تكوين
“بداية التحرير تكمن في التخلص من عبودية الفكر المُسَيْطِر”
هشام شرابي: مقدمات لدراسة المجتمع العربي، ص 16.
تقديم:
عشرون عامًا مرَّت على رحيل المفكر الفلسطيني الكبير هشام شرابي (1927-2005) تاركًا وراءه مُدَوَّنَةً ثريةً وعميقةً، ناقش فيها مثل أقرانه من المفكرين العرب المعاصرين، أهم القضايا المتداولة في الفكر العربي، مثل: قضايا التراث والحداثة والتخلف والسلطة والدين والتنمية والتجديد ووضع المرأة إلخ، غير أن أسلوبه في تناول هذه القضايا كان مختلفًا عن هؤلاء الأتراب، ومَكمن هذا الاختلاف، هو عدم اهتمامه بالسعي في بناء مشروع فكري نظري شامل، كما أنه لم يحاول -كما فعل كثير من المفكرين العرب المعاصرين- تطبيق منهج غربي معين في دراسة قضايا المجتمع العربي، على الرغم من إتمامه لدراساته العليا في أرقى الجامعات الأمريكية، واشتغاله لعقود في تلك الجامعات (شيكاغو، جورج تاون بواشنطن إلخ).
وقد كانت كتاباته مرتبطة بالواقع العربي عمومًا، والقضية الفلسطينية بصورة خاصة، بأسلوب يجتمع فيه البُعد التاريخي والحضاري مع الواقع، تحذوه إرادة كبيرة للتغيير، بكثيرٍ من الشفافية والوضوح والنقد الذاتي المستمر، يكفي للدلالة على ذلك العودة إلى كتابيه:
“صور الماضي” و”الجمر والرماد”، الذين يُمَثِّلان نوعًا من السيرة الذاتية المُطعَّمَة بالطرح الإشكالي والتحليل النقدي لما عايشه من وقائع مُهمة في حياته، سواء في فلسطين ولبنان أو في الولايات المتحدة الأمريكية، فهو شاهدٌ على أهم المنعطفات التي عاشها العالم العربي وأخطرها (خاصة: 1948 و 1967)، ومن ثم فهو ينتمي كما يقول مترجم أحد أعماله، إلى نخبة فاهمة لحركة المجتمع العربي، أما نصوصه فهي تتميز بتوظيف مصطلحات جديدة وجريئة، فهو يستعين بمقولات هيجل وماركس وفرويد وفوكو وبارط ودريدا وغيرهم، ليقدم عرضًا وافيًا عن المجتمع العربي”[1]
فهو لا يتبنى منهجَ مدرسة غربية بعينها، ثم يُطبق ذلك المنهج أو مفاهيم تلك المدرسة على الواقع العربي، إنما يتبنى ما يُدعى بالتعددية المنهجية أو المنهجية العابرة للتخصصات، إدراكًا منه بتعقد الظواهر الاجتماعية وتداخل ما هو تاريخي مع ما هو لُغوي وما هو اجتماعي ونفسي ضمن تلك الظواهر.
وبدل تبني مشروع فكري نظري ضخم، كما فعل “أصحاب المشاريع” الذين جايلهم، سعى شرابي في معالجة القضايا الجزئية الموجودة فعلًا في الواقع العربي، والتي يُعانيها المواطن العربي في يومياته، لذلك يُعلن أن الهدف من الكتابة عنده، هو مَدُّ جسور التواصل والحوار مع قارئه، يقول عن هذه الكتابة:
“يُصبح فيها الكاتب والقارئ شريكين في عملية الكتابة ذاتها، بهذا لا أتوجه إلى القارئ أو القارئة من فوق، من منصة المعرفة المتعالية، بل أدخل معه (ومعها) في تواصل حواري لا يتوقف إلا عندما يقرر هو، أو تقرر هي، إيقافه… أتوخى الدقة في التفكير والوضوح، ولو كان ذلك على حساب السهولة في التركيب والمعنى، بغرض إرساء هذا الحوار على أسس متينة”[2].
وإذا كان لكل مفكر -في الغالب- قضية مركزية في أعماله، ثم تأتي مختلف القضايا الأخرى التي يعالجها، امتدادات أو تجليات أو دعامات لتلك الفكرة المركزية، فإن القضية المركزية التي تتمحور حولها أعمال هشام شرابي شرحًا ونقدًا وسعيًا في التجاوز، هي النظام الأبوي، أو الصيغة التي نَحَتَها لوصف راهن المجتمعات العربية وهي: الأبوية المستحدثة (Neopatriarchy)، لذلك سنحاول شرح موقفه ورؤيته لهذا المفهوم، ونتعرف على أهميته ودواعي الاهتمام به، ومن ثم موقعه المركزي في فكر هشام شرابي.
أولًا: في مفهوم الأبوية والأبوية المستحدثة
يُشير النظام الأبوي كما يُحدده أغلب الدارسين إلى “النظام الذي اشتُقَّ تاريخيا من القانون اليوناني والروماني، الذي كان لرب الأسرة فيه سلطة قانونية واقتصادية مطلقة على أعضاء أسرته من الإناث والذكور المعتمدين عليه”[3]، والنظام الأبوي هو ظاهرة تاريخية معقدة، تَكوَّن وترسخ تدريجيًا، ليسود طيلة القرون الوسطى في ظل النفوذ الكبير للكنيسة، فهو “نظام أسهم في بنائه الرجال والنساء في سيرورة استغرقت 2500 عامًا، كي تكتمل، وقد ظهر النظام الأبوي في شكله الأقدم في صورة الدولة القديمة، وكانت الوَحْدة الأساسية لتنظيمه هي الأسرة الأبوية”[4]، وهو نظام يُكَرِّسُ علاقة الهيمنة، لأنه يُحيل إلى مجموعة مُهيمنة في المجتمع بوصفها متفوقة، على مجموعة مُهمَين عليها بوصفها متدنية، وقد لطفت فيها الهيمنة حتى تكون مُستساغة من المجموعة المُهَيْمَن عليها، عبر التزامات وحقوق متبادلة، بمعنى أن فعل الهيمنة تستر خلف ثنائية الحقوق والواجبات المحددة لكل مجموعة في المجتمع، حتى لا يظهر جانب الإكراه والقهر واللا إنسانية فيه.
يُمكن القول إن شبكة العلاقات في النظام الأبوي هي امتداد للعلاقات الموجودة في العائلة؛ مكانة الأب وسلطته/سطوته، منزلة الأطفال والتزاماتهم داخل الأسرة (خاصة الطاعة وعدم الاعتراض)، التمييز بين الكبير والصغير، الذكر والأنثى، والقيم التي تُلقَّنُ للأطفال داخل الجو العائلي، هي نفسها العلاقات والقيم التي تسود في المجتمع، فالواجبات تجاه الأب تصبح واجبات تجاه الحاكم، وطاعة الأطفال للأب تتحول إلى طاعة للمسؤولين، وهكذا في مختلف المستويات والمؤسسات، ويذهب شرابي إلى القول:
“إن التحالف بين العائلة والمجتمع يبدو وسيلةً أساسية تلجأ إليها الثقافة الاجتماعية المسيطرة، لضبط التغيير والمحافظة على استقرار النظام الاجتماعي”[5]
ويُضيف في موضع آخر موضحًا الجانب الخفي لهذا التحالف: “إن التربية والتثقيف في العائلة وفي المدرسة يهدِفان إلى قولبة الفرد على النحو الذي يريده المجتمع وتقرره الثقافة المُسيطرة”[6]، والهدف من هذه القولبة -ومن ثمَّ من منظومة التربية في العائلة والمدرسة-هو الحفاظ على علاقات الهيمنة كما هي، وضمان الاستمرار السلس والهادئ للامتيازات التي تتمتع بها الجماعة المُهَيْمِنَةُ. ليصل شرابي إلى نتيجة مفادها أن
“النظام الذي يحكم حياة الفرد في جميع المجتمعات السابقة على للحداثة (والمجتمعات المتخلفة أو النامية) يخضع فيه الفرد إلى نظام واحد بأشكال مختلفة، تقوم كلها على السلطة الواحدة والإرادة الواحدة التي نجد نموذجها البنيوي وأصلها التاريخي في سلطة الأب”[7]
هذه النتيجة ليست نظرية فحسب، وإنما هي مُستقاة من حياته، فقد عاشها بوضوح عن طريق سلطة والده، وشيخ الجامع في القرية (يافا) ومعلم المدرسة في عَكَّا، وأستاذ الجامعة الأمريكية في بيروت، إلى كل ممثلي الأنظمة المهيمنة في المجتمع العربي.
إقرأ أيضًا: كيف أقرأ كتاب إدوارد سعيد أماكن الفكر لـ تموثي برنان؟
إذا كانت المجتمعات الغربية قد استطاعت الفِكَاك من أسْرِ النظام الأبوي تدريجيًا مع صعود المشروع الحداثي الذي مَثَّلَ قطيعة مع كل ما هو تقليدي، بحزمة المفاهيم والمؤسسات الجديدة مثل: المواطنة والديمقراطية والمجتمع المدني والحرية والإنسانية إلخ، والخزب والبرلمان والحكومة إلخ، فإن المجتمعات العربية ما تزال تتخبط بين ما هو تقليدي وما هو حداثي، هذا التخبط أنتج في نظر شرابي نظامًا جديدًا، لا هو بالتقليدي المستند إلى فهم حقيقي للتراث ولا هو بالحداثي الذي يُكَرِّسُ القيم الكبرى للحداثة، لا سيما قيم الحرية والنقد والإنسانية، وهو ما سماه: الأبوية المستحدثة، فعلى الرغم من التغييرات التي طرأت على المجتمعات العربية منذ ما سُمي بصدمة الحداثة إلا أن هذه التغييرات، بقيت شكلية وسطحية فقط، ولم تستطع النفاذ إلى البنية الداخلية للمجتمع، حتى تتمكن من إحداث التغيير الضروري، يقول شرابي:
“إن المجتمع الأبوي التقليدي أو القديم قد انتهى فعلًا في معظم بلدان العالم العربي، لكنه ما يزال ينبض حيًّا تحت غطاء حلله وطرقه المستحدثة، إن هذا المجتمع الأبوي المستحدث هو مجتمعنا القائم، مجتمع التناقض والفوضى والعجز هو ليس مجتمعًا تقليديًا وليس مجتمعًا حديثًا إنه مجتمع هجين”[8].
وهو نظام “غريب” ومختلف عن أي نظام آخر، وذلك مَكْمَن التخبط الذي نعانيه في يومياتنا، ذكرني هذا المفهوم العميق الذي طرحه شرابي بموقف حدث منذ سنوات، حيث كنت في موقف للحافلات انتظر قدوم الحافلة التي تُقِلُّنا إلى الحي الجامعي، وفي الموقف ذاته، كانت هناك فتاة ترتدي قميصًا قصيرًا يُبْرِزُ سُرَّتها -وكان ذلك القميص موضة تلك الفترة- ولأن الموجودين في الموقف -وأغلبهم طلبة- انتبهوا للباسها وتسمرت أعينهم عليها، فكانت تحاول شد القميص إلى أسفل حتى تُغطي ما يظهر من بطنها، دون أن تتمكن من ذلك، فهذه الفتاة تُمثل في نظري التخبط الذي نعيشه بين التقليد والحداثة بصورة دقيقة، فهي تريد أن تكون حداثية في ملبسها وتُساير الموضة، ولكن القيم التي تَرَبَّت عليها تقتضي ستر جسدها، وكما يقول شرابي، فإن “العيب الذي يشعر به الفرد العربي هو ما يقوله عنه الناس بمعنى ألا عيب في ما لا يراه الناس ولا يسمعونه”[9].
إن هذا التخبط وعدم اتضاح الرؤية هو السبب الرئيس في عجز مجتمعاتنا على تحقيق النهوض والتنمية والتطور بالرغم من مرور أزيد من نصف قرن على تحقيق الاستقلال السياسي، وتجريب عديدٍ من البرامج والمشاريع التنموية التي كان مصيرها جميعًا الفشل الذريع، حتى صرنا نشعر إن مجتمعاتنا تتراجع إلى الخلف فيما تتقدم جموع شعوب المعمورة إلى الأمام.
ثانيًا، تجليات الأبوية والأبوية المستحدثة:
رَصَدَ هشام شرابي كثيرًا من مظاهر حضور الأبوية والأبوية المستحدثة في المجتمع العربي، لا سيما في الحقل التربوي والبرامج التعليمية لمختلف المستويات، فالذهنية الأبوية كما يقول: “تتمثل في نزعتها السلطوية الشاملة التي ترفض النقد والتحليل ولا تقبل الحوار إلَّا بوصفه أسلوبًا لفرض سيطرتها، إنها ذهنية امتلاك الحقيقة الواحدة التي لا تعرف الشك ولا تُقِرُّ بإمكان إعادة النظر، لهذا فالذهنية الأبوية (والأبوية المستحدثة) علمانية كانت أو دينية لا تستطيع تغيير موقفها، لأنها لا تريد أن تعرف إلا حقيقتها ولا تريد إلا فرضها على الآخرين، بالعنف والجبر إن لزم الأمر”[10]، نلاحظ في هذا النص أن هناك نمطًا من التفكير كُرِّسَ في مجتمعاتنا نتيجة هيمنة النظام الأبوي، يتساوى في هذا النمط، التوجه العلماني مع التوجه الديني، فرغم اختلافهما في كل شيء إلَّا أن كلاهما يعتقد امتلاك الحقيقة الواحدة واليقين الذي لا يُرى فيه شك، وما سواها باطل مطلقًا ولا يُخالطه أي صواب، ومن ثم يصبح مالك الحقيقة متسلطًا على الآخرين، ويحاول فرضها عليهم بكل الطرق الهادئة (الحوار، التلقين…) أو غير الهادئة (الإجبار، والعنف…) هذه الذهنية اكتشفها شرابي عن طريق علاقته بوالده الذي لم تكن له علاقة ودية عاطفية معه -الحال نفسه مع جُل الآباء في مجتمعاتنا، حال تعبر عن قيم مغروسة في المجتمعات الأبوية التي يُمارس فيها الكبار السلطة المطلقة، ويُكبت فيها الصغار والإناث كبتًا كُليًا- ففي سيرته الذاتية يؤكد أنه لا يذكر أي حوار دار بينه وبين والده، ولا أي جِلسة عائلية يجتمع فيها أفراد العائلة لتبادل النكت والترويح عن النفس، كما أن والده لم يكن مهتما بعلاماته ومساره الدراسي في المدرسة ولا حتى في الجامعة، كل ما يذكره شرابي عن والده أنه “كان حين يعتريه الغضب، يصيح بأعلى صوته، فيسكت الجميع”[11]. هذه الممارسة السلطوية الأبوية، تُكَرِّسُ العقل المغلق وتفرض نظام فكرٍ وقيمٍ لا دورَ للأفراد في تقريره، ما عليهم إلا الإذعان والطاعة، هكذا يُغْلَقُ المجال أمام الطفل للتساؤل ومحاولة بناء رأيه الخاص، ومن ثمَّ تحقيق استقلاله الذاتي، مما يُفقده الثقة في آرائه، ويتعود على تقبل آراء الآخرين دون تردد، وهذا الوضع لا يتوقف عند حدود العائلة، بل يمتد، ليجعله يتقبل آراء كل من هو أكبر منه سنًّا أو أعلى منزلة منه، فيتربى خاضعًا، تابعًا، خائفًا، خجولًا…
إقرأ أيضًا: المرأة الفلسطينية: تحديات العنف المزدوج والفجوة الجندرية
ينتقلُ هذا الطفل خارج حدود العائلة، فيجد الوضع نفسه، إن لم يكن أسوء وأقسى، ففي المدرسة أو الجامعة، تتعدد السلطات التي يجب عليه الخضوع لها، سلطة الإدارة وسلطة الأساتذة، دون مجال للتساؤل أو النقد أو الاعتراض، يسترجع شرابي ذكرياته في الجامعة الأمريكية ببيروت، مع نهاية أربعينيات القرن الماضي، أين كانت حياتهم خاضعة لسلطة الإدارة التي كانت شبيهة بسلطة الدولة على المواطنين، شاملة متكاملة لا تعرف بدايتها ولا نهايتها، وسلطة الأستاذ التي كانت كسلطة الأب في العائلة، تُفْرَضُ من فوق ولا تقبل المعارضة أو النقد، مما جعله يؤكد أن
“الهدف الأساسي لعملية تثقيفنا في الجامعة، كما كان في العائلة والمدرسة، يقوم على تطويعنا وإخضاعنا نفسيًا، فلا عجب إذا بقيت مقدرتنا النقدية والتحليلية ضعيفة (كما اكتشفت في جامعة شيكاغو) في حين تعزَّزَت في نفوسنا نزعة الخضوع لآراء من هم أَفْهَمُ منا”[12]
وهؤلاء -بالطبع- هم الأساتذة الذين يعرفون الحقيقة، وكل ما يقولونه صحيح ويجب حفظه وعدم الاعتراض عليه، تلك هي “الحقيقة” المؤلمة التي اكتشفها شرابي حين انتقل لإكمال الدراسات العليا في جامعة شيكاغو، ووجد نظامًا تعليميًا مغايرًا تمامًا للنظام التعليمي الذي خضع له في السابق.
يتحدث هشام شرابي عن أساتذته في الجامعة الأمريكية في بيروت -باستثناء أستاذ أو أستاذين- واصفًا إياهم بأنهم يمثلون التجسيد الفعلي والنموذجي للشخصية الأبوية، فجلهم يأتي إلى قاعة الدرس دون تحضير أو إعداد، وبنزعة متعالية يقدمون أفكارهم وكأنها تُمَثِّلُ الحقيقة التي تعلو ولا يُعلى عليها، وفي كثيرٍ من الأحيان لا يستطيع الطالب التمييز بين رأي الفيلسوف محل الدرس، ورأي الأستاذ أو فهمه وتأويله لنصوص ذلك الفيلسوف، فقد كانوا يزجون بآرائهم -الأيديولوجية في الغالب- ضمن الحديث عن فيلسوف ما أو مدرسة فلسفية معينة، ولا مجال لديهم لطرح الأسئلة أو فتح نقاش مع الطلبة، يقول في هذا السياق:
“لا أذكر أن أستاذًا من أساتذتي في الجامعة اعترف مرة أنه على خطأ أو أقرَّ بجهل، أو عَبَّرَ عن شكٍّ، فامتنع عن اتخاذ موقف حاسم وآثر التروي ومراجعة الفكر…”[13].
وإن كان هذا الوصف قيل في أساتذة مارسوا وظيفتهم قبل ما يقارب قرنًا من الزمن، إلا أن هذا النموذج ما يزال للأسف الشديد منتشرًا بقوة في مؤسساتنا التعليمية، وكأن الزمن العربي متوقف أو راكد كما يقول الجابري، كل ما يحدث هو إعادة إنتاج للعلاقات القائمة، دون فتح أي مجال للإبداع والتغيير، وليس صدفة في ظل هذه الوضعية، كما يرى شرابي، أن تعجز المجتمعات العربية منذ النهضة عن إنتاج مفكر أو عالم أو كاتب على مستوى عالمي، “فإذا كان المجتمع يخاف الإبداع ويرى في قوى الخلق خطرًا عليه (على تقاليده وتراثه) عَمَدَ إلى القضاء عليها بوسائله المختلفة (…) كم من شكسبير وأينشتاين وماركس قُضِيَ عليهم في مجتمعاتنا قبل سنِّ المراهقة[14]“.
يُورد شرابي مقطعًا قصيرًا -ولكنه مُهم جدًا- من نقاش دار بينه وبين أحد أساتذته في بداية مساره الدراسي بجامعة شيكاغو، ليُبَيِّنَ بصورة واضحة الفرق الشاسع بين النظامين التعليميين في العالم العربي والولايات المتحدة، يقول: “لا أنسى مرة كنت أتحدث فيها إلى أستاذي تشارلز موريس في ظل شجرة في باحة الجامعة عن محاضرته صباح ذلك اليوم، وقلت له: ومهما يكن من أمر فإن الحقيقة لا يُمكن إلا أن تفرض نفسها. صمت موريس بُرهة ثم قال بهدوء: لنضع الحقيقة جانبًا، فالحقيقة ليست موضع بحثنا الآن”، يُعلق شرابي مُبينًا قوة وأثر جواب أستاذه فيه قائلًا:
” صعقني قوله… منذ ذلك الحين بدأت بالتخلص من عبودية “الحقيقة” الغيبية التي زَرَعَتْهَا في نفسي دراستي في الجامعة الأمريكية في بيروت”[15].
هذا النص يوضح لنا بجلاء البَوْنَ الشاسع بين أساتذة يعتقدون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة ولا يتحدثون إلا بها، وأساتذة ينصبُّ اهتمامهم على محاولة فهم القضايا الجزئية، مستبعدين الأحكام التعميمية واليقينية، لذلك تجدهم يستعملون في أحاديثهم وكتاباتهم عبارات توحي بالتواضع المعرفي مثل: على الأرجح، في الغالب، نوعًا ما، إلى حد ما إلخ، في حين لا يستعملها أساتذة جامعاتنا إلا فيما ندر، فأساتذة الجامعات الغربية يدركون أن كل معرفة إنسانية هي محض مقاربة للحقيقة، ويبقى امتلاك الحقيقة المطلقة مستعصيًا إن لم يكن مُتعذرًا، ما دامت معرفة اليوم قابلة للنقض غدًا، فالدرس الإبستيمولوجي لا سيما في أعمال: باشلار وتوماس كوهن وكارل بوبر وغيرهم، يُعلمنا أن تاريخ العلوم والمعارف هو تصحيح تدريجي لأخطاء العلماء، والمعرفة التي يُنظر إليها اليوم على أنها تُعَبِّرُ عن الحقيقة، ليست أكثر من خطأ ينتظر التصحيح.
لا تقتصر الأبوية والأبوية المستحدثة في نظر هشام شرابي على الأسرة والمدرسة والجامعة فحسب، وإنما هي مبثوثة في مختلف الحقول والميادين، خاصة في الحقل السياسي أين تبدو أكثر جلاء، وقد عاش شرابي عن قرب هذه الأبوية السياسية، فقد كان له نشاطًا كبيرًا ضمن الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكانت تربطه علاقة وطيدة مع زعيم الحزب “أنطوان سعادة” (1904-1949)، غير أنه غادر الحزب بعد إعدام سعادة ببضع سنوات، كما كان له نشاطًا ضمن مؤسسات عديدة تُعْنَى بقضايا الوطن العربي والشؤون الفلسطينية، ففي عام 1970 انتقل إلى بيروت خصيصًا للعمل في مركز للتخطيط تابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، غير أنه لم يستمر في هذا العمل أكثر من عام، إذ تَبَيَّنَ له، كما يقول: “أن العمل في المقاومة يتطلب أكثر من الالتزام بالقضية:
إنه يتطلب الانتماء إلى أحد فصائل المقاومة، ويتطلب أكثر من ذلك، الولاء الشخصي لإحدى القيادات والعمل تحت جناحها”[16]
هذا ما لم يكن ملائمًا له بوصفه مفكرًا حرًا، لا يمكنه الانقياد خلف شخص مهما كان، ذلك ما يُعَبِّرُ عن العلاقة غير المستقرة عبر التاريخ بين المثقف والسلطة، فالمثقف يرغب في إيصال أفكاره إلى السلطة، في حين تنظر السلطة إلى المثقف بوصفه مزعجًا وفاضحًا ولا يؤتمنُ جانبه، كل ما يهمها هو الولاء الشخصي لهذا المثقف وإعلان دخوله تحت جناحها لتُدَجِّنَهُ، فبدل أن يَصْدَحَ بأفكاره بكل حرية، يتحول إلى بوقٍ يُستدعى عند الحاجة، لتبرير قرارات السلطة وإضفاء الشرعية عليها.
ثالثًا، كيف الفِكَاكُ من الأبوية والأبوية المستحدثة؟
تكشف التجليات التي رصدها شرابي للأبوية والأبوية المستحدثة، والتي توقفنا عند بعضها آنفًا، ونعيشها ونشعر بحضورها في يومياتنا بصورة أو بأخرى، تُعَقِّدُ الأوضاع في المجتمعات العربية، وصعوبة الفِكَاكُ من أسْرِ هذا النظام الذي يُعيد إنتاج نفسه، وينتقل من جيل إلى آخرَ، ومن ثمَّ يُعيد إنتاج آثاره على الفرد والمجتمع، وعلى رأسها إعادة إنتاج الاستبداد، والتضييق على الحريات، والتخلف إلخ، وهو ما جعل شرابي يرسم صورة سوداوية عن الوضع العربي، صورة تَظهر في “اللا عقلانية (في التدبير والممارسة) العجز عن الوصول إلى الأهداف التي نرنو إليها، اللا عقلانية في التحليل والتنظير والتنظيم والعجز عن الوقوف في وجه التحديات والتغلب عليها… تراجعات مستمرة، انكسارات متكررة، انهيار داخلي…”[17].
من الواضح أنَّ وضعًا كهذا لا يُمكن تجاوزه بقرارٍ تتخذه جهة ما في المجتمع، فيختفي هذا النظام، وتنجلي آثاره التي كَبَّلَت الفرد والمجتمع سواءً، ولا بتغيير شكلي أو سطحي لا ينفذ إلى العمق، لذلك فالسؤال الكبير الذي يُطرح في هذا الصدد هو: كيف يُمكن التحرر من أسْرِ هذه الأبوية والأبوية المستحدثة؟ بعبارة هشام شرابي، كيف يُمكن لمجتمع تقليدي يعيش في مرحلة سابقة للنظام الرأسمالي أن ينتقل من الحالة الأبوية إلى الحداثة؟ وهو السؤال الذي أرَّقَ جُل المفكرين العرب المعاصرين، سؤال الحداثة والتحديث في المجتمعات العربية، مع ما يجره خلفه من أسئلة كثيرة، على شاكلة: كيف يُمكن التحول من مفهوم الفرد/الرعية إلى مفهوم المواطن؟ وكيف يُمكن الانتقال من البِنى الاجتماعية التقليدية مثل: القبيلة والطائفة والعشيرة إلى مؤسسات المجتمع المدني؟ وكيف يُمكن توسيع نطاق الحرية الفكرية والدينية بعيدًا عن مفاهيم الخيانة والمؤامرة والتكفير والتبديع؟ أسئلة كثيرة يُمكن الاسترسال في طرحها، وكلها مرتبطة بصورة أو بأخرى بالنظام الأبوي والأبوية المستحدثة، غير أن الاسترسال في طرحها لن يحل الإشكالية، فقد طُرحت مثل هذه الأسئلة مرارًا وتكرارًا، دون أن يُتقدَّمَ في حلها بالقدر الذي يسمح بالتفاؤل تجاه المستقبل.
إقرأ أيضًا: أحداث فرنسا عام 1968 تُنْتِجُ البنيوية والتفكيكية
يعتقد شرابي أن التغيير الاجتماعي والسياسي لا يُمكن أن يحدث دون نضوج الرؤية ووضوح الهدف من داخل المجتمع، لأن التغيير في نظره لا يُحدثه المفكرون والمثقفون، إنما تحدثه الحركات الاجتماعية حين تكون مستندة إلى إطار نظري واضح وشامل، ومن ثمَّ “فلا بُدَّ من فكر نقدي ديمقراطي مشارك ينبع من الحوار والتبادل الحر، ويناهض في آن أيديولوجية الفكر “الثوري” القديم، وغيبيات الفكر الأصولي النامي، لكنه لا يعارض ولا يرفض ما ينادي به أي من هذين التيارين من “حقائق” كلية وما يرفع من قيم أزلية، بقدر ما يركز اهتمامه في شؤون الحياة الوجودية ومشاكلها العملية التي تتناول حياة المجتمع وفئاته المختلفة وبخاصة الفئات المُهمشة والمنسية”[18]، معنى ذلك أنه يجب التحول من النظري المجرد إلى الواقعي العملي، ومن الإكراه إلى الحوار، من الحقيقة الواحدة إلى المقاربات المتعددة، فالتغيير الذي يقترحه شرابي يقوم على مشاركة الجميع دون إقصاء أو نَبْذٍ لطرف أو لآخرَ، وتكريس قيم الحوار والحرية والنقد، على اعتبار أنَّ لا أحد يمتلك الحقيقة بمفرده، وهذه الخطوة تقتضي رفض تلك الايديولوجيات والمشاريع الفكرية التي تُقَدِّمُ نفسها مالكة للحقيقة دون غيرها، لأنها ستكون إمَّا تبريرًا للأبوية القائمة أو تأسيسًا لأبوية جديدة، وقد أثبتت الوقائع التي عاشها العالم العربي منذ أزيد من نصف قرن، الفشل الذريع لمثل هذه المشاريع، قومية كانت أو ماركسية أو ليبرالية أو دينية إلخ، ورفض المشاريع كلها لا يعني رفض جزئياتها، إذ يُمكن الاستفادة من كل مشروع أو توجه بقدر معين.
خاتمة:
تأسيسًا على ما سبق يمكننا القول: إن هشام شرابي بسبب تجاربه الفكرية والحياتية الطويلة بين البلدان العربية والبلدان الغربية ومدونته الثرية، كان مقتنعًا أن الخروج من الوضع المأزوم الذي نعيشه، يتطلب معالجة عميقة تَمَسُّ الجذور التي تتغذي منها الأزمة، وقد رأى أن النظام الأبوي والأبوية المستحدثة، تُعَدُّ أُسَّ المشكلات التي نعانيها (تسلط، غياب الحريات، تخلف، استبداد…) وهذا النظام يعمل بكل ما يستطيع على مقاومة التغيير، بإعادة إنتاج ذاته حتى تظل الأمور على حالها، ويحافظ المستفيدون منه على امتيازاتهم ونفوذهم، لذلك فإن الخروج من حال الأزمة التي تعيشها يتطلب إزالة النظام الأبوي وأشكاله المتجددة في أبويات مستحدثة، لا بالاستنجاد بالتراث الماضي ولا بالارتماء في الحداثة الغربية، بل عن طريق حركة اجتماعية تحدث من داخل المجتمع ومن داخل الفرد أولًا، حركة تضمن حرية التعبير والتفكير في ظل الحوار والتشاور ومشاركة الجميع دون إقصاء أو تمييز، واعتماد معيار الكفاءة دون أي معيار آخر تتستر خلفه الأبوية.
من المؤكد أنَّ قيام هذه الحركة التغييرية نحو الحداثة في العالم العربي لن يتحقق إلا بصورة تدريجية، شرط أن يتوفر الوعي والإرادة والنضال المستمر والتضحيات الكبيرة، لذلك يعترف هشام شرابي بصعوبة المهمة، ففي خاتمة كتابه الأساسي “النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي”، يُقِرُّ أنه “من المستحيل من منطلقنا الحاضر، أن نُكَوِّنَ تصورًا واضحًا عما ستكون عليه الأمور في المستقبل على أساس تحليلنا النظام الأبوي وشروط انتقاله إلى نظام الحداثة. ففعالية نموذجنا التحليلي تتوقف عند نقطة انهيار المجتمع الأبوي المستحدث وتصبح إقامة نظام الحداثة في مجتمعنا مهمة ممكنة موضوعيا”[19].
قد يكون النظام الأبوي مسؤولًا عن جزء كبير من الأوضاع التي نعيشها، ومع ذلك لا يمكن اعتباره شرًا بصورة مطلقة، من منطلق أن المجتمعات الغربية لم تصل إلى مرحلة الحداثة إلا بالقضاء على الأبوية، هناك خصوصيات تميز المجتمعات الغربية عن المجتمعات العربية، سواء تعلق الأمر بمفهوم الأسرة أو العلاقات بين الأفراد أو حضور المُعطى الديني أو طبيعة القيم وأنماط التفكير أو غير ذلك، وليس بالضرورة أن تكون الحداثة المنشودة في المجتمعات العربية متطابقة مع الحداثة الغربية، فالحداثة حداثات وليست نموذجًا واحدًا يجب اتباعه، ومن ثم، فالحل لن يكون باقتلاع النظام الأبوي من جذوره، أو تفكيكه نهائيًّا، إنما بجعله أكثر مرونة وانفتاحًا ليتأقلم مع المعطيات الحداثية، فحين يتخلى الآباء عن تربية أبنائهم على صورهم ونماذجهم، فإنهم بذلك يفسحون لهم المجال ليكونوا ذواتهم لا ذوات آبائهم، فيستقلون بآرائهم ويسايرون عصرهم ومقتضياته، ويتربون على ممارسة حرياتهم والتعبير عن آرائهم دون خوف ولا خجل في الأسرة والمدرسة ومختلف المؤسسات الاجتماعية، فتظهر بذلك مواهبهم وتتفتق قرائحهم بما يفيد في التصدي للعوائق التي تعترضهم وتعترض مجتمعهم، وحين تتعدل البرامج التعليمية، والقوانين المنظمة للعلاقات الاجتماعية والدساتير المحددة لآليات الممارسة السياسية لمختلف الهيئات السلطوية بما يُفسح المجال للحرية والنقد ومشاركة المواطنين الفاعلة في إطار ديمقراطي شفاف إلخ، بمرور الوقت سوف ينشأ جيل جديد متحرر، قادر على الاعتراض والنقد وممارسة حقوقه المختلفة ومجابهة الأنماط التقليدية للتسلط الأبوي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإحالات:
[1] مقدمة المترجم، كتاب النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، ت: محمود شريح، السويد: دار نلسن، (د ط) ص 20.
[2] هشام شرابي: النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، ص 24.
[3] غيردا ليرنر: نشأة النظام الأبوي، ت: أسامة إسبر، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2013، ص ص 449-450.
[4] المرجع نفسه، ص 413.
[5] هشام شرابي: مقدمات لدراسة المجتمع العربي، بيروت: الدار المتحدة للنشر، ط3، 1984، ص 57.
[6] المرجع نفسه، ص 24.
[7] هشام شرابي: النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1999، ص88
[8] هشام شرابي: النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، ص 15.
[9] هشام شرابي: مقدمات لدراسة المجتمع العربي، ص 48.
[10] هشام شرابي: النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، ص 27.
[11] هشام شرابي: صور الماضي، السويد: دار نلسن، 1998، ص 94.
[12] هشام شرابي: الجمر والرماد، الجزائر: منشورات الاختلاف، الطبعة الجزائرية، 2003ـ ص 26.
[13] المرجع نفسه، ص 25.
[14] المرجع نفسه، ص 117.
[15] المرجع نفسه، ص 30.
[16] هشام شرابي: صور الماضي، ص ص 30-31.
[17] هشام شرابي: النظام الأبوي، ص 23.
[18] هشام شرابي: النقد الحضاري للمجتمع العربي، ص 8.
[19] هشام شرابي: النظام الأبوي، ص 252.