الأسس النّفسيّة للتّطرّف الدّينيّ وتقابله مع جوهر الإسلام

 تكوين

ليس الفكر المتطرّف والرّؤى المنغلقة حكرا على ثقافة دون أخرى، وليس سمة للمنتمين إلى دين دون سواه. وإنّما شهد البشر عبر التّاريخ مجموعات وحركات من مشارب وانتماءات متعدّدة اختارت نهج التّشدّد والانغلاق.

وتجنح أغلب الدّراسات إلى معالجة الرّؤى المتطرّفة معالجة إجرائيّة من خلال مقاومتها والتصدّي لها عمليّا. لكن نادرا ما يكون التّساؤل عن خلفيّات الفكر المتطرّف وأسبابه وكيفيّة تشكّله.

هذا المقال يحاول أن يبيّن بعض آليات الانغلاق لدى المتطرّفين المسلمين من جهة وتقابل رؤاهم مع جوهر الإسلام من جهة أخرى.

  • أنا (نحن) الأفضل:

أوّل عامل يساهم في استعداد الشّخص أو الجماعة للتّطرّف هو تنشئته على أساس أنّ دينه أو ثقافته هي الأفضل. وهذا ما نجد له صدى إلى اليوم في جلّ المناهج التّعليميّة في البلدان المسلمة حيث يعلَّم الطّفل منذ نعومة أظافره أنّه مسلم، وأنّ دينه وحده هو الحقّ، ويُخبَر أنّه هو ومن على عقيدته سيدخل الجنّة قطعا. بل إنّ بعض المناهج التّعليميّة تميّز بين المذاهب داخل الدّين الواحد، وتصوّر المنتمين إلى أحدها بما هم وحدهم أصحاب الفرقة النّاجية.

وهذا التّمثّل يجعل الشّخص متّسما بصفة الغرور، وهي صفة متقابلة مع جوهر الإسلام. “ولا تمش في الأرض مرحا إنّك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا“[1]. بل لعلّ الغرور هو سمة الشّيطان الأولى، فعبارة “أنا خير منه“[2] تجزم بتقييم الذّات لنفسها إيجابا واعتبارها أفضل من سواها. والغرور مرفوض في علاقة المرء بسواه من البشر فضلا عن أن يكون تزكية للنّفس أمام الله: “…فلا تزكّوا أنفسكم هو أعلم بمن اتّقى“[3].

إقرأ أيضًا: التسامح بين ممكنات الواقع وفلسفة الاختلاف

صحيح أنّ على المرء أن يبذل جهده لنيل رضا الله، ولكنّه في هذا الجهد المتواصل يظلّ في موضع الرّاجي لله تعالى، الطّامع في آفاق رحمته الواسعة، لا في موضع المتأكّد الواثق من أنّه على حقّ.

  • الحكم على الغير:

إنّ الحكم على الآخر هو الوجه الآخر للغرور. فالغرور هو تقييم إيجابيّ من المرء لذاته بتوهّم أنّها على طريق الصّواب ضرورة، والحكم على الآخر هو موقف سلبيّ من الغير. ونجد بعض المسلمين يعتبرون أنّ كلّ من خرج عن تمثّلهم للدّين كافر، بل إنّ منهم من يستسهل تكفير سواه لفظا وفكرا وتعبيرا وتمثّلا. وينسى هؤلاء أمرا هامّا، وهو أنّ الحكم على الآخر ليس سوى انتصاب رمزيّ من المتديّن المتطرّف في موضع الله تعالى الّذي لا حاكم سواه. إنّ هذا الحكم هو وجه من وجوه الشّرك النّفسيّ الّذي لا يعي به المتطرّف، ذلك أنّ الله وحده عليم بمن ضلّ ومن اهتدى. ألا يقول تعالى في كتابه الحكيم: ” إنّ ربّك هو أعلم من يضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين”[4]، وألا يقول عزّ وجلّ: “إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين“[5]؟

  • نفي الاختلاف:

منطقيّ أن تتلو مرحلةَ الغرور والحكم على الآخر مرحلةُ السّعي إلى تغيير الآخر. فهذا الضّالّ الذي لا يشبهني لا يمكن أن يستمرّ على ضلاله. وعليّ أنا، بصفتي الأفضل، أن أبذل قصارى جهدي لإقناعه بصواب وجهة نظري، لا بلين الحوار أو بحسن الحكمة بما هو أصل التّبادل الفكريّ بين النّاس، وإنّما بالجدال وبالغلظة وبالشّتم. فإن لم ينجح الإقناع، فيمكن المرور إلى مرحلة العنف الّتي قد تبلغ أحيانا حدود الضّرب والتّفجير والقتل.

واللّطيف أنّ من يسير على هذا النّهج لا يمكن أن يخطر بباله أنّه بفعله هذا يعارض إرادة الله تعالى في الكون. وكيف يمكن أن يتصوّر ذلك وهو يتوهّم أنّه ينشر الدّين الحقّ، ويعاقب  من لا يؤمن به ومن لا يأتمر بأوامره؟

إقرأ أيضًا: التدينُ السلفيُّ وسيرورةُ تفعيلُ البعدِ الإنجازيِّ للهُوية الدِّينيَّة: التطرفُ بوصفه فعلٌ إنجازيٌّ لدى الشباب السلفي

إنّ الله على كلّ شيء قدير، وهو الّذي أراد أن يكون الكون مختلفا متنوّعا فيه المسلم والمسيحيّ واليهوديّ والبوذي والتّاويّ والهندوسيّ واللاّدينيّ والمتسائل إلخ. ألم يقل الله تعالى: “ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلّهم جميعا أفأنت تكره النّاس حتّى يكونوا مؤمنين“[6]؟. بل إنّ بعض من الآيات ما يجعل الاختلاف علّة خلق البشر: “”ولو شاء ربّك لجعل النّاس أمّة واحدة ولا يزالون مختلفين-إلاّ ما رحم ربّك ولذلك خلقهم…“[7].

وجدير بالتّذكير أنّ أحد الأحاديث القدسيّة يعرض صورة المتطرّف كما نراها اليوم. وهو حديث يستدعي النّظر والتّدبّر والتّفكير. يقول الحديث إنّه

كان رجلان من بني إسرائيل متواخيين أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذّنب فيقول: أقصر. فوجده يوما على الذّنب فقال له: أقصر فقال: خلّني وربّي، أبعثت عليّ رقيبا؟ فقال: “والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنّة”. فقبض أرواحهما فاجتمعا عند ربّ العالمين. فقال لهذا المجتهد: “كنت بي عالما أو كنت على ما في يدي قادرا؟”، وقال للمذنب: “اذهب فادخل الجنّة برحمتي”. وقال للآخر: “اذهبوا به إلى النّار”.

إنّ هذا الحديث يجسّم كلّ ما أسلفناه. ذلك أنّ أحد الرّجلين يتّصف بالغرور وبالحكم على الآخر وبنشدان تغييره. ولكنّ ذاك كلّه لم ينتج رضا من الله تعالى بل غضبا، وذاك كلّه لم ينتج ريح الجنّة بل عذاب النّار. وإنّنا نذهب إلى أنّ هذا الحديث صورة رمزيّة تؤكّد أنّ الطّريق إلى رضا الله تعالى لا يمكن أن تكون من خلال الحكم على الآخرين أو من خلال بيان تقصيرهم في أدنى الأحوال وتكفيرهم في أقصاها. ويجسّم الحديث مشهديّا حال من يخطئ متصوّرا أنّه يصلح[8]، والوعيُ بهذه المفارقة هامّ جدّا إذ يجعلنا ننتقل من عبادة الأنا إلى عبادة الله تعالى. وبهذا الوعي، يتحوّل المرء من: “ أفرأيت من اتّخذ إلهه هواه؟“[9] إلى “وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله ربّ العالمين”[10].

إقرأ أيضًا: الربيع العربي وإعادة تكوين أنماط التدين

إنّ الآخر المختلف عصيّ علينا، ولا يعني هذا أن لا نحاوره أو أن لا نتبادل معه الرّؤى والمواقف، فهذا التّبادل هو جوهر الحياة وأساسها. وإنّما يجب أَنْ نتذكّر أنّ في الآخر المختلف موضعا لا يمكننا النّفاذ إليه، وهو موضع الضّمير الفرديّ. إنّه موضع متروك لله تعالى وحده يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء ويغفر لمن يشاء. أمّا البشر فعليهم أن يضطلعوا بدورهم في هذه الحياة الدّنيا متواضعين راجين رحمة الله وداعين بالهداية للجميع بما في ذلك أنفسهم.

إنّ التّغيير الوحيد الّذي يمكننا الشّروع فيه في صبر وسلام هو تغيير أنفسنا. يقول غاندي:

“كن التّغيير الّذي تريد أن تراه في العالم”.

وتغيير النّفس يستدعي انفتاحا هو في تقابل تامّ مع عناصر الانغلاق. فإذا كان المتطرّف المنغلق يرى نفسه الأفضل أي إنّ الأفضليّة حاصلة بالنّسبة إليه، فإنّ المنفتح السّاعي إلى تغيير نفسه يرى ذاته حدثانا متحوّلا نحو الأفضل، فالأفضليّة عنده ليست حاصلة ولكنّها هدف منشود. وإذا كان المتطرّف المنغلق يحكم على الغير من منظور معتقداته ورؤاه الشّخصيّة، فإنّ المنفتح يقبل ضعفه وأخطاءه ويتأمّلها ساعيا إلى تجاوزها. وإذا كان المتطرّف المنغلق ينفي الاختلاف الحاصل في الحياة فعلا، فإنّ المنفتح يقبل هذا الاختلاف بصفته جوهر الحياة ونسغها وحقيقتها.

إنّ تغيير النّفس ليس أمرا هيّنا، وهو سبيل عميق إلى تغيير الكون بعيدا عن الغرور والتّطرّف والانغلاق. و”الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم”[11].

___________________________________

المراجع:

[1] الإسراء17، 37.

[2] الأعراف 7، 12- ص 38، 76.

[3] النّجم 53، 32.

[4] الأنعام 6، 117.

[5] القلم 68، 7.

[6] يونس 10، 99.

[7] هود 11، 118-119.

[8] “وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون-ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون” البقرة 2، 11-12.

[9] الجاثية 45، 23.

[10] التّكوير 81، 29.

[11] الرّعد13، 11.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete