الأحادية والتعددية في التحليل النفسي البِنيوي عند جاك لاكان: الجزء الأول

 تكوين

مقدمة

تُعد جدلية الواحد والمتعدد من أكثر الإشكاليات الفلسفية رسوخًا في تاريخ الفكر الإنساني، إذ تتردد أصداؤها في الميتافيزيقا القديمة، وفي اللاهوت، وفي الفلسفات الرُوحية، كما تتجلى في العلوم الإنسانية الحديثة بمقاربات متنوعة. غير أن حضور هذه الجدلية لا يقتصر على الحقول التي اعتادت التعامل مع مفهوم الوَحْدة الكلية أو التعدد الوجودي، بل يمتد إلى مجالات تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن هذا الأفق، ومنها التحليل النفسي البِنيوي كما صاغه جاك لاكان (1901-1981). فالمفاجئ في المشروع اللاكاني أنه يعيد صياغة هذه الجدلية داخل بِنية اللُغة واللا وعي، فتتحول العلاقة بين الواحد والمتعدد إلى علاقة بين الآخر بوصفه موضعًا للوَحْدة الرمزية، والأنا بوصفها تعددًا متشظيًا يَتَكَوَّنُ داخل البِنية اللا واعية.

في قلب هذا الإشكال المتعلق بجدلية الواحد والمتعدد، يبرز جاك لاكان بوصفه أحد أبرز المفكرين الذين أعادوا صياغة مفهوم الذات والوجود من داخل بِنية اللُغة واللا وعي. فمشروعه لا يندرج ضمن الفلسفة الميتافيزيقية التقليدية، ولا ضمن التحليل النفسي الكلاسيكي كما صاغه فرويد، بل يُمَثِّلُ محاولة جذرية لإعادة التفكير في الإنسان انطلاقًا من البِنية الرمزية التي تسبقه، ومن الآخر الذي يسكنه، ومن الواقعي الذي يفلت من كل تمثيل. إن لاكان لا يقدم الذات بوصفها وَحْدةً متماسكة، بل بوصفها انقسامًا بِنيويًا يتولد عند تقاطع السجلات الثلاثة: الرمزي، المتخيَل، والواقعي. ومن هنا، يصبح سؤال الواحد والمتعدد سؤالاً عن مصدر الوَحْدة: هل هو “الأنا” الذي يتوهم التماسك، أم “الآخر” (“l’Autre”: le sujet de l’inconscient)الذي يصنعُ موضع الحقيقة؟ كما يصبح سؤال التعدد سؤالاً عن تشظي الذات داخل شبكة الدوال التي تحددها من الخارج. وبذلك، يدخل لاكان مباشرة في صلب إشكالية هذه الدراسة، إذ يُقَدِّمُ نموذجًا يسمح بفهم كيف يتأسس الوجود الإنساني على ثقب لا يُرد إلى معرفة، وعلى واقعي لا يُختزل في أي تمثيل، وعلى لغة تمنح للذات هيئتها وفي الوقت نفسه تفضح انقسامها.

إن اختيار التحليل النفسي اللاكاني مدخلاً لقراءة هذه الجدلية لا ينبع من رغبة في إسقاط مفاهيم فلسفية على حقل نفسي، بل من قناعة بأن لاكان نفسه قد أعاد بناء مفهوم اللا وعي بطريقة تجعل من اللُغة بِنيةً تُنتج الذات وتُعيد خلقها باستمرار. فاللا وعي عنده ليس مستودعًا للُغرائز أو الرغبات المكبوتة، بل هو بِنية لُغوية تعمل وَفْق قوانين دقيقة، وتُخضع الذات لمنطقها الخاص. فيكون سؤال الواحد والمتعدد سؤالاً بِنيويًا قبل أن يكون سؤالاً ميتافيزيقيًا: كيف يُمكن للغة، بوصفها بِنية واحدة، أن تُنتج تعددًا في الذوات؟ وكيف يمكن للذات، بوصفها تعددًا من الدوال والرغبات والانقسامات، أن تبحث عن وَحْدة ما داخل هذا التشتت؟

يُقَدِّمُ لاكان إجابة جذرية عن هذا السؤال حين يُعلن أن “اللا وعي مُهيكلٌ مثل اللُغة”.  فهذه الجملة، التي أصبحت شعارًا للتحليل النفسي البِنيوي، تختصر التحول الذي أحدثه لاكان في فهم الذات الإنسانية. فالذات لم تَعُدْ جوهرًا ثابتًا أو وَحْدةً متماسكة، بل أصبحت نتاجًا لسلسلة من الدوال التي تتوالد وتتحرك وتستبدل بعضها بعضًا داخل البِنية الرمزية. وهكذا، تتبدَّى الذات بوصفها تعددًا، فيما يتبدَّى “الآخر” بوصفه الواحد الذي يمنح هذا التعدد مظهرهُ ومعناه.

لكن هذا الواحد ليس وَحْدة ميتافيزيقية مطلقة، بل هو بِنيةٌ تتجاوز الأفراد وتسبقهم، وتعمل بوصفها مقامًا متعاليًا بِنيويًا يفرض قوانينه على الذات. فاللُغة، بما هي نظامٌ من العلاقات، تُمَثِّلُ هذا الواحد الذي يعلو على المتكلمين، ويُخضعهم لقواعده، ويمنحهم في الوقت نفسه إمكان الوجود. ومن هنا، يصبح الواحد عند لاكان ليس وَحْدةً وجودية، بل وَحْدةٌ بِنيوية تتجلى في النظام الرمزي، فيما يصبح المتعدد هو تشتت الأنا داخل هذا النظام.

إن هذه الجدلية بين الواحد والمتعدد تتجلى في كل مراحل المشروع اللاكاني: في مرحلة المتخيَل التي تَتَكَوَّنُ فيها الأنا عبر صورةٍ موَحَّدة تُخفي وراءها الانقسام الداخلي؛ وفي مرحلة الرمزي التي يخضع فيها الكائن البشري لقانون اللُغة؛ وفي مرحلة الواقعي التي يظهر فيها ما يَستعصي على التمثيل، فيكشف حدود الوَحْدة الرمزية ويُعيد الذات إلى تعددها الأصلي. وهكذا، يصبح المسار اللاكاني مسارًا يُظهر كيف تَتَكَوَّنُ الوَحْدة من التعدد، وكيف يتولد التعدد من الوَحْدة، في حركة جدلية لا تنتهي.

ولعل أهم ما يُميز قراءة لاكان لهذه الجدلية هو أنها ليست قراءة فلسفية مجردة، ولكنْ قراءةٌ أنطولوجية–لُغوية تجعل من اللُغة أساسًا للوجود الإنساني. فالإنسان، في نظره، ليس كائنًا عاقلاً أو كائنًا اجتماعيًا فحسب، وإنما هو قبل كل شيء كائنٌ متكلم (parlêtre)، أي كائن يُولد داخل اللُغة ويُعاد خلقه باستمرار عبر الدوال(les signifiants) التي تسكنه. ومن هنا، فإن الوَحْدة التي يبحث عنها الإنسان ليست وَحْدة جوهره، بل وَحْدة موقعه داخل البِنية الرمزية؛ والتعدد الذي يعانيه ليس تعدد شخصياته، بل تعدد الدوال التي تتصارع داخله.

إن هذا الفهم البِنيوي للواحد والمتعدد يفتح الباب أمام قراءة جديدة للذات الإنسانية، قراءة تُظْهِرُ أن الذات ليست وَحْدة متماسكة، بل هي انقسامٌ دائم بين ما تقوله وما يُقال فيها، بين ما تعتقد أنها تريده وما يريده اللا وعي منها. فاللا وعي، كما يقول لاكان، “يفكر فينا”، أي أنه يُمارس سلطةً على الذات تجعلها محض نقطة عبور للدوال التي تتحرك داخل البِنية الرمزية. وهكذا، يصبح الواحد هو الآخر(“l’Autre”: le sujet de l’inconscient) الذي يتكلم فينا، والمتعدد هو الأنا التي تَتَكَوَّنُ من بقايا هذا الكلام.

ومن هنا، تأتي أهمية العودة إلى الإرث اللساني عند دي سوسير وياكوبسون، وإلى الإرث البِنيوي عند بياجيه، لفهم كيف بنى لاكان تصوره للواحد والمتعدد داخل اللُغة. فالبِنية اللُغوية، وما تتصف به من كلية وتحويل وتنظيم ذاتي، تُمَثِّلُ نموذجًا يُتيح فهم كيف يُمكن لوَحْدة النظام أن تُنتج تعددًا في العناصر، وكيف يُمكن لتعدد العناصر أن يحافظ على وَحْدة النظام. وهذا ما يجعل من اللُغة نموذجًا مثاليًا لقراءة جدلية الواحد والمتعدد.

وبذلك، تهدف هذه الدراسة إلى إظهار أن جدلية الواحد والمتعدد ليست فقط ثنائية فلسفية، ولكنْ هي بِنيةٌ أنطولوجية تتجلى في اللُغة واللا وعي، وتُمثل أساس الوجود الإنساني كما يراه لاكان. فالإنسان، في نهاية المطاف، ليس واحدًا ولا متعددًا، بل هو حركةٌ بين الواحد والمتعدد، بين الآخر والأنا، بين اللُغة والوجود، بين ما يُقال وما لا يُقال.

إن الهم المركزي عند جاك لاكان، كما يتجلى في جهوده ضمن التحليل النفسي البِنيوي الهادف إلى تصور اللا وعي بوصفه بِنية لُغوية، هو هم ذو مركزين: فهو من جهة مشغول بالبحث عما يتجاوز “الأنا” المتكلمة، أي عما يتكلم فيها أو عمن يتكلم من خلالها؛ ومن جهة أخرى، مُنشغل بالسؤال المتعلق بكيفية تموضع “الأنا” داخل الهوة السحيقة للا وعي الذي يُهدد بابتلاع الكينونة. وتتمثل أطرُوحته الأساسية في قوله: “إنه يفكَّر فينا”.

وانطلاقًا من التنوع الكبير والغنى اللافت في فكر هذا المُحلل النفسي الفرنسي، كما يتبدَّى عبر سلسلة طويلة من محاضراته، تَهْدِفُ هذه الدراسة إلى تحديد علاقة اللُغة باللا وعي بوصفه بِنية، وإلى بيان الكيفية التي يطابق بها لاكان بينهما. ويحدث ذلك عن طريق بناء التحليل على تصور لاكان للإنسان بوصفه “كائنًا متكلمًا” (parlêtre)، أي بوصفه موضوعًا للا وعي (le sujet de l’inconscient) أو الموضوع الحقيقي للوجود، المثقوب أنطولوجيًا والمنفتح على إمكان نزع أنسنته (désontologisation)، ما يستدعي باستمرار إعادة تأسيس أنطولوجي جديد. وسيسمح لنا هذا النموذج التحليلي بإعادة قراءة جدلية الواحد والمتعدد انطلاقًا من مفهوم البِنية، بما يتيح توضيح العلاقة بين الوَحْدة والتعدد.

في المرحلة الأولى، سنبحث في إسهامات الإرث اللساني (دي سوسير ويعقوبسونDe Saussure et Jackobson) وإسهامات علم النفس البِنيوي (بياجيهPiaget ) في صناعة التحليل النفسي اللاكاني، وكيف استند لاكان إلى هذه الإسهامات ليستخلص منها نظرياته وخصائص اللا وعي بوصفه بِنية لُغوية (الدراسة الأولى).

وفي المرحلة الثانية، سنرسم عند لاكان الجينيالوجيا الخاصة بجدلية الواحد والمتعدد، عن طريق تتبع نظرته إلى الكائن البشري عبر مراحل المتخيَل والرمزي والواقعي. ويُمثل هذا المسار عملية نزعٍ لأنطولوجيا(désontologisation) الكائن الإنساني: إذ يُبرز في بدايته “الأنا” الديكارتي في الواجهة، ليُقصيه لاحقًا لصالح “الآخر”(L’Autre) بوصفه موضوعَ اللا وعي والموضوع الحقيقي للوجود. ويقودنا هذا المسار إلى مفهوم اللا وعي المُهيكل في صورة لغة. وسنستند في ذلك إلى التطورات اللاكانية التي قدَّم فيها لاكان مفهوم الدوال(Les signifiants) (الوحدات المكونة للا وعي) بوصفها أولية ومستقلة. وفي المرحلة الثالثة، ستقودنا قراءة جدلية الواحد والمتعدد إلى التمييز بين “أنا” الكوجيتو وموضوع اللا وعي، إذ تتخذ هذه الجدلية صورة العلاقة بين وَحْدة “الآخر”—الموضوع الحقيقي للا وعي(le vrai sujet de l’inconscient)—وتعدد “الأنا” الخاصة بالـ “إيغو”. وسيُرسم “الآخر”(L’Autre) بوصفه موضوعًا للا وعي(sujet de l’inconscient) في علاقته بـ “أنا” الكوجيتو، فيما يفتح نزعُ الأنطولوجيا désontologisation عن الكائن اللاكاني الطريقَ أمام إعادة أنطولوجيا جديدة. إن الإسهام في قراءة جدلية الواحد والمتعدد، من خلال المنظور اللاكاني، سيكشف عن أفقٍ صوفي خافتٍ عند لاكان، إذ تُقرأ جدلية الواحد والمتعدد عبر تعدد اختلالات الكائن على خلفية وَحْدة منسجمة منفتحة على اللا متناهي (الدراسة الثانية).

إرث لاكان

الإرث النفسي: جان بياجيه (مفهوم البِنية)

إن الرؤية البِنيوية عند لاكان تستند بصورة جوهرية إلى إسهامات علم النفس عند جان بياجيه. مستقل. يُعد جان بياجيه من أبرز منظري علم نفس النمو، وقد اشتهر بتحليله لمراحل تطور الذكاء عند الطفل وبفكرته الأساسية التي ترى أن المعرفة لا تُعطى جاهزة، بل يبنيها الطفل تدريجيًا بتفاعله النشط مع العالم. وقد أثر هذا التصور في جاك لاكان من زاويتين أساسيتين: فمن جهة، استفاد لاكان من فكرة البناء التدريجي للمعرفة ليؤكد أن الذات ليست مُعطًى ثابتًا أو جوهرًا مكتملاً، بل هي بِنيةٌ تَتَكَوَّنُ داخل اللُغة وتُعاد صياغتها باستمرار عبر الدوال. ومن جهة أخرى، أثرت أعمال بياجيه بخصوص علاقة الطفل بالآخر في تطوير لاكان لمفهوم مرحلة المرآة(Le stade du miroir) ، التي تتكون فيها الأنا داخل شبكة من التمثلات والصور المتبادلة، لا بوصفها ذاتًا مستقلة، بل بوصفها نتاجًا لعلاقة مع الآخر تُبنى تدريجيًا وتظل منقسمة في جوهرها.

يُعرف بياجيه البِنية بوصفها نظامًا مترابطًا من التحولات تحكمه قوانين ثابتة، يعمل هذا النظام عملَ الوَحْدة المتكاملة لا بوصفه مجموعةَ عناصرَ منفصلةٍ. وتمتلك البِنية القدرة على الحفاظ على نفسها والتطور من داخلها عبر آليات التحول الخاصة بها، من غير أن تحتاج إلى عناصر خارجية أو أن تتجاوز حدودها. وتمتاز كل بِنية، وَفْق بياجيه، بثلاث خصائص أساسية: الكلية، والتحول، والتنظيم الذاتي.[1]

الكلية تعني أن البِنية ليست فقط تجميعًا ميكانيكيًا لعناصر منفصلة، ولكنْ هي نظامٌ تتولد خصائصه من العلاقات التي تربط بين هذه العناصر، بطريقة يصبح بها الكُل أكبر من مجموع أجزائه، لأن العناصر لا تعمل منفردة، بل داخل شبكة من التفاعلات التي تمنح البِنية هيئتها ووظيفتها. فالعنصر الواحد لا يكتسب معناه إلا من موقعه داخل النظام، تمامًا كما لا يُمكن فهم كلمة خارج الجملة التي تنتمي إليها. وثانيًا، التحول يُشير إلى أن البِنية ليست ثابتة أو جامدة، بل تخضع لعمليات داخلية منظمة تحكمها قوانين تركيب دقيقة، وهذه القوانين تُحدد كيف تتغير العلاقات بين العناصر وكيف تتولد عمليات جديدة من داخل النظام نفسه؛ فالبِنية تتحرك وتتطور وَفْق منطقها الداخلي، وليس بفعل قوى خارجية تُفرض عليها. وهذا يعني أن كل عملية تحدث داخل البِنية — مثل دمج عنصرين أو تعديل علاقة — تُنتج عنصرًا جديدًا يظل منسجمًا مع البِنية وخاضعًا لقوانينها. أما ثالثًا، التنظيم الذاتي فهو قدرة البِنية على الحفاظ على تماسكها واستقرارها عن طريق آليات داخلية تُعيد ترتيب العلاقات بين عناصرها كلما حدث خلل أو تغير؛ فالبِنية قادرة على تصحيح نفسها، وإعادة بِناء توازنها، وتوليد حلول من داخلها دون الحاجة إلى تدخل خارجي. فإذا أدَّت عملية ما إلى ظهور عنصر جديد، فإن هذا العنصر يُدمَج تلقائيًا في النظام ويصبح جزءًا من بِنيته، ما يعني أن البِنية تمتلك قدرة على إعادة إنتاج ذاتها وتطويرها باستمرار. وهكذا، تظهر البِنية عند بياجيه ظهورَ الكِيان الدينامي، المتماسك، القادر على النمو الذاتي، وعلى توليد أنماطٍ جديدة من التنظيم انطلاقًا من قوانينه الداخلية، لا من عوامل مفروضة عليه من الخارج[2]“.

إن احتفاظ البِنية بذاتها، في التصور البِنيوي عند بياجيه، لا يعني أنها ترفض التغيير أو تقاوم أي تعديل في القوانين التي تُنظم عملها، بل يعني أنها تمتلك قدرة داخلية على استيعاب العناصر الجديدة وإعادة ترتيب نفسها بما ينسجم مع هذا الإدماج. فحين يدخل عنصر جديد إلى البِنية، لا تقوم البِنية بابتلاعه أو إذابته ليختفي أثره دون أن تتغير، ولا ترفضه أيضًا رفضًا مطلقًا يحول دون تطورها؛ بل تُعيد تنظيم علاقاتها الداخلية بطريقة تسمح لهذا العنصر بأن يصبح جزءًا من نظامها، وفي الوقت نفسه تُحْدِث هي نفسها تحولاً يتلاءم مع وجوده. وهذا ما يجعل البِنية كِيانًا حيًا قادرًا على التكيف، لا منظومة مغلقة جامدة. فتماسك البِنية لا يقوم على ثباتها أو جمود قوانينها، بل على مرونتها البِنيوية وقدرتها على التحول الذاتي، أي على قابليتها لإعادة بناء توازنها الداخلي كلما دخلت عناصرُ جديدة أو تغيرت العلاقات بين مكوناتها. وهكذا يصبح الاستقرار الحقيقي للبِنية نابعًا من ديناميتها، لا من انغلاقها، ومن قدرتها على التطور المستمر، لا من تمسكها بنمطٍ ثابتٍ لا يتغير[3].

تقوم كل بِنية، في منظور الفكر البِنيوي، على مقامٍ متعالٍ يعلو على عناصرها الجزئية، ويتمثل في مجموعة من القوانين المعيارية التي تمنحها انتظامها الداخلي ومعناها، وهي قوانين لا يُمكن اختزالها في مجموع القواعد التي تحكم كل عنصر على حِدَةٍ. فالبِنية ليست محض تراكم ميكانيكي لأجزائها، وإنما يحكمها مستوى أعلى من التنظيم يفرض عليها نمطًا من الانسجام، ويمنحها قيمة تتجاوز العناصر المكوِنة لها. ويمكن توضيح هذا المقام المتعالي بالعودة إلى ما يسميه دوركهايم “السلطان الأخلاقي للمجتمع”(l’ascendant social) ؛ فهذا السلطان، كما يشرحه دوركهايم، ليس ناتجًا عن جمع التمثلات الفردية، بل هو كِيانٌ ذو طبيعة خاصة: قابل للتواصل بين الأفراد، قابل للتعميم على الجماعة، غير شخصي، وأكثر ثباتًا واستقرارًا من أي رأي فردي. إنه نتاج العقل الجمعي كله، ويحمل بصمة وَحْدةٍ رمزية تتغذى منها العقول الفردية وتستمد منها معاييرها. وهذه التمثلات الجمعية ليست محايدة أو ضعيفة التأثير، بل تمتلك قوة إلزامية تجعلها تفرض نفسها على الأفراد، وتوجه سلوكهم، وتحدد ما يُعد مقبولاً أو مرفوضًا داخل الجماعة. وهكذا يظهر “المقام المتعالي” بوصفه البعد الذي يمنح البِنية معناها، ويضمن انسجامها، ويجعلها أكثر من مجموع عناصرها فحسب.

ومن هذا المنظور، يبدأ الفرد – ولو على نحوٍ غامض وغير مكتمل – بإدراك أن فوق تمثلاته الشخصية وعالمه الذاتي المحدود، توجد طبقة عليا من المفاهيم النموذجية التي ينبغي الاحتكام إليها في تنظيم التفكير وتوجيهه. فهو يلمح، من داخل تجرِبته المعرفية، وجود مملكة فكرية مشتركة ينتمي إليها مع الآخرين، لكنها في الوقت نفسه تتجاوزه وتتخطى حدوده الفردية، لأنها ليست نتاج وعيه الخاص، بل نتاج بِنية أوسع منه. وهكذا يصبح هذا “المقام المتعالي البِنيوي” شبيهًا بما وصفه دوركهايم حين تحدث عن السلطان الأخلاقي للمجتمع: مستوى من القواعد والمعايير لا يمكن اختزاله إلى مجموع الأفراد، بل هو الذي يوجههم ويؤطر سلوكهم ويمنحهم معايير الحكم والتقييم. إنه البعد الذي يجعل البِنية أكثر من مجموع عناصرها، ويمنحها قدرة على إنتاج المعنى وتوليد القيمة بطريقة لا يمكن استنباطها من العناصر منفصلة، لأن معناها لا ينبع من الأجزاء، بل من العلاقة التي تربط بينها ومن النظام الكلي الذي يعلو عليها ويمنحها هيئتها ووظيفتها[4]. غير أن هذا “المقام المتعالي البِنيوي” نفسه يتبدل تبعًا لتغير تكوين البِنية نتيجة إدماج عناصر جديدة أو استبعاد أخرى. ووفق بياجيه، فإن القوانين التي تُميز البِنية تختلف عن تلك التي تحكم عناصرها عندما تُدرس كلٌ على حِدَةٍ. وهذا أول استنتاج ينبغي الاحتفاظ به كلما تناولنا بِنية اللُغة في الفكر اللاكاني، إذ إن لاكان يبني نظرياته اعتمادًا على هذه المبادئ البِنيوية. فاللا وعي عند لاكان هو بِنيةٌ تتصف بالخصائص الثلاث المذكورة: الكلية، والتحول، والتنظيم الذاتي.

يبِني لاكان تصوره للا وعي على هذه الأسس البِنيوية، غير أن عناصر بِنيوية أخرى استقاها من اللسانيين جاءت لتُضاف إلى هذا البناء. فكان لـ فردينان دو سوسير دورٌ مركزيٌ وجوهريٌ في بناء فكر لاكان.  فردينان دو سوسير هو عالم لغوي سويسري يُعد المؤسِس الفعلي للسانيات البِنيوية في القرن العشرين. اشتهر بفكرته الأساسية أن اللُغة نظام من العلاقات، وأن معنى الكلمة لا يأتي من جوهرها، بل من اختلافها عن الكلمات الأخرى داخل البِنية اللُغوية. كما ميز بين الدال (الصوت/اللفظ) والمدلول (الفكرة)، مؤكدًا أن العلاقة بينهما اعتباطية وتُبنى داخل النظام اللُغوي نفسه. أما تأثيره في لاكان فكان عميقًا وحاسمًا؛ إذ استند لاكان إلى سوسير ليؤكد أن اللا وعي مُنظَّم مثل لغة، وأن الذات تَتَكَوَّنُ داخل شبكة من الدوال لا داخل جوهر نفسي ثابت. كما تبنَّى لاكان فكرة الاختلاف البِنيوي، ليشرح كيف يتحرك المعنى داخل اللا وعي، وكيف يتحدد “الموضوع” عن طريق موقعه داخل سلسلة دوال لا تتوقف عن الانزلاق والانزياح.

فضلاً عن ذلك، فقد ظهر المنظور البِنيوي في اللسانيات مع إدخال البعد التزامني في دراسة اللُغة. وهذا الإدخال، الذي ندين به لفرديناند دي سوسير(Ferdinand de Saussure)، يُقرر أن دراسة اللُغة لا يمكن أن تُختزل في منظور تعاقبي صرف، أي منظور تاريخي. فالرجوع إلى تاريخ الكلمة لا يكفي لتفسير معناها الراهن، لأن هذا المعنى يتحدد داخل نظام اللُغة نفسه. وهذا النظام يقوم على جملة من قوانين التوازن التي تخضع مباشرة لمقتضيات التزامن. وإلى جانب ذلك، توجد علاقة جوهرية بين الدلالة(sens)  والعلامة(signe)  لا يُمكن إدراكها إلا من خلال المنظور التزامني(synchronie) ، إذ هو وَحْده الذي يسمح بفهم كيفية اشتغال العلامة داخل شبكة العلاقات التي تمنحها معناها في اللحظة الحاضرة. [5]

انطلاقًا من هذه المعطيات اللسانية، سيعمل لاكان على تطبيق “هذه الاستراتيجية البِنيوية في صميم الحقل التحليلي نفسه”. فهو يقوم بـ “حقن عدد من المبادئ المستعارة من اللسانيات البِنيوية في صلب بناء النظرية التحليلية”[6]. ومن هنا تنشأ “مُماثلة بِنيوية[7] (analogie structurale) بين بعض عمليات اللُغة والدينامية اللا واعية”، إذ إن “مفهوم البِنية لا يحتل موقعًا مركزيًا في أعمال لاكان إلا لكونه يُحيل باستمرار إلى بِنية اللُغة”[8]. وعند هذا الحد يبرز سؤال جوهري: ما طبيعة العلاقة التي تربط بِنية اللُغة بـ بِنية اللا وعي؟ هل هي علاقة استعارة؟ أم مماثلة؟ أم تطابق كامل بين البِنيتين؟ لقد اتهم بعض اللسانيين لاكان بأنه يستخدم اللُغة استخدامًا استعاريًا لتفسير اللا وعي. غير أن لاكان يرفض هذا الاتهام، لأنه يرى أن اللُغة نفسها مؤسسة على الاستعارة، وأن الاستعارة ليست محض أداة تفسيرية، وإنما هي الشرطُ الذي يجعل اللُغة ممكنة. فاللُغة، في جوهرها، لا تعمل إلا عبر الإحالة إلى شيء بواسطة شيء آخر. ويشرح لاكان أنه من الغريب ألا يرى اللسانيون أن كل استعمال للغة، أيًا كان، يتحرك داخل الاستعارة، وأنه لا وجود للغة إلا بوصفها استعارية. فأي محاولة للحديث عن اللُغة من خارجها تكشف أن المرجع اللُغوي لا يكون أبدًا مطابقًا لما يُفترض أنه يشير إليه، وهذا بالذات ما يجعل اللُغة لغة. فكل تعيين لُغوي هو تعيين عبر وسيط، أي استعارة. حتى عندما نشير إلى شيء ما بقولنا “هذا”، فإن تسميته “هذا” يعني أننا اخترنا دالاً يختزل الشيء في صيغة لُغوية، مع أن الشيء في ذاته ليس “هذا”. ويتبدل هذا الدال تبعًا للسياق وللاستعمال، تبدلاً لا يُمَكِّنُ اللُغة أن تُمسك بالشيء مباشرة، بل دائمًا عبر دال يحل محله. فاللُغة لا تُعطي الشيء، بل تُعطي تمثيله الدالي. ومن هنا يصل لاكان إلى نتيجة حاسمة: اللُغة هي استعارة في ذاتها، وتعمل بالاستعارة، وتنتج الاستعارة، لأن الاستعارة هي طبيعتها ووظيفتها في آن واحد. فاللُغة استعارة، وتستخدم الاستعارات، وفي الوقت نفسه لا يُمكن أن توجد إلا بوصفها استعارة[9].

وعليه، فإن فهم اللا وعي عند لاكان يقتضي بالضرورة فهم كيفية تَكوُّنِ اللُغة، والوقوف على القوانين التي تُنظمها. فالمصادر اللسانية التي يعتمد عليها لاكان تستند أساسًا إلى أعمال فرديناند دي سوسير ورومان ياكوبسون(Roman Jakobson) . ومن ثم، يصبح من الضروري استعراض هذه الأُسس اللسانية قبل الولوج إلى البِنية اللا واعية كما يصوغها لاكان.

الإرث اللساني: دي سوسير وياكوبسون (العلامة اللسانية واللُغة)

العلامة اللسانية (le signe linguistique)

وفقًا لفرديناند دي سوسير، “توحِّدُ العلامةُ اللسانيةُ ليس بين شيءٍ واسمه، بل بين مفهومٍ وصورةٍ سمعية. وهذه الأخيرة ليست الصوت المادي، أي الشيء الفيزيائي الخالص، بل الأثر النفسي لهذا الصوت، والتمثيل الذي تنقله إلينا حواسنا؛ فهي حسية، وإذا حدث أن وصفناها بـالمادية، فذلك فقط بهذا المعنى وبالمقابلة مع الطرف الآخر من العلاقة، أي المفهوم، الذي يكون عادةً أكثر تجريدًا[10] “. يرى دي سوسير أن العلامة(le signe) تُشير إلى الوَحْدة اللسانية، ويسمي المفهوم بالمدلول عليه (signifié)، والصورة السمعية بالدال (signifiant). وهكذا تصبح العلامة علاقةً تربط بين دال ومدلول، ويمكن تمثيلها على النحو الآتي:

الشكل 1: العلامة بوصفها علاقة بين الدال والمدلول

تُعَدُّ العلامة اللسانية العنصر الأساسي في نظام اللُغة، والوَحْدة الجوهرية الكامنة في بِنية الخطاب اللُغوي. وتمتلك هذه العلامة خصائص مميزة ينبغي التوقف عندها وفحصها بدقة. وتتمثل هذه الخصائص فيما يلي:

أ) اعتباطية العلامة l’arbitraire du signe ؛

ب) ثبات العلامة l’immutabilité du signe ؛

ج) قابلية العلامة للتغير l’altération du signe ؛

د) الطابع الخطي للدال. le caractère linéaire du signifiant

أ) اعتباطية العلامة

تتجلى اعتباطية العلامة في مستوى اقتران الدال بالمدلول لتكوين علامة مشتركة داخل جماعة لُغوية أو شعب معين، بطريقة يُحيل بها هذا الاقتران، كلما استُحضرت العلامة، إلى المدلول نفسه الذي اتُفق على ربطه بدال معين. ومن منظور اللساني، فإن العلاقة بين الدال والمدلول علاقة اعتباطية، غير أن هذا الاعتباط إنما يَهْدِفُ إلى إنشاء علامة مشتركة بين جميع أفراد الجماعة اللُغوية. فهو اختيارٌ واحد من بين احتمالات عديدة ممكنة لربط دال بمدلول، ثم تثبيت هذا الاختيار والاتفاق عليه. ولا يعني وصف العلاقة بالاعتباط أن المتكلم يملك حرية اختيار الدال كما يشاء، بل إن المقصود هو أن العلاقة بين الدال والمدلول غير مُعلَلة، أي أنها “اعتباطية مقارنة بالمدلول الذي لا تربطه به أي علاقة طبيعية في الواقع[11]“، كما يوضح دي سوسير.

ب) ثبات العلامة

بعد أن يُختار الدال بحرية جزئيةٍ قياسًا إلى الفكرة التي يُمثلها، فإن “هذا الدال، ما إن يُختار، حتى يفرض نفسه على الجماعة اللُغوية […] وبهذا المعنى يصير ثابتًا. ومن ثم ينبغي الإقرار بأن اعتباطية العلامة هي، بطريقة ما، أصلُ خضوع الجماعة اللُغوية للغة”. وهكذا تغدو اللُغة بمنزلة مقامٍ متعالٍ بِنيوي[12] على مجموع أفراد الجماعة، وبما أنها بِنية لُغوية، فإن ذلك يعني أن هذه البِنية، بما تمتلكه من قوانين خاصة بها (تختلف عن مجموع قوانين وحداتها عندما تُؤخذ منفصلة)، هي بِنية قِيَمية(axiologique) . وبحكم كونها سلطةً تعلو الجماعة، فإن هذه البِنية اللُغوية تعمل على تَقْنين الجماعة وإخضاعها لقوانينها، وتصبح في الوقت نفسه الدعامة الأساسية للإنسانية التي ينبثق منها الكائن المتكلم[13]. فنحن لا نتحدث عن ذات (“الأنا”) تُنشئ اللُغة، بل عن ذات تولد داخل اللُغة، أي أن “الأنا” يظهر بوصفه نتاجًا لبِنية لُغوية سابقة عليه، لا بوصفه مصدرًا لها[14].

ج) تغير العلامة

إن تغير العلامة “هو نتيجة الممارسة الاجتماعية للغة عبر امتداد الزمن. فإذا كانت العلامة اللسانية قادرة على الاستمرار بسبب ثباتها، فإن استمرارها نفسه هو ما يجعلها قابلة للتغير. نحن إذن أمام علاقة تبادلية متناقضة بين الثبات والتغير[15]“. ويطال هذا التغير كلاً من المدلول (تغير المفهوم) والدال (تغير الصورة السمعية). غير أن قابلية العلامة للتغير ليست مرتبطة بالزمن وَحْده، بل تتعلق أيضًا بظرفيتها المكانية–الزمانية، الفردية والجماعية. فحين تنتقل العلامة، التي اكتسبت معناها على المستوى الجماعي، إلى مستوى الاستعمال الفردي، تتعرض لتغير ناتج عن ذاتية المتكلم، الأمر الذي يمنع اختزال الدلالة الجماعية في الفرد، كما يمنع في المقابل اختزال الدلالة الفردية في الجماعة. وهكذا تنشأ جدلية بين المستويين. ويمكن تمثيل هذه الجدلية في نمطٍ مقتبسٍ من عالم الأعصاب المعاصر جون كرو إيكليس(John Crew Eccles) ، يوضح العلاقة بين الوعي بالذات والثقافة عبر الزمن (الصورة 2).

يُمكن تشبيه هذه العلاقة بـ “بِنية مزدوجة (الصورة 2) ترتفع وتنمو عبر نظام من العلاقات المتبادلة[16]“. ويُمكن أن نرى في هذه الصورة “التمثيل الرمزي لتحقق الشخص[17]“، وذلك من خلال حركة ذهابٍ وإيابٍ متواصلة بين العالَم الثاني (الذاتية أو المستوى الفردي) والعالَم الثالث (المجتمع والثقافة، أو المستوى الجماعي). فالتطور الشخصي يظهر هنا بوصفه نتاجًا لتفاعلٍ دينامي بين البِنية الفردية والبِنية الثقافية، فيؤثر كل منهما في الآخر ضمن سيرورة متبادلة ومتنامية.

الصورة 2: تمثيل تخطيطي للعلاقات التي توحِّد بين تطور الوعي بالذات وتطور الثقافة

المصدر: الصورة مُستعادة من كتاب جون كرو إيكليس، تطور الدماغ وخلق الوعي، باريس، دار شامبس فلاماريون، 1994.John Crew Eccles. Évolution du cerveau et création de la conscience, Paris, Champs Flammarion, 1994.

د) الطابع الخطي للدال

لقد أشرنا سابقًا إلى أن اللُغة بِنية “لأنها، إلى جانب عناصرها، تفترض وجود قوانين تحكم العلاقات بين هذه العناصر. وهذه القوانين تظهر فور مقاربتنا لـلطابع الخطي للدال[18] “( caractère linéaire du signifiant)، وهو ما يسميه لاكان السلسلة الدالة (la chaîne signifiante). فالخطية هنا تعني أن الدال لا يُمكن أن يتحقق إلا في امتداد زمني متتابع، تتوالى فيه الوَحدات الصوتية واحدة بعد أخرى، ولا يمكن أن تُدرَك إلا ضمن هذا الترتيب الذي تفرضه بِنية اللُغة نفسها. ومن ثم، فإن انتظام الدوال في خطٍ واحد هو ما يسمح بتوليد المعنى، ويجعل من اللُغة نظامًا تحكمه قوانين داخلية تنظم هذا التتابع وتمنحه دلالته.

يُستحضَر اللساني دي سوسير كثيرًا بوصفه مرجعًا أساسيًا، غير أن لاكان، بخلافه، “يفترض استقلالية بين الدال والمدلول ويُصر على انفصالهما[19]“. وهكذا تصبح علاقة الإنسان بالمجال الرمزي “علاقة الإنسان بالدال[20]“. وتتغير الإحالة إلى سوسير في الاتجاه الذي يجعل الدال، الذي كان عنده عنصرًا صوتيًا لا ينفصل عن مدلوله، يتحول عند لاكان إلى عنصر لُغوي “ذي طابعٍ مادي[21] “، أو ما يسميه “الحرف”، أي “ذلك الدعامة المادية التي يستعيرها الخطاب الملموس من اللُغة[22]“. وبذلك يصبح الدال قابلاً للانفصال عن المدلول، بل إن “الدال كلما قلَّت دلالته ازداد صلابةً واستعصى على التدمير[23]“. ويُختزل الرمزي، في هذا المنظور، إلى “مجموعة من الظواهر المُشفَّرة”، “تتقدم فيها استقلالية الدال وأولويته[24]” على أي عنصر آخر. وفي النهاية، يتكوَّن محتوى اللا وعي من دوال، “تصبح فيها طبيعة الدال مسألة ثانوية جزئيًّا، في حين تتقدم وظيفته، ويُصبح التركيز موجهًا نحو العلاقة بين الدوال بعضها ببعض[25]“.

يقول فرديناند دي سوسير: “إن اللُغةَ أشبه بورقة ؛ فالدال هو وجهها الأمامي، والمدلول هو وجهها الخلفي. ولا يمكن قص الوجه الأمامي دون قص الوجه الخلفي في الوقت نفسه؛ وكذلك في اللُغة، لا يمكن عزل الدال عن المدلول ولا الفكر عن الصوت[26]“. عند سوسير، يُكَوِّنُ الثنائي مدلول/دال وَحْدةً لا تنفصم، وهي الوَحْدةُ الأساسية الأكثر بساطة في اللُغة. فلكل دال يقابله بالضرورة مدلول، تمامًا كما أن لكل نقطة على وجه الورقة الأمامي نقطةً مناظرة على وجهها الخلفي. وتنشأ اختلافات المعنى من تنويع طريقة انتظام هذه الأزواج داخل السلسلة اللُغوية. وإذا عدنا إلى مثال الورقة، فإن تغير الدلالة يرتبط باختلاف طرق طي الورقة، مع العلم أن كل نقطة على الوجه الأمامي تظل مرتبطة بالنقطة نفسها على الوجه الخلفي، مهما اختلفت طريقة الطي أو كثافة الورق. وبذلك يبقى كل دال مقترنًا بمدلوله نفسه، رغم تغير البِنية التي تنتظم فيها هذه الأزواج داخل السلسلة.

عند لاكان، لا تسير الأمور على النحو نفسه الذي نجده عند سوسير. فالدوال عنده يُمكن أن تنفصل عن مدلولاتها، وأن تتحرك مستقلة عنها لتنتظم في تكوينات جديدة؛ إذ يُمكنها الانتقال (وهو ما يسميه بالـمِجاز المرسل أو المِتُونيمياmétonymie)، أو التكثف (وهو ما يسميه بالاستعارة أو المِتافوراmétaphore). وتتم هذه الحركات من انتقال وتكثيف على نحو لا واعٍ، بطريقة تُعيد صناعة السلسلة الدالة بطريقة تجعلها تُحيل إلى مدلول آخر غير ذلك الذي تعرض للكبت في الأصل. وعن طريق عمل لُغوي يُعيد تعقب مسار الاستعارة والمجاز المرسل، ولكنْ في الاتجاهٍ المعاكس، يصبح بالإمكان استعادة المدلول المكبوت والمنفصل عن داله. ويشدد لاكان على أن “الجهل بالدور الأساسي للدال، والجهل بأن الدال هو في الواقع العنصر الهادئ، لا يُخِلُّ فقط بفهمنا الأصلي للظواهر العصابية ولتفسير الأحلام، ولكنْ يجعلنا عاجزين تمامًا عن فهم ما يحدث في الذُهانات psychoses  […] لأن الدال هو الأداةُ التي يُعبَّر بها عن المدلول المتلاشي [27]signifié disparu “.

لأجل التوفيق بين التصورين، السوسيري واللاكاني، يصبح من الضروري تناول مفهومي الاستعارة والمجاز المرسل، بدءًا بالاستعارة وبالتمثيل الذي يقدمه لاكان لهيمنة الدال، مع الأخذ في الاعتبار الطابع الاعتباطي للعلامة. غير أن مقاربة الاستعارة بوصفها آلية دالة تستدعي أولاً إلقاء نظرة على محوري اللُغة، لما لهذين المحورين من دور أساسي في فهم كيفية اشتغال الدوال داخل البِنية اللُغوية وفي تفسير التحويلات التي تطرأ عليها في اللا وعي.

المحوران الأساسيان للغة

بعد عرض الخصائص الأساسية للعلامة اللسانية التي ابتكرها دي سوسير، والتي بنى عليها لاكان تصوره لبِنية اللا وعي بوصفه لغة، يصبح من الضروري الانتقال إلى محورَي اللُغة وتتبع الخُطوط الكبرى التي رسمها رومان ياكوبسون في هذا السياق. ففهم هذين المحورين يُمَثِّلُ مدخلاً أساسيًا يمكننا لاحقًا من استيعاب كيفية توظيف لاكان لكلٍ من: الاستعارة والمجاز المرسل في تفسير دينامية الدوال داخل اللا وعي.

وفقًا لياكوبسون، واللسانيين بوجهٍ عام، فإن “التكلم يقتضي القيام بسلسلتين من العمليات في آنٍ واحد: فمن جهة، اختيار عدد من الوحدات اللُغوية من المعجم؛ ومن جهة أخرى، تركيب الوحدات المختارة بعضها مع بعض […] فالاختيار، بما أنه يفترض انتقاء مصطلح من بين مصطلحات أخرى، ينطوي على إمكان استبدال الوحدات بعضها ببعض. أما التركيب، فيستدعي نوعًا معينًا من انتظام الوحدات اللُغوية [28] […] “. وعليه، تُعرَف محاور اللُغة انطلاقًا من هاتين العمليتين:

  • فمحور الاختيار يقابله المحور الاستبدالي (الباراديغماتي l’axe paradigmatique )،
  • ومحور التركيب يقابله المحور التركيبي (السنتاغماتي[29] l’axe syntagmatique).

لا ينبغي أن نغفل أنه في الصورة الصوتية الواحدة، قد يرتبط بها مدلولان محتملان، مما يفضي إلى معنيين مختلفين[30]“. وإذا أخذنا مثال سوسير، فإن الصورة الصوتية نفسها (الدال) تُستعمل للدلالة على مفهومين مختلفين (مدلولين)، هما: “Je l’apprends” و “Je la [31]prends”. ومن هنا، فإن السياق هو الذي يُحدد معنى العلامة. فـ “القول بأن السياق يُحدد العلامة لا يعني سوى أن العلامة لا تكون علامة إلا بوظيفتها داخل السياق. وهذا السياق نفسه ليس سوى مجموعة من العلامات الأخرى. ومن ثمَّ فإن حقيقة العلامة اللُغوية لا تقوم إلا من خلال علاقتها بجميع العلامات الأخرى[32]“. وهذا ما يُسميه سوسير قيمة العلامة: “ففي اللُغة، لكل مصطلح قيمته من خلال تعارضه مع جميع المصطلحات الأخرى[33]“، تمامًا كما أن “قيمة القطع في رقعة الشطرنج تعتمد على موقعها على الرقعة[34]“. وعليه، فإن الفكرة التي تستقر في صوتٍ ما لا تُختزل في علاقة مفهومٍ (مدلول) بصورة صوتية (دال)، لأن هذه العلاقة نفسها مشروطة بالسياق الذي تنغمس فيه العلامة، أي بالسياق الذي توجد فيه علامات أخرى (علاقة الدال بالمدلول). ومن ثم، فإن المعنى والقيمة اللُغوية لكل علامة يتحددان داخل استمرارية انتظام العلامات، أي داخل انتظام أزواج الدال/المدلول. وهذا ما يسمح بالقول إن تعريف الوَحْدة اللُغوية (العلامة أو زوج الدال/المدلول) مرتبط مباشرة بالبِنية الكلية التي تقيم داخلها، وفي الوقت نفسه تسهم في تأسيسها. فنحن من جهة، أمام نظام يتحدد من داخل وحداته الأساسية التي يتكون منها، أي العلامات أو العلاقات بين الدال والمدلول، مع العلم أن هذا النظام لا يُمكن اختزاله إلى مجموع وحداته. ومن جهة أخرى، نحن أمام وحدات أساسية (العلامات أو علاقات الدال بالمدلول) لا يُمكن تعريفها تعريفًا مستقلاً خارج انخراطها في النظام، وإلا تعرض معناها للتشوه. وهذا يعني أن المعنى الذي يُمنح لعلامة ما لا ينفصل عن مشاركتها في نظام العلامات الذي تنتمي إليه، أي عن بِنيتها الكلية.

انطلاقًا من هذا الأساس، وعند العودة إلى الاستعارة، نجد أنها تنتمي إلى المحور التركيبي (السنتاغماتي)، لأنها تُنجز على مستوى تركيب الوحدات اللُغوية (أزواج الدال/المدلول). فالاستعارة “تقوم على تسمية شيء بواسطة شيء آخر. وهي، بالمعنى الكامل للكلمة، استبدال دالٍ بدالٍ آخر”، كما يُعَبِّرُ لاكان. وبما أن الاستعارة تُظْهِرُ أن المدلولات لا تستمد اتساقها إلا من شبكة الدوال، فإن طابع هذا الاستبدال الدالي يبرهن على استقلالية الدال عن المدلول، ومن ثمَّ على هيمنة الدال[35]. ولنأخذ مثالَ استعمال الأسد للدلالة على الرجل الشجاع:

  • في عبارة “رجل شجاع” نجد الزوج S1/s1، إذ يُمَثِّلُ S1 الصورة الصوتية لعبارة “رجل شجاع”، ويُمثل s1 مفهوم “الرجل الشجاع”.
  • وفي كلمة “أسد” نجد الزوج S2/s2، إذ يُمَثِّلُ S2 الصورة الصوتية لـ “أسد”، ويُمثل s2 مفهوم “الأسد”.

عند التذكير بالطابع الاعتباطي للعلامة كما سبق شرحه، يتبين أن هذا الاعتباط يظهر على مستوى اقتران دالٍ بمدلولٍ داخل جماعة لُغوية معينة، فيصبح هذا الاقتران ثابتًا ومتفقًا عليه. فكلما استُعمل الدال، أعادنا إلى المدلول نفسه الذي ارتبط به اجتماعيًا. ومن هنا، يبدو أن كل دال يُحيل بالضرورة إلى مدلول محدد. لكنْ كيف تحدثُ إذن الاستعارة؟ وكيف يُمكن لشيء أن يُسمى بواسطة شيء آخر؟ وبالعودة إلى مثالنا: كيف يُمكن لـ “الأسد” أن يُحيل إلى “الرجل الشجاع”؟

إذا علمنا أن S1 يحيل إلى s1 وأن S2 يحيل إلى s2، فقد يبدو للوهلة الأولى أن نقل S2 ليأخذ مكان S1، فنحصل على الزوج S2/s1، يُمكن أن يحقق المطلوب. غير أن العودة إلى الطابع الاعتباطي للعلامة تُظْهِرُ أن “الاستبدال الدالي، لو اقتصر على محض استبدال دالٍ بآخرَ، لأنتج علامة جديدة لا استعارة”[36]. وكي تتحقق الاستعارة، يجب ضم الزوجين معًا مع الحفاظ على اقتران كل دال بمدلوله الأصلي (أي يجب أن يبقى S1 مقترنًا بـ s1، وS2 مقترنًا بـ s2 وهكذا نحصل على علاقة بين زوجين: (S1/s1) / (S2/s2) في هذا البناء، يصبح الدال هو الزوج S1/s1، ويصبح المدلول هو الزوج S2/s2 وهذا ما يقود مباشرة إلى ظاهرة التكثيف (condensation)  التي تُعد السمة الأساسية للاستعارة. وفي سياق الكبت، يحصلُ هذا التكثيف الاستعاري على نحو لا واعٍ، ويظهر الدال الناتج عنه في أشكال متعددة: في الأحلام، وفي الذُهانات، وفي العُصابات، وفي زلات اللسان وغيرها من التمثلات اللا واعية. فالاستعارة هنا ليست فقط تحويلاً لُغويًا، بل هي آلية اشتغال للا وعي نفسه، إذ يتكثف دالان في موضع واحد، فيحمل الدال الظاهر أثر الدال المكبوت.

الجواب يكمن إذن في أن الاستعارة لا تعمل على مستوى الاقتران الأصلي بين الدال والمدلول، بل على مستوى العلاقات بين الدوال داخل البِنية اللُغوية. فالاستعارة ليست نفيًا لاعتباطية العلامة، بل هي استثمار لبِنية اللُغة نفسها، التي لا تُستبدل المدلولات، بل تُستبدل الدوال داخل سلسلة دالة واحدة. في مثال “الأسد” للدلالة على “الرجل الشجاع”، لا يحدث انتقال مباشر من s2 (مفهوم الأسد) إلى s1 (مفهوم الرجل الشجاع). ما يحدث هو الآتي: الدال S2 (“أسد”) يحل محل الدال S1 (“رجل شجاع”) داخل السلسلة. هذا الاستبدال الدالي يُنتج تكثيفًا (condensation)يجعل الدال الجديد (S2) يحمل داخله أثرَ المدلول المكبوت s1 فيصيرُ “الأسد” دالاً ذي طبقتين: طبقته الظاهرة: s2 مفهوم الأسد)، وطبقته الضمنية: s1 (مفهوم الشجاعة. بهذه الطريقة، لا يُلغى المدلول الأصلي، بل يُعاد تشفيره داخل دال آخر. وهذا ما يُسميه لاكان الاستبدال الدالي الذي يُنتج المعنى الاستعاري. فالأسد لا يُحيل إلى الرجل الشجاع لأن هناك علاقة طبيعية بينهما، بل لأن شبكة الدوال في اللُغة تسمح بأن يُعاد ترتيبها ترتيبًا يحمل فيه دالٌ ما دلالةً جديدة عبر موقعه الجديد في السلسلة.

ليس من دون سبب يعترف ميشال أريفيه Michel Arrivé  بأن “الدوال اللاكانية تُمَثِّلُ مجموعة تبدو شديدة التنوع واللا تجانس [37]hétéroclite “. فمن هذه التذبذبات oscillations في تحديد لاكان للدال تنشأ مرونة تأويلية: فعند ألان جورنفيل Alain Juranville ، الدوال هي “تمثلاتٌ للشيء[38]“؛ أما رولان غوري Roland Gori فيرى أنها كلماتٌ، أو فونيمات، أو مقاطع مختارة بعناية. ويرى جان-كلود ميلر Jean-Claude Miller أن الدوال عناصر حدية، محض تفاضلية، تكاد تكون مجردة بالكامل، أي “فكر بلا خصائص[39]“.

يفصل لاكان بين الدال والمدلول انطلاقًا من فكرة أساسية مفادها أن العملية اللُغوية التي تجري في مستوى التكثيف الاستعاري، هي عمليةٌ لا واعية بالكامل، وأن “الأنا” المتكلم لا يُمارس فيها أي دور مباشر. فعنده، التحويلات التي تطرأ على السلسلة الدالة تحصل داخل مجال اللا وعي، الذي تعمل فيه اللُغة وفق منطقها الخاص، بعيدًا عن سيطرة الذات الواعية. غير أن الاعتراف بسيادة اللا وعي في إنتاج هذه التحويلات لا يستلزم بالضرورة فصل المدلول عن داله أو التعامل معهما تعاملَ كيانين مستقلين. فحتى لو كانت العملية لا واعية، فإن وَحْدة العلامة اللُغوية—أي الارتباط البِنيوي بين الدال والمدلول—تبقى قائمة وغير قابلة للتجزئة. والإبقاء على هذه الوَحْدة لا يحد من قدرة اللا وعي على إعادة خلق العلاقات داخل السلسلة الدالة، بل يوضح فقط أن التحول لا يعني انفصالاً تامًا بين طرفي العلامة. إن رغبة لاكان في ربط الدال بمجال اللا وعي وربط المدلول بمجال الوعي تبدو غير كافية لتبرير الفصل الذي يقترحه. وهذا ما يُفسر جانبًا من الغموض الذي يُحيط بتعريفه للدال. فالمدلول، تمامًا مثل الدال، يُمكن أن ينتمي إلى الوعي كما يُمكن أن ينتمي إلى اللا وعي؛ إذ لا يوجد ما يمنع أن يكون المعنى نفسه مكبوتًا أو غير مُدرَك، تمامًا كما يُمكن أن يكون ظاهرًا ومباشرًا. ومن هنا تصبح كلٌ من أولوية المدلول على الدال عند سوسير، وأولوية الدال على المدلول عند لاكان، موقفين مشروعين ما دام كلٌ من الدال والمدلول قادرًا على الظهور في الوعي كما في اللا وعي. وكل ذلك “يتوقف على الجهة التي ننظر منها إلى الورقة”؛ أهي الوجه أم الظهر، أي من أي منظور نظري نقرأ العلاقة بين الدال والمدلول. لكن متى يمكن الحديث عن أولوية حقيقية للدال؟ يحدث ذلك عندما يصبح المدلول نفسه محض وهم، أو عندما لا يكون هناك ما نتعامل معه سوى دوال تتوالد وتستبدل بعضها بعضًا دون أن تشير إلى شيء ثابت أو جوهري. في هذا السياق بالتحديد يتحدث لاكان عن اللُغة بوصفها استعارة كبرى، وعن “الشيء في ذاته” بوصفه غير قابل للمس أو الإدراك المباشر. فاللُغة، في نظره، لا تكشف الشيء، بل تحجبه، لأنها لا تقدم لنا سوى دوالٍ تحل محل الواقع دون أن تطابقه. وحتى عندما نشير بإصبعنا إلى شيء ما، فإن ما نسميه ليس الشيء ذاته، بل “ذلك” (ça)، أي دال آخر يحتل موقع الشيء ويمنع الوصول إليه مباشرة.

يقول لاكان في خطابٍ D’un discours qui ne serait pas du semblant وهو السيمينار(séminaire) الذي يوجه فيه كلامه إلى اللسانيين الذين اتهموه بأنه جعل من اللُغة محض استعارة لتأسيس نظريته عن اللا وعي، ما معناه:

إنه لأمر لافت ألا يرى اللسانيون أن كل استعمال للغة، أيًا كان، يتحرك داخل الاستعارة، وأنه لا وجود للغة إلا بوصفها استعارية. فأي محاولة للحديث عن اللُغة من خارجها، أي محاولة لـ “ما-فوق-اللُغة”، تُظْهِرُ ذلك بوضوح. فمن طبيعة اللُغة – لا الكلام، بل اللُغة ذاتها – أنه كلما حاولنا الاقتراب مما يُعطي فيها معنى، وجدنا أن المرجع لا يكون أبدًا هو المرجع “الصحيح”، وهذا بالذات ما يجعل اللُغة لغة. فـكل تعيين هو تعيين استعاري، ولا يمكن أن يتم إلا عبر وسيط آخر. وحتى عندما أقول “هذا” وأنا أشير إلى شيء ما، فإن تسميته “هذا” فقط يعني أنني اخترت أن أجعله “هذا”، مع أنه ليس “هذا” في ذاته. والدليل أن الشيء نفسه يتبدل عندما أُشعله أو أستخدمه (هنا يُشير لاكان الى سيجاره الذي يشعله)، حتى على مستوى هذا “الـهذا” الذي يُفترض أنه أقرب ما يكون إلى الفردي والخاص. ولا يُمكن أن نغفل أن قول “هذا” هو في ذاته فعل لُغوي. فالشيء الذي أشرتُ إليه بقول “هذا” ليس هو سيجاري. إنه يصبح كذلك عندما أدخنه، ولكن عندما أدخنه، لا أكون بصدد الحديث عنه[40].

ندخل هنا إلى عالمٍ أفلاطوني يكون كل شيء فيه يبدو وهمًا وظلاً للحقيقة. غير أن الأمر عند لاكان يختلف؛ فالعالم الذي يتحدث عنه ليس عالمًا من الظلال فحسب، وإنما عالمٌ بلا معنًى مسبقٍ، عالمٌ يستدعي الذات اللا واعية كي تمنحه معنى، أي حقيقة، ولكنَّ حقيقة خاصة لا تدعي الكونية. ومن هيمنة الدال على المدلول تنفتح إمكان قراءة مفهوم النقطة المِرْكَزِية (point de capiton)، الذي نجد صيغته النظرية الأكثر كثافة في نص لاكان “انقلاب الذات وجدلية الرغبة [41]Subversion du sujet et dialectique du désir ” (1960). فالنقطة المِرْكَزِية عند لاكان، هي العملية التي بها “يُوقِف الدال الانزلاق اللا محدود للمعنى[42]“. أي أنها اللحظة التي يُثبَّت فيها المعنى مؤقتًا داخل السلسلة الدالة، فيُربَط دالٌ معين بمدلول معين، ويتوقف الانفلات الدلالي الذي يُميز اللُغة في أصلها. وهذه هي الصورة البيانية التي يقترحها لاكان لشرح هذه العملية:

الشكل 3: النقطة المِرْكَزِية (Point de capiton) في انزلاق الدوال داخل السلسلة الدالة

المصدر: الصورة مُستعادة من مؤلَف لـ Joël Dor. Introduction à la lecture de Lacan. 1. L’inconscient structuré comme un langage, op. cit.

لا تقتصر الدلالة على الاستعارة وحدها، بل إن المجاز المُرسل (المِتونيميا) أيضًا “يشهد لصالح استقلالية الدوال عن شبكة المدلولات التي تتحكم بها، ومن ثمَّ لصالح هيمنة الدال[43]“. واستنادًا إلى رومان ياكوبسون[44]، يُعرف لاكان المجاز المرسل بأنه “استبدال بين دوال تربط بينها علاقات تجاور”؛ ومن أمثلته قولنا: “شربتُ كأسًا” (أي ذكر الوعاء) للدلالة على “شرب الماء” (أي المحتوى[45]).

تقوم أطرُوحة لاكان على أن آليات تكوين اللا وعي تُماثل آليات اشتغال اللُغة، وَفْق صورتين أساسيتين: الاستعارة (أو التكثيف) métaphore ou condensation والمجاز المرسل (أو الإزاحة métonymie ou déplacement ). [46]وفي أحد سيميناراته في سنتي 1956-1957، “تكوين اللا وعي”، يُصرح لاكان بأن: هناك بِنية متجانسة تجمع بين الأعراض، والأحلام، وزلات اللسان. ففي كل هذه التكوينات تعمل القوانين البِنيوية نفسها: قانون التكثيف وقانون الإزاحة، وهما القانونان اللذان يحكمان اللا وعي. وهذه القوانين عينها هي التي تُنتج المعنى في اللُغة[47].

وبعبارة أخرى، فإن “الاقتحام المُغتَرِب l’intrusion aliénante ” الذي يكشف عنه العَرَض لا يظهر ظهورًا اعتباطيًا أو فوضويًا، بل يتحقق عبر آلية تلقائية تعمل وفق القوانين الخاصة باللا وعي[48]. فاللا وعي، في المنظور اللاكاني، ليس فضاءً غامضًا أو عشوائيًا، بل هو منظومةٌ لها قواعدها الصارمة التي تنظم حركة الدوال وتوجهها. ومن هنا يُمكن فهم كيف أن الدال هو الذي ينتج المدلول: فالمدلول لا يُعطى مسبقًا، بل يَتَكَوَّنُ من خلال العمليات التي يخضع لها الدال داخل البِنية اللا واعية. وانطلاقًا من هذا الفهم، يصبح واضحًا أن الوجهين الأساسيين لإنتاج المعنى—أي المجاز المرسل والاستعارة—ليسَا سوى نتيجتين مباشرتين للتفاعل المزدوج بين التركيب (syntagme) والاستبدال (paradigme) داخل السلسلة الدالة. فالمجاز المرسل ينتج عن علاقة مجاورة داخل التركيب، وتنتج الاستعارة عن علاقة تشابه داخل الاستبدال. وكلاهما، في النهاية، ليسا سوى طريقتين مختلفتين لعمل الدال حين ينزلق باستمرار نحو مدلولات جديدة. وهذا الانزلاق الدائم للمدلول تحت الدال—والذي يحدث دائمًا بطريقة لا واعية داخل الخطاب—هو ما يُفسر ظهور العَرَض. فالعَرَض في التحليل النفسي، ليس محض علامة تُشير إلى صراع نفسي أو رغبة مكبوتة، ولكنْ هو بِنيةٌ لُغوية منظَّمة، أثرٌ يَتَكَوَّنُ داخل النظام نفسه الذي يحكم حركة الدوال[49]. إنه نتيجة مباشرة للطريقة التي يُعيد بها اللا وعي ترتيب الدوال وربطها بمدلولات غير متوقعة. ومن هنا يتضح أن الآليات التي تُكوِّنُ نظام اللا وعي—كما يصفها لاكان—تتطابق تمامًا مع الوظائف التي تعدُّها اللسانيات الحديثة أساسًا لعمل اللُغة في أعمق مستوياتها: أي الاستعارة والمجاز المرسل. فاللا وعي في جوهره، يشتغل بالطريقة نفسها التي تشتغل بها اللُغة حين تنتج المعنى عبر الانزياح، والاستبدال، والتكثيف، والانزلاق بين الدوال. وبذلك يصيرُ اللا وعي، عند لاكان، مبِنيًّا مثل اللُغة لا على مستوى البِنية العامة فحسب، ولكنْ على مستوى آلياتها الدقيقة التي تولِّدُ الدلالة. [50]

في الخلاصة، يحتل مفهوم البِنية موقعًا محوريًا في فكر لاكان؛ فهو يقوم على اللُغة، ويستعير قوانين البِنيوية كما صاغها بياجيه، ويستند إلى مبادئ اللسانيات عند سوسير ويعقوبسون، ليؤسس بها تصوره عن اللا وعي بتصورهِ بِنيةً لُغويةً، وعن الآخر بوصفه الوَحْدة التي يُخلق فيها الموضوع الحقيقي للا وعي في مقابل تعدد “الأنا” المنبثقة عن الكوجيتو. ومن داخل البِنيوية التي يقدمها بياجيه في تحليل الجهاز النفسي، يحدد لاكان خصائص اللا وعي تحديدَ البِنية المنظمة التي تعمل وفق قوانين اللُغة. ويُبين جان بياجيه أن البِنية تتميز بثلاث خصائص أساسية: الكلية، والتحول، والتنظيم الذاتي. أولاً، الكلية تعني أن اجتماع عناصر البِنية لا يساوي مجموعها الحسابي، بل يَنْتُج عنه نظام جديد ذو خصائص تتجاوز خصائص العناصر منفردة. وهذا الفارق بين خصائص البِنية وخصائص مكوناتها يمنح البِنية قيمة بِنيوية مستقلة، ويجعلها قادرة على إعادة خلق ذاتها وتنظيم العلاقات بين عناصرها بصورة مستمرة ومتجددة. ثانيًا، التحول يشير إلى قدرة البِنية على التغيُّر من داخلها؛ فالعلاقات بين عناصرها ليست ثابتة، بل تتبدل وَفْق قوانين داخلية، ليسهم تغيُّر كل عنصر في إعادة صناعة البِنية كلها وإكسابها خصائص جديدة تختلف دائمًا عن مجموع خصائص العناصر. ثالثًا، التنظيم الذاتي هو قدرةُ البِنية على إعادة ضبط نفسها كلما دخل عنصر جديد أو تغيرت العلاقات بين عناصرها. فالبِنية عبر هذا التنظيم الذاتي، تكتسب خصائصَ جديدةً تتجاوز خصائص عناصرها، وتنتج قوانين جديدة تنظِّمُ عملها وتحدد اتجاه تطورها. وهذا «التفوق البِنيوي» يتغير باستمرار تبعًا لتغير تكوين البِنية ودخول عناصر جديدة أو خروجها.

أما من اللسانيات، فيستعير لاكان خصائص العلامة اللُغوية، وهي الوَحْدة الأساسية في نظام اللُغة، بما تحمله من سمات تجعلها حجر الأساس في بِنية الدال. وتشمل هذه الخصائص: أ) اعتباطية العلامة، أي أن العلاقة بين الدال والمدلول ليست طبيعية، بل اصطلاحية؛ ب) ثبات العلامة، أي أن النظام اللُغوي يحافظ على استقراره رغم تغير الاستعمال؛ ج) قابلية العلامة للتغير عبر الزمن والاستعمال؛ د) الطابع الخطي للدال، أي أن الدال لا يُدرَك إلا في امتداد زمني متتابع. وبذلك، يبِني لاكان مفهومه عن اللا وعي بوصفه بِنية لغوية تعمل وَفْق قوانين الدال، وتُنتج ذاتًا منقسمة بين تعدد “الأنا” ووَحْدة “الآخر” الذي يُمَثِّلُ مركزَ البِنية ومصدرَ معناها.

يُصور لاكان اللا وعي بوصفه بِنية تمتلك الخصائص نفسها التي يحددها بياجيه للبِنية، كما يستعير من اللسانيات—وخاصة من سوسير—مبادئ العلامة اللُغوية ليعيد توظيفها داخل الحقل التحليلي. فحين يدفع لاكان بهذه الخصائص إلى أقصاها، ويطبقها على ما هو بطبيعته عصي على القبض—أي اللا وعي—يصل إلى إعادة قراءة العلاقة بين الدال والمدلول، ويستثمر آليات الاستعارة والمجاز المرسل ليُبين أن الدال يتمتع باستقلالية تجعل منه القوة المحركة للاشعور، وأن هذه الاستقلالية تعكس استقلالية الموضوع الحقيقي للاوعي نفسه. وبحسب هذا المنطق اللاكاني، يكتسب الدال أولوية على المدلول؛ فالمدلول لا يعود سوى أثر ثانوي، تحدده مسبقًا حركة الدوال داخل متاهات اللا وعي، وقد يصل الأمر إلى تلاشي المدلول تمامًا تحت ضغط التكثيف الاستعاري والانزياح المجازي الذي يحرك سلسلة الدوال. كما يكتسب الدال استقلالاً عن “أنا” الفرد، اكتسابًا لا يعود فيها الـ “أنا” هو من يتحكم في المعنى، بل يصبح خاضعًا لعمل دوال تتحرك في الظل، وتدير حتى عمليات التفكير ذاتها.

ومن هنا يُميز لاكان بين الآخر الصغير (a) والآخر الكبير (A). فالآخر الصغير ليس سوى انعكاس للأنا وصورة مُتخيَلة له، ينتمي إلى نظام المُتخيَل، ويُختزل في لعبة الإسقاطات التي ينتجها الـ ego. أما الآخر الكبير فهو الغيرية الجذرية التي تتجاوز كل تمثل وهمي، ولا يمكن للذات أن تستوعبها عبر التماهي، لأنها تنتمي إلى نظام الرمزي. والآخر الكبير هو في آنٍ واحد:

  • الآخر بوصفه شخصًا أو مخاطَبًا،
  • وما هو أعمق في داخلي من نفسي، ذلك البُعْد المجهول الذي يسبق الأنا ويؤسسها ويحددها.

وبذلك يصيرُ اللا وعي عند لاكان بِنية لُغوية تتحرك فيها الدوال باستقلالية، ويظهر “الموضوع الحقيقي”(le vrai sujet de l’être) للا وعي بوصفه الآخر الكبير الذي يسكن الذات من الداخل، ويُمثل مصدرًا لخطابها ورغبتها ومعناها[51].

الخاتمة

تشهد المقاربة اللاكانية للإرث البِنيوي–النفسي واللساني على حضورٍ عميق لجدلية الواحد والمتعدِد في قلب تصوره للا وعي بوصفه بِنيةً وللغة بوصفها حقل اشتغال هذه البِنية، فلا يعود من الممكن التفكير في الذات أو العلامة أو العرض النفسي خارج منطقٍ تركيبي يجعل الكل أكثر من مجموع أجزائه، وفي الوقت نفسه لا يُلغي فرادة كل عنصر داخل هذا الكل.​

يُقَدِّمُ بياجيه مفهوم البِنية بوصفها كُلّاً مُنظَّمًا يتميز بالكلية والتحول والتنظيم الذاتي، ما يجعل من العلاقة بين الواحد والمتعدِد علاقة توليدية لا تجميعية. فالكل ليس فقط حاصل جمع العناصر، بل هو نظام من التحولات التي تمنح هذه العناصر دلالتها ووظيفتها، في الوقت الذي لا يَتَكَوَّنُ هذا النظام إلا عبر تفاعل العناصر ذاتها. في هذا الأفق، تصبح البِنية النفسية عند لاكان—اللا وعي—امتدادًا لهذه الرؤية، إذ تُفهَم بوصفها كُلّاً ديناميًا يحفظ ذاته عبر تحولات دواله، ويُنتج وحدته من خلال حركة الاختلاف داخل سلاسله الدالة، لا عبر إلغاء تعدد تمظهراته.​

قدَّمَ دي سوسير العلامة اللسانية تقديمَ “الواحد” مركَّبٌ من “اثنين”: دال ومدلول، متحدَين في وَحْدة نفسية لا تنفصم، ولكنها لا تُدرَك إلا داخل شبكة من التعارضات مع علامات أخرى، فلا توجد علامة إلا بما هي عنصر داخل نسقٍ أشمل هو اللُغة. بهذا المعنى، لا يتحدد معنى العلامة من ذاتها، بل من موقعها في كل متعدد من العلاقات، تتولد فيه القيمة من الاختلاف والتجاور والتقابل. أما لاكان فينقل مركز الثقل من العلامة بوصفها وَحْدة ثنائية إلى السلسلة الدالة بوصفها متعدِدًا يُنتج، عبر حركته الذاتية، نقاط تثبيت مؤقتة للمعنى (النقطة المركزية)، فيغدو الدال “واحدًا” لا يَثبت إلا في مجرى انزلاقٍ مستمر على متعدِد من المدلولات الممكنة.​

حين يؤكد لاكان أولوية الدال واستقلاليته النسبية عن المدلول، فإنه لا يُفتت وَحْدة العلامة بقدر ما ينقلها إلى مستوى آخر من الجدلية، يصبح فيها الثابتُ والمتغير متداخلين. فاعتباطية العلامة عند سوسير تفتح إمكان تثبيت جماعي للربط بين دال ومدلول، لكنها في الوقت نفسه تجعل هذا الربط قابلاً لإعادة التكوين عبر التاريخ وعبر الاستعمال الفردي، ما يُنتج توترًا دائمًا بين الاستقرار البِنيوي والتحول الدلالي. لاكان يأخذ هذا التوتر إلى أقصاه فيقول بانفلات الدوال (déchaînement du signifiant) داخل الذُهانات والتكوينات اللا واعية، التي يتحول فيها الثبات الدلالي إلى محض نقطة خياطة (capiton) مؤقتة فوق نسيجٍ متكثف من الانزياحات والاستبدالات والاستعارات. هنا يتبدى اللا وعي تبديَ البِنيةِ التي تُزاوج بين قانون صارم يحكم اشتغال الدال، وبين طيفٍ واسع من الإمكانات الدلالية التي تجعل المعنى دائم التعدد والانفتاح.​

يكشف استثمار لاكان لأعمال ياكوبسون عن قلبٍ جدلي للعلاقة بين الواحد والمتعدِد على مستوى آليات إنتاج المعنى ذاتها؛ فاللُغة، في منظور اللسانيات البِنيوية، تتحرك على محورين: الاختيار (الاستبدال) والتركيب (السياق)، ومن تفاعلهما تنبثق آليتان أساسيتان هما: الاستعارة والمجاز المرسل. هاتان الآليتان، اللتان تبدوان في الظاهر مختلفتين—إحداهما تقوم على التشابه، والأخرى على المجاورة—تتجليان عند لاكان بوصفهما صورتين لآلية بِنيوية واحدة تحكم اشتغال اللا وعي؛ إذ يعمل اللا وعي، عبر التكثيف (الاستعارة) والإزاحة (المجاز المرسل)، على إعادة توزيع الدوال داخل السلسلة توزيعًا يحملُ فيه الدال الواحد طبقات متعددة من الدلالة، وينزلق المعنى تحت الدوال في حركةٍ لا تنتهي. بذلك يُصبح المرض النفسي نفسه بِنية لُغوية، أي وَحْدة مكثَفة تؤلف بين تعدد آثار الرغبة المكبوتة، في صيغةٍ واحدة متماسكة ظاهريًا، لكنها لا تُفهَم إلا إذا أُعيدت إلى تعدد التحويلات التي كونتها.​

على ضوء هذا كله يتضح أن مفهوم الذات عند لاكان هو النقطة التي تتقاطع فيها جميع توترات الواحد والمتعدِد: فالذات ليست جوهرًا بسيطًا يسبق اللُغة، ولا محض حاصل جمع لتجارب متفرقة، بل هي أثرٌ لبِنية لُغوية–رمزية سابقة عليها، وفي الوقت نفسه نتاج سيرورة فردية لا يمكن ردها بالكامل إلى النظام الجماعي. هنا تلتقي البِنيوية النفسية عند بياجيه (بوصفها آلية تنظيم ذاتي تُعيد باستمرار موازنة العلاقة بين الذات والعالم)، والبِنيوية اللسانية عند سوسير (بوصفها سلسلة من القيم التفاضلية)، والبِنيوية التحليلية عند لاكان (مثل اللا وعي المبِني بفهمه لغةً)، في نقطةٍ ديالكتيكية تجعل الذات “واحدًا” يُنتَجُ داخل حقلٍ من التعدد: تعدد الدوال، تعدد المستويات (فردي/جماعي)، وتعدد المقامات (واعي/لاواعي). في هذا الأفق، يتبدَّى إرث لاكان لا بوصفه تكرارًا لبِنيويات سابقة، بل بوصفه إعادةَ صياغة راديكالية للجدلية القديمة بين الواحد والمتعدد، صياغةً يغدو بها المعنى ذاته حدثًا بِنيويًا يولد في تقاطع الكل والأجزاء، في التوتر بين ثبات البِنية وحركة التحول، وفي الانزلاق الدائم للدال فوق تعددٍ لا ينفد من إمكانات القول.

سنواصل في الدراسة القادمة النهج الجينيالوجي عند لاكان، الذي تتكشفُ فيه، عبر مراحل المتخيَل l’Imaginaire والرمزي Symbolique والواقعي Réel ، كيف تتراجع تعددية الكائنات البشرية وتنوع ضمائر الـ “أنا” أمام حقيقةٍ أعمق للوجود: الآخر(L’Autre)، أو الذات اللا واعية(le sujet de l’inconscient)، ذلك البُعد الواحد الكامن تحت تعدد الـ “أنا” الظاهر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قائمة المصادر والمراجع

Alexander, Robert. « Lacan phénoménologue », Revista de filosofia, 2014, p. 219.

Arrivé, Michel. Langage et psychanalyse, linguistique et inconscient, Paris, PUF, 1994.

Cléro, Jean-Pierre. « Concepts lacaniens », Presses Universitaires de Frances, vol. 4, n. 16, 2003.

Coron, Olivier. « Petite introduction au nœud borroméen », Laboratorio Freudiano Milano, vol. 3, 2011.

Corvez, Maurice. « Le structuralisme de Jacques Lacan », Revue Philosophique de Louvain, vol. 66, n. 90, 1968.

Costes, Alain. Lacan : le fourvoiement linguistique. La métaphore introuvable, Paris, Presses Universitaires de France, 2003.

De Certeau, Michel. « Structures sociales et autorités chrétiennes », Études, Tome 331, 1969.

De Certeau, Michel. La fable mystique XVIᵉ – XVIIᵉ siècle, Paris, Gallimard, 1982.

De Saussure, Ferdinand. Cours de linguistique général, Paris, Payot, 1980.

Demangeat, Michel. « L’imaginaire selon Lacan : des “repères de la connaissance spéculaire” à la question de la “Reconnaissance” », L’Esprit du temps, vol. 1, n. 5, 2002, pp. 53-66.

Derrida, Jacques. « Foi et savoir. Les deux sources de la “religion” aux limites de la simple raison », in La religion, Paris, Seuil, 1996.

Dor, Joël. Introduction à la lecture de Lacan. 1. L’inconscient structuré comme un langage, Paris, Denoël, 1985.

Duportail, G.F. « La donne lacanienne », Intervention à l’Académie nationale des sciences d’Argentine, Buenos Aires, 2011, inédit. Cité dans Vincent Clavurier. « La consistance du nœud borroméen : un problème psychanalytique ? », loc. cit., p. 126.

Dürkheim, Emile. Les formes élémentaires de la vie religieuse, Paris, Presses Universitaire de France, 2003/1912.

Eccles, John Crew. Évolution du cerveau et création de la conscience, Paris, Champs Flammarion, 1994.

Fages, Jean-Baptiste. Comprendre Lacan, Toulouse, Privat, 1971.

Feuerbach, Ludwig. Essence du Christianisme, traduit par Joseph Roy, Paris, Librairie Internationale, 1864/1842, 390 p.

Feuerbach, Ludwig. Qu’est-ce que la religion d’après la nouvelle philosophie allemande, Traduit par Hermann Ewerbeek, Ladrange, Garnier Frères, Paris, 1850.

François, Jean. « L’invention du borroméen », dans Jean François, La psychanalyse : chercher, inventer, réinventer, Toulouse, Érès, 2004.

Jakobson, Roman. Essais de linguistique générale, traduit de l’anglais et préfacé par Nicolas Ruwet, vol. 1, Paris, Minuit, 1963.

Juignet, Patrick. « Lacan, le symbolique et le signifiant », Cliniques méditerranéennes, vol. 2, n. 68, 2003.

Juranville, Alain. Lacan et la philosophie, Paris, PUF, 1994.

Lacan, Jacques. Conférence de Bruxelles.

Lacan, Jacques. Écrits, Paris, Seuil, 1966.

Lacan, Jacques. Encore, 20 février 1973.

Lacan, Jacques. « … Il me faudra ajouter “ non” », Psychoanalyse, n. 4, 1986.

Lacan, Jacques. L’insu que sait de l’une-bévue s’aile à mourre, 15 mars 1977.

Lacan, Jacques. Le triomphe de la religion précédé de Discours aux catholiques, Paris, Seuil, 2005.

Lacan, Jacques. Les psychoses, 1956.

Lacan, Jacques. Livre VII, L’éthique de la psychanalyse 1959-1960, texte établi par Jacque-Alain Miller, Paris, Seuil, 1986.

Lacan, Jacques. Livre XVIII, D’un discours qui ne serait pas du semblant 1971, texte établi par Jacque-Alain Miller, Paris, Seuil, 2007.

Lacan, Jacques. « La science et la vérité », Sténographie de la leçon d’ouverture du séminaire tenu l’année 1965-66 : l’École Normale Supérieure.

Lacan, Jacques. « Le symbolique, l’imaginaire et le réel », Bulletin interne de l’Association française de psychanalyse, 1953.

Lacan, Jacques. « Le stade du miroir comme formateur de la fonction du “je” », Revue Française de psychanalyse, vol. 4, 1949.

Lacan, Jacques. « Les formations de l’inconscient », Séminaire de l’année 1956-57, Bulletin de Psychologie, 1956-57.

Lacan, Jacques. RSI, 10 décembre 1974.

Lacan, Jacques. RSI, 15 avril 1975.

Lacan, Jacques. Séminaire III, Paris, Le Seuil, 1981.

Lacan, Jacques. Séminaire XXIV, 19 avril 1977.

Lacan, Jacques. Séminaire inédit, Les non-dupes errent, séance du 13 novembre 1973.

Masotta, Oscar. « Jacques Lacan ou l’inconscient aux fondements de la philosophie », Psychanalyse, vol. 3, n. 31, 2014.

Milner, Jean-Claude. L’œuvre claire, Paris, Le Seuil, 1995.

Pellion, Frédéric. « Jacques Lacan vers le réel (1936-1962) », Rev. Latinoam. Psicopat. Fund., São Paulo, vol. 12, n. 1, 2009.

Pelletier, Étienne. Faire jardin à la française. L’instauration du discours analytique chez Jacques Lacan, [Département de philosophie, Faculté des Arts et des Sciences, Université de Montréal], 2017, 114 p.

Piaget, Jean. Le Structuralisme, Paris, PUF, 1970.

Scudéri, Christophe. « Inconscient et Idéologie : De Foucault à Lacan », Groupe d’études « La philosophie au sens large », animé par Pierre Macherey, 09/05/2007.

Sedat, Jacques. « Intervention pour présenter le numéro 27 de Che vuoi ? “L’expérience du transfert” à la librairie Lipsy, 25 septembre 2007 », Che vuoi, vol. 2, n. 28, 2007.

Weiser, Jutta. « Littérature moraliste et psychanalyse : la poétique du désir chez Lacan et La Rochefoucauld », Œuvres & Critiques, vol. 34, n. 2, 2009.

[1] Jean Piaget. Le Structuralisme, Paris, PUF, 1970, pp. 6-7.

[2] Joël Dor. Introduction à la lecture de Lacan. 1. L’inconscient structuré comme un langage, Paris, Denoël, 1985, p. 31.

[3] Voir à ce sujet Michel De Certeau. « Structures sociales et autorités chrétiennes », Études, Tome 331, 1969.

[4] انها الهيمنة البنيوية، تلك القوة العليا التي تمارسها البنية على عناصرها، فتوجهها وتحدد إمكاناتها، وفي الوقت نفسه تتشكل هذه القوة ذاتها من خلال تفاعل تلك العناصر داخل البنية. إنها سلطة تأسيسية ومتبادلة، تُنشئ النظام وتُنشأ به، وتفرض منطقها على الأفراد والجماعات بقدر ما تستمد وجودها منهم. (Emile Dürkheim. Les formes élémentaires de la vie religieuse, Paris, Presses Universitaire de France, 2003/1912, p. 580).

[5] Dor, Joël, Introduction à la lecture de Lacan. 1. L’inconscient structuré comme un langage, op. cit., p. 31.

[6] Ibid.

[7] Lacan, Jacques, Livre XVIII, D’un discours qui ne serait pas du semblant 1971, op. cit., 186 p.

[8] Joël Dor. Introduction à la lecture de Lacan. 1. L’inconscient structuré comme un langage, op. cit., p. 34.

[9] Lacan, Jacques, Livre XVIII, D’un discours qui ne serait pas du semblant 1971, op. cit., 186 p

[10] Ferdinand De Saussure. Cours de linguistique général, Paris, Payot, 1980, p. 98.

[11] Ferdinand De Saussure. Cours de linguistique général, op. cit., p. 101.

[12] Revoir Émile Dürkheim et la notion de l’ascendant sociale (Emile Dürkheim. Les formes élémentaires de la vie religieuse, op. cit., 596 p.)

[13] Joël Dor. Introduction à la lecture de Lacan. 1. L’inconscient structuré comme un langage, op. cit., p. 40.

[14] يظهر بوصفه مصدرًا للُغة، بل بوصفه نتاجًا لبِنية لُغوية سابقة عليه، بِنيةٍ تسبقهُ وتحتويه وتكوِّنُ شروط ظهوره.

وهذه الإشكالية – هل يولد الـ “أنا” داخل اللُغة أم أن الـ “أنا” هو الذي يلدُ اللُغة؟ – ليست سوى الصيغةِ اللسانية لسؤالٍ أعمق وأقدم، هو نفسه السؤال الذي طرحه دوركهايم: هل يولد الفرد داخل المجتمع، أم أن الفرد هو الذي يلدُ المجتمع؟ إنها مسألة متمردة تظهر باستمرار في مختلف الحقول: الاجتماعي، والتحليلي النفسي، والديني، والأنثروبولوجي… لأنها تمسُّ جوهر العلاقة بين الواحد والمتعدد، الفرد والجماعة، بين ما هو شخصي وما هو جمعي، بين ما هو ذاتي وما هو بِنيوي. وسيتم في هذا البحث تطوير هذه الإشكالية قدر الإمكان داخل الفكر اللاكاني، الذي يُمثل فيه سؤال ولادة الذات داخل اللُغة أحد المحاور المركزية في فهم تكوُّن “الأنا” وعلاقته بالآخر وبالبِنية الرمزية. ولتوضيح هذا المسار، سنستعين أيضًا بالفكر الدوركهايمي، الذي يرى أن المجتمع يمتلك سلطانًا أخلاقيًا ومعرفيًا يسبق الفرد ويؤطره، كما سنستفيد من إسهامات جون كرو إكلس، أحد أبرز علماء الأعصاب المعاصرين، الذي اهتم بأصول الوعي الفردي وبكيفية انغراسه داخل البِنية الاجتماعية‑الثقافية التي تمنحه صورته ومعناه. وبذلك يصبح السؤال عن ولادة “الأنا” سؤالاً عن أسبقية البِنية على الفرد، وعن الكيفية التي تتكوَّنُ بها الذات داخل شبكة من الرموز والدوال، لا خارجها ولا قبلها.

[15] Joël Dor. Introduction à la lecture de Lacan. 1. L’inconscient structuré comme un langage, op. cit., pp. 40-41.

[16] John Crew Eccles. Évolution du cerveau et création de la conscience, Paris, Champs Flammarion, 1994, p. 294.

[17] Ibid., p. 295.

[18] Joël Dor. Introduction à la lecture de Lacan. 1. L’inconscient structuré comme un langage, op. cit., p. 41.

[19] Patrick Juignet. « Lacan, le symbolique et le signifiant », loc. cit., p. 135.

[20] Jacques Lacan. Écrits, op. cit., p. 450.

[21] Jacques Lacan. Séminaire III, Paris, Le Seuil, 1981, p. 65.

[22] Jacques Lacan. Écrits, op. cit., p. 495.

[23] Jacques Lacan. Séminaire III, op. cit., p. 210.

[24] Patrick Juignet. « Lacan, le symbolique et le signifiant », Cliniques méditerranéennes, vol. 2, n. 68, 2003, p. 135.

[25] Ibid., p. 136.

[26] Ferdinand De Saussure. Cours de linguistique général, op. cit., pp. 125-126.

[27] Jacques Lacan. Les psychoses, 1956, p. 247 et 251. 

[28] Joël Dor. Introduction à la lecture de Lacan. 1. L’inconscient structuré comme un langage, op. cit., p. 42.

[29] Voir Roman Jakobson. Essais de linguistique générale, traduit de l’anglais et préfacé par Nicolas Ruwet, vol. 1, Paris, Minuit, 1963, pp. 43-67.

[30] Joël Dor. Introduction à la lecture de Lacan. 1. L’inconscient structuré comme un langage, op. cit., p. 46.

[31] Voir Ferdinand De Saussure. Cours de linguistique général, op. cit., p. 147.

[32] Joël Dor. Introduction à la lecture de Lacan. 1. L’inconscient structuré comme un langage, op. cit., pp. 46-47.

[33] Ferdinand De Saussure. Cours de linguistique général, op. cit., pp. 125-126.

[34] Ibid.

[35] Joël Dor. Introduction à la lecture de Lacan. 1. L’inconscient structuré comme un langage, op. cit., p. 55.

[36] Ibid., p. 56.

[37] Michel Arrivé. Langage et psychanalyse, linguistique et inconscient, Paris, PUF, 1994, p. 110.

[38] Alain Juranville. Lacan et la philosophie, Paris, PUF, 1994, p. 50-52.

[39] Jean-Claude Milner. L’œuvre claire, Paris, Le Seuil, 1995, p. 101-107.

[40] « C’est tout de même curieux que des linguistes ne voient pas que tout usage du langage, quel qu’il soit, se déplace dans la métaphore, qu’il n’y a de langage que métaphorique. Toute tentative de métalangager, si je puis m’exprimer ainsi, le démontre […]. Il est de la nature du langage, je ne dis pas de la parole, je dis du langage même, que, pour ce qui est d’approcher quoi que ce soit qui y signifie, le réfèrent n’est jamais le bon, et c’est ça qui fait un langage […]. Toute désignation est métaphorique, elle ne peut se faire que par l’intermédiaire d’autre chose. Même si je dis Ça en le désignant, j’implique déjà, de l’avoir appelé Ça, que je choisis de n’en faire que Ça, alors que ça n’est pas Ça. La preuve, c’est que, quand je l’allume, c’est autre chose même au niveau du Ça, ce fameux Ça qui serait le réduit du particulier, de l’individuel. Nous ne pouvons omettre que c’est un fait de langage que de dire Ça. Ce que je viens de désigner comme Ça, ça n’est pas mon cigare. Ça l’est quand je le fume, mais quand je le fume, je n’en parle pas. » (Jacques Lacan. Livre XVIII, D’un discours qui ne serait pas du semblant 1971, op. cit., pp. 44-45).

[41] Jacques Lacan. « Subversion du sujet et dialectique du désir », dans Écrits, op. cit., pp. 793-827.

[42] Ibid., p. 805.

[43] Jacques Lacan. « Subversion du sujet et dialectique du désir », dans Écrits, op. cit., p. 60. Voir aussi Alain Costes. Lacan : le fourvoiement linguistique. La métaphore introuvable, Paris, Presses Universitaires de France, 2003.

[44] Roman Jakobson. Essais de linguistique générale, op. cit., p. 65

[45] Jean-Baptiste Fages. Comprendre Lacan, Toulouse, Privat, 1971, p. 44. Voir aussi, Jutta Weiser. « Littérature moraliste et psychanalyse : la poétique du désir chez Lacan et La Rochefoucauld », Œuvres & Critiques, vol. 34, n. 2, 2009, p. 84.

[46] Jean-Baptiste Fages. Comprendre Lacan, op. cit., p. 38.

[47] Jacques Lacan. « Les formations de l’inconscient », Séminaire de l’année 1956-57, in Bulletin de Psychologie, 1956-57.

[48] Maurice Corvez. « Le structuralisme de Jacques Lacan », Revue Philosophique de Louvain, vol. 66, n. 90, 1968, p. 286.

[49] Ibid., p. 287.

[50] Ibid.

[51] Jean-Pierre Cléro. « Concepts lacaniens », loc. cit., pp. 145-146.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete