الأخلاق الإنسانية

رحلة الكائن البشري من التوحش إلى التمدن

منذ النشأة الأولى اضطر الإنسان وهو في بداية تشكل الاجتماع البشري إلى ما ينظم تبادلاته وتواصله مع بعضه البعض، فكانت الأخلاق هي اللبنة الأولى لهذا الصرح غير المكتمل، حيث كانت المعايير هي حفظ سلامة المرء وحياته وما يحوزه أو يملكه. مثلت الأخلاق على مدار هذا التاريخ الإنساني الممتد في الزمان والمكان نقطة مرجعية للحفاظ على النوع البشري، وإلا تعرض الإنسان لما تعرضت له الكثير من الموجودات على هذه الأرض. الأخلاق ليست سؤالا خارج كينونة الإنسان يدرس بمعزل عن بداياته وتاريخيته، وحدود الإمكانات التي سمحت له بها قدرته على التفكير والتخطيط والابتكار، بل إنها السؤال المحايث للوجود الإنساني، لأن دونها قد تستحيل الحياة على هذه الأرض، أو في أحسن الظروف نخضع لما تخضع له باقي الكائنات لمنطق البقاء للأصلح، وجبروت الانتخاب الطبيعي.

وإذا كانت الأخلاق تشكل عصب الحياة الإنسانية، من حيث أنها عنوان للبقاء والاستمرار وعدم انقراض النوع البشري، فإن الكثير من الإشكالات المعرفية يطرحها هذا المبحث الفلسفي والجمالي، على اعتبار أن نظرة الإنسان للأخلاق تختلف من شخص لآخر، ومن جماعة إلى أخرى. كما أن المعايير التي تبنى على أساسها القيم الأخلاقية تخضع بدورها لمجموعة من المقاييس المرتبطة بالنسق الاجتماعي الذي يولد فيه الإنسان، والسقف المعرفي والعلمي الذي يصل إليه. ويزداد الأمر تعقيدا ونحن نعيش في عصر تواجه فيه الإنسانية سؤال ما بعد الأخلاق، أو ظهور قيم أخلاقية فرضها التطور التكنولوجي، وأنساق فكرية تعلن موت كل شيء بما في ذلك كل المطلقات التي رافقت مسيرة البشرية على امتداد هذا التاريخ الطويل لها.

من هذا المنطلق نقوم بهذا البحث الرامي إلى رصد أخلاقيات العصر الجديد انطلاقا من المفارقات التي يحدثها الحديث عن الجانب الأخلاقي، لأن لفظة الأخلاق بالرغم من أنها كلمة مفرطة في البشاشة، إلا أنها تثير إشكالية جوهرية تتمثل في بشرية الإنسان، أي عرضته للخطأ والنقص والقصور. فإذا كانت الأخلاق شيئا مطلقا عند الكثير من الناس، فإن نسبية الكائن البشري وأنماط تفكيره تجعل كل المطلقات تنصهر في بوتقة هذه النسبية لتصبح أكثر مرونة في عالم سائل بتعبير باومان لا يؤمن بصلابة الأشياء أو عدم قابليتها للتبديل والتغيير.

  • كيف بدأت مسيرة الأخلاق الإنسانية؟
  • وهل هناك فرق بين الأخلاق والنزعة الأخلاقية؟
  • وكيف نؤسس إلى أخلاق علمانية تحترم الدين ولا تقصيه، ولكن تستفيد أيضا من المشترك الإنساني؟

ذلك ما سنحاول أن نضيئ على بعض من جوانبه وإشكالاته المعرفية والفلسفية، وسنعتمد في مقاربة الموضوع على التصور التالي:

  1. كيف روض الإنسان غرائز العنف؟
  • من التوحش إلى التبادل الصارم:

تحت هذا العنوان المثير الذي يلخص مسيرة الإنسان، وبدايات نشأته على هذه الأرض يقترح بول سيبرايت[1] مقاربة للإجابة عنه مفادها أن عملية ترويض العنف بدأت من خلال العامل الاقتصادي، فالقيم الأخلاقية المرتبطة بالسلم والسلام والأمن والتواصل الإيجابي، لم تكن بدوافع ذاتية محضة، بل كانت نتيجة لتوسع العمران والاجتماع البشري. إذ لا يمكن أن ينزع الإنسان من نفسه غرائز العنف، ويحدث محلها هذا التحول الأخلاقي نحو أخلاق العمران والبناء إلا إذا كان الدافع أقوى. ولكي نفهم هذا التحول يمكننا أن نضع أنفسنا في مقارنة مع أقرب الكائنات منا، والتي يجمع بيننا وبينها أصل مشترك كما كان يرى داروين[2]، وهي الشامبانزي والقردة العليا. كائنات بخصائص تشبه إلى حد بعيد جيناتنا وتركيبتنا النفسية والاجتماعية، ولأن لدينا تاريخ مشترك فإننا نميل كما تميل هذه الكائنات إلى العنف والقوة إذا شعرنا بأننا بمعزل عن العقاب أو القانون أو معيارية القيم الأخلاقية، وهذا ما يفسر لنا المقولة الشهيرة في ثقافتنا العربية: من أمن العقوبة أساء الأدب. كما أن غالبية من كتبوا في موضوع الدولة كانوا يشيرون إلى أن بداية التشكل الأخلاقي كان أساسه الرغبة في تأسيس الدولة. وهناك مقارنة طريفة قام بها روبرت ماكيفر[3] بين الإنسان والحيوان، فهو يعتبر الإنسان الحيوان الوحيد الذي اتخذ له إلها، لهذا نجده يقترب من الآلهة ويتقمص خصائصها، ويبني لها المعابد والبيوت، وينشر أخلاقها وقيمها. لكن بانتشار العمران والاجتماع البشري بدأ يشعر بالحاجة إلى شيء يقيه شر عدوانيته وطموحات المحيطين به. وحسب هذا الطرح الميثولوجي فإن الإله زيوس حينما خاف من تنازع الناس واقتتالهم أرسل إليهم رسوله هرمس حاملا لهم قيما أخلاقية يستعينون بها في نظام المدينة وقاعدة للتآخي والتوافق.

هذا الأمر هو ما أشرنا إليه سابقا حينما تحدثنا عن مقاربة بول سيبرايت الاقتصادية، حيث تفيد بشكل واضح أن الإنسان تمكن أخيرا من خلال رحلته الممتدة في هذا الفضاء الأرضي الفسيح الذي يعيش فيه من خلاله التعاون بطرُقٍ مختلفة ومُتزايدة، ومن خلال الإمكانات التي منحتها إياه قدراته العقلية المتطورة، ألا يقتصر في حل نزاعاته وخلافاته على طريق العنف فقط، بل على العكس من ذلك طور إمكانات أخرى وفتح أبوابا شتى كي يصل إلى توافقات وأساليب لحل لنزاعاته بطرُق سلمية جذابة. ولأن بول سيبرايت[4] يقارن بيننا وبين أقرب الكائنات إلينا فإنه يطرح تساؤلات أخلاقية غاية في الأهمية لعل أهمها: لماذا نجَح الإنسان في ترتيب المجتمع وفقًا لنموذجٍ يسود فيه التعاون والتوافق بشكل عام، بخلاف بعض الكائنات التي نشترك معها في مجموعة من الخصائص؟. هنا يقترح علينا مجموعة من الافتراضات التي تستوجب النظر والتفكر:

  • إضافة إلى التطور العقلي الذي عرفه أسلافنا كان هناك تطور على مستوى العلاقات الإنسانية، ومن بين أهم المراحل التي وصل إليها أجدادنا هي الثقة في الغرباء، وهذا هو بالأساس هو موضوع أطروحة سيبرايت.
  • تطوير أشكال وأنماط التعاون تم عن طريق الحث أيضا على بعض القيم والدوافع كالوفاء بالاتفاقات والالتزامات التي لها أهمية كبيرة في تحديد المعاملات الإنسانية.
  • تطوَّر هذه الميول التعاونية قد تم بطريقتَين أساسيَّتَين. أولًا: تطور الذكاء الإنساني ومستوى تفكيره. ثانيا: عن طريق ما يسمى ب «التبادُلية الصارمة»، أي أن الإنسان دوما ينزع إلى معاملة الإنسان بالطريقة التي يحب أن يعامله بها هذا الآخر. هذين الدافعين لهما ثقل كبير على تطور المعاملات الإنسانية، وزيادة الوعي بالقيم الأخلاقية من أجل الدفع بالبشرية خارج حدود العنف الغريزي. وهو سلوك يحفزه سلوك الآخرين.

هذه بعض الافتراضات التي تعترض أسئلتنا الوجودية والأخلاقية، خاصة النقلة النوعية التي أحدثها التطور البشري في مجال المعاملات الإنسانية. وإذا كان سيبرايت يركز على البعد الاقتصادي في هذا التحول الهام في مسار البشرية منذ انطلاقتها الأولى، فإن هناك عوامل أخرى لا تقل أهمية عن عامل التبادل الصارم، ولعل أهمها عملية التحضر والتمدن التي عرفها العالم الحديث، وذلك من خلال الأسباب التالية: أولا: ما أحدثته المؤسسات الحديثة من تغييرات على تنظيم وترويض دوافع السلوك الفردي والجماعي المُنظَّم؛ مثل مؤسسات المحاكم والجيوش والسجون.

ثانيا: التمدُّد التدريجي لمُثُلٍ عُليا معينة خاصة بالسلوك الفردي والجماعي أحدث ثورة أخلاقية بالتركيز على قيم ومثل عليا كضبط النفس والحصافة وحُسن الخلق.

انطلاقا مما سبق يمكننا أن نخلص إلى أن القيم الأخلاقية التي سعى إلى تطويرها الإنسان على مدار هذا التاريخ المترامي، وحجم التعاون الذي أحدثته الإنسانية لا ينبني دوما على أساس تقديرات عقلانية محضَة. لأن ما تبينه التجارب المختلفة في هذا الصدد هو أن وجود سلوك التبادُلية الصارمة التي ميزت الكائن البشري عن أقرب الكائنات إليه، جعلت الإنسان يقوم بسلوك التعاون والتضامن بغض النظر عن الفوائد التي يمكن أن يجنيها من وراء هذه السلوكات. إنها الثقة في الغرباء من جعلت العالم الإنساني ينقلب رأسا على عقب، فتتحول هذه الثقة إلى قيمة أخلاقية تدفع باقتصادات الدول خاصة الدول الرأسمالية إلى تطوير أنماط إنتاجها ومختلف أشكال علاقاتها. ودون هذه الثقة يصبح عالم الإنسان عالما متوحشا مرتابا وموغلا في القبح والعنف.

  • الإنسان والمقدّس: رحلة التأسيس إلى الأخلاق

رحلة الإنسان على هذا الفضاء الأرضي الفسيح هي رحلة المقدس بامتياز، وحينما نتحدث عن المقدس، فإننا نتحدث عنه أيضا بوصفه قيمة أخلاقية ساهمت بشكل من الأشكال في الحد من النزعات العدوانية في تفكير الكائن الإنساني وتركيبته الغريزية. كما أن حديثنا عن المقدس هنا يحيلنا إلى العديد من الأبحاث والدراسات المرتبطة به، والمفككة لطبيعته وماهيته. وإذا كان الإنسان والمقدس يمشيان سوية منذ لحظة الوعي الأولى، فإن فهم طبيعة المقدس نفسها كانت لحظة مفارقات وصعوبات فرضتها طبيعة البحث في الظاهرة الإنسانية المركبة والمعقدة. هذا هو السؤال الذي طرحه نور الدين الزاهي[5] وهو يواجه موضوعا شائكا من قبيل المقدس والمجتمع. هل البحث عن ماهية الإنسان إعلان مبدئي أننا سنتحرك خارج إطار المقدس؟، الجواب الذي يقترحه الزاهي هو نعم لأن البحث في المقدس كما يؤكد ماكاريوس هو إبطال لمفهوم المقدس، أي هو شكل من أشكال انتهاك المقدس. هكذا هو البحث في مجال المحرم والمسكوت عنه. مجال يكتنفه الغموض واللبس لأنه يتماثل مع الإلهي والمطلق، كما أنه ليس من ابتكار الأفراد، بل من إبداع الجماعة.

هنا تحضرنا أطروحة رونيه جيرار[6] وهو يتحدث عن العنف المقدس. ذلك العنف الذي رافق مسيرة الإنسانية قبل أن تحاول التخفيف منه عبر إنشاء معتقدات ومنظومات أخلاقية وقانونية تيسر سبل العيش، وتطور الأفراد والجماعات بعيدا عن هذا الجحيم. وحدها الأنثروبولوجيا من تجعل كل شيء قابلا للبحث مهما كانت النتائج، فكل شيء يخضع للبحث يأخذ طابعه النسبي، بما في ذلك أخلاق التضحية كما درسها رونيه جيرار.

إن أبرز ما جعل الإنسان يطور من منظوراته إلى ذاته وإلى الآخرين، هو قضاؤه على الرغبة المشتركة بين الناس. تلك الرغبة المولدة للعنف، والقاضية على أمل التواصل بينهم. فماذا تعني هذه الرغبة؟، إنها شكل من أشكال تأثر الإنسان برغبات الآخرين ومحاكاتهم، والسعي إلى أن نكون مثلهم. وفي ظل هذا التماهي وتلك المحاكاة يتولد الحسد والحقد والضغينة، كما يتولد شكل آخر من أشكال التعبير عن النقص ألا وهو العنف. وفي ذروة هذه الأزمة المحاكاتية تبتكر الإنسانية أخلاق التضحية، وتجعل منها غاية الغايات، فلا غرو ما دامت التضحية تهدئ الطبيعة العنيفة للكائن الإنساني وتحافظ على الوحدة الاجتماعية. ولكي يتم هذا الأمر تضحي الجماعة بأحد أفرادها وتجعل الأحقاد والضغائن كلها تتجه باتجاه هذه الضحية المفترضة. وبهذا الحل الذبائحي الذي تقدم عليه الجماعة تبرز مسألة أخرى لها ارتباط وثيق بالجانب الأخلاقي وهو الحظر والمنع فالأخلاق في نهاية المطاف تتراوح بين الحظر والإباحة. فغوستاف لوبون يعرف علم الأخلاق بأنه هو:” علم قواعد السلوك التي يجب اتباعها لعمل الخير واجتناب الشرِّ، وتُعَرِّف الفضيلةَ بالاستعداد النفسي الذي يَحْفِز النفس إلى عمل الخير واجتناب الشرِّ، أي مراعاةِ قواعد الأخلاق، وتُعَرِّف الرذيلةَ بما هو عكس ذلك “[7]. وبروز هذا الجانب الأخلاقي المتمثل في أخلاقيات المنع له دلالة كبيرة. حيث أن الجماعة من جراء الحالة التي تصاب بها من خلال فعل التضحية بأحد أفرادها تسن مجموعة من التشريعات المؤدية إلى منع فعل الاقتتال من جديد، وإغلاق كل منافذ العنف، أو المسالك التي تقرب منه بشكل من الأشكال. وهنا تصبح القواعد الأخلاقية فاعلة في مجالها الاجتماعي، فهي ليست مطلقة لأنها تأتي من خارج حدود الجماعة، ولكن قدسيتها تستمدها من الغاية والوظيفة الاجتماعية التي تحققها في بنية المجتمع. فقواعد الحظر الاجتماعي هي قواعد للترويض والتهذيب، خاصة أن الحظر يستتبعه العقاب والجزاء السيء. هكذا روضت الإنسانية غرائز العنف، وهكذا سمحت لنفسها عبر السلوك والقاعدة الأخلاقية أن تؤسس لاستمرارية النوع، وضمان البقاء للعنصر الإنساني بمسميات أخلاقية. هذا هو السلوك الذي سار عليه مجموعة من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا، فدراسة المقدس والإنسان كما سبق أن أشرنا لا يمكن أن ندرسها إلا في إطار نشأة الأخلاق والدين، لأن التقديس في نهاية المطاف هو حظر واتباع، وليست القاعدة الأخلاقية إلا جزءا لا يتجزأ من القاعدة القانونية التي تنبني على فعل شيء ما، أو منعه. وحتى نكون أكثر منطقية في هذا الربط يمكننا أن نستشهد بعلم الأخلاق والتفسيرات والتعريفات التي أعطاها الكثير من المشتغلين فيه وحوله، فرابوبرت[8] مثلا يرى بأن علم الأخلاق يوضح لنا الحياة الأخلاقية التي تأخذ أشكالا متعددة كآداب وأعراف وتقاليد. فيصبح هذا العلم معينا لنا على معرفة ماهية هذا الوجود، وشكل هذه الحياة التي نعيشها، والمساعدة على معرفة الشر والخير، والصالح والفاسد مما يجعلنا نسير في هذه الحياة بشكل ميسر يبعد عنا مأساوية هذا الوجود وإشكالاته. وباختصار شديد يقول«بولسن» في كتابه (نظام علم الأخلاق): «إن المقصد الأخير الذي دفع الناس إلى التأمل في طبيعة العالم سيظل دائمًا هو الرغبة للوصول إلى نتائجَ ترتبط بمعنى حياتنا ومنبعها والغرض منها، فأصل الفلسفة كلها والغرض منها يجب أن يُتَطلَّبَ إذًا من علم الأخلاق “[9].

إذا تأكد هذا الربط يمكننا أن نفهم منشأ العلاقة بين الإنسان والأخلاق، إذ أنها علاقة متجذرة في التاريخ الإنساني، من حيث أنها تنحو بالإنسان إلى مجابهة الأخطار المحدقة به، من ناحية تنظيم العلاقة بينه وبين الوجود المادي من حوله، وطريقة فهمه له، ومن جهة أخرى تنظم العلاقة بينه وبين بني جنسه. هذا هو المقدس كفعل أخلاقي أولا وأخيرا، بغض النظر عن تأويلاته وامتداداته الواقعية. وهنا تحضرنا أيضا أطروحة روجيه كايواه[10] من خلال كتابه الإنسان والمقدس، الذي يدرس فيه هذه العلاقة المتشابكة والمعقدة بين الإنسان والمقدس بعيدا عن منطق الدفاع والنفي المضاد. فما أحوجنا اليوم أن نفهم كل ما له علاقة بالمجتمع والفكر والثقافة والإنسان فهما على الأقل يضعنا أمام سياقات تقربنا من أنفسنا، وتبعد علينا أحكاما أصبحت بمثابة معيقات للتفكير بدل أن تكون معينا على فهم أسرار هذا الإنسان وهذا الكون الفسيح.

وإذا أردنا أن نفهم العلاقة بين المقدس والمدنس أو المقدس والدنيوي، أي العلاقة بين عالم يتفرغ فيه المؤمن لأعماله بحرية ويمارس نشاطا لا تأثير له على خلاصه الأبدي، ومجال فيه الخوف والأمل يصيبانه بالشلل والهلاك. فإن المقدس من هذا المنظور يغدو هو المقولة التي يبنى عليها السلوك الديني. تلك التي تمنحه خاصته النوعية وتفرض على المؤمن شعورا متميزا بالاحترام يحصن إيمانه ضد روح النقد كما تجعله بمنأى عن الجدل العقيم بوضعها إياه خارج نطاق العقل وما وراءه.

  1. هل الدين هو مصدر الأخلاق الوحيد؟
  • الفرق بين الأخلاق والنزعة الأخلاقية:

قبل البدء في إيضاح هذا المعنى الدقيق بين الكلمتين يجدر بنا أن نشير إلى أن هناك لبسا كبيرا يثار حولهما  ناتج عن صعوبة الفصل بينهما، خاصة في اللسان اللاتيني. كما يجب أن نشير إلى إشكالية الترجمة، فالمفهوم الأول تتم ترجمته بالأخلاق وهو اللفظ morale  واللفظ الثاني يترجم بالنزعة الأخلاقية أو الأخلاقوية وهو اللفظ éthiques. هذا الموضوع مهم جدا ويتيح أمامنا مساحة كبيرة للتمييز خاصة أن بعض الفلاسفة المعاصرين قد أولوه عناية خاصة، ولعل أهمهم المفكر الفرنسي أندريه كونت سبونفيل في مقالة له بعنوان: الفرق بين الأخلاق والنزعة الأخلاقية[11].

لكن قبل البدء لا بد من التعريف بهذا الفيلسوف المعاصر، الذي يفتخر بأنه ينتمي إلى جيل [12]1968، وحينما نتحدث عن هذا الجيل، فهو يشير إلى الفترة التي شهدت الحركات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي وقعت في الستينيات من القرن الماضي، وهي مرحلة حرجة من تاريخ أوروبا، حيث شهدت هذه الأخيرة تحولات كبيرة وحركات اجتماعية ثورية أفضت إلى تغييرات جذرية على النظم السياسية في العالم بأسره، ولعل أهم ما أفرزته هذه التحولات في بنية الذهنية الأوروبية والعالمية ظهور حركات طلابية قوية وبنفس ثوري داخل أسوار الجامعات والمؤسسات التعليمية، حيث هدفت إلى المطالبة بتغيير مجموعة من الأشكال التقليدية في الحكم، كما انتشرت الحركات النسوية والحقوقية المنادية بحقوق المرأة المدنية والسياسية، حيث بدا كل شيء ينحو نحو التحرر من القيم القديمة.

Haut du formulaire

لكن المثير بالنسبة لسبونفيل ليس فقط الانتماء إلى فترة تاريخية معينة، فهذا الأمر لا يعني شيئاً بالنسبة للمتتبّع. وإنّما المثير هو ما يميّز هذه الحقبة التّاريخية في فرنسا، وانعكاساتها أيضا على باقي العالم، ونحن جزءٌ منه. فالطّابع المميّز لهذه الفترة هو عدم الاهتمام بالأخلاق، أو لِنقُل لم تكن الأخلاق هي الجزء الأصيل من تفكير الشّباب العالمي في تلك الحقبة، حيث كان الشّعار الملازم لهم هو:” المنع ممنوع ” و ” لنعش دونما إبطاء لنستمتع دونما هوادة “. هذا الابتعاد أو لنقُل النّفور من كلّ ما هو أخلاقي كان نتيجة طبيعية لإيديولوجية سياسية سادت العالم حينذاك مفادها أنّ الكلّ سياسيٌّ، بمعنى أنّ كلّ تفكير الشّباب وقتذاك كان منصبّاً على التّفكير السّياسي، فهو المبتدأ وهو المنتهى، حتى أنّ البعض كان يرى في التّفكير السّياسي ضرورة أخلاقية، وربّما هي الأخلاق الوحيدة المعترف بها حينذاك.

لنعد إلى موضوعنا الرئيسي ففي الاستخدام الشائع تستخدم كلمة morale بنفس المعنى الذي تستخدم له كلمة éthique هذا ما تؤكده مجموعة من القواميس. لكن لا بأس أن نعود إلى الجذر اللغوي لكل كلمة حتى يستنى لنا الفهم بشكل أفضل. تأتي كلمة éthiques  من الكلمة  اليونانية ethos التي تعني “الأعراف” ، والأعراف من طبيعة الحال ما تعارف عليه الناس من “طرق العيش “. أما morale فيأتي من اللفظ اللاتيني موس (موريس العبقري)، وتستخدم أيضا للدلالة على “الأعراف” التي هي “طرق العيش وأنماط السلوك والتصرف”. بعبارة أخرى، إذا أمعنا النظر في الجذر اللغوي نصل إلى خلاصة وهي أن الكلمتين تأتيان من جذرين واحد يوناني، والآخر لاتيني، وحينما كان يريد شيشرون ترجمة إيثيكا الإغريقية، يكتب  moraleia للدلالة على أنها نفس الكلمة بلغتين مختلفتين. وبالتالي لا يمكن أن نميز بين الكلمتين انطلاقا من الجذر اللغوي لكليهما.

ما سيسمح بوضع التمييز بين الكلمتين هو الاقتراح الذي اقترحه سبونفيل وهو في الحقيقة لا يزعم أنه هو الذي اخترعه لكن المهم هو أن هذا التمييز حديث نسبيًا. ظهر هذا في فرنسا في السنوات 70-80، بشكل رئيسي مع مؤلفين: جيل دولوز ومارسيل كونش. واعتمادا على أعمالهما تحديدا يمكن اقتراح تعريفين أحدهما للأخلاق والآخر للنزعة الأخلاقية أو الأخلاقوية.

لكن قبل تمييزهما عن بعضهما البعض، أو إحداث نوع من الفصل المفاهيمي بينهما لا بد من رؤية ومعرفة ما هو مشترك بينهما. لأنه إذا كانت مسألة التمييز تطرح نفسها بإلحاح، فذلك راجع إلى أن هناك خطرا موجودا في الارتباك والغموض الحاصل بينهما. في الواقع تشترك الأخلاق والنزعة الأخلاقية في كونهما تكونان خطابات معيارية. أي أنهما يتضمنان كل أحكام القيمة: الموافقة، الإدانة، اللوم، إلخ… الأحكام التي تهدف إلى تنظيم سلوكنا أو أفعالنا وعاداتنا.

هنا يمكننا تقديم أربعة اختلافات رئيسية بين الأخلاق والنزعة الأخلاقية:

الاختلاف الأول: الأخلاق هي الخطاب المعياري الذي يتعامل مع الخير والشر كقيم مطلقة، في حين أن النزعة الأخلاقية هي خطاب معياري يتعامل مع الجمال والقبح كقيم نسبية وباطنية. لاحظ هنا الفرق بين الخير والشر من جهة، وبين الجمال والقبح من ناحية أخرى. وهذا واضح من خلال الاستخدام اللغوي وكذلك الاستخدام الشائع. لنأخذ مثالا على ذلك. تخيل أن ابنك الصغير يقول لك: “لا أريد السبانخ، السبانخ شريرة”! فتقول له، “لا يمكنك قول ذلك. يمكنك أن تقول أن السبانخ غير جيدة، مما يعني في الحقيقة أنها لا تعجبك “. يسجل الطفل هذا الدرس، وبعد خمسة عشر يومًا، تتفاجأ أنه يكذب. فتشرح له أنه لا يجب عليك أن تكذب. يفهمك جيدًا ويجيبك: “أنت على حق، الكذب غير جيد. ثم تحاول إقناعه من جديد: “آه لا يمكنك قول ذلك الكذب ليس مثل السبانخ، إنها ليست مسألة ذوق الكذب شر “. هذا هو التمييز الذي نجده عند Deleuze بالاعتماد على نيتشه، وأيضا عند مارسيل كونش.

الاختلاف الثاني: لأنها مطلقة فالقيم الأخلاقية تفرض نفسها بشكل متطابق على الجميع. وبعبارة أخرى: القيم الأخلاقية طبيعتها عالمية أي موجهة للجميع.

الاختلاف الثالث: لأن الخير والشر قيم مطلقة وعالمية فهي تفرض باعتبارها أشياء ضرورية. الأخلاق تتكون من الوصايا القطعية التي تقود الكائن البشري دون قيد أو شرط: “لا تكذب ، لا تقتل…

الاختلاف الرابع والأخير: الأخلاق تميل نحو الفضيلة في المعنى التقليدي والأرسطي للمصطلح، الفضيلة تعرف بأنها تصرف مكتسب لفعل الخير. إن الأخلاق تميل نحو الفضيلة وتتوج بالقداسة، بالمعنى الأخلاقي وليس المعنى الديني للمصطلح، بالمعنى الذي يعطيه كانط لهذه الكلمة عندما يكتب: “الإرادة المقدسة هي إرادة تتفق في كل شيء مع القانون الأخلاقي “. وعلى هذا الأساس فالمقدس ليس هو ما يمتلك إيمانا حيويا للغاية. لكن هو ببساطة الشخص الذي يقوم بواجبه دائمًا. بهذا المعنى أيضا يأتي سؤال كامو: “هل يمكن أن يكون هناك ملحد مقدس “، إجابة كانط هي “نعم”. ما نفهمه من هذا الاختلاف الرابع هو أن الأخلاق تميل نحو الفضيلة وتنتهي بالقداسة، في حين تميل النزعة الأخلاقية في الغالب إلى السعادة وتتوج بالحكمة[13].

  • الإنسانوية أو الأخلاق بعيدا عن الدين:

لنبدأ أولا بقضية الدلالة والمفهوم فنشير إلى أن هذا المفهوم متعدد الدلالات، لكنه يشير بشكل عام إلى تلك المنظومة الفكرية المكونة من مجموعة من القيم والاهتمامات التي تهدف إلى صون الكرامة الإنسانية واعتبارها ذات أهمية خاصة. وهذا الأمر يجعلنا نتوافق مع الشخص الإنسانوي انطلاقا من هذا التعريف، ليس بالضرورة أن يكون الإنسانوي متدينا، فقد يكون غير ذلك لكنه يحمل هذا البعد الأخلاقي الإنساني.

لكن المثير في هذا السياق هو أنه بالرغم من التحديد الذي أعطاه التعريف السابق إلا أن المنضمين إلى لواء المذهب «الإنسانوي» في العالم المعاصر، خصوصا المتواجدين في المملكة المتحدة، عادة ما يَقصدون شيئًا أكثر تحديدًا؛ فهم لديهم رؤيةٌ للعالم من نوع خاص لا يقبلها الجميع بالتأكيد، وتلك الرؤية هي ما يجب تسليط الضوء على بعض جوانبها، ويمكن اختزال هذه الرؤية في سبع نقاط أساسية نسردها على الشكل التالي[14]:

أولًا: يؤمن الإنسانويون أن العلم والعقل بشكل عام يجب أن يستخدما في كافة مناحي الحياة، ولا ينبغي النظر إلى أي معتقد أو دين خارج حدودهما.

ثانيًا: الإنسانويون غالبا إما ملحدون وإما على الأقل لا أدريون. لديهم آراء متشككة من الدين وكل ما يدور في فلكه.

ثالثًا: يؤمن الإنسانويون أن هذه الحياة هي الحياة الوحيدة لنا؛ فلا توجد حياة أخرى، أو أي عالم غيبي مرتقب.

رابعًا: تنطوي الإنسانوية على إيمان شديد بوجود وأهمية القيمة الأخلاقية التي ينبغي أن تستمد عن طريق دراسة الطبيعة الفعلية للبشر وما يساعدهم على الازدهار في هذه الحياة، لا الحياة الآخرة.

خامسًا: يؤكِّد الإنسانويون على استقلالنا الأخلاقي الفردي؛ فنحن مسؤولون عن أفعالنا وأقوالنا.

سادسًا: يؤمن الإنسانويون أنه يمكن أن يكون لحياتنا معنًى دون أن يَهَبَنَا الإله إياه.

سابعًا: الإنسانويون علمانيون؛ بمعنى أنهم يفضلون مجتمعًا ديمقراطيًّا مفتوحًا تتخذ فيه الدولة موقفًا حياديًّا فيما يتعلَّق بالدين.

إذا عرفنا بأن الإنسانوية أو المذهب الإنسانوي يستلهم مجموعة من القيم الأخلاقية، فإن هذا الأمر يجرنا إلى النظر في مصدرية الأخلاق. فالمتدينون غالبا ما يتحججون بمجموعة من الأدلة في مواجهة الملحدين مفادها أن الأخلاق مصدرها الدين والإله تحديدا، والإنسان إذا ابتعد أو أنكر الدين، فسيكون مجبرا ألا يؤمن بالقيم الأخلاقية، أو المكتسبات الإنسانية التي اشتركت البشرية في بنائها منذ انطلاقة لحظة الوعي الأولى. وقد أخذ هذا المبحث جزءا كبيرا من النقاش الذي قام به ريتشارد داوكنز[15] وهو يناقش حجية أصل الأخلاق. هذه الحجة تسمى بنظرية الأمر الإلهي، وحسب هذه النظرية، فإن الأشياء الخاطئة والشريرة هي ليست كذلك إلا لأنها منهي عنها دينيا، وبأمر إلهي. وأيا كان النقاش المفضي إلى مصدرية النقاش، فالمهم من كل هذا هو أهمية الأخلاق، وفعاليتها في الواقع، وذلك ما لا ينكره المتدين، أو غير المتدين. وإذا عرفنا بأن الإنسانوي يؤمن بأهمية الأخلاق، بل يمارس الفعل الأخلاقي انطلاقا من مسميات قانونية وعرفية وإنسانية، فيمكننا أن نطرح التساؤل التالي: من أين يستمد الإنسانوي أخلاقه؟ وهنا يمكن أن نحدد أربع سمات أساسية للمنظور الأخلاقي للإنسانوي[16]:

  • يؤكد الإنسانوي على استقلالنا الأخلاقي
  • يرفض الإنسانوي التبرير الأخلاقي المستند إلى أشياء خارج حدود حسنا البشري
  • منظومة الأخلاق الإنسانوية هدفها رفاهية الإنسان
  • المنظومة الأخلاقية الإنسانية منظومة عقلية وليست متعالية

تجربة الإنسانوي مع الأخلاق، هي تجربة المتدين مع الدين، فالكل يبحث عما ينظم حياته وعلاقته مع ذاته ومحيطه القريب والبعيد. وقد ساهم الدين بشكل أساسي في بناء الصرح الأخلاقي للإنسانية. لكن للإنصاف ليس هو الشكل الوحيد، والمصدر الأوحد للأخلاق. فالإنسانية منذ البدء عرفت تطورات كبيرة كان الجانب الأخلاقي حاضرا فيها قبل أن تنطلق مسيرة الدين في شكله المكتمل مع الأديان التوحيدية. هذا يحيلنا إلى ما كتبه فرانسوا دورتييه[17] عن مؤسس السوسيولوجيا أوغست كونت حيث قال بأنه هو مؤسس الفلسفة الوضعية والداعية لديانة جديدة وهي الإنسانوية. لكن قبل أن نتحدث عن هذا التأسيس من وجهة نظر دورتييه يجدر بنا الحديث قليلا عما هي الفلسفة الوضعية، لأن هذه الفلسفة هي امتداد طبيعي لفكر كان العلم هو أصله، وبالتالي تم التعامل مع كل الأمور المتعالية تعاملا اختزاليا فيه الكثير من التهميش والإقصاء كما سنرى مع كونت، ولكي نصل إلى هذا المبتغى يجدر بنا أن نقوم باختصار فكر كونت من خلال الإشارات التالية:

  • ظهرت كلمة سوسيولوجيا في سنة 1839 في سياق كتاب دروس في الفلسفة الوضعية لأوغست كونت
  • كان أوغست كونت يحبذ كلمة أخرى بديلة عنها وهي الفيزياء الاجتماعية في إشارة إلى العلم الذي يعنى بالمجتمع.
  • كانت رغبة كونت في الإشارة إلى هذا الاسم الفيزياء الاجتماعية تعبيرا منه على أنه ما من علم إلا ذلك الذي يستند على التجربة والوقائع. وهي إحالة في الحقيقة تشير إلى الرغبة في بناء علم حقيقي مستند على أسس وقوانين.

لكن حدث تحول مهم أسفر عنه ظهور مصطلح جديد حينذاك وهو لقاؤه بسان سيمون. فكيف تم ذلك؟.

  • التقى أوغست كونت بسان سيمون وأصبح مساعده أيضا. والمثير أن فترة الالتقاء كان سان سيمون يعمل على صياغة معتقد فلسفي واجتماعي وهو المذهب الصناعي الذي سيقدمه فيما بعد كمسيحية جديدة.
  • حدث خصام بين الرجلين انتهى من طبيعة الحال إلى الشقاق بينهما والقطيعة النهائية وستبدأ رحلة أوغست كونت بشكل مختلف. خاصة مع حلقة دروس في الفلسفة الوضعية. ويكفي ان نستحضر هنا أنه يريد أن يجيب عن تساؤلات مثيرة في التفكير الإنساني: الأول: كيفية معرفة العالم؟ الثاني: ما هو الإنسان؟ الثالث: ما هو المجتمع؟ الرابع: كيفية العيش المشترك؟. ولعل أهم درس من هذه الدروس نجد ما يسمى بقانون الأحوال الثلاث ملخصا تطور الفكر البشري في ثلاث مراحل كبرى:
  • العصر اللاهوتي: فيه يبحث الذهن عن أسباب الظواهر فتنسب إما لأشياء أو افتراض كائنات خارقة للعادة كالآلهة.
  • العصر الميتافزيقي: وفيه تخلي العوامل الخارقة مكانها لعوامل مجردة، مثل الطبيعة عند اسبينوزا أو الإله المهندس عند ديكارت. والمادة عند ديدرو، أو العقل في عصر الأنوار.
  • العصر الوضعي: ويرفض الذهن في هذه الحالة كل ما لم يبن على أسس علمية وفق قوانين صارمة.

بقي لنا الإشارة إلى كيف دعا كونت إلى ديانة جديدة بحسب جون فرانسوا دورتييه؟.

هذا الأمر تصادف مع لقائه بصديقته كلوتليد دو فو. تعرف إليها وارتبطا بعلاقة حب. هذه الفترة شهدت أيضا انتقالا جديدا في تفكير كونت فبعد إعلانه مبادئ الوضعية صار يهتم بوضع أسس التنظيم الاجتماعي. وبالرغم من أن كونت كان ينتقد بشدة الذهنية اللاهوتية كما مر معنا سابقا، إلا أنه كان يعرف جيدا بأن الدين يلعب دورا مهما في اللحمة الاجتماعية. لهذا حاول كونت إيجاد بديل للآلهة القديمة كما تشكلت في الذهنية اللاهوتية، فبدلا من الديانات القديمة سيكون هناك كائن عظيم grand être  وهذا سيكون هو الإنسانية بالذات. وهكذا وبالضبط في سنة 1847 تم الإعلان عن ديانة الإنسانية. وفي هذا الدين يحل العلم. وخاصة علم الاجتماع مكان العقيدة أو الدوغما ويحتل العلماء فيه محل الكهنة. كما أنه تعلم أن الذكاء وحده لا يكفي لترابط الناس وارتباطهم بل يلزم الحب والعاطفة. وهذا استفاده من خلال علاقته السابقة التي أشرنا إليها مع كلوتليد دو فو وهكذا ظهر بحث له بعنوان السوسيولوجيا المكونة للإنسانية.

ج- البوذية أو الإنسانوية في شكلها الديني: الدالاي لاما نموذجا

إذا أردنا أن نتحدث عن البوذية في شكلها المعاصر فلا يمكن أن نتجاوز رؤية رجل من مشاهير رجالات البوذية الحاليين، وهو الدالاي لاما وتحديدا مع خلال كتابه المسمى: ” ما وراء الأديان أخلاقيات لعالم متكامل “، وهو محاولة للتأسيس لرؤية رجل لا ينكر توجهه الديني البوذي، غير أن هذه الرؤية لا تمنعه أيضا من الانفتاح على أفق آخر وهو المشترك الإنساني وتحديدا مع مصطلح مثير في السياقات الدينية وهو مصطلح العلمانية[18].

الدالاي لاما: من مواليد التبت عام ١٩٣٥، وأحد الزعماء الروحيين لهم، يعتبر أحد الدعاة الكبار للسلام في العالم والأمن ومواجهة الحروب، حيث حصل على جائزة نوبل للسلام عام ١٩٨٩ لنضاله السلمي من أجل تحرير التبت.

يقول الدالاي لاما مؤكدا على سعة تفكيره وانفتاحه العلمي والديني:” أنا رجلُ دين، لكن الدين وحده لا يمكن أن يحل جميع مشكلاتنا[19]. كلمات معبرة خاصة إذا صدرت عن رجل دين وداعية سلام له وزنه العالمي. وتكمن أهمية هذه الكلمات في الاعتراف الصريح بأن الدين لا يمكن أن يحل جميع مشاكلنا، وهي النظرة التي ترسخت بفعل عوامل كثيرة في المخيال الديني للكثير من الناس، حيث يعتقدون بأن الإيمان بأن الدين لا يلامس كل القضايا، ويترك مساحات كبيرة للتطور والإدراك الإنساني هو تقليل من الشأن الديني، أو اعتراف صريح بعدم صلاحيته للواقع المعاصر. قلّما نجد رجال دين يعترفون بأن الدين ليس مجالا شاملا، وبأن المعرفة الإنسانية يمكنها أيضا أن تضيف الكثير من الأشياء، هذا الواقع في الأصل هو نتيجة السقف المعرفي الذي يتحدث من خلاله رجل الدين، فكلما كان السقف مرتفعا كلما كان الانفتاح ومساحات الحرية كبيرة أيضا، وكلما ضاق الأفق الفكري لرجل الدين كلما تحجر الفكر والعقل على حد سواء. يحكي الدالاي لاما نفسه بأن كلامه لا يجب أن يفهم منه المرء التقليل من أهمية وشأن الدين في حياة الإنسان. فالصلاة مثلا لها فائدةٌ نفسيةٌ عظيمة. ولكن علينا أن نتقبَّل أن نتائجها الملموسة تصعُب رؤيتها في كثير من الأحيان. فحين مرض منذ بضع سنوات، كانت معرفته بأن الناس يُصلُّون من أجله تطمئنه بالتأكيد، لكن لقد اعترف أيضا أنَّ معرفته بأن المستشفى الذي كان يعالَج فيه يضم أحدث المعدات المخصصة للتعامل مع حالته مطمئنةٌ بدرجة أكبر.

موضوع في غاية الإرباك بالنسبة لرجل دين عادي، وهذا أمر يمكن فهمه في سياق أنساق دينية شاملة لكل شيء ولا تعترف بأشياء خارج مجال اشتغالها، وهذا هو لب الموضوع كيف استطاع الدالاي لاما أن يختبر ما وراء الأديان ويدعو إلى أخلاق علمانية، إنه المدخل إلى إعادة فهم وتصحيح مسار العلمانية، فماذا يقصد بهذا اللفظ تحديدا؟

بالرغم من العداء الحاصل تاريخيا بين الدين والعلمانية عند غالبية رجال الدين فإن الدالاي لاما يدعو إلى التأسيس إلى ما يسميه ب «الأخلاق العلمانية، وهذا الأمر يدرك جيدا أنه يثير حفيظة الكثيرين من المتدينين عبر العالم، لأن العلمانية بالنسبة لهم ترفض الدين، وتتناقض مع أصوله ومبادئه وعقائده. غير أن فهم العلمانية ينبع من واقع آخر مختلف نسبيا عن استخدامات هذا المصطلح في سياقاتنا الثقافية الموتورة بالشحن والجمود الطائفي. وهنا يمكننا أن نشير إلى أن التداول الذي يقصده الدالاي لاما بالعلمانية ينبع ويصدر عن الاستعمال الهندي لها. فماذا يعني هذا اللفظ تحديدا في الدستور والمجتمع الهندي كما ينظر له الدالاي لاما. وللإجابة عن هذا السؤال نقترح النقاط الموجزة التالية:

  1. مصطلح علمانية في الاستعمال الهندي يعني الاحترام والتسامح المتبادَل مع جميع الأديان ومع غير المؤمنين بالأديان أيضًا.
  2. التشويش الحاصل في مفهوم العلمانية كان بسبب رفض المجتمعات الغربية الراديكالية للدين، وذلك بالمغالاة في تقديس العقل الذي كان حسب وجهة النظر هذه متناقضا مع الإيمان الديني.
  3. واضعوا الدستور الهندي عززوا المبادئ العلمانية لأن هدفهم ليس هو التخلص من الأديان، بل الاعتراف على نحوٍ رسمي بالتنوع الديني للمجتمع الهندي.
  4. المهاتما غاندي السياسي المشهور كان مصدر الإلهام وراء الدستور، وقد كان رجلًا متدينًا للغاية.
  5. ثقافة التسامح والتنوع والنقاش المترسخة في الهند منذ وقتٍ طويل، هي ما ساهم في نجاحها البارز في الحفاظ على ديمقراطيتها العلمانية

هذه هي أسباب تعزيز الدستور الهندي لمبادئ العلمانية بشكل موجز، وهي ما تجعل من تنوع المجتمع الهندي أمرا مقبولا اجتماعيا، وتسمح بالتعايش بين أفراد المجتمع بسلام واحترام. وهذا أيضا هو الذي ألهم  الدالاي لاما محبة الثقافة الهندية، لأنها بالنسبة إليه تجسد ما يسميه بالأخلاقيات العلمانية التي تستمد من الدين روحه لكنها في الوقت نفسه لا تقصي المجال العام ولا تحط من قيمة المعارف الإنسانية.

ماذا يعني ذلك؟ يعني أن الدالاي لاما يصف نفسه أو على الأقل يشعر في قرارات نفسه بأنه رسولٌ معاصر للفكر الهندي القديم. لسببين أساسيين يتم التعبير عنهما في كل محاضراته وجولاته وأسفاره: الفكرة الأولى: هي مبادئ اللاعنف، والفكرة الثانية هي التناغم بين الأديان.

 

 

 

 

 

خاتمة:

رحلة طويلة قضاها الكائن الإنساني وهو يبحث عما يضمن بقاءه، ويعزز من فرص تواجده على هذه الأرض، ولعل أهم اكتشاف تم إيجاده أو إحداثه أو اضطر إليه هو الوجود الأخلاقي. رحلة نقلته من طور التوحش والعنف الذين طبعا الحياة البدائية، إلى طور يتجاوز فيه حدود غريزته وطبيعته، حيث سيعتمد على القيم الأخلاقية التي أسست إلى بناء المجتمع والتعاون والعمران والتمدن. وبتنامي الوعي الأخلاقي أصبحت الحضارة جزءا أصيلا في مكونات البناء الإنساني واحتاج بذلك هذا الإنسان إلى تطوير الثقافة والتكنولوجيا والعلم والمعرفة، فانعكس ذلك على تحسن الأخلاق، وزيادة الوعي بأهميتها في بناء صرح الإنسانية الكبير.

ولكن بالرغم من هذا الوعي فإن سؤال الأخلاق ما زال يثير فينا مجموعة من الإشكاليات، وهذا ما حاول البحث أن يضيء على بعض جوانبها، أو يعزز من مكانتها، أو يشير إلى ضرورة وأهمية النقاش حولها. فعالم اليوم يشهد تحديات كبيرة أو لنقل بتعبير أدق مآزق كبيرة تتعلق بالأخلاق الإنسانية. وما الصراعات والنزاعات العالمية وانخفاض مستوى القيم والترابط الاجتماعي إلا إحدى تجليات هذه الأزمة الخطيرة. الأمر الذي يتطلب وعيا أكبر بحجم التحديات الأخلاقية التي تواجه الإنسانية.

انطلاقا من هذا الوعي نكون قد وصلنا إلى أن مسيرة الإنسان الطويلة في إحداث هذه الطفرة الأخلاقية عرفت مجموعة من التحديات والصعوبات، وبالتالي وجب تعزيز الوعي الأخلاقي وترسيخ القيم الإنسانية الأسمى في كل جوانب حياتنا، لأنها هي المشترك بين الإنسان المتدين، وغير المتدين بالرغم من الاختلافات الجوهرية في طبيعة الأخلاق أو مصدريتها.

إن إضاءة البحث على هذا الانتقال الإنساني من التوحش إلى التمدن كانت غايته هو إبراز مدى صعوبة هذا التحول، وكذلك ضرورة التمسك بهذه القيم مما يعزز من المشترك الإنساني، ويرسخ تجاوز النقاشات الجانبية المحيطة بمصدرية الأخلاق لضمان انتقال سلس إلى ما هو أعمق وأكبر، خاصة ونحن نواجه خطر اندثار بعض القيم المرتبطة بالاجتماع البشري.

 

 

هوامش

  1. بول، سيبرايت. رفقة الغرباء تاريخ طبيعي للحياة الاقتصادية. ترجمة رشا الدخاخني. مؤسسة هنداوي، ط1، 2020. ص: 93
  2.  يمكن التعمق في الموضوع بشكل مفصل في كتاب تشارلز داروين، نشأة الإنسان والانتقاء الجنسي. ترجمة محمد محمود المليجي. المجلس الأعلى للثقافة، ط1، 2005، ص: 89.
  3. روبرت، ماكيفر. تكوين الدولة. ترجمة حسن صعب. دار العلم للملايين، ط2، 1984 ، ص:13.
  4. بول سيبرايت. المرجع السابق, ص: 93.
  5. نور الدين، الزاهي. المقدس والمجتمع. إفريقيا الشرق، ط1، 2011، ص: 32,
  6. رينيه، جيرار. العنف المقدس. ترجمة سميرة ريشا. المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2009، ص: 7.
  7. غوستاف، لوبون. حياة الحقائق. ترجمة عادل زعيتر. مؤسسة هنداوي، ط1، 2014، ص: 84.
  8. أ،س، رابوبرت. مبادئ الفلسفة. ترجمة أحمد أمين. مؤسسة هنداوي، ط1، 2014، ص: 46 .
  9. المرجع نفسه. ص: 46.
  10. روجيه، كايواه. الإنسان والمقدس. ترجمة سميرة ريشا. المنظمة العربية للترجمة. ط1، 2010. ص: 35.
  11. يمكنكم الاطلاع على المقال من خلال الرابط التالي، andre conte sponville

https://nicomaque.files.wordpress.com/2013/09/ethique-et morale-comte-sponville.pdf

  1. أندريه،كونت سبونفيل. الرأسمالية هل هي أخلاقية. ترجمة بسام حجار. دار السافي، ط1، 2005. ص: 19.
  2. أندريه، كونت سبونفيل. المقالة السابقة
  3. ستيفن، لو. الإنسانوية مقدمة قصيرة جدا. ترجمة ضياء وراد. مؤسسة هنداوي، ط1، 2016 . ص: 9.
  4. ريتشارد، داوكنز. وهم الإله. إصدار تجريبي 2009. ص: 99.
  5. ستيفن، لو. المرجع السابق. ص: 86 .
  6. جون، فرانسوا دورتييه. علم الاجتماع من النظريات الكبرى إلى الشؤون اليومية أعلام وتواريخ وتيارات. ترجمة إياس حسن. دار الفرقد، ط1، 2010, ص: 21.
  7. الدالاي، لاما. ما وراء الأديان أخلاقيات لعالم كامل. ترجمة ياسمين العربي. مؤسسة هنداوي. ط1، 2022. ص: 17.
  8. المرجع نفسه، ص:17 .

 

 

 

 

 

[1] – بول، سيبرايت. رفقة الغرباء تاريخ طبيعي للحياة الاقتصادية. ترجمة رشا الدخاخني. مؤسسة هنداوي، ط1، 2020. ص: 93

[2]  يمكن التعمق في الموضوع بشكل مفصل في كتاب تشارلز داروين، نشأة الإنسان والانتقاء الجنسي. ترجمة محمد محمود المليجي. المجلس الأعلى للثقافة، ط1، 2005، ص: 89.

[3] -روبرت، ماكيفر. تكوين الدولة. ترجمة حسن صعب. دار العلم للملايين، ط2، 1984 ، ص:13.

[4] -بول سيبرايت. المرجع السابق, ص: 93.

[5]– نور الدين، الزاهي. المقدس والمجتمع. إفريقيا الشرق، ط1، 2011، ص: 32,

[6] – رينيه، جيرار. العنف المقدس. ترجمة سميرة ريشا. المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2009، ص: 7.

[7] – غوستاف، لوبون. حياة الحقائق. ترجمة عادل زعيتر. مؤسسة هنداوي، ط1، 2014، ص: 84.

[8] – أ،س، رابوبرت. مبادئ الفلسفة. ترجمة أحمد أمين. مؤسسة هنداوي، ط1، 2014، ص: 46 .

[9] – المرجع نفسه. ص: 46.

 

[10] – روجيه، كايواه. الإنسان والمقدس. ترجمة سميرة ريشا. المنظمة العربية للترجمة. ط1، 2010. ص: 35.

[11]– يمكنكم الاطلاع على المقال من خلال الرابط التالي، andre conte sponville

https://nicomaque.files.wordpress.com/2013/09/ethique-et-morale-comte-sponville.pdf

[12] – أندريه،كونت سبونفيل. الرأسمالية هل هي أخلاقية. ترجمة بسام حجار. دار السافي، ط1، 2005. ص: 19.

[13] – أندريه، كونت سبونفيل. المقالة السابقة

[14] – ستيفن، لو. الإنسانوية مقدمة قصيرة جدا. ترجمة ضياء وراد. مؤسسة هنداوي، ط1، 2016 . ص: 9.

[15] – ريتشارد، داوكنز. وهم الإله. إصدار تجريبي 2009. ص: 99.

[16] – ستيفن، لو. المرجع السابق. ص: 86 .

 

[17] – جون، فرانسوا دورتييه. علم الاجتماع من النظريات الكبرى إلى الشؤون اليومية أعلام وتواريخ وتيارات. ترجمة إياس حسن. دار الفرقد، ط1، 2010, ص: 21.

[18] – الدالاي، لاما. ما وراء الأديان أخلاقيات لعالم كامل. ترجمة ياسمين العربي. مؤسسة هنداوي. ط1، 2022. ص: 17.

[19] – المرجع نفسه، ص:17 .

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete