الأصولية الدّينية وعولمة العنف

  • العنف من نظرية صدام الحضارات إلى نهاية التاريخ

في عالم اليوم يبدو كل شيء مختلفا، لأن حجم التغيرات التي يعرفها هذا العالم تتسارع بالشكل الذي لا يستطيع المرء إحصاءه. وفي ظل هذه التحولات الكبرى يغدو كل طرف كأنه الوحيد الذي يريد قيادة العالم إلى حيث تتمثل وتتجسد مصالحه. هكذا تحول العالم من الصراع الكلاسيكي الذي كان بين المعسكرين الشرقي والغربي والحرب الباردة، أو بين الإيديولوجيتين الكبيرتين الرأسمالية والاشتراكية، إلى عالم يتبنى صراعا من نوع آخر، وأبعادا مختلفة عما كانت عليه بعد الحرب العالمية الثانية. هذا الصراع هو الذي يعنينا في هذا المقام لأنه يتبنى أدوات مختلفة عن الأدوات السابقة، خاصة الأدوات التي تعنى بعولمة العنف، والسيطرة على مناطق الصراع، والتحكم في العالم وفق إرادة القوى المهيمنة. إنه صراع الأصوليات، وحينما نتحدث عن هذه الأخيرة فإننا نتحدث عن الأصولية الغربية باعتبارها المتحكمة في عالم اليوم، عن طريق عولمة القيم الغربية وفرضها بالقوة على المناطق التابعة أو المستضعفة. ومن جهة ثانية هناك الأصولية الدينية الطرف النقيض الذي يستغل قيم العولمة، لينشر رعبه وعنفه، في محاولة لخلق التوازن والردع بين قوى تتنافس من أجل الهيمنة.

هذا المد الاصولي بين تيارين أصوليين، أحدهما: يمثل القيم الغربية. وثانيهما: الأصولية الدينية التيار الذي خلق ولا زال إشكالية الخطر الأصولي الذي يهدد العالم برمته، سواء اتخذ شكل دول ومؤسسات، أو اتخذ على أقل تقدير شكل حركات دينية متطرفة منفلتة عن القانون ومتمردة عليه. هنا يمكننا أن نتفق مع ما أوردته كارين أرمسترونج[1] عن الأصوليين حيث أكدت بأنهم ليس لديهم متسع للديمقراطية، أو التعددية، أو التسامح الديني، أو حرية التعبير، أو قيم العلمنة. هذا التصور الذي تنطلق منه كارين أرمسترونج يبدو بأنه مثال حي على الفكر الأصولي الرافض لكل القيم التي يأتي بها العلم وتتعلق بأصل الحياة ونشأتها وتطورها، كما أن الأصوليين يشتركون في مجموعة من السمات، سواء كانوا يهودا، أو مسيحيين، أو مسلمين، مما يعني بأن الأصولية هي نمط في التفكير يتميز بالرجعية، والنظر إلى الوراء والماضي على أنه هو منتهى القيم والأخلاق. هذا لا يعني بأن الأصولية هي حكر على الأديان الثلاثة. بل هناك أشكالا أخرى من النزعات الأصولية موجودة في البوذية والهندوسية والكونفوشيوسية، لأن الكثير مما قلناه سابقا ينطبق على الكثير من أنماط التفكير الديني، خاصة أن هذه النزعات تنحِّي جانبا ولا تعترف ولا تقر بالديمقراطية والثقافة الليبرالية. فهي تحارب كل القيم الحداثية، وتقتل باسم الدين، وتوظفه بشكل خبيث في صراعاتها ومحاولاتها لبسط نفوذها وهيمنتها على مناطق الصراع المفترض.

لقد ظل العالم لمده طويلة يعتقد بأن عولمة القيم الغربية، أو السعي نحو فرضها بالقوة، يمكن أن ينتج عالما ينعم بقيم الديمقراطية وحقوق الانسان، واحترام الحريات. غير أن هذا التصور الذي كان يعتقد بأن الدين ليس لاعبا أساسيا في كل الأحداث السياسية العالمية كذبته الوقائع والأحداث. فالظاهرة الإنسانية ظاهرة معقدة ومركبة، فمهما بدا أن الكائنات البشرية أصبحت أكثر عقلانية، أو لا تحتاج إلى الدين فإن الأصوليات بمختلف تصوراتها كذبت هذه النظرية، وبدأت تتمرد على السيطرة الغربية والقيم العلمانية، حيث أصبح الدين لاعبا أساسيا في الساحة الدولية، وتم إخراجه من حدوده الهامشية إلى مركزية الأحداث، فصار بذلك الدين كما تؤكد قواه، لا تستطيع أي جهة مهما كانت قوتها أن تتجاهله أو تتناساه.

إذا كان هذا التصور محكوما بنظرة أمريكية ليبرالية عالمية، كما سماها فرنسيس فوكوياما صاحب نظرية نهاية التاريخ، فسيكون لزاما علينا أن نطل بشكل موجز على أهم عناوين هذه النظرية المثيرة، وأهميتها في خلق الصراع العالمي، والعنف الذي ما زالت آثاره ممتدة إلى حدود عالمنا المعاصر. يعتبر فرانسيس فوكوياما[2] بأن الأحزاب اليسارية وهي الشيوعية واليمين التسلطي لا مكان لها في عالم اليوم. إذ أنها عرفت إفلاسا حقيقيا في الأفكار الجدية، والنظريات التي من شأنها أن تقيم تماسكا سياسيا واجتماعيا للحكومات القوية. ولعل ما يسيء إلى هذه التوجهات والأحزاب المعروفة بما يسمى بالقبضة الحديدية، أو التي تعتمد على الحكم العسكري في إدارة جوانب الدولة فيها، هو غياب الشرعية عنها. والمقصود بالشرعية هنا هو أنه في حالة ما تم الفشل في إدارة دواليب الدولة، لا تجد هذه الأحزاب والديكتاتوريات ما يشفع لها، أو ما تستند إليه من قواعد التحكيم الديمقراطي. وهكذا فالضعف الذي يسري وينخر في هاته الأشكال من الأحزاب والأنظمة الشمولية والتسلطية يكمن في الفشل الذريع في سيطرتها على المجتمع المدني. وهذا هو الشيء الذي تختلف فيه هذه الأنظمة مع نظيرتها الديمقراطية، إذ أنها اعتمدت في إدارة الدولة على إخضاع المجتمع للرقابة، بما في ذلك الرقابة على الأفكار والتعبير. فكان بذلك هذا النوع من التسيير تسييرا مؤقتا يعتمد الرعب والتخويف والتخوين. وإذا كان النظام السياسي قائما على مثل هاته الأسس الهشة فعندما يتراخى، أو يضعف، يبدأ بالانحلال والتفكك الداخلي، ويفقد الدولة السيطرة على أجزائها الهامة والمركزية. هذه الحقيقة التاريخية يشهد عليها الواقع، ويؤكدها من خلال مجموعة من النماذج الحية لبعض الأنظمة الشمولية والتوتاليتارية، حيث أن قليلا من الأنظمة التي انتهجت هذا النوع من الحكم استطاعت أن تخرج معافاة من أزماتها لأنه في غياب القواعد المقبولة من الجميع حسب فرنسيس فوكوياما يؤدي إغراء السلطة بالمرشح إلى إعادة النظر بكل النظام، وإحداث إصلاحات جذرية يطلقها في صراعه ضد منافسيه، لأن ورقة الإصلاحات هي ورقة رابحة وقوية. لأن الاستياء الذي تحدثه الأنظمة من النوع الستاليني هو دائما شديد القوة. حيث يقول بأن اقتراب الإنسانية من نهاية الألفية الثانية يلاحظ بأن الأزمتين المزدوجتين: التسلط والاشتراكية، منحا مساحة كبيرة لصعود إيديولوجيا واحدة هي الديمقراطية الليبرالية، تلك العقيدة التي تعنى بقيم الحرية الفردية والسيادة الشعبية. وقد برهنت هذه القيم على أنه مهما كانت الأزمة يتم تجاوزها بسهولة. ولكي نزيح الغموض الذي يرتبط بكل من الليبرالية والديمقراطية يمكن أن نقول بأن الليبرالية هي نظام يؤمن ويعترف بالحقوق الفردية. أما الديمقراطية فهي الحق في المشاركة السياسية عبر الانتخابات وصناديق الاقتراع.

هذا الوضع ليس خاصا فقط بالسلطوية والاشتراكية، بل يمتد أيضا إلى الإسلام باعتباره نظاما إيديولوجيا متماسكا شأنه شأن الليبرالية والشيوعية، وله نظامه الخاص ونظرته إلى العدالة وصياغة المجتمع بطرق يتوافق فيها مع الليبرالية والشيوعية. وحسب فوكوياما فبالرغم من القوة التي أبداها الإسلام في قدرته على التجدد إلا أنه لا يبدو أنه يمارس نوعا من الجاذبية خارج الدول التي كانت إسلاميه بشكل ثقافي. وبالتالي فعلى المدى الطويل قد يكون العالم الإسلامي أكثر تأثرا بالأفكار الليبرالية نظرا لجاذبيتها وقدرتها على التأثير.

هذا التصور الذي انطلق منه فرانسيس فوكوياما كان متأثرا بما كتبه أيضا صمويل هنتنجتون[3] في مقال له حول صدام الحضارات. وقد أثار هذا المقال جدلا كبيرا استمر لسنوات ولازال يلقي بظلاله على الساحة الفكرية المعاصرة، لأنه لامس جانبا حيويا من حياة الإنسان المعاصر، خاصة وأنه تنبأ بأن مصير الحضارات هو الصدام والصراع، وبذلك خلق هذا المقال ردود فعل متباينة حوله، تتراوح بين الخوف والحيرة والرعب، بسبب الفكرة التي عبر عنها الكاتب، وجعلها حتمية ستصل إليها الإنسانية آجلا أو عاجلا. وقد كان هذا المقال كما يؤكد صاحبه تفسيرا لتطور السياسة الكونية بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، كما أنه قدّم نموذجا تطبيقيا لرؤية السياسة العالمية، بحيث يمكن أن يسترشد بها الساسة والقادة وصانعي السياسة العالمية. المثير في هذا الكتاب أنه يتناول الحضارة بشكل يساعد على فهم السياسة الدولية ودواليبها والمتحكم فيها. وهذا لا يعني أن هذه النظرية يمكن أن تكون صالحة لكل زمان ومكان، ولكن على الأقل هي تصور مفيد في فهم ما يدور في فلك السياسة العالمية، خاصة في شقها الثقافي والحضاري، ولعل أهم ما جاء به الكتاب، ونظَّر إليه صامويل هنتنجتون هو أنه اعتبر الثقافة والهويات الثقافية والتي هي على المستوى العام هويات حضارية، تشكل أنماط التماسك والتفسخ والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة، وقد انطلق من مجموعة من الافتراضات:

الأولى: أن العالم والثقافة الكونية متعددة الأقطاب ومتعددة الحضارات

 الثانية: ميزان القوى بين الحضارات يتغير فالغرب في تدهور نسبي، والحضارات الآسيوية تبسط هيمنتها وقوتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية.

 الثالثة: نظام عالمي قائم على الحضارة يخرج الى حيز الوجود

الرابعة: العولمة تضع الغرب بشكل متزايد في صراع مع الحضارات وأخطرها الإسلام والصين

الخامسة: بقاء الغرب يتوقف على حفاظ الأمريكيين على هويتهم الغربية

ماذا يعني كل ما قلناه سابقا؟ إنه ببساطة هناك صراع خفي بين القوى العالمية والأصوليات الدينية، خاصة الأصوليات الإسلامية على من يبسط هيمنته على مواقع الصراع العالمي، وكأن هناك هذيانا يقابله هذيان مضاد للخوف، سعيا وراء تعزيم الشر كما يقول بودريار[4]. هذا الأمر بحسب هذا الأخير يتعدى مجرد الحقد على قوة عالمية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، بل على العكس من ذلك هذه الرغبة الخبيثة كامنة حتى في ألباب الذين يشاركون في منافع هذا النظام العالمي. هنا يمكننا أن نفهم بأن القوة تؤجج دوما الرغبة في تدميرها، لهذا فكلما زاد عنف القوه المستحكمة في هذا العالم، والرغبة في تدميره وبسط هيمنتها عليه، كلما زاد خيار المواجهة عند الطرف الآخر، وهو الأصوليات بكل أنواعها. وبالتالي فنحن أمام عنف مضاد يواجه العولمة بعنف معولم، ويستفيد من الإمكانيات التي تتيحها الدول الكبرى، ومن التقنيات والتكنولوجيات التي توفرها العولمة في نشر هذا النمط. هنا أصبح الغرب من خلال تصرفاته وسلوكياته العدوانية يضع نفسه موضع الله صاحب القدرة الإلهية الكلية والمطلقة، وهذا انتحار من الغرب وإعلان للحرب على نفسه، هذا الموقف هو ما انتقده بودريار، حينما اعتبر بأن الموقف حينما يكون محتكرا من طرف قوة عالمية على هذا النحو تملك هذه الترسانة العسكرية والآلة الاقتصادية الضخمة، والفكر الأحادي. فهذا كله يولد ردا عنيفا ومباغتا، لأن الرهان هنا هو محاوله تغيير قواعد اللعبة، خاصة النظام الحاكم في العالم، فيكون بذلك الرعب هو الجواب الأصولي على رعب مقابل تنتهجه دول وأنظمة سياسية تريد أن تلتهم كل شيء. هكذا يمكن اعتبار الفعل الارهابي مثل الفيروس المتناثر في كل مكان، فهناك حقن عالمي متواصل للإرهاب الذي هو كالظل الملازم لكل نظام سيطرة، هذا النوع من الصراع نوع مختلف لا يشبه صدام الحضارات أو الأديان كما بشر بها صامويل هنتنجتون، بل الأمر لا يعدو أن يكون صراع العولمة المنتصرة مع ذاتها، وإذا ما رجعنا بالذاكرة إلى أحداث 11 سبتمبر فسنجد أن كل شيء هنا منوط بالموت، وليس فقط الانبثاق المفاجئ للموت، عبر البث المباشر والزمن الواقعي. بل عبر انبثاق موت أكثر من واقعي بكثير. موت رمزي وشعائري، وتلك هي ذهنية الإرهابي كما سماها بودريار. هنا نحن أمام نوع جديد من الحالة الإرهابية يعرف كيف يلعب اللعبة ويتقن قواعدها لكي يتحكم في مآلاتها وسياقاتها. أي أن هذا النوع من الإرهابيين لا يكتفون بالقتال عبر الأسلحة، ولكنهم يراهنون على موتهم الخاص، هو الأمر الذي لا يجابه برد ممكن، أي أن هذا الفعل يعجز الطرف الآخر أن يقوم بالرد عليه بنفس المنوال. وبالتالي فهو يعتبره بلغة واضحة جبانا.

  • الأصولية الإسلامية وتكسير الحدود

إذا وصلنا إلى الحد الذي نعتبر فيه بأن الأصولية الدينية تجاوزت الحدود المتعارف عليها قديما، حيث وظفت كل التقنيات والمعارف التي يتقنها خصمها المفترض، فإننا نقر بأنها كسرت الحدود، لتكون بذلك قد أقدمت على الفعل نفسه الذي قام به خصمها، من تحويل العالم إلى ساحة عنف معولم. وهنا نستحضر أطروحة ريجيس دو بريه[5] الذي كان يرى بأن هناك فكرة غبية تفتن الغرب ومفادها أن الإنسانية ليست بخير، وستتغير أحوالها الى الأفضل إذا كسرت الحدود، وأصبح العالم مشاعا ومباحا في الوقت ذاته. هذا الوهم يتأتى من أن ببرلين كان هناك جدار فلم يعد كذلك، وقس على ذلك الشبكة العنكبوتية، وغير ذلك من الأمثلة الدالة على عدم وجود الحدود. في نهاية المطاف حينما تفتح الحدود لا يمكن أن تتحكم فيما يمكن أن يدخل لك من هذه الحدود. وبالتالي فحسب ريجيس دوبريه فللحدود هذه الفضيلة التي ليست جمالية فقط، أن تبهر الطريق أو تسحر الناس في الطريق.

إن الخطأ الذي ارتكبته الدول الإمبريالية في محاولة منها لصنع نموذج واحد وأوحد، يسوق العالم وفق رغباته ومصالحه وطرق تفكيره، ساهم بشكل واضح في التأسيس لتيارات راديكالية تنهل من نفس النموذج الأمريكي، وتتغذى على نفس القيم ذات البعد الواحد. هذه التيارات الأصولية جعلت من العنف الوسيلة الواحدة للتغيير وإدارة الدولة. وبالتالي أصبحنا أمام نموذجين راديكاليين، يعبران عن الصرامة العقلية التي تحدث عنها روكيتش وقال عنها بأنها عدم قدرة الشخص على تغيير جهازه المفاهيمي والفكري والعقلي، وعدم القدرة على إعادة ترتيب أو تركيب حقل ما توجد فيه عدة حلول لمشكلة واحدة، وذلك بهدف حل المشكلة بفعالية أكبر. هذا النوع من التفكير هو ما يطبع التفكير الأصولي الذي يعد شكلا من أشكال الكِفاح الرّوحي الذي نشأ استجابة لأزمة ظاهرة، وهي تخوض صراعاً مع أعدائها الذين يتّبعون سياساتٍ وعقائد علمانية تبدو مناهضة للدّين. وهذه المعركة لا تخاض على أنّها نوع من النّضال السّياسي، بل يتمّ خوضها كما لو كانت حرباً كونية بين الخير والشرّ كما تقول كارين أرمسترونج. [6]وإذا كان هذا هو النمط السائد لدى الفكر الأصولي باعتباره ردة فعل على فكر يريد تنميط العالم وفق تصوراته وأنماط تفكيره. فإنّ خطر العنف النّاجم عن الأصوليات الدِّينية في الكثير من الأحيان هو في تلبيس هذا النّوع من العنف لبوساً مقدّساً، حيث يتحوّل إلى رغبةٍ إلهية، أو ضرورة دينية، دون أنْ يكشِف عن دوافعه البشرية والتي يمكن أنْ نختزلها في ثلاث أشياء: الانتماء والإنجاز والنّفوذ كما أشارت لذلك سوزان كويليام[7]. أو ما سمّاه آدلر بالمشكلات الاضطرارية التي تواجه النّاس، ولخّصها في ثلاث: وظيفية واجتماعية وجنسية[8]. وبفهمنا لهذه الدّوافع يمكن أنْ نؤطّر أفعال العنف المستشري لدى هذه الأصوليات، وطريقة تعاطيها مع الآخر المختلف. فالمجرم حسب آدلر ليس شاذّاً عن الجنس البشري، أو ضعيف العقل feeble minded، أو هو ضحية وراثة heridity. بل هو كأيّ إنسان ينافح جاهداً للظّفر بنصر، لأنّه توّاق إلى الغاية    finality التي ينشد بقدر ما تجوب آفاق فكره[9].

وهنا لا بد أن نقر بأن ما يخرجنا من دوامة التفكير الأصولي سواء في شقه الغربي المتطرف، أو في شقه الأصولي الديني، هو تعزيز التفكير العلماني المحايد، وليس المعادي للدين، هذا الفضاء هو ما يسمح بالتقليل من دوائر العنف، والبعد عن مواطن الصراع والتنافس والصدام. إنه الفضاء الذي يفرض علينا البحث من جديد في قضية الدولة بين الدّين والمدنية. وتتبُّع هذا اللفظ في سياقاته التاريخية، لنُبعِد عنّا كلّ التطرّفات، ونستفيد من المشترك الإنساني والقيم والحقوق في علاقتنا بالدولة. إذ لا يعني مصطلح العلمانية دوما ما يوازي الإلحاد أو معاداة الدين. فهذه الكلمة كما يؤكّد حسن سمير[10] في صيغتها الإنجليزية تحمل دليل ومفهوم الحياة الدّنيا، وبها يُحّدد ٱلنّاس للحكومة وجهة أوامرها ومناسكها. فتهتمّ بحياة ٱلفرد منهم وسبيل طعامه وسبيل أمْنه فى” ٱلحياة ٱلدّنيا ” ولا تأمر ولا تنسك بما يؤثِّر فيما يأمل به فى “ٱلحياة ٱلأخرة”.. هذا ٱلمفهوم للكلمة ٱلإنكليزية. هو ممّا جآء بيانه فى “ٱلقرءان” بتفريق قوله بين “ٱلحيوٰة ٱلدنيا” و”ٱلحيوٰة ٱلأَخِرة”. وفى بيانه أنّ ٱلحياتين مسؤولية ٱلفرد. وأنّه ليس لأحد من ٱلناس وكالة عنه أو ولاية عليه. فهو مَن يختار كيف يعيش حياته ٱلدنيا. وأنّ “ٱلحيوٰة ٱلأخرة”مسؤوليته وليس لأحد سلطة عليه. وبالرّغم من الإشارة القرآنية إلى الحياة الدّنيا كمفهوم موازٍ لكلمة secularism  الإنجليزية، إلا أنّ المسلمين لم ينتبهوا لهذا التّحديد، فوضعوا كلمة العلمانية ترجمة للكلمة الإنجليزية، وحتّى من زعم القضاء على الحكم العثماني وتبنى secularism، أطلق اسم تركيا على ميديا وكيلكيا والأناضول على السّلطة الجديدة فيها دون مراعاة وجود قوميات أخرى كالكورد والشاميين واليونان والأرمن.

إنّ العولمة من حيث هي تكسيرٌ للحدود، وتجاوزٌ للممكن، واستيعاب للتّناقضات استطاعت أنْ تدفع بالعالم إلى أنْ يطور من إمكانياته، ويزيد من فرص الاستمتاع بمقدّراته. لكنّ الأصوليات الدينية والسّياسية استوعبتْها وتجاوزتْها، لتصل بالعنف إلى مداه الأقصى. وبدل أنْ تعولم مفهوميْ الرّحمة والرّفق، عولمتْ العنف لتلتحق بأخواتها التي عبّرت في وقت من الأوقات عن المأزق الأخلاقي التي تعاني منه ولا زالت الحداثة.

المراجع:

[1] – كارين أرمسترونع. النزعات الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام. ترجمة محمد الجورا. دار الكلمة للنشر والتوزيع، ط1،2005، ص: 9.

[2] – فرانسيس، فوكوياما, نهاية التاريخ والإنسان الأخير. ترجمة فؤاد شاهين،جميل قاسم،رضا الشايبي. مركز الإنماء القومي،ط1،1993.

[3] – صمويل، هنتنجتون. صدام الحضارات إعادة صنع النظام العالمي. ترجمة طلعت الشايب. ط2،1999. ص: 37.

[4] – جون، بودريار. ذهنية الإرهابي لماذا يقاتلون بموتهم؟. ترجمة بسام حجار. المركز الثقافي العربي,ط1،2003، ص: 17.

[5] – ريجيس، دوبريه. في مديح الحدود. ترجمة ديمة الشكر. كتاب الدوحة. ص: 52.

[6] – كارين، أرمسترونغ. المرجع السابق

[7] – كويليام، سوزان.(2004). الدوافع المحركة للبشر. ترجمة عادل نجيب بشرى.(ط1). مكتبة جرير. ص: 5.

[8] – آدلر، ألفرد.(2005). معنى الحياة.(ط1). المجلس الأعلى للثقافة. ص: 23.

[9] – آدلر، ألفرد.(1996). سيكولوجيتك في الحياة كيف تحياها؟. ترجمة عبد العالي الجسماني.(ط1). المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ص: 143.

[10] – سمير، إبراهيم خليل حسن. دين الحكومة. بيروت: دار الساقي،2012،ط1. ص:85.

 

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete