تكوين
- الأبوكاليبس وعصر ما بعد الإنسان…
بداية يُحيلنا العُنوان المُقترح، الأبوكاليبس، إلى عوالم الديانات، ونهاية العالم وفق المنظورات الدينية التوحيدية، خاصة مع الديانة المسيحية، ولكن حينما نُضيف إليه الجانب المعرفي، فيصبح حينذاك شيئًا آخرَ، يُحيل إلى نهاية من نوع مختلف كما أشار إلى ذلك صاحب كتاب الأبوكاليبس المعرفي وهو الفرنسي “جيرالد برونر”. وإذا كانت النهاية في الأدبيات الدينية تعني دمار العالم الواقعي، فإن الأبوكاليبس المعرفي هو نهاية عالم النظام المعرفي الثابت والصارم، وبداية عالم الفوضى والسيولة كما سنراه لاحقًا. ولعل استلهام مفهوم الأبوكاليبس للدلالة على نهاية المعرفة بصيغتها القديمة، يُعطي دلالة واضحة على نوع العالم المعرفي الذي نعيشه ونتحداه ونواجه مخاطره. خاصة أن الأبوكاليبس كما تجلى في المسيحية، يُوحي بالخراب والدمار والمأساوية.[1]
تُحيلنا عوالم التِقْنية والمعرفة وفائض المعلومات اليوم إلى أزمة إنسانية مُستعصية على الفهم، على الرغم مما يُمكن تحصيله من هذه الثورة الرَقْمية هنا وهناك، ولعل أهم ما يُواجه الإنسانية اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي، هو أنها تخلق لنا في الجانب الآخر، أو في الجهة المقابلة غباءً واتكاليةً، وصعوبةً في المواكبة والفهم والتحليل. هذا الواقع الإنساني لم يَعُدْ عائقًا، أو مطبات على طريق المعرفة والتنوير الفكري فحسب، وإنما أصبح جزءًا لا يتجزأ من المنظومة الأرضية، بل خطرًا يتهددُ الوجود البشري نفسه، حين يغيب العقل، والإبداع، والفن، والكتابة بوصفها أجزاءً أصيلة من تركيبة الإنسان، ويحضر في المقابل الذكاء الاصطناعي، ومواقع التواصل الاجتماعي، وسوق المعلومات غير المنضبط، والمتجاوز لمفهوم الإنسان نفسه.
هل نحن أمام انقلاب مفاهيمي يُهددُ الوجود الإنساني نفسه؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون نوعًا من التهويل الفكري والخوف الطبيعي من انتزاع السيادة من الكائن الإنساني، ووضعها من جديد في قلب الآلة والتِقْنية؟
فوكو واختفاء مفهوم الإنسان:
تُحيلنا هذه الأسئلة بدورها إلى فكرة “ميشال فوكو“، والقاضية بتغير مفهوم الإنسان كما هو مُتعارف عليه اليوم في المستقبل. وقد كانت هذه الفكرة تُشير إلى أن مفهوم الإنسان أو فترة الإنسان، هي مرحلة تاريخية محدودة، ربما تبدأ من العصور الحديثة، ومرتبطة بتحولات كبيرة في التصورات عن المعرفة والوعي. ويعود السبب في ذلك إلى تطور الأنظمة المعرفية، مثل تطور علوم الإنسان، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، التي بدأت تُشكِّكُ في المركزية الإنسانية وترتبط بطريقة أكبر مع الأنظمة التكنولوجية والعلمية الحديثة. هذا ما أشارت إليه “بنشيخة أم الزين”[2] وهي تتدارس هذا المفهوم عند “ميشال فوكو”، لأن التفكير بالإنسان ليس مسألة عرضية أو ثانوية، بل تحتاج منا عُمقًا أكبر، وفهمًا أوضحَ لتاريخ كائن ما يزالُ يحتل الصدارة في أهميته، والمآلات الناتجة عن فكره وثقافته وتاريخه. ولعل أبرز الفلاسفة الذين أطلقوا صرخات مفاهيمية تُعيد النظر في الإنسان نجد “ميشيل فوكو”، الذي طرح في كتابه “الكلمات والأشياء” الفكرة القائلة بأن “الإنسان اختراع حديث وأنه قد ينتهي قريبًا”. هذه الجملة القصيرة، تضعنا أمام إشكاليات كبيرة، أو لنقل أسئلة عميقة بعمق التاريخ الإنساني، خاصة أن هناك من يرى بأن مفهوم الإنسان هو صناعة غربية بامتياز. الإنسان وفق هذا الطرح الفكري الذي يستلهم من الفلسفة الفوكوية، هو جزءٌ لا يتجزأ من تاريخ الفلسفة الحديثة منذ أن طرحه “إيمانويل كانط” بوصفه مسألةً أساسية في أسئلته الأربعة الكبرى، التي اختصرها وجلَّى معانيها “جون فرانسوا دورتييه” في كتاب جامع لمن أراد الفهم أكثر[3].
بالعودة إلى فكرة “فوكو” التي تناول فيها مفهوم الإنسان، يُمكننا أن نستعير هنا أسئلة “بنشيخة أم الزين”[4]:
هل لا يزالُ هذا الإنسان قائمًا في عصر العولمة والسوق التي حولت كل شيء إلى سلعة؟ هل يبقى الإنسان الكانطي قادرًا على الوقوف أمام تحديات النزعات اللا إنسانية وما بعد الإنسانية؟ هل إنسان “كانط” هو النموذج الوحيد للبشرية؟
الإنسانُ كائنٌ مأزوم:
تأخذنا قراءة “ميشيل فوكو” لظهور مفهوم الإنسان في العصر الحديث إلى فهم عميق لما تعنيه الأسئلة الكبرى عن الإنسان ومصيره. “فوكو” لا يرى الإنسان كِيانًا أصيلًا وثابتًا عبر التاريخ، بل نتاجًا لتحولات معرفية كوَّنت الثقافة الغربية الحديثة. فقد رسم “فوكو” ثلاث لحظات إبستمولوجية مفصلية: الأولى، هي عصر النهضة الذي قامت معرفته على مبدأ التشابه، ثم العصر الكلاسيكي الذي بنى رؤيته على التمثيل، وأخيرًا العصر الحديث، حيث صار الإنسان نفسه موضوعًا للمعرفة والتحليل. في هذه المرحلة الأخيرة، لم يَعُدْ الإنسان ذاتًا ميتافيزيقية أو كائنًا مركزيًّا، بل غدا موضوعًا لعلوم جديدة مثل البيولوجيا واللسانيات والاقتصاد. فالإنسان الحديث في نظر “فوكو” هو كائن خاضع لشبكة من الخطابات، إذ يُعَرَّفُ من خلال: جسده، ولغته، وعمله. بتعبير آخر، الإنسان ليس سوى نقطة تقاطع بين قوى معرفية متعدّدة، ما يجعل وجوده مشروطًا ومحدودًا بما تسمح به هذه العلوم.
هكذا، يظهر الإنسان بوصفه كائنًا مأزومًا، تائهًا بين عناصره البنيوية: الجسد، اللغة، والإنتاج. فهو لم يَعُدْ مركزَ العالم أو أساس الحقيقة كما كان قديمًا، خاصة في الميثولوجيات الدينية التي جعلته خليفة الله أو كائنًا على صورة الله، أو مخلوقًا من طينة خاصة ترتقي به أمام كل الموجودات. بل أصبح نتاجًا عرضيًا لنسق معرفي معيَّن. من هنا يطرح “فوكو” سؤالًا صادمًا يحمل شيئًا من السخرية الفلسفية: هل ينبغي لنا أن نتوقف عن التفكير في الإنسان؟ سؤالٌ يبدو غارقًا في التهكم والسخرية، ولكن مع التأمل والتفكر يبدو أنه سؤال ملح وذو وجاهة علمية وفكرية، وربما إنسانية. خاصة أن مع التطور المعرفي الحالي -الذي أصبحت فيه المعرفة سلطة مستقلة، وصار مفهوم الإنسان داخل دوائر هذا الفراغ القاتل محض وظيفة ضمن منظومة من الخطابات- فإن علينا تجاوز الصورة التقليدية للإنسان التي صاغتها الفلسفة الغربية الحديثة. فبهذا المعنى، لم يَعُدْ الإنسان إلَّا اختراعًا ثقافيًّا، أو فكرةً أفرزتها لحظة معينة في التاريخ المعرفي. ومع تآكل هذه اللحظة وتراجع أنظمتها، قد يكون من الضروري إعادة النظر في كينونة الإنسان وموقعه. وقد لا نتحدث هنا عن نهاية الإنسان بالمفهوم المادي، بل عن فتح باب جديد للتفكير فيه، بمنأى عن التصورات التي حكمته طيلة قرون، وتحت ضغط أسئلة فلسفية جديدة تفرضها تحولات عصرنا.
هنا فنحن نتحدث عن ما يُسمى بالسيولة وعلاقتها بمفهوم الإنسان نفسه، ذلك المفهوم الذي يُعَدُّ إفرازًا وتجليًا لما بعد الحداثة، هذا التوجه الفلسفي الذي أخذ على عاتقه نقد الإنسية الحديثة كما يقول “لوك فيري”[5] ، وإذا كانت الحداثة قد قامت على أفكار الإنسية والنهضة والعقل، فإن مفكري ما بعد الحداثة قد جعلوا نُصْبَ أعينهم نقد أهم الأفكار التي قامت عليها فكرة الحداثة، ولعل أهمها نقد الفكرة القائلة بمركزية الإنسان الأخلاقية والسياسية، ثم نقد فكرة العقل بوصفه قوة محررة، وأننا بفضل الأنوار سنكون أكثر تحررًا، وأكثر سعادة.
-
الأبوكاليبس المعرفي[6]: جيرالد برونر، مُفككًا الفوضى المعرفية المعاصرة
صدَرَ كتاب “نهاية العالم المعرفية (Apocalypse cognitive) لعالم الاجتماع الفرنسي “جيرالد برونر” عام 2021، وسط جدل متنامٍ بشأن أثر الوسائط الرَقْمية في الإدراك الجمعي. ويندرج الكتاب ضمن اهتمامات “برونر” الطويلة بعلاقة المجتمع بالمعرفة، التي تنطلق من فرضية أن العصر الرَقْمي قد أحدث “فوضى معرفية”، بسبب تحرير غير مسبوق لـ “زمن الدماغ المتاح”، وانتقال المبادرة من حراس البوابة التقليديين (مثل: الخبراء والصحفيين) إلى جمهور غير متخصص. وقد تجلَّت أطروحة “برونر” في أن هناك “سوقًا معرفيًّا” بات يخضع لمنطق التنافس الحر بين جميع الأفكار، دون تنظيم عقلاني، ما جعل الأفكار الشعبوية والخرافية والمؤامراتية تنافس بجدارة الأفكار العلمية والمنهجية، بل وتتفوق عليها أحيانًا.
من هنا سنعرض هذه الرؤية لندرك مدى الحاجة الملحة إليها، وأيضًا للتذكير والتنبيه إلى تداعياتها على الحقل الفكري والثقافي لعالم اليوم. وهي قراءة تروم تحليل معالم هذه النظرية كما عرضها “برونر” في كتابه، مع التوقف عند أبرز مفاهيمها، وموقعها ضمن السياق المعرفي والفكري المعاصر.
لكن بداية من هو جيرالد برونر؟
“جيرالد برونر”، في نهاية عقده الخامس، يُعَدُّ من أبرز علماء الاجتماع الفرنسيين المعاصرين. وهو مُقرَّبٌ من الراحل “ريمون بودون”، وله فضل في البرهنة على أن علم الاجتماع لا يجب أن يقترن حتمًا بالماركسية. كتب منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي ما يزيد عن اثني عشر كتابًا، ويشغلُ منصبَ أستاذ في جامعة باريس، وهو عضو في الأكاديمية الوطنية للطب، وكذلك في أكاديمية التكنولوجيا. حقَّقت كتاباتهُ نجاحًا ملحوظًا، ولم يخرج كتابه الأخير عن هذا السياق، بل على العكس، فقد حاز نهاية العالم المعرفية (Apocalypse cognitive) على جائزة (Aujourd’hui) المرموقة، وهي الجائزة التي سبق أن نالها كلًا من “ريمون آرون” و”جان-فرانسوا ريفيل”.
كما يُقدَّم “جيرالد برونر” بوصفه “السوسيولوجي المقرَّب من السلطة”، وهو أمر أثار كثيرًا من الجدل. ففي عام 2021، عيَّنهُ الرئيس “ماكرون” على رأس لجنة “الأنوار في العصر الرَقْمي”، المكلَّفة بتقديم مقترحات في مجالات: التعليم، والتنظيم، ومحاربة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة. وتتمثلُ مهمة اللجنة في قياس المخاطر التي يطرحها العصر الرَقْمي على التماسك الوطني وعلى مؤسساتنا، وصياغة مقترحات لمواجهتها. ولعلَّ المكانة العلمية للكاتب، مقرونة بصدور كتاب نهاية العالم المعرفية في مطلع عام 2021، هي التي دفعت رئيس الجمهورية إلى تعيينه رئيسًا لهذه اللجنة. من هنا تكتسي دراسة هذا الكتاب أهمية خاصة. أما الأطروحة المركزية لـ “جيرالد برونر”، فقد أصبحت معروفة اليوم، وقد شرحها في عديدٍ من المقالات والمقابلات الصحفية.[7]
مفهوم السوق المعرفي ودلالة “النهاية“
في كتابه “نهاية العالم المعرفية ” (Apocalypse Cognitive)، يقدِّمُ الفيلسوف وعالم الاجتماع “جيرالد برونر” تحليلًا عميقًا للتحولات الكبيرة التي يشهدها عالم المعرفة في العصر الحديث. إذ يتعامل الكتاب مع موضوعات متشابكة مثل: انهيار الأنظمة المعرفية التقليدية، وتراجع الأنماط الفلسفية القديمة، وتطور “السوق المعرفي” الذي أصبح سمة مميزة للعصر الرَقْمي. من خلال هذا التحليل، يتناول “برونر” دلالة “النهاية” التي لم تَعُدْ مفردةً تُشير إلى نهاية العالم المادي فحسب، وإنما إلى تغيرات جذرية في طريقة التفكير وفهم الواقع.
“السوق المعرفي” هو مصطلح يُعَبِّرُ عن النظام المعرفي الحديث الذي يُسيطر عليه التفاعل التجاري والتبادل الحر للأفكار. في الماضي، كان هناك نوعٌ من الهيمنة للمعرفة التي تتبع مؤسسات محددة مثل: الجامعات، والمراكز الفكرية، والعلماء التقليديين. لكن مع تطور وسائل الإعلام الرَقْمية والإنترنت، أصبح بإمكان أي فرد أو جهة أن تصبح مُنْتِجًا للمعرفة ومُوَزِّعًا لها في الوقت نفسه. في هذا السياق، يظهر “السوق المعرفي” بوصفه مجالًا مفتوحًا، تتنافس فيه الأفكار والمعارف في معركة من أجل البقاء والانتشار.
يُشير “برونر” إلى أن هذا السوق يختلف عن الأنظمة المعرفية السابقة التي كانت تحكمها سلطة المؤسسات الأكاديمية أو الدين. في السوق المعرفي، أصبحت المعلومات قابلة للشراء والبيع والمبادلة بسرعة. فهي تتدفق عبر منصات متعددة، مما يسمح للأفراد بانتقاء ما يتوافق مع أفكارهم ومعتقداتهم. هذه البيئة الجديدة تؤدي إلى تراجع للنقد العقلاني العميق، إذ يُنْظَرُ إلى المعلومات بطريقة انتقائية وتُستهلك بوصفها سلعة.
أما عن مصطلح الأبوكاليبس في العنوان، فلا يقصد “برونر” بـ “النهاية” النهاية الفيزيائية للعالم، بل النهاية هنا مرتبطة بالصورة القديمة للتداول المعرفي. أي أن هناك انتقالًا من نظام معرفي قديم ومستقر، إلى فوضى معرفية يتميز فيها الجميع بالقدرة على طرح أفكارهم وتوزيعها بحرية. هذا الانتقال، الذي يصفه “برونر”، هو بمنزلة نهاية العالم المعرفي القديم الذي كان يعتمد على فهم مركزي، ومؤسسات أكاديمية ثابتة. فالنهاية التي يراها “برونر” ليست بالضرورة مرادفة للدمار أو الانهيار، بل هي إعادة تكوين للمفاهيم وأساليب التفكير. فبينما كانت المعارف في الماضي تُبنى من خلال عملية نقدية متأنية، فإن السوق المعرفي اليوم يدفع الجميع إلى إنتاج محتوى سريع الانتشار، دون الاهتمام بالتحليل العميق أو الفحص المنهجي. وهذا التحول هو ما يؤدي إلى النهاية، أي فقدان القدرة على التمييز بين الحقائق والخيالات، بين المعلومات المدعومة بالحقائق، والمعارف المعتمدة على المعتقدات الشخصية.
السوق المعرفي والنهاية الثقافية:
يعكس السوق المعرفي الذي يصفه “برونر” بطريقة غير مباشرة تحوُّلًا ثقافيًا كبيرًا. ففي الماضي كانت الثقافة والمعرفة مشروطة بسلطات مركزية مثل: الأدب الكلاسيكي، والفلسفة، أو العلوم التقليدية. أما اليوم، تتنافس هذه الفروع المعرفية القديمة مع تيارات جديدة مثل: الثقافة الرَقْمية، والأخبار السريعة، والأفكار التي تُنْتَجُ في لحظات عابرة. ومن ثمَّ فالسوق المعرفي -من هذه الزاوية- لم يَعُدْ مجالًا رَقْميًا لتبادل الأفكار فقط، وإنما ساحةٌ أو فضاءٌ للصراع، ولكنه صراع من نوع آخر، حيث فوضى الأفكار، والمعلومات. ومع تنامي هذه الحالة الثقافية الفوضوية، يجد المرء نفسه في حالة من التشويش الفكري، والتغليط المعلوماتي، الناتج عن تسليع المعرفة التي أصبحت في واقعنا محض أداة للتسلية أو الأيديولوجيا، بدلًا من أن تكون وسيلة للتحقيق في طبيعة الأشياء.
من هذا المنطلق يطرح “برونر” أسئلة مصيرية مثل: كيف يُمكن للمجتمعات المعرفية أن توازن بين حرية التداول المعرفي والحفاظ على المعايير المعرفية الصارمة؟ كيف يُمكن تحفيز الأفراد على التفكير النقدي في سوق مليءٍ بالمعلومات السطحية؟ وللجواب عن هذه الأسئلة، يُسلط الضوء على أهمية التعليم المستمر والفكر النقدي بوصفهم أدوات لمواجهة الفوضى المعرفية. كما يدعو إلى إعادة النظر في دور المؤسسات الأكاديمية، ووسائل الإعلام التقليدية، في تصفية المعلومات، وتقديم محتوى معرفي عميق. ناهيك عن أهمية العودة إلى الفلسفة القديمة والتمحيص العقلاني الذي كان يَحْكُم تفكير الأجيال السابقة.
إذن نحن هنا أمام أبوكاليبس أو نهاية، ولكن بمنظور آخرَ بعيدًا عن الميثولوجيات الدينية والأسطورية، إذ يَطرح مفهوم الأبوكاليبس المعرفي تحديًا حقيقيًا لفهم كيفية تطور المعرفة في العصر الحديث، عن طريق مناقشة السوق المعرفي، وتحليل الواقع الذي نعيش فيه، والتحول الجذري في طريقة إنتاج وتوزيع المعلومات في عالم مملوءٍ بالمحتويات المتناقضة والمتجددة باستمرار.
تحرر الزمن والانتباه البشري:
يُثير “جيرالد برونر” في سياق الحديث عن مفهوم الأبوكاليبس المعرفي عديدًا من القضايا المتعلقة بتأثير التِقْنيات الحديثة، لا سيما في عالم الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، في الزمن البشري والانتباه العقلي. فقد أصبح الإنسان المعاصر اليومَ غارقًا في بحر من المعلومات التي تستمر في التدفق باستمرار، بل الأكثر من ذلك، أصبح ضحيةً لهذا الفائض المستمر من المعلومات المتداولة والمتدفقة عبر قنوات مختلفة، مما يُعيد تكوين علاقته بالزمن والانتباه. هذا التحول في فهم الزمن والانتباه ليس تحوُّلًا تِقْنيًا فحسب، وإنما هو أيضًا ثقافيٌّ وفلسفيٌّ، إذ يؤثر تأثيرًا عميقًا في قدرات الفرد على التركيز والتفاعل مع محيطه.
وإذا كان الإنسان غارقًا في بحر الكم الهائل من المعلومات، فقد تُطرح أمامه إشكالية ما يُسميه “برونر” بفكرة “تحرر الزمن”. وكي نفهم فهمًا جيدًا هذا الأمر، يلزمنا العودة إلى الماضي. ففي العصور القديمة، كان الزمن يُمَثِّلُ جزءًا أساسيًا من حياة الإنسان، إذ كان يُقاس بطرَقٍ محددة وثابتة: من خلال دورات الطبيعة، والفصول، والأعياد. أما في الوقت الحاضر، مع تطور التكنولوجيا، أصبح الزمن قابلًا للمرونة أكثر من أي وقت مضى. فاليوم، في عصر الرَقْمنة، يُحَجَّمُ الزمن ويُخْتَصَر عن طريق تكنولوجيا المعلومات. كل شيء أصبح متاحًا في لحظات: الأخبار، والرسائل، والفيديوهات، والمحتويات الإعلامية. هذا التحرر في الزمن يعني أن الفرد لم يَعُدْ مُلْزَمًا بمسار زمني تقليدي. فالأفراد يُمكنهم اليوم أن يتفاعلوا مع العالم بطريقة فورية، وأن يتخذوا قرارات، ويستجيبوا للمواقف في أي زمان ومكان. لكن، على الرغم من هذا التحرر الظاهر، هناك تضارب في الواقع، إذ يُلاحظ “برونر” أن هذا التحرر في الزمن قد أدى إلى ضغط متزايد على الأفراد. فبسبب توفر المعلومات في كل لحظة، أصبح الناس يشعرون بضغط أكبر للبقاء على اتصال دائم ومواكبة كل جديد. ومن ثمَّ يتلاشى الزمن بوصفه عاملًا مُوَجِّهًا للأنشطة البشرية التقليدية، ليحل محله إيقاع تسارع مستمر يستهلك طاقة الإنسان ويؤثر في قدرته على التعامل مع أوقات الفراغ والتركيز.
أما فيما يخصُّ تحرر الانتباه البشري. ففي العصور السابقة، كان الانتباه البشري يتركز عادة على موضوعات أو أنشطة معينة لفترات زمنية محددة. كانت الأفكار والأعمال تتطلب مستوىً عميقًا من التركيز، وكان الوقت المُخصص للتأمل والتفكير يُعَدُّ جزءًا من روتين الحياة اليومية. لكن في العالم المعاصر، أصبح الانتباه البشري مُشَتَّتًا بطريقة غيرُ مسبوقةٍ. وذلك لأن تدفق المعلومات من مصادر متعددة، مثل: الهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والإعلانات المستمرة. قد جعل الانتباه البشري ينقسم إلى عدد كبير من الأنشطة والأفكار في الوقت نفسه. هذه الحالة من “التشتت الذهني” يُمكن أن تؤدي إلى صعوبة في التركيز على فكرة أو موضوع واحد لفترة طويلة. فالانتباه البشري اليوم أصبح سلعة في السوق المعرفي. فكلما زاد عدد المنصات التي يتفاعل معها الفرد، ازداد الطلب على الانتباه، ومن ثمَّ فإن “تحرير” الانتباه من التفكير العميق إلى مجرد استهلاك المعلومات السطحية أصبح سمة بارزة لهذا العصر.
لقد أصبح الانتباه البشري في عالم السيولة والذوبان الثقافي سلعة تُباع وتُشترى في الأسواق الرَقْمية. فمنصات الإنترنت، مثل: منصات التواصل الاجتماعي، ومحركات البحث. تعتمد على جذب انتباه المستخدمين لأطول فترة مُمكنة، عن طريق تزويدهم بمحتوى سريع ومؤثر. هذا المحتوى لا يُقّدَّمُ بطريقة عشوائية، بل يُخَصَّصُ باستخدام خوارزميات مُتقدمة تتعقب اهتمامات الأفراد وتستخدمها، لإبقائهم مشدودين أمام الشاشة. بذلك، نجد أن الانتباه البشري قد أصبح ميدانًا للربح عند شركات التكنولوجيا. إذ يعتمد الاقتصاد الرَقْمي اعتمادًا كبيرًا على استغلال هذه الظاهرة، مما يعكس التوتر بين تحرر الزمن والوقت الشخصي، ظهور نوع جديد من العبودية للوقت والانتباه.
إن ما يطرحه “برونر” بشأن الزمن والانتباه البشري في عوالمنا المعاصرة ليس تفكيرًا نظريًا فحسب، وإنما هو أيضًا محاولةٌ لفهم تأثير هذه التحولات في المجتمع البشري. خاصة أن في عالم يتم فيه “تحرير الزمن” إلى هذا الحد، تظهر عدة تأثيرات سلبية. فمن الناحية الاجتماعية، يُمكن أن يؤدي التحرر المفرط في الزمن والانتباه إلى الانعزال الاجتماعي. فالأفراد يصبحون أقل قدرة على التفاعل الشخصي المباشر، ويعيشون في عالم افتراضي موازٍ حيث الوقت يُستهلك في العالم الرَقْمي بدلًا من العيش في اللحظة الحاضرة. أما من الناحية النفسية، فيمكن أن يُسبب التشتت المستمر والانقطاع عن اللحظة الحالية شعورًا بالعزلة أو القلق، ويؤدي إلى تدهور الصحة النفسية للأفراد.
إن “تحرر الزمن” و”تحرر الانتباه البشري” لا يعنيان الحرية الحقيقية بالضرورة، بل على العكس، فهذه التحولات قد تؤدي إلى عبودية جديدة، عبودية المعلومات المستمرة، التي تَسْرق من الإنسان القدرة على العيش في اللحظة الحاضرة والتفاعل العميق مع محيطه. هذا التحول لا يُمكن فصله عن تأثيرات التِقْنيات الحديثة، التي تتطلب منا إعادة التفكير في كيفية استخدام الزمن والانتباه في عالم مليءٍ بالمحفزات المتواصلة.
خطر الفوضى المعرفية:
يستعرض “جيرالد برونر” بطريقة نقدية، كيف أن التحولات في بنية المعرفة وانتشار المعلومات قد أدى إلى حالة من “الفوضى المعرفية”. أي أن عالمنا الرَقْمي المتسارع قد خلق بيئة معرفية مشوشة، غامضة وضبابية إلى حد بعيد، أصبحت فيه المعرفة تنتشر بسرعة غير مسبوقة عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. لكن هذه السرعة لم تكن محكومة بالقيم التقليدية للبحث العلمي أو المنهجية النقدية، مما يعرض الفهم البشري لمخاطر كبيرة تتمثلُ في الفوضى المعرفية.
فما المقصود بهذا المفهوم: الفوضى المعرفية؟
الفوضى المعرفية هي حالة من التشويش الفكري والذهني، تتداخل فيها الحقائق مع الآراء والتصورات الشخصية، وتصبح عملية تمييز المعلومات الموثوقة من المعلومات المغلوطة أمرًا صعبًا للغاية. كأننا أمام معرفة غير متماسكة وغير خاضعة للمعايير التقليدية للتحقق العلمي أو العقلاني. وفي هذا العالم الفوضوي من المعرفة الهشة والسائلة، تتناثرُ المعلومات في فضاء مفتوح، تتنافس فيه كل فكرة أو وجهة نظر دون أي نظام أو مرجعية ثابتة. مما يخلق حالة من انتشار المعلومات المغلوطة والتضليل. فكل فرد أو مجموعة يُمكنها الآن نشر أفكارها على نطاق واسع دون تمحيص أو قدرة على النقد. كما أن غياب الرقابة والتحقق من المعلومات، سواء من وسائل الإعلام أو المؤسسات الأكاديمية، يُعزِّزُ من هذه الفوضى.
إن تزايد انتشار المعلومات المغلوطة أو “الأخبار الزائفة” في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح تحديًا يسيرُ أسرع من أي وقت مضى. ورغم أن وسائل التواصل تُتيح للناس الوصول إلى المعرفة بطريقة غير مسبوقة، فإنها أيضًا توفر منصة لتداول الأخبار غير الدقيقة أو المشوهة. كما أن الخوارزميات التي تتحكم في تدفق المعلومات على هذه المنصات تعمل على تعزيز المحتويات المُثيرة أو الاستفزازية، مما يُؤدي إلى زيادة انتشار الأخبار الزائفة والمعلومات المُضللة. ومن ثمَّ يواجه الإنسان اليوم هذه الظاهرة ليس كونها انحرافًا عابرًا في استخدام التكنولوجيا، بل هي نتيجةٌ هيكلية لغياب قواعد وأسس ثابتة تُنظم تداول المعلومات في العصر الرَقْمي. ومن ثمَّ تتفاقم الفوضى المعرفية ويُصبح من الصعب التمييز بين الحقيقة والكذب.
النقطة الجوهرية التي يطرحها “برونر” هي أن الفوضى المعرفية ناتجة عن انفجار المعلومات في العصر الرَقْمي. فكلما ازدادت كَمية المعلومات المتاحة، زادت صعوبة تصنيفها وفهمها. هذا الانفجار لا يتضمن فقط زيادة في حجم المعلومات، وإنما تنوعًا هائلًا في المصادر، ما يجعلُ عملية التمييز بين المعلومات الموثوقة وغير الموثوقة أمرًا معقدًا للغاية. بالإضافة إلى ذلك، يعتقد “برونر” أن هذا الانفجار المعلوماتي أدَّى إلى نوع من الإغراق الذهني، إذ يجدُ الإنسان نفسه محاطًا بمعلومات متناقضة وغير مترابطة، مما يؤدي إلى نوع من الارتباك الفكري والعاطفي. ففي مثل هذه البيئة، يُصبح من الصعب على الأفراد اتخاذ قرارات مستنيرة أو تبني أفكار عقلانية، لأن المعلومات المتاحة لا تُعطى لها قيمة مهنية أو تحليلية عميقة.
لا تؤثر الفوضى المعرفية فقط في الأفراد وفهمهم للعالم، وإنما يمتدُّ تأثيراتها إلى المجالات الاجتماعية والسياسية. ففي عالم مليء بالتضليل والآراء المتناقضة، يصبح من الصعب على المجتمعات اتخاذ مواقف واضحة ومبنية على معلومات صحيحة. هذا يؤدي إلى تزايد الاستقطاب السياسي والاجتماعي، إذ يُصبح الناس أكثر ميلًا إلى تصديق المعلومات التي تؤكد معتقداتهم الخاصة، وتزداد فجوة الثقة بين الأفراد والمؤسسات. وهنا يحذر “برونر” من أن هذه الفوضى المعرفية يُمكن أن تؤدي إلى انهيار ما تبقى من اتفاقيات اجتماعية وثقة بين الأفراد والمجتمعات، عندما يصبح من الصعب التوصل إلى توافق بشأن الحقائق الأساسية، وهنا يظهر الخطر الأكبر، العجز عن التعاون واتخاذ القرارات الجماعية الفاعلة.
وإذا كان هذا هو الشكل المعرفي لعالم اليوم، حيث تنتشر التِقْنية ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن حالة الفوضى المعرفية لا يُمكن أن تكون خارج الطرح البديل، أو الحلول الممكنة، إذ يطرح “برونر” عدة حلول للتعامل مع الفوضى المعرفية، على الرغم من تعقيد المشكلة. ولعل أهم ما يقترحه هو العودة إلى التفكير النقدي بوصفه أداةً رئيسة لفحص المعلومات والتأكد من صحتها، وبتعزيز مهارات التفكير النقدي، الذي يُمَكِّنُ الأفراد من أن يصبحوا أكثر قدرة على تمييز المعلومات الصحيحة من الخاطئة. كما يُشير “برونر” إلى ضرورة إحداث تغييرات في طرق التعليم ووسائل الإعلام. يجب أن تُركز المناهج التعليمية على تدريب الأفراد على كيفية التعامل مع المعلومات بطريقة نقدية وواعية، بدلًا من مجرد استهلاكها بطريقة عشوائية. ومن الناحية الإعلامية، يجب أن تلتزم وسائل الإعلام بآليات التحقق من المعلومات قبل نشرها، وتحمل مسؤولية تقديم المعلومات بطريقة متوازنة وواقعية.
لقد أصبحت الفوضى المعرفية، كما يراها “جيرالد برونر” في “نهاية العالم المعرفية” تهديدًا حقيقيًّا للعقلانية في العصر الحديث. ومع انفجار المعلومات وتنوع المصادر، أصبح من الصعب الحفاظ على مناهج دقيقة وموثوقة للتفكير والتحليل. هذه الفوضى تضرُّ بالفرد والمجتمع على حد سواء، وتؤدي إلى تضارب المعلومات والانقسام الاجتماعي والسياسي. ومن ثمَّ يجب على المجتمعات أن تجد طُرقًا مُبتكرة لمواجهة هذا التحدي، مثل: تعزيز التفكير النقدي، وتحقيق التوازن بين حرية تداول المعلومات والمسؤولية في نشرها.
الحاجة إلى “تنظيم معرفي“:
يُسلط “جيرالد برونر” الضوء على التحديات المعرفية الكبرى التي يواجهها الفرد في العصر الرَقْمي، حيث أصبح التعامل مع الكم الهائل من المعلومات المُتاحة عبر الإنترنت أمرًا معقدًا للغاية. كما أصبحت الحاجة إلى “تنظيم معرفي” أمرًا أساسيًا، لاستعادة القدرة على التفكير العقلاني المنظم. لذلك يُشير “برونر” إلى ضرورة تنظيم المعرفة بطريقة عقلانية، لضمان القدرة على اتخاذ قرارات مُستنيرة وفهم العالم فهمًا عميقًا.
فما المقصود بمفهوم التنظيم المعرفي؟
يُشير التنظيم المعرفي إلى عملية هيكلة المعلومات وتنظيمها بطريقة تُسهم في تحسين الفهم، واتخاذ القرارات، والحفاظ على التفكير النقدي. في العصور القديمة، كانت المعرفة محكومة بعديدٍ من الأنظمة والمرجعيات الموثوقة مثل: الجامعات والمكتبات والمراكز البحثية. أما في العصر الرَقْمي، فقد اختفت هذه الأنظمة التقليدية، مما جعل المعرفة تنتشر بطريقة عشوائية عبر الإنترنت، وأدَّى إلى صعوبة التمييز بين الحقيقة والخرافة. “برونر” هنا يرى أن هذه الفوضى المعلوماتية تتطلب تنظيمًا معرفيًا يُساعد الأفراد على التعامل مع المعلومات بطريقة منظمة. فهذا التنظيم لا يعني فقط تصنيف المعلومات، وإنما يشملُ تحديدَ مصادر موثوقة، وتقييم الأدوات المعرفية المتاحة، وإيجاد طرق فاعلة، لتوجيه الانتباه وتركيز الجهود نحو ما هو مُهم وضروري.
في العصر الرَقْمي، أصبح الحصول على المعلومات سهلًا وسريعًا. لكن في الوقت نفسه، أصبحنا نواجه كمًّا هائلًا من البيانات، ما يؤدي إلى حالة من التشتت المعرفي وعدم القدرة على التركيز على المعلومات الأكثر أهمية. ففي عصر يتسم بازدحام المعلومات وانتشار الأخبار الزائفة والمضللة، يتطلب الأمر وجود آليات دقيقة لتنظيم هذه المعرفة، ليتمكن الأفراد من الوصول إلى المعرفة الموثوقة والفهم العميق. يلاحظ “برونر” أن هذا الفائض من المعلومات يؤدي إلى ضغط ذهني على الأفراد، إذ يصبح من الصعب الحفاظ على تركيز عقلاني ومواصلة التفكير النقدي. ولذلك، يُصبح التنظيم المعرفي ضرورة مُلحة، ليس فقط في مستوى الأفراد، وإنما في مستوى المؤسسات التعليمية والإعلامية، التي يجب أن تُسهم في توجيه الأفراد نحو مصادر المعرفة الموثوقة والمنهجيات النقدية الصارمة.
إنَّ التحدي الأكبر في التنظيم المعرفي يكمنُ في حجم المعلومات المتدفقة التي لا حدود لها. فالأفراد اليوم يعيشون في حالة من “الزمن المزدوج”، الذي يتطلب منهم التفاعل مع المعلومات العاجلة والمستمرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مستويات عالية من التركيز المعرفي في العمل أو الدراسة. هذا التشتت يؤدي إلى انقطاع متكرر بين مجالات المعرفة المختلفة، ما يعوق القدرة على الفهم العميق للقضايا المُهمة. ولعل أكبر التحديات أيضًا هو تحديد مصادر المعلومات الموثوقة. فمع تزايد منصات المعلومات، أصبح من الصعب تحديد من يقدم المعرفة الصحيحة من المغلوطة. حتى وسائل الإعلام التقليدية التي كانت تُعَدُّ مرجعية معترفًا بها، أصبحت تحت تأثير ضغوط السوق والاهتمام تهتم فقط بالجوانب الربحية، مما يؤدي إلى تدهور جودة المحتوى المعرفي.
من أجل مواجهة هذه التحديات، يَطْرح “برونر” مجموعة من الأساليب والآليات لتنظيم المعرفة. أولًا، يُشدد على أهمية التعليم النقدي وتدريب الأفراد على تقييم المعلومات وتحليلها تحليلًا عميقًا. فالمعرفة المنظمة تبدأ من الفرد القادر على التمييز بين المعلومات الجيدة والمعلومات المغلوطة.
ثانيًا، يُشير إلى أهمية التصنيف المنهجي للمعلومات. فالتصنيف الصحيح يُساعد الأفراد على الوصول إلى المعرفة بطريقة أسرع وأكثر فاعلية. ويشمل ذلك تصنيف المصادر إلى فئات موثوقة وغير موثوقة، وتنظيم المعرفة وفق الموضوعات أو المجالات المتخصصة.
ثالثًا، يُوصي “برونر” بتبني المنهجية العلمية لتكون أساسًا لتنظيم المعرفة. فالبحث العلمي يقوم على آليات صارمة للتحقق من المعلومات، وهي آلية يُمكن تطبيقها في جميع جوانب الحياة المعرفية. وهذا يتطلب من المؤسسات التعليمية والإعلامية تبني منهجيات موضوعية قائمة على الأدلة.
بالإضافة إلى الجهود الفردية، يُشير “برونر” إلى ضرورة أن تقوم المؤسسات (الجامعات، مراكز البحث، وسائل الإعلام) بتقديم إطار تنظيمي يضمن صحة المعلومات وجودتها. يجب على هذه المؤسسات أن توفر بيئات تُشجع على البحث العلمي النزيه والتحقق من المعلومات باستمرار. أما في المستوى الاجتماعي، يتطلب الأمر من الحكومات والشركات والمنظمات غير الحكومية العمل معًا، لضمان أن يتم تنظيم تدفق المعلومات بالطريقة التي تخدم المصلحة العامة. ومن الممكن أن تتضمن هذه الجهود إنشاء منصات موثوقة لتوزيع المعرفة، وتطوير أدوات تكنولوجية تساعد الأفراد على الوصول إلى المعلومات بطريقة منظمة ودقيقة. فيمكن للذكاء الاصطناعي في العصر الرَقْمي أن يلعب دورًا كبيرًا في تنظيم المعرفة. فعن طريق تطوير خوارزميات متقدمة، يُمكن للأدوات الذكية أن تساعد الأفراد في تصنيف المعلومات وتنظيمها بطريقة فاعلة. على سبيل المثال، يُمكن للذكاء الاصطناعي تحليل البيانات الكبيرة وتصنيف المعلومات حسب الأهمية، مما يُساعد الأفراد على التفاعل مع المعلومات الأكثر ملاءمة لاحتياجاتهم.
إذن في عصر تتزايد فيه المعلومات تزايدًا غير مسبوق، يُصبح التنظيم المعرفي ضرورة لا غنى عنها، لضمان قدرة الأفراد والمجتمعات على التعامل مع هذا الكم الهائل من البيانات بطريقة عقلانية وواعية. كما أن الفوضى المعرفية التي نعيش فيها يُمكن أن تُحاصر التفكير النقدي، مما يؤدي إلى انتشار المعلومات المغلوطة وتدهور القدرة على اتخاذ قرارات مستنيرة. لذلك يتعين على المجتمعات اتخاذ خُطوات جدية، لتنظيم المعرفة من خلال: التعليم، والتكنولوجيا، والممارسات المؤسسية التي تضمن تدفق المعلومات بطريقة منظمة وموثوقة.
- نقد داخلي لأطروحة “برونر”
يُعَدُّ كتاب نهاية العالم المعرفية لعالم الاجتماع الفرنسي “جيرالد برونر” من الأعمال الفكرية التي أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية والثقافية، نظرًا لما يطرحه من رؤية تحليلية عميقة لمآلات المعرفة في عصر التكنولوجيا الرَقْمية والانفجار المعلوماتي. ف”برونر”، الذي يُنظر إليه بوصفه أحدَ أبرز الأصوات السوسيولوجية غير المنضوية تحت المظلة الماركسية التقليدية، لا يكتفي فقط بوصف الظواهر، وإنما يسعى في تقديم حلول واقعية لتنظيم عالم أصبحت فيه المعلومة سلعة متداولة بلا ضوابط. غير أن هذا الطرح، على الرغم من وجاهة أفكاره، وعمق التحديات التي يطرحها، لم يَسْلَم من سهام النقد، التي انصبت على منهجه، وقراءته الكلية للفوضى المعرفية، فضلًا عن أطروحاته المتعلقة بالتنظيم المعرفي. ويُمكن أن نُجْمِلَ مختلف الانتقادات فيما يلي:
- تهويل الفوضى المعرفية: بالغ “برونر” في تصوير الفوضى المعرفية بوصفها خطرًا داهمًا يُهدد العقلانية الحديثة، على الرغم من أن البشرية لطالما واجهت تحديات مماثلة –كما حدث أثناء الثورة الصناعية أو مع ظهور الطباعة– وتمكنت من تجاوزها بفضل آليات التكيُّف الجماعي والتِقْنيات المؤسسية. الفوضى ليست ظاهرة جديدة في تاريخ المعرفة، بل جزءٌ من ديناميات التطور الاجتماعي، ويُخشى أن تؤدي المبالغة في التحذير منها إلى إنتاج خطاب تشاؤمي يفتقر إلى التوازن.
- هواجس التنظيم المعرفي وحدود الحرية: من أكثر الجوانب إثارة للجدل في مشروع “برونر” هو دعوته إلى “تنظيم معرفي”، وهي دعوة رغم وجاهتها النظرية، قد تُفهم في بعض السياقات على أنها تمهيدٌ لممارسة رقابية تحدُّ من حرية التعبير والتنوع الفكري. فالسؤال المركزي هنا هو: من يملك سلطة تحديد ما يُعَدُّ معرفة موثوقة؟ وإذا أُوكل هذا الدور إلى الحكومات أو الشركات الكبرى، فهل نحن أمام محاولة لصياغة “الحقيقة الرسمية” التي تُقصي غيرها؟ هذا التوجس يتقاطع مع أزمات معاصرة بشأن الاحتكار المعلوماتي ومخاطر التوجيه الأيديولوجي للمحتوى الرَقْمي.
- تغييب التفاعل الاجتماعي بوصفه عنصرَ إنتاجٍ معرفيٍّ: تجاهل “برونر” أهمية البعد التفاعلي في بناء المعرفة. فالمجتمعات لا تُنتج المعاني من خلال المعلومات وحدها، وإنما عبر شبكات: التفاعل، والحوار، والاختلاف، والتأويل الجماعي. من هذا المنظور، قد لا تكون الفوضى المعرفية محض عطب يجب إصلاحه، بل سيرورةٌ طبيعية لإعادة تكوين الفهم الإنساني للعالم في ظل تحولات حضارية متسارعة. فبدل أن تكون عائقًا، قد تكون هذه الفوضى محرِّكًا للإبداع ورافعة للتجديد الفكري.
- دور التكنولوجيا، الحل والمشكلة: يُراهن “برونر” على التكنولوجيا، وعلى وجه الخصوص الذكاء الاصطناعي، بوصفه أداةً مركزية لتنظيم الفضاء المعرفي. لكن هذا الطرح قد يبدو متفائلًا بصورة مبالغٍ فيها. فالتكنولوجيا ليست بريئة من الإشكالات الراهنة، بل إن خوارزميات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي كثيرًا ما تكرِّسُ الانغلاق الفكري، وتُغذي المعلومات الزائفة، وتزيد من التحيز المعرفي. ومن ثمَّ فإن الاعتماد المُفْرِط على هذه الأدوات قد يُعَمِّقُ الفوضى بدلًا من معالجتها.
- حلول نظرية تصطدم بالواقع المعقد: يُنتقد “برونر” أيضًا على خلفية ميله إلى تقديم حلول تبدو مثالية على المستوى النظري، لكنها تفتقر إلى قابلية التطبيق العملي في واقع يُعاني من تعقيدات اقتصادية، وسياسية، وثقافية عميقة. فالدعوة إلى إعادة هيكلة المنظومات المعرفية تتطلب إصلاحات كبرى في قطاعات التعليم، والإعلام، والسياسات الرَقْمية، وهي إصلاحات قد تواجه مقاومات بنيوية من داخل النظام نفسه.
- إغفال البعد الاقتصادي والسياسي في التحكم بالمعرفة: من النقاط الجوهرية التي أثارها طرح “برونر” هو تجاهله لدور القوى الاقتصادية الكبرى في تكوين المجال المعرفي. فشركات مثل: غوغل وفيسبوك. لا تكتفي بتوفير أدوات المعرفة، وإنما تتحكمُ في تدفقها، وتؤثر تأثيرًا مباشرًا في كيفية تصوِّرنا للعالم. كما أن تحالفات هذه الشركات مع أنظمة سياسية معينة قد تخلق شبكات معقدة من التلاعب المعرفي، لا يُمكن فهمها أو مواجهتها فقط عن طريق دعوات عقلانية لتنظيم المعرفة.
ختامًا:
يُمَثِّلُ كتاب نهاية العالم المعرفية محاولةً جادة لإعادة التفكير في علاقة الإنسان بالمعرفة في زمن التحوّلات الرَقْمية الجارفة. ورغم ما أُثير حوله من انتقادات، فإنه يفتح بابًا حيويًا للنقاش بشأن مستقبل التفكير النقدي، وحدود الحرية المعرفية، وأخلاقيات التكنولوجيا. ولعل ما يحتاجه هذا المشروع، حتى يتحول إلى رؤية فاعلة، هو مزيدًا من التأسيس الفلسفي والتأطير النظري العميق، الذي يُراعي تشابك العوامل المعرفية والاجتماعية والسياسية في إنتاج المعنى وتنظيمه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصارد والمراجع:
[1] – انظر المزيد عن مفهوم الأبوكاليبس الموسوعة البريطانية عبر الرابط التالي: https://www.britannica.com/art/apocalyptic-literature
[2] – بنشيخة، أم الزين. الفن وسرديات المستقبل. في السؤال عن الأمل. مؤسسة هنداوي، ط1، 2022. ص: 57.
[3] – جون فرانسوا، دورتيي. الفلسفة كلها في أربعة أسئلة. ترجمة محمد أحمد طجو. المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2024. ص: 29 وما بعدها.
[4] – أم الزين، بنشيخة. المرجع السابق.
[5] – لوك، فيري. تعلم الحياة سأروي لك تاريخ الفلسفة. ترجمة سعيد الولي. أبو ظبي للثقافة والتراث. دون تاريخ نشر أو طبعة. ص: 225 .
[6]-gerald,bronner. Apocalypse cognitive. Puf. 1re édition : 2021, janvier. document numérique a été réalisé par Nord Compo.
[7]– Apocalypse cognitive de Gérald Bronner Presses Universitaires de France, Paris, 2021 (386 pages) recensé par Jean-Philippe Feldman N°15 hiver 2021 p .162