما تقترن مسؤولية المرأة عن الرعاية بواجب الطاعة، وتُربط سلطة الرجل بالقوامة والإنفاق، يصبح الامتناع عن العمل المنزلي أو المطالبة بإعادة توزيعه خروجًا على النظام الأخلاقي للأسرة، لا نزاعًا حول تقسيم غير عادل للعمل. وبذلك تسهم بنية الطاعة في إخفاء علاقة الاستحواذ على زمن المرأة وجهدها خلف لغة الواجب والبر والإحسان والاستقرار الأسري.
- أكدت الدراسة أن التوافق بين النيوليبرالية والخطاب الديني المحافظ ليس تحالفًا مقصودًا بالضرورة، وإنما توافق وظيفي ينشأ من التقائهما عند جعل الأسرة المجال الأساسي لتحمل كلفة الرعاية في البلدان التابعة ذات التنمية الرثة. فالنيوليبرالية تقلص المسؤولية الاجتماعية للدولة وتعيد خدمات الرعاية إلى الأسر، بينما يمنح الخطاب المحافظ هذا النقل معنى أخلاقيًا ودينيًا، بتقديم تضحية النساء بوقتهن ودخلهن وفرصهن بوصفها حبًا وأمومةً وواجبًا أسريًا. وهكذا تتحول الأسرة إلى وحدة خاصة لامتصاص أزمات إعادة الإنتاج الاجتماعي، وتتحول المرأة إلى مورد مرن يعوض تراجع الخدمات العامة من دون أن يظهر جهدها في الحساب الاقتصادي أو في مفهوم العمل السائد.
- بينت الدراسة أن كلاً من النيو ليبرالية في إطار الرأسمالية المعاصرة والخطاب الديني اليميني، على الرغم من اختلاف منطلقاتهما الفكرية، يبلغان حدودهما التاريخية عند متطلبات إعادة إنتاج رأس المال؛ فالنيو ليبرالية تتوقف عن توسيع مبدأ المساواة عندما يمس آليات تراكم رأس المال، بينما يعيد الخطاب الديني المحافظ تنظيم العلاقات الأسرية بما يضمن استمرار العمل المنزلي والرعائي غير مدفوع الأجر. ومن ثم، لا يمثل التعارض بينهما تناقضًا بنيويًا، بقدر ما يمثل اختلافًا في الوسائل التي يُعاد بها إنتاج العلاقات الاجتماعية نفسها.
- أصبحت قيمة قوة العمل في القرن الحادي والعشرين أكثر تعقيدًا، لأنها لم تعد تقوم فقط على وسائل المعيشة المادية المباشرة، بل على وسائل مادية ومعنوية معًا: الصحة، والتعليم، والرعاية، والاستقرار النفسي، والأمان، والوقت، والقدرة على الاستمرار. وهذه الشروط لا تتحول تلقائيًا إلى قوة عمل جاهزة للإنتاج، بل يعيد العمل المنزلي والرعائي غير المدفوع تشكيلها يوميًا في صورة عمل حي قادر على دخول النيو ليبرالية والمساهمة في إنتاج القيمة. وهنا يظهر اتساع مفهوم الأجرة؛ فالأجر النقدي لا يغطي كامل كلفة إعادة إنتاج قوة العمل، بل يفترض وجود منطقة مخفية من العمل والرعاية لا تُحسب رسميًا، رغم أنها شرط أساسي لإنتاج القيمة.
- رغم أهمية رفع الأجور فإنه لا يكفي لاستعادة هذا البعد المخفي من إعادة إنتاج قوة العمل. فالمشكلة ليست كمية فقط، بل كيفية وبنيوية؛ إذ تكمن في شكل اجتماعي يحول شروط الحياة الاساسية، من صحة وتعليم ورعاية وسكن وغذاء واستقرار نفسي، إلى أعباء فردية وأسرية. لذلك لا يُرد هذا الجزء إلى أصحابه إلا بتغيير علاقات الإنتاج وإعادة الإنتاج معًا، عبر تحويل شروط الحياة من تكاليف خاصة إلى حقوق اجتماعية، وبالاعتراف بأن إنتاج الحياة ليس مجالًا هامشيًا خارج الاقتصاد، بل هو شرطه التأسيسي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
- خليل عبد الكريم “الجذور التاريخية للشريعة” ط(1)، سينا للنشر، 1990.
- الشعراوي، محمد متولي. المرأة في القرآن. القاهرة: قطاع الثقافة، مؤسسة أخبار اليوم.
- عبد اللطيف بن المسبح المرداسي القسنطيني. عمدة البيان في معرفة فروض الأعيان. بيروت: دار الفكر، ج1.
- فريدريك إنجلز، أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، ترجمة أحمد عز العرب، القاهرة: دار الطباعة الحديثة، د.ت.
- كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، الكتاب الأول: عملية إنتاج الرأسمال، ترجمة: د. فهد كم نقش، موسكو: دار التقدم، 1985، الفصل الرابع عشر: تقسيم العمل والمانيفاكتورة.
- كارل ماركس، فريدريك إنجلز، بيان الحزب الشيوعي، القسم الأول: البرجوازيون والبروليتاريون، ت: العفيف الأخضر، بيروت: منشورات الجمل، 2015، ط (1).
- ليون تروتسكي، الثورة المغدورة: ما الاتحاد السوفيتي وإلى أين يمضي؟، لندن: فابر آند فابر، 1937، الفصل السابع.
- محمد أركون، من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، ت: هاشم صالح، دار الساقي (بيروت: لبنان 1991) ط (1).
- نصر حامد أبوزيد، دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة، المركز الثقافي العربي، 2004، ط(3).
- Ali, Heba Abdel Monem. “Empowering Private Sector in Egypt: Current Status and Way Forward.” Available at SSRN 5452514. 2025, p: 134-135.
- Federici, Silvia. “Wages against housework”.” Feminist Studies. Routledge, 202.
- Ferrant, Gaëlle, Luca Maria Pesando, and Keiko Nowacka. “Unpaid Care Work: The missing link in the analysis of gender gaps in labour outcomes.” Boulogne Billancourt: OECD Development Center 20 , 2014.
- Fraser, Nancy. “Contradictions of capital and care.” 2016.
- Harvey, David. A companion to Marx’s Capital: The complete edition. Verso Books, 2018.
- Jean-Jacques Rousseau. Emile, or On Education. Translated by Barbara Foxley. London: J. M. Dent & Sons, 1911 (reprint 1957).
- Pateman, Carole. “Sexual contract.” The Wiley Blackwell encyclopedia of gender and sexuality studies, 2016.
- Tamayo, Sofia Gomez, Dana Alrayess, and Gael Moraes. Female Labor Force Participation in the Middle East and North Africa Region: Regional trends and the experience of Saudi Arabia. World Bank, Mar. 2026. Discussion Paper no. 2616.
- Wollstonecraft, Mary. “A Vindication of the Rights of Woman.” Ideals and Ideologies. Routledge, 2024.
- https://www.ilo.org/resource/news/unpaid-care-work-prevents-708-million-women-participating-labour-market
- https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1919/jun/19.htm
[1] المانيفاكتورة: مرحلة تاريخية في تطور الرأسمالية سابقة على الصناعة الكبرى القائمة على الآلة. تقوم على تجميع عدد كبير من العمال داخل ورشة واحدة، مع تقسيم العملية الإنتاجية إلى عمليات جزئية يؤدي كل عامل واحدة منها. وهي تختلف عن الحرفة القديمة لأن العامل لا ينتج السلعة كاملة، بل يتحول إلى عامل جزئي داخل عامل جماعي يملكه رأس المال. تكمن أهميتها في أنها تكشف كيف يتحول تقسيم العمل إلى وسيلة لرفع الإنتاجية وإنتاج فائض القيمة، وفي الوقت نفسه إلى وسيلة لتشويه العامل وتقليص مهارته الكلية.
[2] كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، الكتاب الأول: عملية إنتاج الرأسمال، ترجمة: د. فهد كم نقش، موسكو: دار التقدم، 1985، الفصل الرابع عشر: تقسيم العمل والمانيفاكتورة، ص 490.
[3] التقسيم التاريخي المقصود هو التقسيم الجنسي للعمل Sexual Division of Labour، أي التوزيع التاريخي للأعمال بين الرجال والنساء، لا بوصفه نتيجة طبيعة بيولوجية ثابتة، بل بوصفه علاقة اجتماعية تغيرت وظائفها مع تغير أنماط الإنتاج. بمعنى آخر، تحويل فرق بيولوجي أولي مثل الحمل والرضاعة إلى تقسيم اجتماعي للعمل، ثم تحويل هذا التقسيم مع الملكية إلى علاقة سلطة، ثم تحويله داخل الرأسمالية إلى آلية مجانية لإعادة إنتاج قوة العمل.
[4] فريدريك إنجلز، أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، ترجمة أحمد عز العرب، القاهرة: دار الطباعة الحديثة، د.ت، ص60-69.
[5] كارل ماركس، رأس المال، الفصل الرابع عشر: تقسيم العمل والمانيفاكتورة، مرجع سابق، ص504.
[6] كارل ماركس، فريدريك إنجلز، بيان الحزب الشيوعي، القسم الأول: البرجوازيون والبروليتاريون، ت: العفيف الأخضر، بيروت: منشورات الجمل، 2015، ط (1)، ص53.
[7] تُستخدم التجربة الأوروبية الغربية هنا لتحديد المقولات العامة لتحول العمل تحت الرأسمالية، لا بوصفها نموذجًا تاريخيًا كونيًا. فقد أشار ماركس نفسه إلى وجود أشكال مختلفة من تقسيم العمل في مجتمعات أقدم، منها مصر القديمة والهند، بما يدل على أن تقسيم العمل ليس اختراعًا رأسماليًا أو أوروبيًا، وإنما تميزت الرأسمالية بإعادة تنظيمه داخل عملية الإنتاج لخدمة تراكم رأس المال وإنتاج فائض القيمة. أما في المنطقة العربية، فقد تشكلت الرأسمالية في سياق الاستعمار والتبعية والتطور غير المتكافئ، فامتزجت علاقات النيو ليبرالية الحديثة بالبنى الأسرية والاجتماعية الموروثة، واكتسبت بذلك صورة تاريخية مغايرة دون أن تنتفي عنها المقولات العامة التي يحللها الاقتصاد السياسي.
[8] الصناعة الكبرى: المرحلة التي تصبح فيها الآلة، لا الأداة اليدوية، مركز العملية الإنتاجية. في الحرفة والمانيفاكتورة ظل العامل يستخدم الأداة بيده، أما في الصناعة الكبرى فتنتقل المهارة والحركة المنتظمة إلى الجهاز الآلي، ويصبح العامل في كثير من الحالات مراقبًا أو ملحقًا بإيقاع الآلة. لذلك تتيح الصناعة الكبرى تشغيل عمال أقل تدريبًا، ومن بينهم النساء والأطفال تاريخيًا، لا بسبب ملاءمة طبيعية، بل لأن الآلة تقلل الحاجة إلى المهارة الحرفية السابقة وتزيد قدرة رأس المال على ضبط العمل.
[9] تكشف صناعة الثقاب، في ذلك الوقت، أن تضرر النساء والفتيات لم يكن نابعًا من ضعف طبيعي، بل من موقعهن داخل تقسيم العمل الرأسمالي؛ إذ جرى تركيزهن، مع الأطفال والعمال غير المهرة، في أكثر مراحل الإنتاج سُميَّة وأطولها زمنًا وأدناها أجرًا. فاجتمع التعرض للفوسفور، وطول يوم العمل، وصغر السن، وسهولة الاستبدال، وضعف القدرة على التنظيم، لتكوين قوة عمل شديدة الهشاشة. ومن ثم لم يكن تشغيل النساء والأطفال مجرد توسيع لقاعدة العمال، بل أداة لخفض قيمة قوة العمل نفسها؛ إذ استطاع رأس المال تفتيت “أجر الأسرة” إلى أجور فردية منخفضة، بحيث يقترب مجموع ما تتقاضاه الأسرة كلها من أجر الرجل وحده سابقًا، فيتحول إدخال النساء والأطفال إلى وسيلة ضغط على أجور الجميع. راجع: كارل ماركس، رأس المال، الفصل الثالث عشر: الآلة والصناعة الكبرى، مرجع سابق، ص669.
[10] في الأسرة القديمة، لم تكن السلطة الأبوية مجرد فكرة أو عادة، إذ كان لها أساس اقتصادي وهو احتكار الرجل للعمل الاجتماعي المأجور، واعتماد المرأة والأطفال عليه. فكان يبدو العمل المنزلي وظيفة طبيعية للمرأة. حين دخلت النساء إلى الإنتاج الاجتماعي، ضُرب هذا الأساس، فلم تعد المرأة مرتبطة بالبيت وحده ولم يعد الرجل الممثل الاقتصادي الوحيد للأسرة، “فمهما كان تحلل نظام الأسرة القديم داخل النظام الرأسمالي شنيعًا ومثيرًا للاشمئزاز، فإن الصناعة الكبرى، بإعطائها النساء والأحداث والأطفال دورًا حاسمًا في عملية الإنتاج المنظمة اجتماعيًا خارج البيت، تخلق أساسًا اقتصاديًا جديدًا لشكل أعلى من الأسرة والعلاقات بين الجنسين” انظر: كارل ماركس، رأس المال، الفصل الثالث عشر: الآلة والصناعة الكبرى، مرجع سابق، ص666-668. لكن حدث هذا “النفي” في صورة رأسمالية قاسية تستغل تشغيل النساء والأطفال وتطيل يوم العمل وتفكك الرعاية، بل ويستمر العمل المنزلي فوق العمل المأجور، وتحول كل أفراد الأسرة إلى قوة عمل بشرية، إذن الرأسمالية تهدم شكل السلطة القديم بالفعل لكنها في ذات الوقت تخضع المرأة لسلطة رأس المال مع بقاء عبء المنزل عليها. فالشكل الأعلى هنا حفظ خروج المرأة من العزلة المنزلية، ومشاركتها في الانتاج الاجتماعي واستقلالها المادي وتفكيك احتكار الرجل للمجال العام، ويفتح إمكانًا تاريخيًا لتجاوز الاستغلال.
[11] لا يُقصد بالعمل المنزلي هنا أعمال البيت التقليدية (الطبخ والرعاية)، بل يقصد أن الرأسمالية أدخلت الإنتاج الصناعي إلى داخل المنزل؛ فالمرأة قد تخيط أو تجمع منتجات في بيتها لحساب مصنع، لكنها تظل عاملة تابعة لرأس المال. عندئذ يتحول البيت إلى فضاء مزدوج للاستغلال: موقع لإنتاج السلعة لصالح النيو ليبرالية، وموقع لإعادة إنتاج العامل والأسرة مجانًا. ويستفيد رأس المال من هذا التداخل؛ لأنه ينقل إلى الأسرة تكاليف مكان العمل والأدوات والطاقة والرعاية وتجديد قوة العمل، كما يستفيد من الموقع الاجتماعي الأضعف للنساء والأطفال لخفض الأجور وإطالة زمن العمل وتفتيت العمال بعيدًا عن التنظيم الجماعي. ولذلك فالصناعة المنزلية لا تعيد المرأة إلى فضاء سابق على الرأسمالية، بل تُخضع البيت نفسه لمنطقها، بحيث يجتمع داخله العمل المأجور الرخيص والعمل الرعائي المجاني. للاستزادة راجع: كارل ماركس، رأس المال، الفصل الثالث عشر: الآلة والصناعة الكبرى، مرجع سابق، ص666- 668.
[12] Harvey, David. A companion to Marx’s Capital: The complete edition. Verso Books, 2018,p:226.
[13] لا تكون القيمة التبادلية كامنة في العمل المنزلي ذاته، بل تتوسط علاقته بها عبر قوة العمل التي يعيد إنتاجها، وعبر الكلفة التي يوفرها على رأس المال والدولة. بالتالي فالأداة أو الآلة ليست عضوًا بيولوجيًا، بل امتدادًا اجتماعيًا لقدرات الجسد البشري. وبالمقارنة، فإن الرعاية والطبخ والتربية ظلت تاريخيًا ملتصقة بجسد المرأة داخل الأسرة، بدل أن تتحول إلى “عضو اجتماعي” عام، أي إلى مؤسسات وخدمات جماعية مثل الحضانات العامة، المطابخ المدرسية العامة، رعاية المسنين، والتأمينات الاجتماعية. المقصود إذن ليس أن للمرأة عضوًا طبيعيًا خاصًا بالرعاية، بل العكس؛ نقد إبقاء وظائف اجتماعية عامة محبوسة داخل جسد المرأة بوصفها طبيعة أنثوية.
[14] Federici, Silvia. “Wages against housework.” Feminist Studies. Routledge, 2025, p:76-77-78.
[15] المقصود بتقاسم الأجر هنا أن الأجر الذي يظهر في النيو ليبرالية بوصفه أجر فرد واحد يُستخدم غالبًا لإعادة إنتاج أكثر من فرد داخل الأسرة: العامل نفسه، الزوجة غير المأجورة، الأطفال، وأحيانًا كبار السن أو العاطلون. بذلك يبدو الأجر أجرًا فرديًا في علاقة العمل، لكنه يؤدي اجتماعيًا وظيفة عائلية.
[16] Ibid., p. 85.
[17] Ibid., p. 85.
[19] Ferrant, Gaëlle, Luca Maria Pesando, and Keiko Nowacka. “Unpaid Care Work: The missing link in the analysis of gender gaps in labour outcomes.” Boulogne Billancourt: OECD Development Center 20 , 2014, p:4-5.
[20]Ali, Heba Abdel Monem. “Empowering Private Sector in Egypt: Current Status and Way Forward.” Available at SSRN 5452514. 2025, p: 134-135.
[21] Tamayo, Sofia Gomez, Dana Alrayess, and Gael Moraes. Female Labor Force Participation in the Middle East and North Africa Region: Regional trends and the experience of Saudi Arabia. World Bank, Mar. 2026. Discussion Paper no. 2616, p: 9. Available on:
[22] محمد أركون، من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، ت: هاشم صالح، دار الساقي (بيروت: لبنان 1991) ط(1)، ص96.
[23] نصر حامد أبوزيد، دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة، المركز الثقافي العربي، 2004، ط(3)، ص142-143.
[24] للاستزادة انظر: نصر حامد أبوزيد، دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة، المركز الثقافي العربي، 2004، ط(3)، ص 186–187، 202–205.
[25] خليل عبد الكريم “الجذور التاريخية للشريعة” ط(1)، سينا للنشر، 1990، ص 80-82.
[26] عبد اللطيف بن المسبح المرداسي القسنطيني. عمدة البيان في معرفة فروض الأعيان. بيروت: دار الفكر، ج1، ص2. (ورد هذا النص في شرح فقهي مالكي على متن الأخضري).
[27] انظر: نوال السعدواي، الوجه العاري للمرأة العربية، مؤسسة هنداوي،2017.
[28] نوال السعدواي، الوجه العاري للمرأة العربية، مؤسسة هنداوي، ص 38-41.
[29] نفس المرجع، ص46-49.
[30] نفس المرجع، ص48-49.
[31] Jean-Jacques Rousseau. Emile, or On Education. Translated by Barbara Foxley. London: J. M. Dent & Sons, 1911 (reprint 1957).
متاح على: https://www.owleyes.org/text/emile/read/book-iii#root-422321-66
[32] Wollstonecraft, Mary. “A Vindication of the Rights of Woman.” Ideals and Ideologies. Routledge, 2024, p:73.
[33] Ibid, p: 85.
[34] Pateman, Carole. “Sexual contract.” The Wiley Blackwell encyclopedia of gender and sexuality studies (2016), p: 1-2.
[35] Ibid, p:2.
[36] في مقال “A Great Beginning ” عام 1919(https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1919/jun/19.htm ) ، أدرك لينين مبكرًا أن المساواة في القوانين لا تكفي ما دامت المرأة مقيدة بالاقتصاد المنزلي الفردي؛ إذ كتب: ” لن يبدأ التحرر الحقيقي للمرأة، ولن تبدأ الشيوعية الحقيقية، إلا حين يبدأ نضال شامل ضد هذا الاقتصاد المنزلي الصغير، أو بالأحرى حين يبدأ تحويله على نطاق واسع إلى اقتصاد اشتراكي كبير”. فموضع التبعية هنا لا يكمن فقط في غياب الحقوق، وإنما في بقاء أعمال الحياة اليومية محصورة داخل الأسرة وملقاة أساسًا على النساء. ولذلك لا يتحقق التحرر بمجرد إدخال المرأة إلى سوق العمل، لأن هذا الإدخال قد يضيف العمل المأجور إلى العمل المنزلي بدل أن يعيد توزيع الأخير، فتغدو المساواة في المجال العام متعايشة مع استمرار اللامساواة داخل المجال الخاص.
[37] https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1919/jun/19.htm
[38] لخَّص تروتسكي هذه المفارقة حين ربط المساواة الحقيقية بتحرير الأسرة من عبء المطبخ والغسيل، معتبرًا أن بقاء هذه الأعمال داخل الأسرة يعني استمرار استنزاف وقت المرأة وإعادة إنتاج تبعيتها. ومن هذا المنطلق لا يعود اقتصاد الرعاية مجرد مجال خاص، بل يصبح إحدى الآليات الأساسية التي تعيد إنتاج السلطة الأبوية في المجتمع الحديث. إذ يقول في مقاله “من الأسرة القديمة إلى الأسرة الجديدة”: “يتعين على دولة العمال أن تصبح أكثر ثراءً حتى يتسنّى لها أن تتصدى بجدية لمسألة التربية العامة للأطفال، وأن تحرر الأسرة من عبء المطبخ والغسيل… فينبغي أن تتولى المغاسل العامة أعمال الغسيل، وأن تتولى المطاعم العامة إعداد الطعام… وعندئذ تتحرر الرابطة بين الزوج والزوجة من كل ما هو خارجي وعارض، فلا يعود أحدهما يمتص حياة الآخر، وتقوم بينهما أخيرًا مساواة حقيقية”. فهو يربط المسألة بثراء الدولة، لا بمعنى الرفاه الاستهلاكي فحسب، بل بمعنى امتلاك المجتمع الوسائل التي تتيح له تحمل جزء من الأعمال التي كانت الأسرة، والمرأة تحديدًا، تتحملها بمفردها. متاح على:
https://www.marxists.org/archive/trotsky/women/life/23_07_13.htm
[39] متاح على موقع: https://www.marxists.org/arabic/archive/trotsky/1936-rb/ch05.htm
[40] تشير الرأسمالية المُمَوْلَنة Financialized Capitalism إلى المرحلة الراهنة من تطور الرأسمالية، التي أصبح فيها رأس المال المالي، متمثلًا في البنوك، والأسواق المالية، والديون، والمؤسسات الاستثمارية، يقود عملية التراكم الرأسمالي، بحيث يصبح تعظيم العائد المالي أولوية تتقدم على الاستثمار الإنتاجي. وفي هذا السياق، ترتبط سياسات التقشف، وخفض الإنفاق الاجتماعي، والضغط على الأجور، بتوسع نفوذ رأس المال المالي، وهو ما يرى عدد من منظري الاقتصاد السياسي، ومنهم نانسي فريزر، أنه يقوض الشروط الاجتماعية اللازمة لإعادة إنتاج قوة العمل ويؤدي إلى تفاقم أزمة الرعاية.
[41] Fraser, Nancy. “Contradictions of capital and care.” (2016), p: 112.
[42] Ibid, p:113.
[43] في هذا الصدد، لا يقول الشعراوي بعدم جواز عمل المرأة، بل يقول: تستطيع أن تعمل، ولكن وظيفتها الأصلية هي البيت. وهذه نقطة تمثل الصيغة الحديثة للخطاب المحافظ. فهو لا يمنع المرأة من دخول سوق العمل، لكنه يبقي مسؤولية الرعاية كاملة على عاتقها. وهنا أساس أزمة إعادة الإنتاج الاجتماعي؛ إذ تدخل النساء سوق العمل بينما يبقى تنظيم الرعاية قائمًا على الافتراض القديم بأنهن المسؤولات عنها.
[44] الشعراوي، محمد متولي. المرأة في القرآن. القاهرة: قطاع الثقافة، مؤسسة أخبار اليوم، 1990، ص119.
[45] المرجع نفسه، ص18-19.
[46]نفسه، ص19.
[47] يمثل خطاب الشعراوي في هذه الدراسة نموذجًا تحليليًا، لا لأنه يمثل جميع الاتجاهات الإسلامية، بل لأنه من أكثر الخطابات الدينية المحافظة انتشارًا وتأثيرًا في المجال العام المصري، فضلًا عن توفر مادته المنشورة والمصورة في مؤلفاته الرسمية وأرشيف موقعه الإلكتروني وقناته الرسمية، بما يتيح التحقق من آرائه في مختلف قضايا المرأة والأسرة. يمكن الرجوع إلى: https://youtu.be/U6IwDf9FLcQ