تكوين
خلاصة
أهم ما جاء في هذه الدراسة، بعنوان الآيات المُتشابهات والآيات المُحكمات أمُّ الكتاب قراءة تحليلية للمفهوم على ضوء القرآن، يدور حول تقريب مفهوم المُحكم ومفهوم المُتشابه ومفهوم الآيات المتشابهات ومفهوم الآيات المحكمات أم الكتاب، فكتاب القرآن كله محكم كما وصف نفسه، بمعنى أن التشابه فيه ليس تشابهًا من داخله، بل تشابهًا من خارجه، فهو متشابه (التماثل والتناظر) مع ما سبقه من الكتاب (التوراة والإنجيل) ومتشابه مع الكون (الطبيعة/الوجود)، والتشابه هنا لا يعني التطابق، فكتاب القرآن اختص بمنهج التصديق والهيمنة على ما سبقه من الكتاب، والهيمنة هنا لا بمعنى التسلط والتحكم، بل تأخذ معناها من مفهوم الرحمة، ورحمة الله وَسِعَتْ كل شيء، فالحرية في الاعتقاد والرأي وجه من وجوه الرحمة، كما أن القرآن اختص برؤيته المعرفية ونظرته الأخلاقية للعلم والمعرفة، وبكون القرآن كتاب محكم، فآياته لا ينسخ بعضها بعضا، فمفهوم النسخ في القرآن لا يتوافق مع ما هو شائع ومعروف في الثقافة الإسلامية. ولتقريب هذا المُعطى توقفت الدراسة عند مفهوم مجموعة من المفردات منها: “الراسخون في العلم” و”زيغ” و”الفتنة” و”التأويل” و”التفسير” والآيات المتشابهات” و”الآيات المحكمات” و”المُحكم” و”المُتشابه”… أخذًا بمنهج تَتَبُّع المفردات ومدلولاتها من داخل البنائية القرآنية.
يُمَثِّلُ الفهم الذي قال به الأقدمون لموضوع “المُحكم” و “المُتشابه” مدخلًا محوريًا في فهم القرآن الكريم وتفسيره، وهو إلى جانب مجموعة من المفاهيم مثل: مفهوم “التفسير” ومفهوم “التأويل” ومفهوم “الناسخ والمنسوخ” وغيرها، يُكَوِّنُ قاعدة معرفية بُنيت عليها كثيرٌ من التصورات والأفكار والمفاهيم في الثقافة الإسلامية، إلى درجة أن زحزحة الفهم الذي أخذته عبر الزمن، سيكون له بالغ التأثير، في التصورات والمسلمات في الثقافة الإسلامية، التي بُنيت عليها.
إقرأ أيضًا: الناسخ والمنسوخ في حقل الدلالة والتأويل
ينتمي موضوع المُحكم والمُتشابه وغيره من الموضوعات والمفاهيم مثل التي جئنا على ذكرها، إلى حقل علوم القرآن، ويُعَدُّ بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (المُتوفى 794ه/1392م) أبرز من دَوَّنَ كتابًا ضخمًا من أربعة أجزاء جمع فيه علوم القرآن وعنونه بـ (البرهان في علوم القرآن)، بمعنى أن مصطلحات علوم القرآن ومفاهيمه، قبل جمعها، كانت متناثرة بين طيات كتب التفسير.
المنهج المعتمد في هذه الدراسة، ليس الغرض منه التتبع التاريخي لظهور مفهوم كلٍّ من المُحكم والمُتشابه في الثقافة الاسلامية، بقدر ما يهمنا تتبع سياق الآيات التي وردت فيها مفردة كل من: “المُحكم” و”المُتشابه”، بهدف اجتراح معاني جديدة، تتوافق وتنسجم مع رؤية القرآن الكريم وتصوره الداخلي، وعيًا منا بكون القرآن الكريم له نَظْمُهُ الخاص لمفردات اللغة، فالمفردة فيه تأخذ معناها ودلالتها من داخل البنائية القرآنية بدرجة أولى وليس خارجها، ويُعَدُّ سياق الآيات طريقًا إلى فهم مفردات القرآن الكريم، فضلًا على الوعي بطبيعة ترابط المفردات بعضها ببعض تبعًا لحقلها الدلالي، فحسب تقديرنا فتجديد فهم مفردات القرآن من داخل القرآن ذاته يُمَثِّلُ مفتاحًا لا غنى عنه، في تجديد فهم القرآن وقضاياه.
أقوال العلماء في المحكم والمتشابه في القرآن الكريم
صحيح بكون القرآن نَزل بلغة العرب وبلسانهم، ولكن فهمه ودراسته لا تعني أن نُسقط عليه الخصوصيات الثقافية والاجتماعية عند العرب زمن نزوله وبعد نزوله، إذ ينبغي ألا نُغيَّب أن القرآن له نَظْمُهُ الخاص به، وأنه قد استعمل مفردات اللغة زمن النزول، وقد أصبحت لتلك المفردات مدلولاتها الخاصة بدلًا من مدلولاتها الشائعة في لسان العرب، وفي معاجم اللغة العربية، فالقرآن في علاقته بلسان العرب، قد كَوَّنَ حقلًا دلاليًا وحده، داخل كلٍّ أوسع، أي داخل معجم اللغة العربية زمن نزوله،[2] بمعنى أن مفردات اللغة العربية أخذت حمولات معرفية داخل القرآن مفارقة ومتباينة مع حمولتها عند العرب، وهذا أمر منهجي (بدهي)، لأن دلالة المفردات ينبغي فهمها وتتبعها والاقتراب من معناها من داخل كل نص تنتمي إليه، كما أن لكل علم مصطلحاته ومفرداته التي يُبنى عليها، وتجدد علم من العلوم في ذاته هو تجدد في مفاهيمه ومصطلحاته ومفرداته، خاصة ونحن نتحدث عن نص له خصوصيته ومميزاته. وعليه فنحن في حاجة إلى تجديد النظر في فهم حمولة كثيرٍ من المفردات داخل البنائية القرآنية، وفي الوقت ذاته العمل على فهم الحمولة الثقافية التي أخذتها تلك المفردات تبعًا لسياقات ثقافية داخل الثقافة الإسلامية، والمسألة هنا ليس بقصد إزاحة ونفي الحمولات الثقافية التي تَكوَّنت عبر التاريخ لمجموعة من مفردات القرآن، ولكن بهدف تجديد النظر في البناء المفاهيمي للقرآن الكريم، تبعًا لرُوح العصر، كونه كتابًا للناس جميعًا وكون التجديد أمرًا مطلوبًا ولا مهربَ منه.
تبعًا لهذا السياق نستحضر نص لمرشال هو دجسون قوله:
“القرآن لا يتحدث إلا من خلال اللغة والمفاهيم التي كان محمد وأتباعه يحوزونها، كي يتلقوا الرسالة. وقد كانت هذه اللغة والمفاهيم مقتصرة بالمجمل على ما هو موجود في التقاليد التوحيدية. لفهم أي دلالة يتحدث عنها القرآن، على المرء أن يلاحظ السياق المفترض أولًا: فمثلًا لنفهم دلالة يوم القيامة، علينا أن ندرك يوم القيامة بوصفه حدثًا في الزمان، كما يقدمه التقليد التوحيدي، ثم على المرء أن يرى ما الذي يفعله القرآن بهذا المفهوم [في أي اتجاه يدفع المفهوم] وهذا وحده ما يُمكن أن يوصلنا إلى معناه أخلاقيًا وإنسانيًا. والأمر كذلك ينطبق على القصص القرآنية سواء كانت كتابية أم لا. فانحراف القصة عن شكلها الكتابي [أي شكلها الوارد في الكتاب المقدس] هو ما يُشير إلى الاتجاه الذي تنحو إليه هذه الرسالة”[3].
القرآن يمتلك نَظْمَهُ الخاص في استعمال مفردات اللغة، فالوعي بَنَظْمِ القرآن، يترتب عنه الكشف عن النظام القرآني، وهو نظام يعتمد على إلغاء الترادف في اللغة وما يتبعهُ من اعتباطٍ، وينظرُ إلى القرآن على أنَّها نظام لغوي محكمٌ مستقلٌّ بذاته.[4] ويعتمد على قاعدة مفادها أن القرآن نظامٌ محكمٌ شديد الصرامة منتشرٌ في جميع أجزائه وأن اللفظ مفردةٌ كان أو حرفٌ والترتيب أو التسلسل المعيَّنُ للألفاظ في كلِّ تركيبٍ هو جزءٌ من هذا النظام، والخطأ في تصوِّر شيء منه في أي موضعٍ، يؤدي إلى الخطأ في تصوُّر فروعٍ كثيرةٍ متصلةٍ بذلك الموضع. فالعبارة الأصح ليست قولنا (أن في القرآن نظامٌ محكمٌ) بل (القرآن هو ذاته نظامٌ محكمٌ)[5]
نَظْمُ القرآن في نظر أبو القاسم حاج حمد[6] نسيجٌ واحد، فإذا سقطت آية أو أُسْقِطَت؛ يسقط الحق كله، فليس في القرآن آية ساقطة أو مرفوعة عن التلاوة، وليس في القرآن ناسخًا ومنسوخًا، وذلك أن صياغة القرآن مماثلة لصياغة الكون، فدقة مواقع الآيات والمفردات والأحرف لا تختلف عن دقة مواقع النجوم قال تعالى: “فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80)”[7]، فالله هنا لم يقسم بالنجم، ولكنه أقسم بمواقعها في سياق التعريف بخصائص القرآن البنائية[8]، وَوَجْهُ المماثلة هنا يتجسد في أنه إذا خرج نجم عن مدار المجموعة الشمسية أو اصطدم بغيره؛ اختلت المنظومة الكونية كلها، وكذلك الشيء نفسه مع القرآن. وهي الفكرة نفسها التي قال بها محمد شحرور، فهو يرى أن الدقة المنهجية التي اتصف بها القرآن الكريم في توظيف مفردات اللغة العربية واستعمالها، يُمكن معها القول: بأنها لا تختلف عن الدقة في علم الرياضيات والكيمياء والفيزياء.[9]والفكرة نفسها حاضرة عند عبد الله دراز وهو يُشَبِّهُ القرآن بجسم الانسان، فكل عضو له دورٌ لا ينوب عنه غيره، ففيه يرى بأن المعاني في القرآن
“شبيهة باتساق الحجرات في البنيان. وشبيهة كذلك بأعضاء جسم الإنسان. فبين كل قطعة من الجسم وجارتها رباط موضوعي. فمثلًا يلتقي العظمان عند المفصل ومن فوقهما تمتد شبكة من الوشائج تحيط بها عن كثب، كما يشتبك العضوان بالشرايين والعروق والأعصاب… كل هذا يجعل الجسم يأخذ قوامًا واحدًا، ويتعاون بجملته على أداء عرض واحد مع اختلاف وظائفه العضوية”.[10]
ويرى سبيط النيلي بأن “العبارة القرآنية هي جزء من النظام القرآني كله، فهي متسقة في سياقه مع العبارات الأخرى اتساقًا تامًا. مثلها في ذلك مثل الجسيم الذي يُمَثِّلُ جزءًا من النظام الذري، ومثل الكوكب في النظام الشمسي”[11]. وقد لفت نظرنا محمد داوود إلى زاوية في غاية الأهمية تتعلق بتجانس إيقاعِ القرآن وَتَلَاحُمِ بِنَائِهِ، فالإيقاع في القرآن ينبعث من حروفه وكلماته وفواصله جميعًا. إنه ينبعث من تردد الحروف والتنوين والضمائر وأدوات النحو والفواصل في أنساقٍ متنوعةٍ ومتجددةٍ لا تكاد تُحْصَى.[12]وسبق لطه حسين القول: إنْ عَبَّرَ بالقول
“نَظْمُ القرآن أي أسلوبه في أداء المعاني التي أراد لله أن تُؤدَّى إلى الناس. لم يؤدِّ إليهم هذه المعاني شعرًا … ولم يؤدِّها إليهم نثرًا أيضًا، وإنما أدَّاها على مذهب مقصور عليه وفي أسلوب خاصٍّ به لم يُسبق إليه ولم يُلحق فيه. ليس شعرًا، لأنه لا يتقيد بأوزان الشعر وقوافيه، وليس نثرًا، لأنه لا يُطلق إطلاق النثر ولا يُقَيَّدُ بهذه القيود التي عرفها الكُتَّاب في الإسلام، بل هو آيات مُفَصَّلَةٌ لها مِزاجها الخاص في الاتصال والانفصال وفي الطول والقِصَر”[13].
هذه الدعوة المنهجية التي قال بها كلُّ هؤلاء كلٌّ بطريقته نجد لها جذرًا عند الشاطبي (توفي 790هـ) بقوله: “إن كلام الله في نفسه كلام واحد، لا تعدد فيه بوجه ولا باعتبار… وذلك أنه يُبَيِّنُ بعضه بعضًا، حتى أن كثيرًا منه لا يُفهم معناه حق الفهم إلا بتفسير موضع آخر أو سور أخرى… فبعضه متوقف على البعض في الفهم… فالقرآن كله كلام واحد بهذا الاعتبار”[14].
ونشيرُ هنا بأن المسألة في نظرنا، بخصوص هذا الموضوع أو غيره، لا ترتبط بتقديم تصور نهائي يدَّعي الكمال فهذا طريق يُفضي إلى الانسداد وإلى الأيدلوجية، فالله جلَّ وعلا مُطلق لا يمكن الإحاطة به قال تعالى: “كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29)”(الرحمن)، وكذلك هو القرآن قال تعالى: “وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)”(ص). الطريق إلى معرفة الله والاقتراب منه متعدد وكذلك كتابه، والدال على الطريق لمعرفة الله وكتابه، هو الكتاب نفسه. وقبل أن نصل الى البحث في مفهوم كل من الآيات المتشابهات والآيات المحكمات أمُّ الكتاب والمحكم والمُتشابه، سنتوقف عند مفهوم كلًّا من التفسير والتأويل في القرآن.
يُفيد تعريف علم التفسير في الثقافة الإسلامية، “الْبَيَانُ وَالْكَشْفُ” فهو علم “يبحث عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تُحمل عليها حالة التركيب وتتمّات لذلك”،[15] أي بيانُ معنى النص المنزل ومدلوله، فالبيان في اللغة يُفيد الإفصاح، والبَيِّنُ من الرجال، أي الفصيح، وفلان أبْيَنُ من فلان، أي أفْصَحُ منه، وأوْضَحُ كلامًا، ورجل بَيِّنٌ فصيحٌ.[16] فكلمة «بيان» تدور حول معنى الدلالة، والفصاحة، والوضوح، والكشف، والظهور.
فلفظة (تفسير) في الثقافة الإسلامية صارت تحمل معنى مُفردة (بيان) عند أصحاب المعاجم والمفسرين وغيرهم، إذ جاء في (لسان العرب) أنَّ «الفسر: كشف المُغطى، والتفسير كشف المُراد عن اللفظ المُشْكِل»[17]. وبهذا التداخل بين مفهوم البيان ومفهوم التفسير، عند أهل المعاجم، صار القرآن عند هؤلاء المفسرين موضوع التبيين، والتوضيح، والشرح، وكشف ما هو خفي فيه، وطريقتهم إلى ذلك تكمن في الإمساك بمعاني الألفاظ والكلمات، كما هي واردة في الشعر العربي وغيره، بالاعتماد على الرواية والأثر (الحديث) والآيات القرآنية نفسها في عملية الشرح والتفسير تلك، وهذا يعني أنَّ الاصطلاح اللُّغوي لكلمة «تفسير»، في علاقتها بكلمة «بيان» قد انسحب بالكامل إلى المدلول الاصطلاحي لعلم التفسير. ومن المعلوم أنَّ علم التفسير شَمُلَ أقسامًا معينة للتفسير منها: التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي، والتفسير الإشاري نسبة إلى الإشارة،[18] ونُضيف هنا التفسير الموضوعي نسبة إلى تفسير القرآن حسب الموضوع… ونحن هنا لسنا بصدد البحث في أقسام التفسير وأنواعه في الثقافة الإسلامية وغير ذلك.
إقرأ أيضًا: شيطنة التأويل وسلطة التفسير: الصراع السياسي على معاني القرآن
بالعودة إلى القران الكريم، نجد أن مُفردة “تفسير” لم ترد إلا مرة واحدة في الآية 33 من سورة الفرقان[19] لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ وقد جاء ورودها في سياق الأمثال، التي ضربها الكافرون كذبًا وبهتانًا في الدفاع عن آراءهم، ولم تزدهم تلك الأمثال التي ضربوها إلا ضلالًا على ضلالتهم، وقد استرجعت سورة الفرقان بعض من تلك الأمثلة التي ضربوها، كما أنها وردت مقرونة بمفردة الحق ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، فأحسن التفسير هو الذي يَمْتَثِلُ ويدور في الرؤية والمنهج تبعًا للبناء الداخلي للقرآن الكريم، أي ذلك التفسير الذي يأخذ بالمقاصد العليا والغايات الكبرى التي جاء القرآن من أجلها، بوصفه خطابًا للإنسانية جمعاء.
المقصود بفهم القرآن وتدبره
فمطلب التدبُّر[20] والترتيل[21] والتفكُّر والتأويل، لسور القرآن وآياته في تقديرنا أوْلى من عملية التفسير، فكتاب القرآن كتاب يفسِّر بدل أن تقام عليه عملية التفسير، فهو لم يطلب منا أبدًا أن نُجري عليه عملية التفسير بقدر ما أنه احتفظ بها لنفسه، وعملية التدبُّر والترتيل والتفكر والتأويل هذه تتطلب تتبع موضوعاته وقضاياه، تِبعًا لرؤى منهجية تأخذ بمقتضيات ما عليه المعرفة العلمية اليوم، طمعًا في إغناء المعرفة الدينية وإثرائها، فالله جلَّ وعلا ضرب للناس الأمثال في القرآن ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ و﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وذوو العلم هم من يعقل الأمثال التي ضرب الله للناس في كتابه قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)﴾ (العنكبوت) قال تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)﴾ (إبراهيم) قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾ (الحشر).
اعتاد عموم الناس بما ترسَّخ في أذهانهم بأن عملية تدبُّر وفهم مغزى ومقصد القرآن الكريم في مجمله أو في بعض من آياته وسوره، تستوجب العكوف على قراءة عشرات المجلدات، إن لم نقل المئات من كتب التفسير التي ألفها كبار العلماء تبعًا لمقتضيات أزمنتهم، وهم مشكورون على ذلك، وهناك من يعتمد على تفسير مُفسِّر واحد بعينه، لاعتبارات مدرسية أو مذهبية أو طائفية…، فالنادر والقليل من الناس اليوم هم من يخوضون غمار الفهم والتدبر والحوار المباشر بينهم وبين القرآن الكريم، بمعزل عمَّا قال به كبار المفسرين وغيرهم، اعتمادًا منهم على ما أوتوا من علم ومن قدرات معرفية وفكرية. فالمشكلة اليوم ليست مشكلة المفسرين والتراث التفسيري للقرآن الكريم بقدر ما هي مشكلة الوقوف عند ما قال به المفسرون في فهمهم لهذه القضية أو تلك، بمعزل عن استثمار اجتهاداتهم في عملية فهم وتدبر القرآن الكريم تبعًا لرُوح العصر، وقد ترتب على هذه المشكلة تحول مجمل التفاسير إلى حاجب يحجب الناس عن رُوح القرآن الكريم ومعانيه المتجددة، بدل أن يكون لها دورٌ تقريبيٌ في تفعيل عملية الفهم والتأويل.
فموضوع فهم القرآن وتدبُّره في تقدرينا، لا ينبغي أن يدور في دائرة الكم من الأخبار والأثر والأقوال المتعددة والمتنوعة بتعدد وتنوع أصحابها تبعًا لتعدد وتنوع خلفياتهم المذهبية والثقافية…، بمعزل عن الكيف. والكيف يقتضي تمحيص ونقد وتحليل ما قال به المتقدمون، وعدم الوقوف عند ما ذهبوا إليه بالقول بمقاربات وإضافات علمية تستجيب لمقتضيات الزمن الحاضر، صحيح يكون المطلب الكمي في غاية الأهمية، ولكنه يفقد قيمته عندما لا يكون كيفيًا. ولهذا، فمن بين نقط قصور التفاسير القديمة، كون اللاحق منها يعتمد ويكرر ما جاء في السابق منها إلى درجة التطابق في القول والمعنى والتعبير أحيانا، وهذا ما جعل منها كُتبًا وتفاسيرَ كمية تشمل كثيرًا من القضايا ووجهات النظر المتعارضة فيما بينها أحيانًا، وتشمل في الوقت ذاته كثيرًا من النُقط المشرقة والمضيئة.
والحقيقة أن التراث التفسيري في الثقافة الإسلامية إجمالًا، أو بطريقة يرتبط بعلم من الأعلام، يحتاج إلى دراسات تحليلية ونقدية يكشف من خلالها عن طبيعة الخلفيات الثقافية التي تكمن من وراء أي مفسر، ومدى انسجام أقواله وآرائه مع السياق الكلّي لآيات القرآن الكريم؟ وما هي الأقوال التي يمكن أن نحتفظ بها تبعًا لمحيطنا الثقافي الذي نحياه اليوم؟ وما هي الأقوال التي ينبغي الإعراض عنها بالكامل؟ وإلى غير ذلك من الأسئلة العلمية. أما التعاطي مع مجمل التراث التفسيري بوصفه معطىً مكتملًا، سواء كان ذلك بوعي أو دون وعي، فهو أمر لا يليق بمقام القرآن من جهة، ولا يليق بمقام الإنسان من جهة أخرى.
وعليه، فموضوع فهم القرآن ينبغي أن يُأخذ منحىً آخرَ بمعزل عن الطريقة التي ترى في التكرار والكم طريقًا للفهم بدلًا عن الكيف، فجلّ المفسرين فسروا القرآن في أجزاء ومجلدات كبيرة الحجم، بينما القرآن لا يتجاوز عدد كلماته 77437، وآياته لم تتجاوز6236 آية. فمثلا نجد تفسير “جامع البيان في تأويل القرآن” لمحمد بن جرير الطبري (توفي 310 هـ / 923م) يضمُّ 24 جزءًا، فتفسير “التحرير والتنوير” لصاحبه الطاهر بن عاشور (توفي1973م) يضمُّ 30 جزءًا، والمسألة اليوم هي مسألة منهج وكيف أولًا، قبل أن تكون مسألة كم، فالسؤال الذي ينبغي التقرير فيه اليوم من لَّدُنِ الدارسين والمختصين يدور في فلك المعرفة المعاصرة وسؤال فهم القرآن الكريم وقراءته.
وليس القصد هنا على الإطلاق، أنْ نُقلِّلَ من قيمة ومكانة التفسير والمدونة التفسيرية الكبيرة في الثقافة الإسلامية، إذ ليس هناك كتابٌ حظيَ بالكتابة عنه وبالعمل على فهمه لزمن طويل حتى هذه اللحظة أكثر من كتاب القرآن الكريم، فالسعي في فهم القرآن وتفسيره “علم كُلي يمتد بقدر امتداد العقل البشري ووعيه وطموحاته، فهو لا يعالج جزئية معنية من قضايا الوجود والموجودات، وإنما يتميز بنظرة كُلية تشمل كافة عناصر الوجود البانية للعمران البشري والمُزَكِّيَةُ للإنسان، فهو إذن عبارة عن أطروحة مكتملة إزاء الحياة، وتفكير واعٍ في العالم –كل العالم- وغرضه وقيمته”[22].
معنى التأويل في القرآن
نحن هنا لسنا بصدد الكشف عن تعريفات وتصورات المتقدمين لموضوع التأويل، بقدر ما يهمنا أكثر أن نقترب أكثر من دلالة مادة مفردة “تأويل” من خلال البنائية القرآنية، فهي واردة في سورة الكهف التي أخبرتنا بقصة موسى والعبد الصالح، وكذلك في سورة يوسف التي أخبرتنا بقصة نبي الله، وكذلك في سورة آل عمران في الآية 7 منها التي سنتوقف عندها بالقراءة والتحليل.[23]
اتخذ موسى عليه السلام لنفسه صُحْبَةَ عبدٍ من عباد الله، آتاه الله رحمة وعلمه من لدنه علمًا. وكان هدف موسى أن يتعلم مما علمه الله لعبده، فاشترط العبد على موسى ألا يسأله عن شيء، حتى يُحْدِثَ له منه ذكرا. فلما انطلقا لم يستطع موسى الصبر، ويؤجل أسئلته الآنية إلى وقت لاحق.[24]
إذ لما خرق العبد السفينة التي يركبها أهلها قال له موسى: “أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا”.[25]
ولما أقدم العبد الصالح على قتل الغلام قال له موسى: “أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا”[26]. ولما بَنى العبد الحائط الذي كاد أن ينقضَّ في القرية التي طلبوا الطعام من أهلها فأبوا إطعامهما، قال له موسى: “لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا”.[27]
وفي كل حدث كان العبد الصالح مُحذرًا لموسى بأنه لن يستطيع معه صبرًا نتيجة أسئلته الآنيّة المستعجلة الجواب والتي ترى الأحداث في ظاهرها بمعزل عن باطنها وما ستؤول إليه، وهذا هو سبب فراقهما، وقبل فراقهما ما كان من العبد الصالح إلا أن يخبر موسى بتأويل ما لم يستطع عليه صبرًا، أي بالوقوع المستقبلي لكل ما أقدم عليه من خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار.
قال تعالى: “قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا”[28]، فالوقوع المستقبلي للسفينة التي خرقها العبد الصالح هو قوله تعالى: “أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا”[29]، أي أن السفينة سيؤول أمرها إلى هذا الوضع ويقع عليه. فبسبب خرقه لها، تبقى في ملك أصحابها ولا يغصبها الملك منهم.
إقرأ أيضًا: في نقد الكهنوت: مناقشة حول المؤسسة الدينية
أما الغلام لو لم يقتله العبد لآل أمره إلى إرهاق أبويه طغيانًا وكفرًا، أي ستقع حالة أمره على هذه الحالة التي خشيها العبد فقتله، وأما الجدار الذي بناه دون أن يأخذ عليه أجرًا، فوقوع أمره هو حفظ كنز في أسفله لغلامين يتيمين في المدينة حتى يبلغ أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من الله، قال تعالى: “وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)”.[30]
ويؤكد العبد الصالح أنه لم يقبل على كل هذا انطلاقا من ذاته، بل لما علمه الله من رحمته ومن علمه سبحانه، أي القدرة على التنبؤ وإدراك ما ستؤول إليه عديدٌ من الأمور والأحداث وما ستقع عليه قال تعالى: “وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا”.[31]
- يتضح مما سبق، أن السياق الذي وردت فيه مفردة تأويل في سورة الكهف، يُفيد أن التأويل يعني ما يؤول إليه الأمر وما يعود إليه.
بعد أن رفع يُوسف عليه السلام أبويه على العرش، وخرّا له سجدًا كان قوله: هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا، أي وقوع رؤياه التي رآها في المنام، وهو في الصغر وأخبر بها أباه، قال تعالى: “إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ”.[32] قال تعالى: “وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا”.[33] فالله سبحانه وتعالى آتاه من الملك وعلمه من تأويل الأحاديث، القراءة المستقبلية للوقائع والأحداث قال تعالى: “رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ”[34] وقال تعالى: “وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ”،[35] وقال تعالى: “وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ”.[36]
فلما رأى الملك الذي كان لديه يوسف، رؤياه التي مفادها سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، احتار في أمره، إذ لا علم له بتأويل هذه الرؤيا، فما كان له إلا أن يطلب من قومه أن يفتوه في رؤياه ولا أحد له القدرة على ذلك. فلما استفتوا يوسف في رؤيا الملك أخبرهم بما سيقع في القريب وبما سيؤول إليه الأمر، وذلك أنهم سيزرعون سبع سنين تعود عليهم بالنفع الكثير، ويجب أن يدخروا كثيرًا مما حصدوه للسنين السبع الموالية، والتي لا حصاد فيها إلا ما اذخروه من قبل، وبعدها يأتي عام فيه يغاث الناس، (أنظر سورة يوسف، الآيات: من 43 إلى49)
إن ما أخبر به يوسف هو ما تحقق في الوقع، إذ أشرف هو بنفسه على خزائن الأرض، فهو الحفيظ والرقيب عليها، قال تعالى: “وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57)”.[37]
وقبل هذا، عندما كان في السجن داخل قصر الملك، قال أحد الفتيين اللذين دخلا معه السجن: “إني أراني أعصر خمرا” وقال الآخر: “إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه”. وكان طلبهم من يوسف أن يخبرهم بما سيقع في مستقبلهم، وإلى أية حالة يؤول أمرهم، فقال للأول أنه سينجو من السجن وبعده سيسقي الملك خمرًا، وطلب منه أن يذكره عند الملك لكن الشيطان أنساه ذلك. أما الآخر، فمصيره أنه سيصلب وتأكل الطير منه، وهذا ما آل إليه الأمر، ووقع عليه. (أنظر: سورة يوسف الآيات 36 و41-42)
- يتضح مما سبق، أن السياق الذي وردت فيه مفردة تأويل في سورة يوسف يُفيد بأن التأويل يعني ما يؤول إليه الأمر وما يعود إليه.
وفي سورة النساء: فبعدما أمرنا الله أن نؤدي الأمانات إلى أهلها وأن نحكم بين الناس بالعدل وأن نطيع الله ورسوله، وأولي الأمر منا، وإن تنازعنا في شيء نرده إلى الله والرسول، كان قوله تعالى: “ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا”،[38] بمعنى أن حالة أمرنا من الأحسن أن تقع وفق ما أمرنا به وهذا أحسن الوقوع. وكذلك هو الأمر في سورة الإسراء، بعد نهيه سبحانه ألا نقتل أولادنا خشية إملاق وألا نقرب الزنا وألا نقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وألا نقترب من مال اليتيم حتى يبلغ أشده، وأن نوفي بالعهد وأن نوفي الكيل، جاء قوله تعالى: “خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا”[39] بمعنى إذا وقعت أفعالنا وآلت إلى هذه الحالة التي أمرنا بها، فهذا هو الخير وأحسن الوقوع. كما أن القرآن الكريم أخبرنا إلى ما ستؤول إليه حالة هذه الدنيا التي نحياها، وأخبرنا بوقوع يوم القيامة ويوم البعث ويوم الحساب، وغير ذلك من أمور المستقبل المتصلة بمصير الكون والإنسان والوجود بأكمله التي لا علم لنا بها إلا ما أخبرنا به سبحانه عن طريق أنبيائه عليهم السلام.
ولا يعلم زمن ولحظة وقوع يوم البعث والحساب إلا هو سبحانه، إلا أن البعض من الناس، إما لجحودهم أو لعُجَاِلةٍ من أمرهم، أو لتكذيبهم بما لم يحيطوا به علمًا، نسوا ما جاءهم من الكتاب وما أخبرتهم به الأنبياء والرسل، ويستعجلون وقوع ما أُخبروا به، لكن يوم يأتي وقوع – تأويل- ما أخبروا به يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء ليشفعوا لنا قال تعالى: “وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53)”[40] وقال تعالى: “بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ”.[41]
في الوقت الذي لم تُذْكَر فيه مفردة تفسير في القرآن الكريم إلا مرة واحدة منسوبة إلى الله جل وعلا، وردت مفردة تأويل مرات عدة مقرونة في سورة الكهف بالفعل الإنساني في شخص العبد الصالح، ومقرونة بنبي الله يوسف ومقرونة كذلك بما ينبغي أن يكون عليه حال الناس في اقترابهم من مال اليتيم وغير ذلك، وهذا يعني أن موضوع التأويل موضوع يتصل بالناس في نظرتهم إلى الحياة والوجود.
تفسير الآية 7 من سورة آل عمران
3- خلاصة في فهم المفسرين للآية السابعة من سورة آل عمران
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9) ﴾ (آل عمران)
بعودتنا إلى المدونة التفسيرية للقرآن الكريم، والتي تضم عديدًا من كتب التفسير التي يَتَعَذَّرُ حصرها، إلا ما اشتهر منها وذاع صيته لاعتبارات علمية وثقافية أو سياسية أو مذهبية وما شابه ذلك، أورد أبو جعفر الطبري (توفي310ه/923مـ) في الكتاب: تفسير جامع البيان في تأويل القرآن قوله: “المُحكم من آي القرآن، ما عرف العلماءُ تأويله، وفهموا معناه وتفسيره، والمُتشابه: ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، مما استأثر الله بعلمه دون خلقه“[42]
نجد أبا الحسن علي بن محمد، الشهير بالماوردي في قرن. 5 الهجري و11 الميلادي (توفي450ه/ 1058م)، صاحب كتاب “تفسير النكت والعيون” يَعُدُّ لنا اختلافات المفسرين في فهمهم للآية 7 من سورة آل عمران قوله: “{مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} اختلف المفسرون في تأويله على سبعة أقاويل:
- أحدها: أن المُحكم الناسخ، والمُتشابه المنسوخ
- الثاني: أن المُحكم ما أحكم الله بيان حلاله وحرامه فلم تشتبه معانيه
- الثالث: أن المُحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهًا واحدًا ، والمُتشابه ما احتمل أوجهًا
- الرابع: أن المُحكم الذي لم تتكرر ألفاظه، والمُتشابه الذي تكررت ألفاظه
- الخامس: أن المُحكم الفرائض والوعد والوعيد، والمُتشابه القصص والأمثال
- السادس: أن المُحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره، والمُتشابه ما لم يكن إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه، مثل: قيام الساعة، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج عيسى ونحوه
- والسابع: أن المُحكم ما قام بنفسه ولم يحتاج إلى استدلال…
{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ} فيه ثلاثة أقاويل:
- أحدها: تأويل جميع المُتشابه، لأن فيه ما يعلمه الناس، وفيه ما لا يعلمه إلا الله
- والثاني: أن تأويله يوم القيامة لما فيه من الوعد والوعيد، كما قال الله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَومَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف: 53] يعني يوم القيامة
- والثالث: تأويله وقت حلوله”.[43]
وأورد أبو الثناء الألوسي (توفي 1270هـ/ 1854م) في كتابه تفسير روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني قوله: المُتشابه الخفي الذي لا يدرك معناه عقلًا ولا نقلًا، وهو ما استأثر الله تعالى بعلمه مثل: قيام الساعة والحروف المُقَطَّعَةِ في أوائل السور.[44] ويرى الشوكاني (توفي 1255 هـ/1839م) في كتاب تفسير فتح القدير، بأن العلماء اختلفوا “في تفسير المحكمات والمتشابهات على أقوال، فقيل: إن المُحكم: ما عُرِفَ تأويله، وفُهِمَ معناه، وتفسيره. والمُتشابه: ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل…[45]
التمعن في أقوال المفسرين واختلافهم بشأن تحديد مفهوم المُحكم ومفهوم المُتشابه، والتي لا يسمح المجال لعرضها كلها، يقودنا إلى القول بأن اختلافاتهم تلك في ماهية المُحكم والمُتشابه وغيرها، قد شَوَّشَت على فهمهم وتصوراتهم لموضوع التأويل، فالمحكم عند المفسرين هو ما يُمكن معرفته وإدراكه والإحاطة به، فهو لا يحتمل التأويل إلا من وجه واحد، بينما المُتشابه هو ما يصعب أو يتعذر معرفته كليًا، كونه يحتمل التأويل من وجوه متعددة، وتعدد وجوه تأويله هذه خلقت مشكلة عند المفسرين، فالذين تنطوي قلوبهم على الزيغ بهدف بَثِّ الفتنة ونشرها بين الناس، يتبعون المُتشابه من القرآن ابتغاء تأويله، فابتغاء تأويل المُتشابه والسعي نحوه، في نظر المفسرين وغيرهم يُعَدُّ بابًا غير موثوق به، وتبعًا لهذا الفهم سارت مفردة “التأويل” تُثير الفزع والخوف والريبة على العكس من مفردة “التفسير”، والحقيقة أن المفسرين المتقدمين الأوائل ليس لهم موقفًا سلبيًا من موضوع التأويل، إذ منهم من جعله مرادفًا للتفسير، على رأسهم أبو جعفر الطبري في القرن 4 الهجري، الذي جعل من مفردة التأويل عنوانًا لكتابه المعنون بـتفسير “جامع البيان في تأويل القرآن”.
خاتمة
في الجزء الثاني من هذه الدراسة سنقف عند قراءة وتتبع الآية السابعة وما تلاها من الآيات من سورة آل عمران، فمن المعلوم أن فهم هذه الآية بُني عليه كثيرًا من التصورات والرؤى في الثقافة الإسلامية، فيما يخص مفهوم المُحكم ومفهوم المُتشابه ومفهوم الآيات المتشابهات ومفهوم الآيات المحكمات أم الكتاب، ولا شك أن تتبع وتحليل هذه المفاهيم، وفق مختلف سياقاتها داخل البنائية القرآنية، ستُبنى عليه تصورات مخالفة لما هو مُتداول.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والمراجع:
[2] توشيهيكو إيزوتسو: الله والإنسان في القرآن، ترجمة هلال محمد الجهاد، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2007م، ص 56.
[3] مرشال هو دجسون: مغامرة الإسلام الضمير والتاريخ في حضارة عالمية، ترجمة أسامة غاوجي، الشبكة العربية للنشر، ج.1، ط.1،2011م. ص.309.
[4] عالم سبيط النيلي، النظام القرآني، مقدمة في المنهج اللفظي، دار المحجة البيضاء، بيروت، لبنان، ط.1، 2006م، ، ص 5
[5] نفسه، ص 6
[6] أبو القاسم حاج حمد محمد، منهجية القرآن المعرفية، ط.1، دار الهادي، 2003م، ص.35
[7] الواقعة/ 75-80
[8] نفسه، دراز عبد الله، النبأ العظيم، دار القلم الكويت، ط.6، سنة 1984م، 1405هـ، ص – ص. 93-96 (بتصرف).
[9] شحرور محمد، تجفيف منابع الإرهاب، دار الأهالي، دمشق، سويا، ط،1، 2008م، ص. 32
[10] النبأ العظيم، م. س. ص. 155 (بتصرف).
[11] نفسه، ص 13
[12] أنظر: َظْمُ القُرْآنِ قراءةٌ جديدةٌ فِي تَجَانُسِ إيقاعِهِ وَتَلَاحُمِ بِنَائِهِ، لجوهر محمد داوود، صدر عن دار مؤمنون بلا حدود، الشارقة، بيروت، 2022م
[13] طه حسين، مرآة الإسلام، مؤسسة هنداوي، 2017م، ص. 75
[14] أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات، ج. 3، دار المعرفة، بيروت، لبنان، د.ت. ط.، ص. 420
[15] أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي (المتوفى: 745هـ): البحر المحيط في التفسير، صدقي محمد جميل، دار الفكر – بيروت، ط. (د. العدد) 1420هـ، ج.1، ص.26.
[16] جمال الدين ابن منظور الأنصاري: لسان العرب، دار صادر، بيروت-لبنان، ط.3، 1414هـ، ج.12، ص68.
[17] المرجع نفسه، ج1، ص55.
[18] محمد عبد العظيم الزُّرْقاني (-1367هـ): مناهل العرفان في علوم القرآن، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، ط.3، ج.2، ص.11.
[19] انظر كتابنا: منهج التصديق والهيمنة في القرآن الكريم: سورة البقرة أنموذجًا، دار مؤمنون بلا حدود، بيروت-لبنان، ط1، 2017م.
[20] قال تعالى: “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)”(النساء) قال تعالى: ” أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)”(محمد).
[21] قال تعالى: ” وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)”(الفرقان) قال تعالى: ” وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4)”(المزمل).
[22] أحمد ذيب: أصول التفسير وسؤال المنهج، نماء للبحوث والدراسات، القاهرة-بيروت، ط.1، 2023م، ص.67
[23] خصصت الباحثة المغربية، فريدة زمرد، لهذا الموضوع دراسة اصطلاحية شاملة، تحت عنوان: “مفهوم التأويل في القرآن الكريم، دراسة مصطلحية، منشورات، مركز الدراسات القرآنية، الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط، المغرب، ط.1،2013م ” وقد خلصت بأن “التأويل في الاصطلاح القرآني: هو ما يصير إليه القول أو الفعل من عاقبة وتحقق في عالمي الغيب أو الشهادة”.
[24] ” فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70)” (الكهف)
[25] الكهف/ 71
[26] الكهف/ 74
[27] الكهف/ 77
[28] الكهف/ 78
[29] الكهف/79
[30] الكهف/ 80-82
[31] الكهف/ 82
[32] يوسف/ 4
[33] يوسف/ 100
[34] يوسف/101
[35] يوسف/ 6
[36] يوسف/ 21
[37] يوسف/ 54-57
[38] النساء/ 59
[39] الإسراء/ 35
[40] الأعراف/ 52-53
[41] يونس/ 29
[42] محمد بن جرير أبو جعفر الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق، أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة ط.1، 2000م، ج.6، ص. 180
[43] أبو الحسن علي بن محمد الماوردي (- 450هـ) ، تفسير النكت والعيون، تحقيق، السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ج.1 (د. ت. ط) ص. 369 – 371 (بتصرف)
[44] شهاب الدين الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني (-1270هـ) تحقيق، علي عبد الباري عطية، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط.1، 1415 هـ، ج.2،ص.80
[45] فتح القدير: محمد بن علي الشوكاني اليمني (-1250هـ) ، دار ابن كثير، دار الكلم الطيب – دمشق، بيروت، ط.1، 1414 هـ، ج.1، ص.360