تكوين
مقدمة
رغم مختلف الأزمات التي تشهدها المجتمعات وتعددِ دوافعها ومغذياتها، يظل دورُ الأسرة حاضرًا في كثيرٍ من تلك الأزمات، سواء في أسباب نشأتها أو في سبل مكافحتها، ومن تلك الأزمات التطرف، فمع تعدد زوايا النقاش حول تلك الظاهرة وأبعادها وسبل مكافحتها -برؤيتها أحد أبرز التحديات وأهمها التي تواجه المجتمعات اليوم وتتجاوز خصوصيات الدول والثقافات- نجد هناك زاويةً لا تقل أهمية لدورها المركزي في صناعة التّطرف، ويتعلق بالأسرة التي تُمَثِّلُ البيئة الأولى والتي تملك قدرة على إظهار التطرف وتغذيته وفي الوقت نفسه، يُمكنها كبحه ومنع ظهوره أو تحجيمه.
ومن هنا تتمحور مشكلة الدراسة حول تسليط الضوء على العلاقة بين الأسرة والتطرف وحدود التأثير المتبادل لكليهما في الآخر وأثر ذلك في تفكيك التطرف.
أولا: لماذا يذهب الفرد نحو التّطرف
التطرف مثل غيره من السلوكيات الإنسانية، مُمارسة تنشأ نتيجة توافر عوامل محددة، وتستهدف إشباع احتياجات محددة. لذا فإن ولوج الفرد لمسار متطرف يكون لدوافع محددة تدفعه لذلك وهي على النحو التالي:
1- دوافع التطرف
يُعرَّف التطرف بأنه “العملية النفسية والسلوكية التي ينغمس من داخلها الفرد في أيديولوجية متطرفة، ويتبناها في نهاية المطاف([1]) وهو سلوك أو رؤية تحمل مُبَالَغَةً وإِفْرَاطًا وَمغالاةً، ويكون نتاج عدة مؤثرات أو دوافع تكون لها تأثيراتُها في سلوك الشخص، سواء جميعها أو بعضها وهي:
أ. دوافع داخلية/ذاتية: وتكون نتاج الفرد نفسه وما يُعانيه أو يشتبك معه ذاتيًا، بطريقة تُؤدي إلى رُؤيةٍ أو سُلوكٍ مُخالفٍ للمُحيط، قد يَتطور إلى مُمارسة مَادية أو يظل حالة كامنة وهذه الدوافع على صورتين:
- § دوافع شخصية
وتشمل السمات الشخصية للفرد، بالإضافة إلى المظالم والمشاعر التي قد تدفع نحو التطرف منها: العزلة والانفصال الاجتماعي، الغضب والإحباط، الشعور بالظلم والإهانة، العزلة الاجتماعية، الميل لسوء تفسير المواقف والشعور بالمظلومية، التعرض للعنف بين الأقران أو مشكلات وظيفية/عائلية ([2]).
- § دوافع سيكولوجية
ليس كلُ التطرف لأسباب نفسيه وليس كلُ الإرهابيين يَملكون تاريخا مرضيًا نفسيًا، لكنْ هناك شخصياتٌ تملك سمات مرضية نفسية تُسهم في توجيه السلوك إلى ممارسات متطرفة متعددة المستويات. قد تبدأ بخيارات شخصية وسلوكية متشددة مخالفة للمحيط بهدف التمايز والإعلان عن الذات، وقد تنتهي بسلوكيات عنف معنوية ومادية. “قديمًا كان الاعتقاد الخاطئ المتداول أنَّ الإرهابيين يعانون خللًا ما. يُفترض أنّهم مجانين، أو لديهم ميولٌ انتحارية، أو مضطربون نفسيًا يفتقرون إلى المشاعر الأخلاقية أو الإنسانية. قبل أنْ تُظْهِرَ المقارنات بين الإرهابيين وغير الإرهابيين الذين نشأوا في الأحياء نفسها، أنّ معدلات الاضطرابات النفسية متقاربة ومنخفضة في كلتا المجموعتين([3]).
وهنا يجب التمييز بين التطرف والإرهاب، لا يزال التطرف سلوك ذاتي ما دام لم يتحول إلى سلوك مادي يُفرض على الآخر أو يُرهبه، وهنا يتحول إلى إرهاب، فالإرهاب يُمكن النظر إليه على أنه مرحلة متطورة من التطرف. “فكل إرهاب تطرف، ولا يصبح الشخص إرهابيًا إلا إذا كان متطرفًا، ولكنْ ليس كلُ متطرفٍ إرهابيًا”([4]). لذا يُمكن خضوع تحليل الممارسة الإرهابية للأدبيات التي تُحلل الجريمة الجنائية والتي تتطرق إلى الدوافع النفسية إن وجدت وراء ارتكاب ذلك السلوك.
- § دوافع هُويَّاتية/أيديولوجية
تعرف الهُوية على أنها “إحساسُ الفرد بنفسه وفرديّته وحفاظه على تكامله وقيمته وسلوكيَّاته وأفكاره في مختلف المواقف: و”حقيقةُ الشيءِ أو الشخص التي تميزه عن غيره”([5]). ولها أساليب متعددة منها: الهُوية الثقافية والحضارية لأمة من الأمم وهي السماتُ العامة التي تُميز أمة عن غيرها. الهُوية الشخصية: تُعَرِّفُ شخصًا بمظهره واسمه وصفاته، وسلوكه، وانتمائه وجنسه. “الهُوية الجمعية” (وطنية أو قومية) وهي تدلُّ على ميزات مشتركة أساسية المجموعة من البشر، تميزهم عن مجموعات أخرى.
والهُويات القومية أو الوطنية وقد تطورت بطريقة طبيعية عبر التاريخ، وعدد منها نشأ بسبب أحداث أو صراعات أو تغيرات تاريخية سرَّعت في تبلور المجموعة. وقِسْم من الهُويات تبلور على أساس النقيض لهُوية أخرى([6]) هناك مستويات متعددة للهُوية؛ الهُوية على المستوى الفردي، أي شعور الشخص بالانتماء إلى جماعة أو إطار إنساني أكبر يُشاركه في منظومة من القيم والمشاعر والاتجاهات، وهناك التعبير السياسي الجمعي عن هذه الهُوية في صورة تنظيمات وأحزاب وهيئات شعبية ذات طابع تطوعي واختياري. وحال تبلور وتجسد هذه الهُوية في مؤسسات وأبنية وصيغ قانونية على يد الحكومات والأنظمة([7]). وأي خَلل في الهُوية الفردية أو الجماعية لأسباب ذاتية أو خارجية تدفع بالفرد/المجتمع إلى أزمة حقيقية تتعلق بوجوده والمستهدف منه. ومع حالة التخبط تلك يكون سهل الخضوع للمؤثرات -سواء الثقافية أو الدينية أو الأيدلوجية، المنضبطة أو المتطرفة- إذ تُقَدِّمُ له منظومة تبدو متماسكةً تساعده في الصمود النفسي في مواجهة ما يراه من تحديات.
ب. دوافع خارجية: وتتمثل في المثيرات الخارجة عن الفرد، لكنها تُؤطر كثيرًا من سلوكياته ورُؤاه ومُمارساته طوال حياته، ومن أبرزها:
§ الأسرة وتفككها وأزماتها
الأسرة هي الحاضنُ الأول للفرد والمشكل الرئيس لشخصيته، لأنها إيجابية الفرد تتوافق طرديًا مع تماسك الأسرة ووعيها، فكلما زاد تماسكها وعيها كلما كان الفرد إيجابيًا في مجتمعه. وكلما زاد الخلل في الأسرة، تدهورت أوضاع أفرادها نفسيًا وسلوكيًا ومن ثم يسهل توجيههم إلى مسارات غير سوية لضعف شخصيته ومن ثم سهولة انتقادية للآخر أيا كان.
تتعددُ الطرق التي يؤدي بها التفكك الأسري إلى تبني الأفكار المتطرفة وأبرزها([8]):
- الفراغ العاطفي والنفسي: يفتقر الشباب في الأسر المفككة إلى الدعم العاطفي والمادي الضروري، مما يُعمق شعورهم بالوَحْدة والفراغ الداخلي. وفي ظل غياب الدعم الكافي، قد يجدون في بعض التنظيمات المتطرفة ملاذًا، مما يدفعهم إلى تبني أفكار متشددة، بحثًا عن هُوية أو غاية يعوضون بها ما افتقدوه من استقرار عاطفي وأمان نفسي.
- غياب التّوجيه الأسري: في الأسر المفككة، يعاني الشباب نقصًا كبيرًا في التوجيه والإرشاد، مما يُضعف قدرتهم على اتخاذ قرارات سليمة ومبنية على أسس صحيحة. ليتبنوا أفكار متطرفة لتكون مصدرًا يمنحهم شعورًا بالهدف والاستقرار، ويوجههم نحو مسار ظاهري يتسم بالوضوح، حتى وإن كان ذلك على حساب القيم الإنسانية السليمة.
- الشّعور بالوَحْدة والعُزلة: إذ يَفتقر هؤلاء إلى الروابط العاطفية التي تشدهم إلى أفراد أسرتهم. ويزيد هذا الانفصال العاطفي من شعورهم بالضياع والعجز، مما يجعلهم أكثر قابلية للتأثر بالتنظيمات التي تُقَدِّمُ لهم شعورًا زائفًا بالانتماء والتقدير.
- التّعرض للعُنصرية والتّمييز: التي تُوَلِّدُ عند هؤلاء الشباب مشاعرَ الغضبِ والظلمِ؛ لشعورهم بأنهم مهمشون وغيرُ معترفٍ بهم، في ظل غياب بيئة أسرية توفر لهم إحساسًا بالعدالة والمساواة. لتصير هذه المشاعر أرضية خصبة تستغلها بعض التّنظيمات المتطرفة، فتقدم لهم أفكارًا تبدو وكأنها تسعى في تصحيح هذا الظلم، وتمنحهم إحساسًا زائفًا بالقوة والقدرة على التغيير.
§ جماعات الرفاق
وهي “تلك الجماعةُ التي تتكون من أعضاء يُمكن أن يتعامل كل منهم مع الآخر على أساس من المساومة، وهذه الجماعة لها خاصية الضم والاحتواء، فهي تضمُ الاطفال من السن ذاته تقريبًا، وأحيانًا من الجنس عينه وتتعامل معهم على أساس المكانة المتساوية. كما أن لها خاصية استبعاد الراشدين من ناحية اخرى ومن أمثلة تلك الجماعات جماعة اللعب والاقارب وزملاء المدرسة”([9]). تتجاوز تلك الجماعات في كثيرٍ من تأثيراتها دائرة الأسرة وتُمثل مُجتمعًا مُغلقًا يكون فيه أفراده على سَجيتهم بعيدًا عن سَيطرة الكبار/الوالدين/الأقارب ورقابتهم وقواعدهم -وأحيانًا تسلطهم- كما تَصْنعُ نوعًا من المعرفة صُنعًا جانبَ الثقافة، تقوم على الشفهي والسماعي في نقل المعارف والخبرات التي تصنعُ شخصية الفرد بصورة مباشرة عبر المعلومات التي تتناقل شَفاههً بينهم، أيا كانت طبيعتها -إيجابية أو سلبية- فضلًا عن وبصورة غيرٍ مباشرةٍ عبر مُحاكاةٍ تلقائية للسلوك والممارسات والأفعال. وهذا النمط من المعرفة المتكون –عبر التجارِب الشخصية التي يمرُّ بها الفرد النشْء ويتناقلها ذلك المجتمع المُغلق بين أفراده- يترسخ في وعي الفرد طوال عمره ويُوجه سلوكه ونظرته إلى الأشياء بصورة غيرِ مباشرةٍ، لكنها تفتقد في الأغلب إلى السند العلمي المُوثَّقِ والموثوق به.
ومع التطور التكنولوجي بدت هناك “جماعة رفاق إليكترونية” والتي تقوم بالوظائف ذاتها وأهداف نظيراتها التقليدية، لكنْ تختلف عنها في تحول سياقاتها المكانية لنشاطاته من المحلي إلى العالمي، أو سياق اللّا مكان. وتحول السياق الزمني من المحدد زمنيًا إلى سياق مفتوح زمنيًا، وتوسع دائرة العلاقات في إطار جماعة الرفاق الإلكترونية، فقد أصبحت مشتركة بين الجنسين. كما أنها أصبحت تضمُ رفاقًا من فئاتٍ عمرية متفاوتة إلى حد كبير([10]) وهو الأمرُ الذي يُوسِّع من دائرة تأُثيراتها وسرعة نتائجها في ظل اتساع مصادر المعرفة المتاحة وسرعة الوصول إلى مصادرها، وتنوع الخبرات.
§ المُجتمع/البيئة وأزماتها
ويُمثل المجتمع البيئة الخارجية المحيطة بالفرد وتؤثر مُجمل تفاعلاته وتحولاته وأزماته على أنماط الحياة اليومية والفكرية لعموم أفراده. والتي قد تدفع بهم إلى الإقصاء أو التهميش الاجتماعي، إذ يتنامى ذلك بتَأثير كلا من المَناخ السّياسي والديموغرافية العرقية والسكانية للمجتمع على النحو التالي.
- المناخ السياسي: للأوضاع السياسية العامة في المجتمعات تأثيراتها في ظاهرة التطرف على عدة أوجه منها:
- التّأزم السّياسي: تنعكس ما تُواجهه بعض الأنظمة الحاكمة من أزمات سياسيّة كُبرى على مُجتمعاتها، فمن ضمن الأزمات التي تنشط انعكاسًا لذلك ظاهرة التطرف الفكري. عندما يكون الشطط في التصورات هو المتنفسُ للبعض فيجعله يتخذ مواقف وتصورات بعيدة عن المعتاد أو السائد لإظهار التميز والتفرد ويكون للدين/الأيديولوجيا حضورها في تلك الأوضاع. فمثلًا تُرجع الأزماتُ السياسية الناشئة إلى تغيُّب الدين عن الحياة اليومية، وهو ما شهدته مصر في أعقاب نكسة 1967، حين بدأ ينشط التّطرف الديني في المجتمع وتنامى بمرور الوقت وتنوعت تجلياته وجماعاته، بدعوى تغييب النظام السياسي للدين ورموزه من المجال العام.
- ضعف المُشاركة السياسية: يُمثل الانغلاقُ السّياسي أو فرض/سيادة نمط مشاركةٍ واحدٍ عاملًا مُغذيّا للتطرف في ظل ما يَعنيه ذلك من استبعاد سياسي لقطاعات مُجتمعية ترى نفسها خارج دوائر الاهتمام من الأنظمة، فتلجأ إلى أعمال خارجة عن المَألوف للنكاية في النظام وإظهار رفضها له، دون أن يكون ذلك الموقف مرتبطًا بأهداف سياسيّة.
- الأوضاع الاقتصادية: يُمثل الاقتصادُ أحد العوامل الجوهرية في ظاهرة التّطرف، ففي ظل غياب العدالة الاقتصادية في توزيع الدّخل، تبرز أزماتٍ اقتصاديةً مُتعددة الأبعاد منها التفاوت الطبقي واتساع الفجوة في الطبقات ودخول أفراد المجتمع، والتضخم الاقتصادي وما ينتج عنه من انخفاض لقيمة الأموال وارتفاع أسعار السلع والخدمات، فتنشأ الأزمات اليومية في ظل ثبات أو انعدام الدخل وتنامي الاحتياجات، إضافة إلى ما يترتب على ذلك من ارتفاع لنسب البطالة، وهي ما تؤجِّجُ الإحباطات بين عموم الأفراد ضد الآخر سواء الأفراد، المجتمع، النظام الحاكم وتدفع إلى تنامي سلوكيات متجاوزة وخارجة عن المألوف وممارسات عنف مُتباينة الحدة والدرجات، ما يُسهّل على البعض من استخدام هؤلاء الأفراد في كثيرٍ من الأنشطة غير الشرعية استخدمًا مباشرًا أو غير مباشر.
- الديموغرافية العرقية والسكانية للمجتمع
عندما تؤثر كلٌّ من التكوين المجتمعي عرقيّا ودينيّا وثقافيّا وخصائص أفراده السكانية وتوزيعهم الجغرافي في سلوكياتهم وتصوراتهم. تتلاءم العلاقةُ طرديًا بين إحساس أفراد المجتمع بتحقق سياسات الاندماج الاجتماعي والعدالة وسلوكيات التطرف، فكلما تحققت هُوية الأفراد وزاد الشعور بالانتماء للمجتمع وأن الشخص مُتحقق وَفْق معايير واضحة للترقي، تقلَّصت ممارساتُ التطرف فالحقوق محفوظة والخصوصية مُراعاة. ودون ذلك يتنامى التهميش الاجتماعيّ والعزلة لبعض الفئات التي تُستبعد ومن ثمَّ يكونون الأكثر قابلية للانخراط في مُمارسات مختلفة عن المعتاد تمنحهم نوعًا من القوة، وذلك بالانخراط في مجموعاتٍ غير قانونية وَفْق ما يتيسر: مثل، العصابات الإجرامية أو الجماعات المُتطرفة لملْء الفراغ النفسي والاجتماعي الذي يحاصرهم. فالدافع المركزي وراء سلوكيات التطرف الناشئة، هي رغبة مثل ذلك الفرد في لفت إليه الانتباه وإشعار المُحيطين بقيمة وجوده وقوته وقدرته على التأثير في سياقه، إذ يكون له في تلك الحالة -حالة التطرف والمُغايرة للسائد- حضورًا وتأثيرًا لم يحققه في حياته السابقة، وهي المداخل التي تغذيها كثيرٌ من الجماعات غير القانونية التي تُعيد خلق هُوية جديدة لأعضائها وإشعارهم بمركزيتهم بعد سابق تَهميشهم في نواحي الحياة السابقة.
2. صور التطرف
التطرف في جوهره يعكس سلوكًا مُخالفًا لسير الحياة الطبيعية متعدد الأوجه، ومن التصنيفات المقدمة لتعريفات التطرف([11]):
- تعريفات تُركز على القيم المتطرفة، وتصف القيم بأنها متطرفة إذا كانت غير نمطية أو غير شائعة أو منحرفة. وتُعد القيم المتطرفة عادةً تلك الأبعد عن القيم المرتبطة عادةً بالديمقراطية الليبرالية.
- تعريفات تؤكد افتقار المتطرفين إلى الانفتاح أو تقبل وجهات نظر الآخرين، مع تسليط الضوء على مركزية التعصب في الاختلاف.
- تعريفات تركز على التوليف بين التطرف والعنف، إذ يُنظر إلى الأيديولوجيات المتطرفة على أنها تُحرض أتباعها إما على الانخراط في العنف بأنفسهم أو دعم عنف الآخرين.
أ. تطرف تقليدي
ونقصد بالتقليدية أنه يستند إلى أسباب ووسائل مألوفة متعارف عليها على مر الزمان، ويغيب عنه التأثير التكنولوجي. وهذا النوع من التطرف نراه على صورتين رئيستين يتفرع منهما صورًا فرعية: تطرف عنيف، وتطرف غير عنيف. يُقصد بالتطرف العنيف Violent Extremism “الاستعداد لاستخدام العنف غير القانوني من الآخرين، من أجل تعزيز هدف سياسي أو أيديولوجي أو ديني”، ويكون العنفُ فيه عنصرًا أساسيًا سواء الأعمال ذات الدوافع السياسية، أو الأيديولوجية، أو الدينية، أو الأعمال الصغيرة التي يمكن أن تحدث في بيئة محلية، ويتُميّز عن غيره من أنماط العنف بوجود الدافع([12]). فهو إذن يتبنى إمكان فرض فكر/تصور/هدف من طرف على الآخر، لذا يختلف عن الإرهاب الذي يعني مَشروعية الاستخدام الفعلي للقوة في سبيل تحقيق أهدافه.
أما التطرف غير العنيف فهو تبني الفرد أفكار/رُؤى تُخالف السّائد، لكنْ دون وجود سُلوك لعنف مادي بفرضها على مُحيطه أو مَعنوي بإقناع الآخر برؤيته. ويكون مرحلة تمهيدية، يتحول فيها صَاحبها إلى التّطرف العَنيف حال تَوافر سِياقاتٍ تَدفع إلى ذلك، سواء كان ذلك نابعًا من الفرد لاقتناعه بأهمية تغيير المحيط وبنشر أفكاره، أو لسياقات خارجية تتمثل في تأثير آخرين فيه، لتبني هذا المسار.
وكلا النمطان يتفرع منهما عدة صورٍ للتطرف تظل في المجمل استرشادية في ظل مرونة ظاهرة التطرف ودوافعها وغياب الفواصل الحدية بين أنماطها، ومن تلك الصور:
- سياسي: وهو موقفٌ سياسي ينطوي على دعم وتأييد فرض مجموعة من القيم أو الأفكار بالقوة، مما يعني على الأقل قبول العنف بوصفه وسيلةً سياسية، بغض النظر عما إذا كان هذا العنف يتجلى في صورة عنف جسدي أم لا([13])
- معرفي/فكري: وفيه يتبنى الفرد ذاتيًا أو يُحاول نشر/فرض سلوك مُختلف بمرجعية معرفة أو فكرية على آخرين بفهمها الرؤيةَ الأصوبَ الواجبِ اتباعها. ويندرج تحت هذا النمط، التطرف الأيديولوجي/الديني، عندما يتبنى الفرد منظومة للدين تُخالف المُتعارف عليه أو الشّائع في المُجتمع ورؤية صاحبها خارجَ الدين.
- نفسي/الوجداني وهو “شعورٌ يطغى على شيء معين، يجعل الشخص مندفعًا في اتجاه معين من دون أن يتبصر، وربما يدفعه هذا الانفعال إلى تدمير نفسه او غيره وربما يندم بعد ذلك حين تخف حِدةَ هذا الانفعال ويعود الى رشده، وأحيانًا يظل الشخص يشحن نفسه بشحنات وجدانية تُهدد بالانفجار في أي لحظه”([14]).
- سلوكي: ويعني “مجموعةً من السلوكيات التي تتسم بالانحراف عن الوسط، ويصبح الفرد متطرفًا متعصبًا في سلوكه بالتعامل مع الآخرين، وهو أيضًا الخروجُ عن القواعد الفكرية والثقافية التي يقبلها المجتمع ويرفضها الشرع والدين”([15]).
ويرتبط بهذا السياق تصنيفاتُ بعض الدراسات الأشخاص الذين يميلون إلى التطرف، فقد رأوهم على ستة أنواع وهم([16])
- المغامرون/الباحثون عن الإثارة Thrill seekers Adventurers : فهم يبحثون عن الإثارة والعنف، وينضمون في سن مبكرة إلى عصابات محلية، ويمارسوا سلُوكيات معادية للمجتمع مثل: الشغب، التخريب، والمشاجرات في الشوارع.
- الباحثون عن السياسة/السياسيون – Political seekers: ويسعون في التغيير السياسي ويشعرون أنهم منقذو شعبهم، ويكون ذلك غالبًا بعد تجرِبة سياسية سابقة أصابتهم بخيبة الأمل.
- الباحثون عن خيارات/المنبوذون – Option seekers / Misfits: يشعرون بالتهميش أو التخلي عنهم، ينشئون في ظروف صعبة، وقد يكونون غاضبين أو محبطين.
- الباحثون عن الاتصال الاجتماعي-التابعون Social seekers – Followers: ينضمون إلى حركات متطرفة بدافع اجتماعي مثل: إرضاء أو دعم الأصدقاء أو الانتماء، دون دوافع أيديولوجية قوية، ودون وعي كامل بذلك.
- الباحثون عن الأيديولوجيا/الأيديولوجيون – Ideological seekers – Ideologists: يصبحون متطرفين عبر الإنترنت قبل الالتقاء بأشخاص متشابهين في الأفكار خارج الإنترنت.
- التقليديون Traditionalists: يولدون في عائلات وبيئات اجتماعية متطرفة ويُنشَّؤون على التطرف أو الإرهاب منذ الصغر.
ومن الظواهر الحديثة نسبيًا في التّطرف، ظهور ما يُعرف باسم تطرف طبق السلطة- Salad Bar Extremism الذي يُشير إلى ظاهرة يتبنى فيها الأفراد مزيجًا من أيديولوجيات متداخلة ومتقاربة وأحيانًا متناقضة. وهو نمطٌ أكثرُ شيوعًا بين متطرفي اليمين مقارنة بالسلفية الجهادية. فهم ينطلقون من قاعدة أيديولوجية أوسع تشمل مجموعة من المعتقدات مثل: العنصرية، والتمييز الجنسي، والسلطوية، والقومية الإقصائية([17]).
ب. تطرف غير تقليدي
وهو النمطُ الذي يستند إلى أسباب ووسائل مألوفة وغير مألوفة، سابقًا برزت نتاج التطورات التكنولوجية. ومن تجلياته في ظاهرة التطرف بروز ما يُعرف بـ “التطرف الرَقْمي” والذي يُعرَّف على أنه “أيُّ نشاط إلكتروني يدعو إلى مواقف سياسية متطرفة أيديولوجيًا، أو يدعمها، أو يجند أتباعًا لها في الفضاء الإلكتروني، ويتسم بصعوبة تحديد هُوية المنخرطين فيه([18])ـ وفيه تعمل التَّنظيمات المُتطرفة على تَكيّف مُحتواها المُقدم في المنصات الشّائعة بين المُستخدمين الشباب ليتماشى مع تَفضيلاتهم الإعلامية، بإنشاء مقاطع فيديو مخصّصة، ومواد صوتية، و ميمز –Memes- تتضمن مراجع ثقافية مشتركة([19]).
يلجأ إلى هذا النمط غير التقليدي عديدٌ من التنظيمات الإرهابية، سواء ليكون حلًا مؤقتًا لتعويض فقدان مرافق التدريب الميدانية، ومشاركة برامج التدريب، والنصوص الأيديولوجية، والدعاية بسرعة، وسهولة. أو ليكون وسيلةً أساسية لاكتساب ومشاركة التدريب التكتيكي والعملياتي والأيديولوجي. وإنشاء مواد التدريب النصية والمرئية والفيديوهات ونشرها وتخزينها، وذلك في ظل ما يُمكنه التفاعل الافتراضي سهولة الوصول وكفاءة أدوات الاتصال وبناء الشبكات الرَقْمية، ومن ثم دمج أعضاء جُدد وتسهيل تبادل المعلومات، وتعزيز المشاركة في الأنشطة عبر الإنترنت وخارجه([20]).
ومن أجل تحقيق مزيدٍ من الانتشار الرَقْمي بين المستخدمين الرَقْميين يُستخدم التضخيم الخوارزمي وهو العمليةُ الآلية التي تُروَّج بها المحتويات الرَقْمية بهدف زيادة التفاعل، ويحدث ذلك بواسطة عدد من الآليات التِقْنية الحديثة التي تعمل على تضخيم المعلومات ونشر محتويات التطرف في([21]):
- الروبوتات الرَقْمية Bots، تِقْنيات الاستفزاز المتعمدTriggering، كشف البيانات الشخصيةDoxxing
- الـ “بوتات” حسابات آلية على وسائل التواصل الاجتماعي مُبرمجة للنشر والتفاعل على نطاق واسع.
- “الاستفزاز المتعمد” أسلوبٌ يعتمد على استخدام لغة مستفزة أو مثيرة للجدل لإحداث رد فعل مفرط من وسائل الإعلام أو الشخصيات العامة، مما يزيد التفاعل والظهور.
- كشف البيانات الشخصية Doxxing وهو تكتيكٌ يُعرّض الأفراد -وغالبًا الصحفيين- للترهيب عن طريق نشر معلوماتهم الشخصية، مثل: العناوين أو وسائل الاتصال، على الإنترنت. ويسهم المناخ الناتج من الخوف في تثبيط التدقيق في أنشطة هذه الجماعات.
- إلى جانب تِقْنيات مثل اختراق المصادر- Source hacking: أي التلاعب بمحللين موثوقين لدفعهم إلى الاستشهاد بمعلومات مضللة في تضخيم المحتوى الضار، وتقويض الثقة بالمؤسسات.
ثانيًا: كيف تُقوم الأسرة التطرف؟
لا ينشأ([22]) التطرف فجأة ولا يبدأ بالضرورة على هيئة عنف مباشر، بل بتكوَّنُ تدريجيًا عبر ثلاث مراحل مترابطة:
- البعد الوجداني، تتكون عند الفرد استجاباتٌ انفعالية مضطربة نتيجة ما يتعرض له من تجارِب قاسية، أو تهميش، أو شعور بالظلم، أو الإقصاء أو فقدان المكانة والقيمة. وتؤدي هذه التجارِب إلى تراكم مشاعر الغضب والسخط والاغتراب والرغبة في الانتقام أو إثبات الذات؛ ما يخلق استعدادًا نفسيًا للبحث عن تفسير يُعيد تعريف الذات ويمنحها قيمة واعترافا.
- المرحلة المعرفية، مع تراكم الانفعالات يبدأ بالبحث عن منظومة تفسيرية جديدة تُعيد فهم معاناته وتقدم له تفسيرًا معرفيًا يُعيد إليه الشعور باليقين، لتتحوَّل هذه التفسيرات إلى بِنية قيمية جديدة يُعاد من داخلها تأويل المفاهيم القيمية التي تَتَكَوَّنُ لديه، والأهداف المراد تحقيقها. وتصير المعرفة انتقائية؛ حينما يُقبل ما يُعزز السردية الجديدة، ويُرفض ما يُناقضها. وبذلك يُبنى إطارٌ ذهني مغلق لا يعتمد على الحوار، بل على الإطلاق.
- المرحلة السلوكية؛ حين يسعى الفرد في ترجمة قناعاته إلى أفعال تُثبت إخلاصه أو تمنحه شعورًا بالقيمة أو الانتماء أو الاعتراف، وقد تمده بإشباعات نفسية أو اقتصادية أو اجتماعية. وقد تبدأ هذه الأفعال بتنميط الآخر أو الجدال المتشدد أو الانعزال، ثم تتدرّج إلى محاولات فرض الرأي بالقوة الرمزية أو الاجتماعية. وعندما تتوافر شروط الدفع المناسبة -مثل: ضغط الجماعة أو المكافأة الرمزية أو الإقصاء الاجتماعي- قد ينتقل الفرد إلى ممارسة العنف المباشر، فيدخل في مستوى التطرف السلوكي الذي قد يتطور لاحقا إلى الانخراط في جماعات منظمة تستخدم العنف لتحقيق أهداف سياسية أو رمزية.
وعليه؛ فللأسرة دورها المركزي في التفاعل مع تطرف أحد أفرادها سواء قُبيل تطرفه أو بعد تطرفه.
1- قُبيل مرحلة التّطرف
يُمَثِّلُ بِناء الشخصية التشاركية متعددة الأبعاد الهدف الرئيس المُستهدف تَحقيقه من الأسر تجاه أبنائها، وهو ما يفترض أن يُثقل عبر الزمن بمُختلف الأنشطة التفاعلية مع مُؤسسات المجتمع. يحصلُ ذلك عبر:
- توفير بيئة الدعم الشخصي بتحقيق الإشباع العاطفي للفرد: عبر تَعميق العلاقة بين الوالدين وأطفالهم بإظهار الحب والدعم غير المَشروط، فحصول الطفل على ذلك يخلق شخصية سوية تُعينه
- عدم الانتقاد العلني للسلوكيات الخاطئة والعمل على تقويمها أولا بأول بمشاركة الطفل في تحديد طريقة التقويم وبالاختيار بين عبدة بدائل، مع التقويم المستمر للسلوكيات غير المنضبطة دون عقوبات جسدية.
- إشراك الطفل في عملية اتخاذ القرارات الخاصة بالأسرة أو به وفق وعيه وإدراكه، لبناء شخصية تفاعلية مع الآخر وأزماته واحتياجاته وتقليل تنامي الأنا والتمركز حول الذات، فالفرد واحتياجاته وأزماته أيا يكن حجمها لا يجب أن تتوغل على حق أو أزمات الآخر وحياته. فالطفل مشارك في بيئة مع آخرين، وكما يكون مثار اهتمام ورعاية وتلبية للاحتياجات، فإنه في المقابل هناك آخرون يحتاجون إلى الرعاية التي يفترض أن يقدمها أو يشارك فيها.
- توفير بيئة تعليمية متنوعة المصادر، إذ لا يقتصر التعليم على المدرسة، ولكنْ على الأسرة التوجيه المباشر وغير المباشر إلى مصادر أخرى وأهمها القراءة المنظمة، فتكون جزءًا من الروتين اليومي مع تنويع مجالات القراءة، لتحقيق اتساع في الرؤية للحيلولة دون الانغلاق على رؤية أو مسار معرفي يدفع إلى تطرف السلوك والفكر.
2- بعد التّطرف
تكثيف الدعم النفسي والسلوكي المقدم للفرد الذي ينخرط في سلوك متطرف عبر عدة أوجه:
- داخليًا: على مستوى الأسرة؛ ونتيجة مركزية تأثيرها من الأهمية أن يكون لها مشاركتُها في مرحلة تقويم السلوكيات الفرد المُتطرفة عبر:
- تحسين مستوى العلاقات الشخصية القائمة، وتأكيد استمرار الدعم والحماية وفق الممكن، ومطالبة الفرد بمساعدتهم لتجاوز الأزمة.
- التوجيه نحو مساحات العمل العام الممكنة؛ أنشطة خدمية في المساجد الكنائس، جمعيات خدمية، نوادٍ اجتماعية وغيرها من التجمعات اجتماعية بهدف:
- توفير سِياق للعمل العام والجماعي ذي الطَابع الخدمي.
- مُساعدته في استكشاف حجم التّنوع الفردي والمجتمعي.
– خارجيّا: الاستعانةُ بذوي الاختصاص، وهو ما يتوقف على طبيعة سلوك التطرف الناشئ وأسبابه، فقد يكون الفرد في حاجة إلى دعم خارجي مُمثل في:
- مُتخصصين في تعديل السلوك: إذ يَهْدِفُ العلاج السلوكي إلى تحقيق تغيرات في سلوك الفرد تجعل حياته وحياة المحيطين به أكثر إيجابية وفاعلية. ويقوم المعالج السلوكي بتعليم الطفل أساليب بديلة وجديدة تمكنه من الحصول على المزايا التي يريدها بطريقٍ مقبول. أيضًا يعلمه طرقًا جديدة في التفكير وحل المشكلات، ويمكن أنْ يساعده على تغيير توقعاته القديمة أو القيم التي يتبناها نحو بعض الأهداف. أو قد يخضعه لسلسلة من التدريبات الاجتماعية المكثفة حتى تتكون لديه مهاراتٌ اجتماعية تساعده فيما بعد على حل مشكلاته بطريقة أكثر إيجابية([23]) إذ توجد بعض السلوكيات التي تَظْهَرُ على الفرد تتوجب التوجه إلى متخصص للتعامل معها –وإرشاد الأسرة للتعامل أيضًا- وكلما تحقق ذلك مبكرًا، أمكن تحجيم تأثيراته في حياة الفرد مثل([24]): العدوانية المُفرطة التي تَظْهَرُ على صورة نوباتِ غضب، إيذاء الآخرين أو التمرد المستمر. كذلك العُزلة الاجتماعية، التي تعكس وجود صعوبة في تفاعل الطفل مع أقرانه، إذ يحتاج الأمر من المتخصص تحليلَ أسباب ذلك وتقديم استراتيجياتٍ لتحسين تفاعل الفرد مع محيطه بتعزيز مهارات التواصل الاجتماعي وبِناء الثقة في الذات والتشجيع على المشاركة في الأنشطة الجماعية. أيضًا السلوك التدميري الذي يرتبط غالبًا بمشكلات عاطفية أو نفسية تحتاج إلى تدخل سريع. عندما يبدأ الطفل في كسر الأشياء، أو إتلاف ممتلكاته أو ممتلكات الآخرين، إذ يمكن للأخصائي فهم الأسباب الكامنة وراء هذا السلوك وتقديم طرق تعليمية فعّالة لمساعدة الطفل على التحكم في انفعالاته.
- متخصصين في الاجتماع والثقافة والدين –وفق ما يكون نمط الطرف الناشئ- يأتي ذلك في حال وجود شُبهاتٍ معرفيةً وتصوراتٍ راديكاليةً تجاه المجتمع الدين أو مختلف جوانب الحياة إجمالًا. فالحوار مع متخصص حقيقي يُمَثِّلُ عاملًا مهمًا لتفكيك الشبهات المطرُوحة وإرشاد الفرد إلى جوانب أخرى للصورة الذهنية التي كونها من قراءات قاصرة والتحرر من تأثيرات أفراد في تصوراته. وتتوقف فعالية مثل هذا النمط من المساعدة على طبيعة المتخصص وأسلوب تعامله في مراعاة آلية تلك اللقاءات بأن تحدث بصورة عصف ذهني يستهدف الدفع نحو التفكير والابتعاد عن الفوقية وامتلاك الحقيقة المطلقة، وأن الآخر مُخطئٌ مُقصِّرٌ يجب أن يُستتاب.
ويرتبط بذلك أهمية التوجيه غيرِ المباشر للفرد بقراءة الأدب والعلوم الاجتماعية، إذ يعمل ذلك على توسيع مداركه ورؤيته بصورة تدريجية ويُحدث تغييرًا غيرَ مباشرٍ في التصورات والقناعات.
- دعم طبي نفسي من الأطباء في حال وجود ما يحتم التدخل: فهناك([25]) أمراض نفسية مختلفة تؤثر في رؤية الشخص للذاتي والعام، إذ يتماهى الاثنين في شخص أو فكرة فضلًا عن سلوكيات حادة تخالف التاريخ الشخصي والعرف المجتمعي. وهو الأمرُ الذي يدفع باتجاه مواقف راديكالية -متعددة المرجعية سواء دينية أو أيدلوجية أو غيرها- يصعب فيها إجمالًا التحكم في سلوك صاحبه وتقويمه دون تدخل طبي. تتسم تلك الأعراض إجمالًا بوجود هلاوس سمعية أو بصرية، وضلالات واعتقادات خاطئة، وتضخم تقدير الذات، والقناعة بوجود بعض المواهب أو الأفكار العظيمة التي تواجه بعرقلة تحقيقها، والاستهانة بحقوق الآخرين والفشل في الامتثال للمعايير الاجتماعية والسلوكيات المشروعة. إضافة إلى وجود شخصيات تحتاج إلى الآخرين في تولي المسؤولية، وصعوبة في التعبير عن مخالفته للآخرين خوفًا من فقد الدعم أو الموافقة. ومن ذلك([1]): الفصام -الاضطراب الوجداني ثنائي القطب- الاضطرابات الذّهانية، الاضطراب التّوهمي، اضطراب الشخصية (الحدية، المعادي للمجتمع، النرجسية، الاعتمادية) – الاكتئاب الذُّهاني.
وهنا من الأهمية الإشارة إلا أنه ليس من يعاني هذه الأمراض أو غيرها بالتأكيد يتجه إلى ممارسة التطرف على المجتمع، لكنَّهُ يحمل داخله القدرة على الانخراط في هذا المسار إذا أُتيح له ذلك، بجانب توافر سياقات مهيئة لذلك تتعلق باللحظة التاريخية التي تسمح بذلك في ظل مؤثرات سياسية واجتماعية وأسرية.
3- مُعوقات دور الأسرة
مع مركزية دور الأسرة في اكتشاف التطرف ومواجهته، لا تزال هناك عدة عوامل تعيق القيام بهذا الدور وتتعلق بأمرين: بطبيعة الأسرة نفسها وأزماتها أيضًا أزمات المجتمع الذي يُمَثِّلُ كثيرًا من سلوكيات مكوناته.
أ. فيما يتعلق بواقع الأسرة:
من الممكن أن تكون غير مُؤهلة بالأساس للقيام بأدوارها نتيجة؛ خلل في النشأة ووجود تفكك أُسري يجعل الأسرة غيرَ قادرةٍ على الانتباه بالأساس ما الواجب عليها القيام به نحو أفرادها، بل تفتقد في أغلب الأحوال القدرة على القيام بأدوارها التي يُفترض بها. ومن أسباب اختلال وظائف الأسر([26])
- طبيعة “الوالد” -أحدهما أو كلاهما- سواء المُسيء جسديًا ولفظيًا، المتسلط على قرارات أطفاله، المتساهل في وضع القواعد والحدود في المنزل، غير الكفْء أو الغائب عن توفير الاحتياجات الجسدية أو العاطفية لأطفالهما.
- طبيعة الأسرة: سواء طفل مريض أو معاق يحظى برعاية تلقائية تؤدي إلى تجاهل احتياجات الآخرين. أيضًا أحداث الحياة مثل: خيانة أحد الوالدين، والطلاق، والصدمات النفسية، والوفاة. إضافة إلى طبيعة الارتباطات الأسرية غير الآمنة، فتؤثر مشاعر الأمان تأثيرًا إيجابيًا في ديناميكية الأسرة، ومشاعر عدم الأمان ستؤثر تأثيرًا ضارًا.
- طبيعة العائلة: ففي العائلات الكبيرة والممتدة: لا تتحقق تغطية جميع احتياجات الأسرة، ليكون هناك توجيهاتٌ متضاربة من الأقارب. إضافة إلى القيم العائلية والثقافة والعرق والتي تتسبب في آثار سلبية في معتقدات الأسر في حالات مثل: الأدوار الجندرية، وممارسات الأبوة والأمومة، وسلطة كل فرد من أفراد الأسرة. كما يكون للأسر المختلة وظيفيًا في الماضي تأثيرٌ سام في الأجيال اللاحقة من العائلة.
ب. فيما يتعلق بواقع المجتمع
تصنعُ الأزماتُ السياسيةُ والاقتصادية كثيرًا من سلوكياتِ أعضاء هذا المجتمع وتتحكم في مساراتها. وهو مؤثرٌ خارجي رغم خروجه عن قدرة الفرد على التحكم فيه، لكنَّهُ يفرض نفسه ويؤثر في مختلف نشاطه اليومي؟ فمع تدهور الظروف المعيشية يدخل القائم على الأسرة في صراعات يومية في سبيل توفير قوت يومه وهو ما لا يجعله قادرًا على القيام بالمسئولية المفروضة عليه لرعاية أسرته ودعمها، فيكون هناك قصورٌ معنويٌ وماديٌ في أداء التزاماته تجاه أسرته، وهو ما يؤدي إلى تأزم العلاقات بين أفراد الأسرة فتتصاعد الخلافات الزوجية، ويتراجع الاهتمام والتقويم للأبناء.
وباستمرار الشعور بالعجز وعدم الأمان، تتأثر الصحة النفسية لأفراد الأسرة، فتظهر أنماط من القلق والاضطراب السلوكي، وتتعدد الاضطرابات السلوكية والميل نحو السلوكيات المنحرفة، وترتفع قابلية بعض الأفراد للانحراف أو التطرّف استجابةً -نفسية واجتماعية- لمحاولة استعادة الإحساس بالقدرة والسيطرة والمعنى.
خاتمة
في ضوء ما سبق، فمع ما يبدو من أهمية لدور الأسرة في مكافحة التطرف إلا أنها عمليًا تغيب عن اهتمام الجهات المعنية بمكافحة التطرف، إذ التركيز على الأدوات الصلبة في مكافحة التطرف – أمنيًا، عسكريًا، قانونيًا- وهي رغم مركزيتها لا أنها لا تقل أهمية عن دور الأسرة.
وكما بدا من معوقات ذات جوانب سياسية واقتصادية فإن الأمر يحتاج إلى رؤية تنموية شاملة تكفل الحدود المقبولة للحياة اليومية، بطريقة لا يطغى بها الجانب الاقتصادي والسعي المستمر في توفيره من ربِّ الأسرة على دوره الرعائي لأسرته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
[1] – Alexandra T.Evans, Heather Williams, How extremism operates online: A primer, RAND Corporation, 2022, p8
[2]– Magnus Ranstorp and Marije Meines, The Root Causes of Violent Extremism: The Basics, RAN Practitioners, 2024,P4, https://tinyurl.com/294c9bnv
[3]-Clark McCauley, The Psychology of Terrorism, Social Science Research Council -Ssrc ,1 November 2001, Available at: https://tinyurl.com/2azwwzlx
[4] – شعبان عبد الحسين، التطرف والإرهاب: إشكاليات نظرية وتحديات عملية (مع إشارة خاصة إلى العراق)، (الإسكندرية، مكتبة الإسكندرية، برنامج الدراسات الاستراتيجية، وحدة الدراسات المستقبلية 2017)، ص 14.
[5]– قاموس المعاني، على الرابط التالي: https://tinyurl.com/268g3r93
[6]– عبير بسيوني رضوان، أزمة الهوية والثورة على الدولة في غياب المواطنة وبروز الطائفية، (القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، 2011)، ص 86،87
[7] – رياض زكي قاسم، الهوية وقضاياها في الوعي العربي المعاصر، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013) ص 24، 25
[8]-التفكك الأسري.. أبرز عوامل استقطاب الشباب وتجنيدهم لدى التنظيمات المتطرفة، مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، 6أبريل 2025، https://tinyurl.com/2xuykmm4
[9]– عبد القادر شريف، جماعة الرفاق Peer Group في تنشئة الطفل، التربية الاجتماعية والدينية في رياض الأطفال، 2017، على الرابط التالي: https://tinyurl.com/22ry95wn
[10] – ماجد محمد الزيودي، تطور جماعة الرفاق في المجتمعات العربية المعاصرة ودلالاتها التربوية: رؤية تحليلية، جامعة القاهرة – كلية الدراسات العليا للتربية، مجلة العلوم التربوية، ع 4، ج1، أكتوبر2016، ص 493 وما بعدها.
[11] – Understanding extremism in Scotland: stakeholder perceptions and views, Scottish Government, 27 July 2023, available at: https://tinyurl.com/28s4l9p4
[12] – Understanding violent extremism versus terrorism, https://tinyurl.com/297mv8ca
[13] – Marcos Dono, Mónica Alzate, José Manuel Sabucedo, Slicing the Gordian Knot of Political Extremism: Issues and Potential Solutions Regarding Its Conceptualization and Terminology, Journal of Social and Political Psychology, 2024, available in: https://tinyurl.com/2dqornlt
[14] – زهراء محمد كامل حسن، آليات مواجهة التطرف العنيف المؤدي للإرهاب (العراق نموذجا)، العراق: مجلة المثنى للعلوم القانونية والسياسية، 2025، ص766، متاح على الرابط التالي: https://tinyurl.com/27npphnb
[15] – حسين زيدان خلف دور الارشاد النفسي في معالجة ظاهرة التطرف السلوكي العنيف لدى أطفال الشوارع، (الجزائر: مجلة القبس للدراسات النفسية والاجتماعية، جامعة يحي فارس بالمدية، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، مخبر البحوث النفسية والاجتماعية، 31 يناير2020، مج 2020، العدد25)، ص70
[16] – Magnus Ranstorp and Marije Meines, The Root Causes of Violent Extremism- THE BASICS, RAN Practitioners, 2024, P9
[17] – Sarah Winder, Maria Chiara Aquilino, Scott Warnier, Pauline Paillé, Dr. Emma Zürcher, Dr. Dareen Toro, Combatting new forms of extremism: Evidence submission, RAND Europe, June 2025, available in: https://tinyurl.com/26m8lr3, p6
[18] – Extremism and the online environment, Parliament of Australia, https://tinyurl.com/2bvdgss4
[19] – Combatting new forms of extremism: Evidence submission, Ibid, p8,9
[20] – Alexandra T.Evans, Heather Williams, How extremism operates online: A primer, RAND Corporation, 2022, p3-5
[21] – Combatting new forms of extremism: Evidence submission, Ibid, p8
[22] – نعتمد في ذلك على: عبد الرحمن بن محمد عسيري، النظريات المفسرة لأسباب وجذور الفكر المتطرف، (عمان: المجلة العربية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، ع 34، ديسمبر2025)، ص 1087،1088
[23]-عبد الستار إبراهيم، عبد العزيز بن عبد الله الدخيل، رضوان إبراهيم، العلاج السلوكي للطفل أساليبه ونماذج من حالاته، (الكويت: عالم المعرفة، ع1801، ديسمبر 1993) ص31-33
[24] -خمس سلوكيات عند طفلك تستدعي استشارة اخصائي سلوك أطفال، https://tinyurl.com/27am2z53
[25]– نعتمد في هذا السرد على أنور الحمادي، الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات العقلية – معايير DSM-5-TR، كتاب إليكتروني، الصفحات ص37، 38، 107، 77، 78، 435: 439، الاضطرابات الذهانية، على الرابط التالي: https://tinyurl.com/2azz4rg6، أحمد عكاشة، طارق عكاشة، الطب النفسي المعاصر، (مكتبة الأنجلو المصرية · 2019).
[26] – Basem Abbas Al Ubaidi , Cost of Growing up in Dysfunctional Family, Journal of Family Medicine and Disease Prevention, (VOLUME 3, ISSUE 3, 2017), available in: https://tinyurl.com/2d75bxyu