الأسئلة الفردية والإجابات الجمعية: من شرعنة الإجابات إلى شرعية الأسئلة

ابتداءً، عندما ترتهن الأسئلة الجديدة للعقل الجمعي، لأيِّ أمة أو أي شعبٍ، حول ثلاثية: 1- الإله[1]. 2- الإنسان. 3- العالَم[2]، إلى الإجابات القديمة التي أنتجها عقل الأمة أو الشعب في فترات سابقة؛ تدخل الأمة في (سبات حضاري عميق)؛ حتى وإنْ كانت الإجابات القديمـة قد منحت الأُمّـة بُعدها الهُويَّاتـي أو نواتها الصلبة التي شكّلت كينونتها وطبعتها بطابعٍ خاص جعلها مائزة عن كينونات وهُويَّات الأمم الأخـرى. فهي تُرْهِن، إذا ما ارتهنت لإجابات قديمة، شرط وجودها إلى شرطٍ معرفي ماضٍ، لا إلى شرطٍ معرفي آني، كما المُفترَض والصحيح. على اعتبار، وفقاً لذلك الارتهان، صلاحيـة الشرط المعرفي السابق وقدرته على عبور الأزمان والأذهان، وقصور الشرط المعرفي[3] الآني عن إبداع ما هو جديد، فيما يتعلق بتلك المفاهيم الأساسية. بإزاء هذا القصور المعرفي يُصبح العبث بالإجابات القديمة اقتضاءً لواقع الأسئلة الجديدة؛ عبث أنطولوجي بالدرجة الأولى، لأنه يطال الكينونة الجمعية للأمة وتمظهراتها التي اصْطُلِحَ على النسخة الأخيرة منها في الاجتماع السياسي. ما يستوجب عقاباً شديداً[4]، في حال حدث وتجرَّأ على تقديم إجابات جديدة للأسئلة الحادثة في هذا الاجتماع.

من ثمَّ، عندما ترتهن أسئلة العقل الفردي حول ثلاثية: 1- الإله. 2- الإنسان. 3- العالم؛ إلى إجابات الغير، تدخل الذات في (انتحار وجودي كبير)[5]. إذ تعمد إلى رهن وجودها وتمظهراته في الواقع المعيش لشرطٍ غيري، ما يسلبها قيمتها الأنطولوجيـة في هذا العالَم، فلا يعود لها من دورٍ إلا عبر الآخرين. فوجودها، والحالة هذه، وجود ناقص نقصاً جوهرياً، أي يعتوره خلل مبدئي، فهي تابعة لغيرها، إذ تُبيح له -بعد أن تمنحه قيمة وجودية أعلى منها- أن يصنع لها وجودها بالكامل من مبتداه إلى مُنتهاه، أو من ما قبل الميلاد إلى لحظة البقاء في العالم الآخر. فسيرورته كاملة: جسدياً وعقلياً وروحياً، ترتهن إلى ذلك الآخر، تحديداً إلى إجاباته على الثلاثية العريقة، الأعلى منها قيمة وجودية.

وعليه ففي حالة السبات الحضاري، الناتجة عن ارتهان أسئلة الأمة الجديدة لإجابات قديمة، أي نتجية تقدم كينونتها ومقامها الهووي على سؤالها المعرفي، فإنها تدخل؛ أعني الأمة، في:

  • حُلمين صغيرين على المستوى الدَّاخلي.
  • كابوس كبير على المستوى الخارجي.

ولتفصيل أكثر، بحيب تصبح الأمور أكثر وضوحاً وجلاءً، سأتحدث بداية عن الحُلمين، ثم سأتحدث عن الكابوس.

الحُلمان:

  • حُلم في المنام، أو في التكوين اللاواعي للأمة، يستحضر جماليات الزَّمن القديم وإمكانات القوة الكبيرة الكامنة فيه، ويستعظم القدرة الهائلة التي أوتيت للسلف،[6] تحديداً في: 1- قدرتهم على صياغة نسقهم الحضاري بكافة أبعاده، الذي حال بالتقادم إلى هُويَّة جامعة ومُشكِّلة لكينونتهم. و2- استبصار الحالة المستقبلية ومصير الأجيال القادمة والتعقيب عليها سلفاً أيضاً، بحيث لا يسمح لأحد بمسِّها أو الاقتراب منها. فما يُريده الخَلَف وما يتطلعون إليه فَكَّرَ فيه السلف وصاغوه مرة واحدة وإلى الأبد، ما جعل إغلاق الباب[7] على ذلك الزَّمن والإجابات التي قدّمها، عملاً مشروعاً مشروعية مصيرية.
  • حُلم في اليقظة يلعن الخَلَف والأجيال الحالية التي أضاعت وصايا السلف والعالَم الفريد الذي بنوه، ونافسوا به العالم. فالارتكاسـة الحضارية الحالية التي تُصيب الأمة، هي نِتاج طبيعي لخيانة تلك الوصايا من قبل الأجيال الحاضرة، وعدم تمثلهم وامتثالهم لمقاربات تلك العصور المُباركة لمفاهيم: 1- الإله. و2- الإنسان. و3- العالم؛ لذا ينبغي تحويل هذا الحُلم الطوباوي إلى واقع حقيقي.

الكابوس:

كابوس واقعي كبير يتعرَّى، وفقاً لمقتضياته، العقل الجمعي، إذ تسقط عنه ورقة التوت الأخيرة. فهو خارج جنَّة عدن المزعومة في حلمي: 1- المنام و2- اليقظة. لأنّ الفرق الحضاري بين:

  • الطوبى الدَّاخلية التي يعيشها هذا العقل عِيشة المُطمئن تجاه أحلامه الماضوية، ويركن إليها ركوناً لذيذاً على المستوى السيكولوجي.
  • وبين الواقع المأساوي الذي يعيشه عيشة المهزوم حضارياً ويجعله عاجزاً عن مجاراة ما يحدث في العالَم بطريقةٍ إبداعيـة، تُفضي إلى منافسة الآخر أو القديم في المرة الأولى، والتفوّق عليه معرفياً، إنْ كان ثمة رؤية هائلة للثلاثية العريقة، في المرة الثانية.

هذا الفرق بين الطوبى والواقع، بين الخيال اللذيذ والحياة المأساوية، تجعله، أي العقل الجمعي، خاضعاً لمنظومة عُصابية تشرخ شرطه الوجودي من ناحية، أي تحطّ من قدره ومكانته في هذا العالَم. وتجعلته، من ناحية ثانية، مُستلباً لاستيهامات سيكولوجيـة لذيذة على المستوى الذهني، ومؤذية في الواقع العملي. ولا شك أن هذا الفرق بين الذهن الاستيهامي والواقع المُؤذي؛ سيجعل الشرخ والاستلاب يتعاظم كلما أوغل هذا العقل في شرعنة الإجابات القديمة ومنحها قيمة أنطولوجية، على حساب شرعية الأسئلة المعرفية والآفاق المنشودة في البحث عن إجابات جديدة لتلك الأسئلة الحادثة. فعبر تجليات هذا التعاظم للشرخ الوجودي والاستلاب السيكولوجي؛ ينحدر العقل الجمعي حضارياً، عبر إلغاء قدرته الذاتية على إبداع نسق معرفي جديد وكبير، ويحمل في طياته، من ضمن ما يحمل، إمكاناً بالتأسيس لكينونة جديدة. فهو، إذ يُمْعِنُ في إلغاء قدراته المعرفية على منح ثلاثية: 1- الإله. 2- الإنسان. 3- العالَم، مفاهيمية جديدة، فإنه يعتبر نفسه أقل مرتبةً في الوجود من مرتبة أسلافه، لذا يبقى في مرحلة تلقٍّ سلبي لمعارفهم بما هي معارف قرَّت في نسق هويَّاتي، مع عدم قدرة على تجاوز هذا التلقي إلى مرحلة الإبداع، وإضافة جديد عليه لم يقدر عليه الأجداد، ليس لقصور في أذهانهم، بل تلك طبيعة أساسية من طبائع البشر، فالمعرفة متدفقة على الدوام، ولا تتوقف، وقوفاً أخيراً ونهائياً، إلا عند خائف أو مُتردد أو عاجز أو كسول أو مُستلَب أو مُحطَّم أو مُسَلِّمٍ بقَدَرَهِ، وغير مؤمن بقدرته على تغيير قَدَره، لذا يبقى على ما هو عليه.

وفي حالة الانتحار الوجودي –استكمالاً لموضوعة السبات الحضاري- تتصاغر الذات الفردية وتتلاشى وتنعدم فاعليتها في العالَم، فهي منفعلة بالوجود أو مفعول بها، ليس إلا. ولا معنى لها في هذا العالم إلا بالمعيَّة، عبر الآخرين، كمُلحق من مُلحقاتهم. فهي مسلوبة الإرادة وغير قادرة على الفعل الوجودي، لأن أيّ رفع للرأس عبر تداعيات العقل واجتراحاته الذاتية لأسئلة شائكة ومحيّرة حول: 1- الإله. 2- العالم. 3- الإنسان، واقتراح إجابات عليها قدر الإمكان، تستلزم ثمناً باهظاً ستقرّر بموجبه القيمة الفردانية للذات الإنسانية في هذا الوجود. لذا يبقى الرأس منخفضاً ومسحوقاً أمام إجابات الآخرين والتسليم بها تسليماً يقينياً، بما يسلب الذات الفردية أعمق حقوقها الوجودية وأكثرها أهمية. وعليه تتحوّل الذات الفردية ساعة تُخضع أسئلتها إلى إجابات الغير، من ذات فاعلة بالوجود إلى ذات منفعلة به أو مفعول بها، ويصبح سؤالها حول ثلاثية: الإله والإنسان والعالم؛ سؤالاً برسم إجابات الغير الجاهزة والناجزة والقارّة والمحروسة، لا برسم البحث الذَّاتي الذي سيُولِّد لا محالة قيمة الفرد على المستوى الوجودي ويمنحه صفةً تمايزية عن الذوات الأخرى مهما كثرت هذه الذوات أو تعدّدت. فهو يُبدع علاقة معرفية بـ (الإله/ العالم/ الإنسان)، بناء على تجربة ذاتية يخوضها من لحظة ميلاده إلى لحظة بقائه كإنسانٍ مُبدع قدَّم جديداً للعالَم.

لذا، كتداركٍ لحالتي: 1- السُّبات الحضاري العميق. و2- الانتحار الوجودي الكبير، أَوْلَى بالأفراد والجماعات والمنظومات الفاعلية، سياسياً وثقافياً، الحدّ من:

  • شرعنة الإجابات، نظراً للخطر الدَّاهم الذي تنطوي عليه هكذا شرعيات، لا سيما كُلما تقادمت تلك الإجابات، واستنفدت مدة صلاحيتها.

والعمل على تعزيز نهج:

  • شرعية الأسئلة، نظراً لأهميتها البالغة ليس في تجاوز شرعنة الإجابات القديمة فحسب، بل وفي اجتراح، أيضاً، أنساق معرفية جديدة ومميزة لثلاثية: الإله والإنسان والعالم، بما يخدم مصلحة الأمة الحضارية.

فنزع الشرعنة عن الإجابات القديمة، وتعزيز شرعية الأسئلة الجديدة، سيضع الأمة، أي أمة على الإطلاق، أمام استحقاق حضاري كبير. فالسؤال المعرفي أولوية قصوى، حتَّى بالنسبة لما قرَّ في ضمير الأمة وعقلها، إذ آن أوان تغييره، بسبب صلاحيته التي انتهت ولم تعد مناسبة للعقل الحديث. إذ يمكن ساعتئذ، قياس صحة الأمة من مرضها، قوتها من ضعفها، فعلها بالوجود أو انفعالها به؛ فإنْ عزَّزت شرعية الأسئلة وفعلّتها وشجعت مسلكياتها في الاجتماع السياسي، فذلك مؤشر قوي على تعافي الأمة وسيرها على نهج قوي وفاعل. وإن اتبعت هذا التعزيز للأسئلة بنزع الشرعنة عن الإجابات الكُليَّة، المُطْلَقة، بما يُتيح المجالات لمزيد من الإبداعات الفردية، فذلك مؤشر آخر على قوة الأمة وتعافي صحتها وتحوُّلها من سياقات الانفعال بالوجود إلى آفاق الفعل به.

الهوامش:

[1]  قد يأخذ مفهوم الإله صيغاً مُختلفة، وفقاً للثقافة التي يتموقع بها.

[2]  اعتبر أن ثلاثية: 1- الإله. 2- الإنسان. 3- العالَم. هي نقطة الارتكاز الرئيسية في أي فعل فلسفي، إذ لا يمكن تصدر الحضارة، بدون الاشتغال على مفاهيمية جديدة لهذه الثلاثية، وإحداث تغير جوهري في بنيتها الأساسية.

[3]  يمكن أن ينتج هذا القصور من حالتين: الأولى بمنع أي اجتهاد جديد، مع ما يتضمنه هذا المنع من سلسلة طويلة من العقوبات المادية والمعنوية، بما يصل إلى حد القتل. والثانية بالإيمان بتلك الإجابات القديمة إيماناً كليا، واعتبار أي محاولة جديدة لتقديم إجابات جديدة، نوع من العبث.

[4]  طالت مثل هذه العقوبات أناس من مختلف الحضارات الإنسانية، ومنها حضارتنا العربية الإسلامية.

[5]  لا شكَّ أن لكُلِّ فردٍ من أفراد المجتمع تصوّره الشخصي عن مفاهيم هذه الثلاثية، لكن ثمة نواظم كبرى، على المستوى الجمعي، لا يستطيع أحد الخروج عليها، إلا وسيناله عقاب شديد. لذا، يُفضِّل الفرد الاحتفاظ بتصوره لنفسه أو لمعارفه في جلساته الخاصة.

[6]  سلف أي أمة على الإطلاق، وليس شرطاً سلف الأمة العربية الإسلامية.

[7]  الأجداد يُغلقون الباب، والأحفاد يحرسونه.

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete