تكوين
مقدمّة
تُعد قصة الأضحية الإسلامية، كما وردت في سورة الصافات[1]، إحدى أبرز القصص التأسيسية في المتخيل الإسلامي، إذ تتجلى فيها أبعاد الطاعة والتضحية والإيمان. وقد شغلت هذه القصة حيّزًا مهمًا في التفاسير الإسلامية الكبرى، كما أثار موضوع تقديم القرابين والأضاحي اهتمام الباحثين في الظواهر الدينية المقارنة من أبرزهم العالمان الفرنسيان مارسيل موس (Marcel Mauss) وهنري هوبر (Henri Hubert)، اللذان وضعا في دراستهما الشهيرة “رسالة في طبيعة القرابين ووظائفها” (1899) أسسًا نظرية لفهم القربان بوصفه ظاهرة اجتماعية ودينية لها وظائف تأسيسية تتجاوز الفعل الطقسي الظاهري.
شاهد: القرابين الجزء الأول
نهدف في هذا المقال إلى تحليل قصة الذبيح في ضوء هذه المقاربة العلمية، مع مقارنة تحليلية لثلاثة من أبرز التفاسير التراثية: تفسير الطبري وتفسير الرازي وتفسير الزمخشري. وذلك لتبيّن كيف تمثّل الفكر الإسلامي القربان ليكون بنية رمزية-اجتماعية. يحركنا سؤال مركزي: كيف يُمكن فهم الطقوس والمعتقدات الدينية فهمًا علميًا؟
أولًا: موس وهوبر والقربان بوصفه ظاهرة اجتماعية
في رسالتهما[2]، يرى موس وهوبر[3] أن القربان ليس فعلًا دينيًا فحسب، وإنما لحظة رمزية تؤسس لعلاقة الإنسان بالمقدّس. إن كل طقس قرباني يتضمن “تخصيصًا” لشيء (طعام، حيوان، إنسان، أو حتى إله في مراحل لاحقة) يُقدَّم إلى المقدّس، ويتحول في هذا الفعل كلٌّ من المتقرّب والضحية، في الدلالة والمكانة. وترتكز نظرية موس وهوبر على ستة عناصر مركزية في المنظومة القربانية:
- المتقرّب
- الضحية
- المكان
- الأدوات
- القائم بالطقس
- المقدَّم إليه.
ويتميّز القربان عن الذبيحة والنذر، بأنه يُحدث تحولًا جوهريًا في المتقرّب ذاته، وليس فقط في الشيء المقدَّم. سعت رسالة موس وهوبر إلى تأصيل دراسة القرابين من طريق البحث عن أصل أنثروبولوجي ومنهجي لهذه الظاهرة. وعبر إخضاعها لمنظومة مفهومية عقلانية يُمكن أن تزل صالحة لمقاربتها في مختلف العصور. ولذلك نقدًا للنظريات السابقة أبرزها إدوارد تايلور ووليم روبرتسون سميث وجيمس جورج فرايزر. ويرى تايلر أن القرابين تمر بمراحل تطور متسلسلة تبدأ هبةً يُقدمها الإنسان إلى الرب ثم تتحول إلى فعل ولاء ثم تصبح تضحية عن النفس تتجرد من أي طابع سحري، لتبلغ ذروة نقائها بوصفها تعبيرًا راقيًا عن الإيمان. لكن موس وهوبر يرون هذا الترتيب تبسيطيًا ولا يكفي لفهم القرابين، إذ يرى سميث القربان طقسًا طوطميًا يتمثل في مشاركة الرب والعباد مائدة واحدة إذ يشعر القربان الإنسان بالقرب من الاله. لكن موس وهوبر يريان ذلك أيضًا قابلًا للنقد، إذ يعتقدان أن هذا التفسير يُقصي أشكالًا كثيرة من القرابين. وينقدان أخيرا فرايزر الذي يرى أن القربان يرتبط بالثقافة الزراعية وأنه ميثاق بين قوى الطبيعة والإنسان يُبرم لتجديد الخصب والحياة. ويرى فرايز أن تقديم الإله نفسه قربانًا يدل على أنه من باب العودة من جديد. لكن موس وهوبر ينقدان ذلك أيضًا ويريان هذا الربط بالثقافة الزراعية قاصرًا عن تفسير البنية العامة للقرابين بوصفها ظواهر تأسيسية للمجتمع.
يُعرف الكاتبان إذن القربان كما يلي: “هو وسيلة الإنسان للاتصال بالعالم المقدس. وهذا الاتصال لا يتحقق إلا عبر تخصيص كيان ما سواء كان طعامًا أو حيوانًا أو شيئًا رمزيًا آخر، ليكون وسيطًا بين الإنسان والمقدس. القربان بهذا المعنى لا يختزل في الذبيحة الدموية، بل يشمل جميع أشكال الهبة أو التسخير التي تُحدث تحولا في وضعية المتقرب أو في صفة الشيء المقدم ويشترط في القربان أن يترك أثرًا في ذات المتقرب وأن يُعيد تكوين علاقته بالمقدس سواء على الصعيد الفردي أو الجماعي ولا يُعد أي طقس قربانًا ما لم يتضمن هذا التحول الرمزي العميق.
إن للقربان وفق الكاتبين نظامًا موحدًا يُمكن تحليله عبر وحدات دنيا وآليات اشتغال متكررة وأفضل ما يُمثل هذا النظام وفق رأيهما هو طقس القربان الحيواني في الثقافة الهندوسية التقليدية، تتكون هذه المنظومة من عدة عناصر:
- المتقرب
- المتقرب إليه
- الوسيط
- الضحية
- المكان
- الأدوات
- ثم الشعائر المصاحبة.
فالقربان ليس محض تقديم موضوع مادي، وإنما هو تغيير في الوضعية الوجودية للفاعل الاجتماعي، لذلك فإن القربان يربط دومًا بين الإنسان والمقدس عبر فعل تخصيص تتغير فيه طبيعة الأشياء والأشخاص. فمثلا قد درسا القربان الهندي بتفصيل، وميزا بين مراحل مختلفة فيه: طقوس إعداد الضحية: الطهارة واللباس والاستعداد النفسي، والقائم بالطقس: وهو الوسيط بين المقدس والعادي والمكان، يتمثل في معبد أو مذبح والضحية يشترط فيها الكمال الجسدي والرمزي وطقوس الخروج تنظيف الأدوات وإحراقها ونزع آثار الطقس. فالضحية هنا ليست كيانًا يعدم فحسب، وإنما كيانًا مقدسًا يعاد تأهيله رمزيًا ليكون أهلا لأن يُقدم للآلهة. وهذا الطقس يهدف إلى التحكم بقوى الطبيعة الغامضة العمياء المؤذية من طريق تقنينها ضمن إطار رمزي مضبوط.
وبعض القرابين تهدف إلى تكريس الفرد أو الجماعة وأخرى إلى تطهيرها من الذنوب أو النجاسات وثالثة إلى ضمان التجدد ودفع المضار، وقد ينتقل الأثر الرمزي من المتقرب إلى الضحية كما في طقوس التكفير أو من الضحية إلى المتقرب كما في طقوس التقديس وتضفي بعض الطقوس الزراعية مثل: قرابين البواكير الزراعية طابعًا مركبًا على الاضحية يجمع بين التقديس والتدنيس ويحمل الضحية طاقة متفجرة من الحياة والموت معا.
إقرأ أيضًا: الممر السحري بين التاريخ والمتخيل الديني
وخلاصة هذه الفقرة التقديمية النظرية هو أن هذان الباحثان أسهما إسهامًا عميقًا في وضع بنية للقربان واضحة وعلمية من طريق دراستهما مئات قصص الطقوس بأنواعها، ومن طريق عملهما رسالة في طبيعة القرابين وبنيتها ووظائفها الاجتماعية. فالقربان لحظة عبور من المدنس إلى المقدس ومن العادي إلى المؤسس ومن الفردي إلى الجماعي وهذه قراءة صالحة لفهم طقوس كبرى في الثقافات الدينية بما فيها الأضحية الإسلامية وفيما يلي محاولة في هذا الاتجاه لقراءة تفاسير قصة الذبيح التي وردت في سورة الصافات في ضوء التحليل السوسيولوجي والرمزي لموس وهوبر.
ثانيًا، تأويل قصة الذبيح في سورة الصافات؛ الرؤيا النبوية العجيبة
يُقدّم النص القرآني في سورة الصافات المشهد القرباني في صورة رؤيا رآها إبراهيم:
﴿إِنِّيۤ أَرَىٰ فِی ٱلۡمَنَامِ أَنِّیۤ أَذۡبَحُكَ﴾
وما يلي ذلك من حوار الأب مع ابنه، ثم الطاعة الكاملة، ثم الفداء الإلهي، كلها عناصر تكون بنية طقسية متكاملة. وفقًا لموس وهوبر، تتوافر في هذا المشهد أركان القربان:
- المتقرب (إبراهيم)
- الضحية (الابن)
- الإله (المتقرب إليه)
- الوسيط (النبي ذاته)
- المكان غير مصرح به بدقة، لكنه يحتفظ بقداسة الطقس
- وأخيرًا فعل النحر بوصفه لحظة العبور إلى المقدّس.
إنها لحظة تأسيسية للنسق القرباني الإسلامي الذي سوف يترسخ لاحقًا في شعيرة عيد الأضحية.
إن آيتي الذبح في سورة الصافات لا تسرد رؤيا ولا حدثًا خاصًا في حياة النبي إبراهيم فقط، وإنما تقدم لنا من حيث لا نحتسب ما يُمكن عَدُّه أصل الطقس القرباني التأسيسي في المتخيل الإسلامي. لحظة تتجلى فيها كل عناصر منظومة القربان كما حللها موس وهوبر: الضحية، القائم بالطقس، مكانه، أدواته، الغاية الرمزية منه. تسير القصة وفق تراتبية سردية دقيقة يمكن تفكيكها كالآتي:
- الآية 101 البشارة بالولد، وهي تمهيد تأسيس يربط بين القربان والولد المنتظر أي القربان لا يفهم إلا داخل منطق العطية.
- الآية102 فيها إعلان الجاهزية الطقسية فـ “السعي” يُشير إلى القدرة على المشاركة في الطقس ويعني دخول الطفل دائرة المسؤولية الاجتماعية.
- الرؤيا والأمر بالذبح وهي لحظة تلقي الوحي الرمزي.
- تشاور النبي إبراهيم مع ابنه وتمكن الابن من موقع القربان الواعي لا الضحية الصامتة
- الاستسلام المزدوج فلما أسلما بلوغ الذروة الشعائرية حيث يتطابق فاعلا الطقس الأب والابن في لحظة تسليم كامل.
- الإزاحة الرمزية للذبح الفداء عبر استبدال كبش بالابن، تحقيقًا للقربان دون سفك دم بشري.
- الجزاء الإلهي والثناء والاعتراف بالفعل الطقسي عبر مكافأة رمزية واجتماعية.
بهذا نرى أن قصة الذبيح في سورة الصافات هي سردية طقسية كاملة، تحقق شروط ما سماه موس نحو القرابين إذ يتضمن جميع الوحدات الطقسية من استعداد وإفراز للمقدس وتحول رمزي وخروج من الطقس.
إن فرادة القصة القرآنية هي ما يلي: المتقرب ليس فقط النبي الأب، وإنما ينضم إليه ابنه الضحية في الوقت نفسه، لأنه يدخل الدائرة بمحض إرادته وهذا أمر فريد في المقارنة الدينية، الله هو المتقرب إليه، ولكن وفق منطق لا يتضمن حاجة إله للدم، بل تسليم العبد أمره فالطاعة هي الأهم لا الدم. وأما الضحية فهو لا يُذبح، بل يَستبدل بالضحية كبشًا عظيمًا. وفي منطق موس وهوبر لا يقاس الذبح بقيمته المادية، بل برمزيته التأسيسية، وهو إعلان ولاء كامل هنا بأغلى ما يملك هذا الأب: ابنه. وأما هذا الأب فليس فقط كذلك، وإنما قائمًا بالطقس يتلقى الوحي ويؤدي الطقس والابن يضطلع بدوره بوظيفة شعائرية رمزية فهو الضحية وهو الشاهد وهو المقر المطيع. أما غاية القربان فنلاحظ تحولا في المتقرب النبي إبراهيم من عبد سائل إلى عبد ممتحن إلى عبد مُجازى ومبارك من الله. وتحول كذلك في الضحية موضوع الذبح من غلام موضوع للذبح إلى شاهد على الامتحان ومن فرد إلى نموذج مكرس يُحتفى به عبر التاريخ.
ويمثل الاستبدال في الآية “وفديناه بذبح عظيم” لحظة حاسمة في الطقس فبعد أن اكتملت البنية الطقسية لم يعد الدم شرطًا للتحقق، بل أصبح الرمز كافيًا هنا، نلاحظ ما يسميه موس “لحظة التحول من القربان الفيزيائي إلى القربان الرمزي” فالذبح لم يعد فعلًا إنفاذيًا، بل إعلانًا رمزيًا تم القربان، لأن التخصيص قد حدث والتسليم قد وقع والتحول الوجودي تحقق. هنا نكون أمام تحقيق كامل للقربان دون حاجة إلى قتل فعلي وهو ما يؤسس الطقس الإسلامي لاحقًا.
خلاصة الترسيمة القربانية-القرآنية
هذه ترسيمة قربانية نموذجية رسمها موس وهوبر
يُمكن تفكيك هذا المشهد القرباني القرآني وفق عناصر بنية القربان عند موس وهوبر إلى:
المتقرّب: إبراهيم.
الضحية: الابن (إسماعيل أو إسحاق).
المتقرّب إليه: الله.
القائم بالطقس: النبي نفسه.
المكان: غير مذكور تحديدًا، لكنه مُقدّس رمزيًا.
فعل النحر: لحظة العبور إلى المقدّس.
تُظهر القصة لحظة رمزية كبرى في المخيال الإسلامي، تُؤسّس لشعيرة عيد الأضحية ولرمزية الطاعة التي تغني عن الفعل الدامي. وهي بهذا تسير وفق تراتبية طقسية دقيقة:
البشارة بالولد ← الاستعداد للمشاركة في الطقس ← تلقي الوحي بالرؤيا ← مشاورة الابن ← الاستسلام التام من الطرفين ← الاستبدال بالذبح العظيم ← المكافأة الرمزية والثناء الإلهي.
وتتمثل فرادة القصة القرآنية في:
إن الضحية واعية وليست صامتة، فتشارك في الطقس لا بوصفها مفعولًا به، بل بوصفها شاهدًا ومُقرًّا به.
إن القربان يتحقق رمزيًا دون حاجة إلى القتل، فيتحول من ذبيحة مادية إلى علامة رمزية على الطاعة المطلقة.
إن الغاية ليست سفك الدم، بل تحقيق التحول الوجودي في المتقرّب.
سوف نعود إلى هذه القراءة الأنتروبولوجية لترسيمة القربان في آيات سورة الصافات واستتباعاتها الحضارية بعد أن نرحل بقارئنا الكريم في رحاب كتب التفسير لنقارن بين القرآن وتفاسيره، وقد اخترنا نماذج ثلاثة التفسير المأثور للطبري والتفسير بالراي المذموم في نظر الأشاعرة تفسير الزمخشري والتفسير بالراي الحميد في نظر السنة تفسير الرازي ومن طريق تتبع تفاسيرهم، نرى كيف فهم العلماء المسلمون الرسميون قصة الذبيح في القرون الأولى للإسلام الذي عرفته بدايات الثقافة الإسلامية.
ثالثًا: التفاسير الكلاسيكية ومقاربتها للمشهد القرباني
الطبري؛ سرد تأسيسي للتدين الشعبي
يقدّم الطبري قراءة كلاسيكيّة تستند إلى أقوال الصحابة والتابعين، فيعرض أولًا كل ما تمكن من جمعه من أخبار ثم يرجّح أن الذبيح هو إسحاق[4]، ويعرض القصّة في سياق سردي دون توسيع رمزي أو بلاغي أو توظيف. عند الطبري، يُفهم القربان بوصفه امتثالًا للأمر الإلهي، وقد وردت روايات متعددة أغلبها عن إسحاق من بينها رواية عن عكرمة وقتادة، وقد علّلوا ذلك بأن الله بشّر إبراهيم بإسحاق وذكره باسم “حليم“، وهذه الصفة لم تُثنَ على أحد غير إبراهيم وإسحاق. وتقدم الروايات أصل الذبح المتمثل في نذر إبراهيم حين بشره بولد من سارة أن يذبحه إن رزقه الله إياه. فلما رأى في المنام الأمر بالذبح اعتبره تنفيذًا للنذر. وجاء في رواية مفصّلة أن إسحاق قال: “يا أبتِ اشدد وثاقي، واكفف عني ثيابك لئلا يُنتضح عليها دمي، وأَسرعْ بالسكين، وإذا رجعت إلى أمي فأقرئها السلام”.[5]
وقُيّد الغلام، وذرفا معًا الدموع، لكن السكين لم تعمل. فضربه من قفاه، فتدخل الله وفداه بكبش. وقد رأى إبراهيم رؤياه أول مرة ليلة التروية، ثم ليلة عرفة، ثم ليلة النحر، فبدأ التنفيذ يوم النحر، فسُميت هذه الأيام بأسمائها المعروفة اليوم. ويُرجّح الطبري أن إبراهيم لم يُشاور ابنه ليستفتيه، بل ليعلم مدى عزمه واستعداده للصبر والطاعة.
يمكن أن نرى هذه الروايات التي جمعها الطبري مؤسسة لشعائر الأضحية الإسلامية ولشعائر أخرى مثل: التلبية والإحرام والحج والوقوف وغيرها. إنها قصص تعبر تعبيرًا عميقًا عمًا يُسميه مرسيا إلياد بتفسير أصل نشأة العالم، وقد نشأ العالم المتخيل للمسلمين في ربوع قصة النبي إبراهيم ونشأت معه قصة أصل الحج والعيد وقداسة مكة وتأسس بذلك في الوجدان العميق للمسلمين أصل المعنى الديني. فكلما ذبحوا كبشًا أعادوا نشأة العالم وكلما حجوا طافوا حول تلك القداسة الأولى نبع المعنى ونبع الإيمان ونبع الهوية الفردية والجماعية.
إسلام التوحيد والرحمة
ومن ضمن ما جمعه الطبري رواية لفتت انتباهنا إليها، ينقلها الطبري عن ابن شهاب الزهري من طريق يونس عن ابن وهب، تتضمن سردًا قصصيًا موسّعًا لقصة الذبيح، وهي رواية تُنسب إلى كعب الأحبار كما يرويها لأبي هريرة، وتُعد من الإسرائيليات ذات البعد القصصي الأخلاقي:
“قال كعب: لما رأى إبراهيم ذبح إسحاق، قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن أحدا منهم أبدا، فتمثل الشيطان لهم رجلا يعرفونه، فأقبل حتى إذا خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه دخل على سارَة امرأة إبراهيم، فقال لها: أين أصبح إبراهيم غاديا بإسحاق؟ قالت سارَة: غدا لبعض حاجته، قال الشيطان: لا والله ما لذلك غدا به، قالت سارَة: فَلِمَ غدا به؟ قال: غدا به ليذبحه! قالت سارَة: ليس من ذلك شيء، لم يكن ليذبح ابنه! قال الشيطان: بلى والله! قالت سارَة: فلم يذبحه؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك؛ قالت سارَة: فهذا أحسن بأن يطيع ربه إن كان أمره بذلك. فخرج الشيطان من عند سارَة حتى أدرك إسحاق وهو يمشي على إثر أبيه، فقال: أين أصبح أبوك غاديا بك؟ قال: غدا بي لبعض حاجته، قال الشيطان: لا والله ما غدا بك لبعض حاجته، ولكن غدا بك ليذبحك، قال إسحاق: ما كان أبي ليذبحني! قال: بلى؛ قال: لِمَ؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك؛ قال إسحاق: فوالله لئن أمره بذلك ليطيعنَّه، قال: فتركه الشيطان وأسرع إلى إبراهيم، فقال: أين أصبحت غاديا بابنك؟ قال: غدوت به لبعض حاجتي، قال: أما والله ما غدوت به إلا لتذبحه، قال: لِمَ أذبحه؟ قال: زعمت أن ربك أمرك بذلك؛ قال: الله فوالله لئن كان أمرني بذلك ربي لأفعلنّ؛ قال: فلما أخذ إبراهيم إسحاق ليذبحه وسَلَّم إسحاق، أعفاه الله وفداه بذبح عظيم، قال إبراهيم لإسحاق: قم أي بنيّ، فإن الله قد أعفاك؛ وأوحى الله إلى إسحاق: إني قد أعطيتك دعوة أستجيب لك فيها؛ قال، قال إسحاق: اللهمّ إني أدعوك أن تستجيب لي، أيما عبد لقيك من الأوّلين والآخرين لا يُشرك بك شيئا، فأدخله الجنة” [6]
***
هذه الرواية الجميلة عند الطبري تؤكد نموذجًا أصليًا في الميثولوجيا الدينية، الثالوث: الله –الشيطان- النبي ويحاول الشيطان أن يفسد الطاعة التي تجمع بين الله وانبيائه في حين يفشل في نهاية المطاف: يدخل على سارة ويخبرها بنيّة إبراهيم ذبح ابنها، لكنها تؤكد: إن كان أمرًا من الله، فليطعه. ويذهب إلى إسحاق في الطريق فيكرر المحاولة نفسها، فيرد عليه إسحاق: “إن كان الله أمره فليطعه .”وأخيرًا يحاول مع إبراهيم، الذي يرد عليه بحزم” :لئن كان الله أمرني لأفعلنّ”. في تلك اللحظة بالذات رُفع البلاء والامتحان وفاز النبي وزوجته وابنه برضا الله أما الشيطان فباء بالخسران. لم يفز في هذه القصة هذا الثالوث العجيب فقط، وإنما دعوة إسحاق شملت كل من يؤمن بالله ولا يشرك به، إنه تدين سمح مفتوح على مصراعيه، لقد دعا النبي إسحاق أن يدخل الناس الجنة بالإيمان فقط، وكذلك دعا النبي محمد ربه أن يشفع لهم عنده مهما كانت معاصيهم إلا أن يشركوا به. هذا الإسلام الشعبي العميق المعنى الذي يفتح مصراعيه للتوبة والغفران فقط للانتماء إلى أمة إبراهيم والذي لا يستوجب شروطًا صعبة إلا الايمان والولاء، هو الإسلام القديم المخفي بين جنبات النصوص التراثية والذي يُمكن أن نعيد استخراجه، لنضعه تحت ضوء علوم الانسان ليعمل من جديد عمله ويحقق للمسلم اليوم هُويته الثقافية دون أن يكون مثقلا بحمل الصحوة الدينية.
تُظهر هذه القصة البعد الإبراهيمي في الدين الإسلامي، فقد كان إسحاق تجليًا لطاعة الوالد أولًا والله ثانيًا، أما الشيطان فقد لعب دور المُشكك للوحي والعقيدة، حاول زرع الريبة دون أن يُوفق في ذلك. تُعبر سارة هنا عن النموذج المثالي للمرأة، نقيضة حواء بشكل من الأشكال لأنها لا تأتي الخطيئة ولا تزل ولا تُمكن منها الشيطان تُطيع الله وزوجها وتهب ابنها طائعة. هذا الحضور النسائي يعزز الجانب الجماعي العائلي في القصة. وهي قصة تربوية، فالشيطان فيها لا يَكيد كيدًا عظيما، بل بالعكس يظهر واضحًا وجليًا، حتى إنه مكشوف بطريقة ساذجة وحججه تصلح ليخاطب بها الأطفال والعامة. ولعل الرسالة المُضمنة هي التالية: مهما حاول الشيطان الإغواء، فإن الصدق في الطاعة يحصّن النفس. تعكس هذه الرواية إذن رؤية إيمانية ذات بعد تربوي وأخلاقي قوي، وتُمثل الذبيحة هنا نقطة ذروة في علاقة الإنسان بالله وتجسد الطاعة الكاملة من الأب والابن معًا. أما حضور الشيطان فيعطي الطقس وظيفة تطهيرية ضد الوسوسة ويفتح بابًا لتفسير القربان ليكون تحديًا للشيطنة الداخلية والخارجية.
الرازي؛ العقل الأصولي وغرس الامتثال
يُدخل الرازي العقل الكلامي إلى قلب القصة[7]، فيسائل دلالة الرؤيا، الفرق بين النسخ والتكليف، ويبحث في هُوية الذبيح مرجِّحًا إسماعيل بناءً على قرائن لُغوية وزمانية ومكانية. كما يناقش بلاغة الاستفهام «فانظر ماذا ترى»، ويرى أن المشاورة لا تهدف إلى التشاور، بل إلى إعداد الابن نفسيًا وروحيًا. القربان هنا يُقرأ بلاءً واضحًا، يختبر مدى استعداد الإنسان للفناء في سبيل أمر الله، ما يقارب عند موس وهوبر وظيفة القربان بوصفه تحولًا وجوديًا في كِيان المتقرب. يعتمد الرازي على منهج التحليل العقلي والكلامي والأصولي. فيورد الآيات، ثم يفتح مساحات واسعة للأسئلة الجدلية والتعدد التفسيري. ويوازن بين الأقوال، ويدعم ما يراه راجحًا بالحجة والاعتراض والجواب. وعنده تتنظم القضية في شكل مسائل:
فهل الذبيح: إسحاق أم إسماعيل؟ فيعرض الرأيين بتفصيل كبير: أما الرأي القائل إن الذبيح إسحاق: ينسبه إلى كثيرٍ من التابعين والمفسرين. ثم الرأي القائل إن الذبيح إسماعيل: يراه الأرجح بناءً على، حديث النبي” :أنا ابن الذبيحين”. وقرائن السياق (مكان الحادثة بمكة، وجود المنحر). وتسلسل البشارة في سورة هود: أولًا بإسحاق ثم بيعقوب، مما ينفي وقوع الذبح قبلهما. ثم السياق الزمني في القصة يُفهم منه أن الذبح وقع مع أول غلام صالح، وهو إسماعيل، لكنه يُنهي بكلمة مهمة تثبت أن ترجيحه نسبيٌّ: الله أعلم.
المسألة الثانية التي يطرحها الرازي تتعلق بالنسخ قبل الامتثال: هنا يطرح الرازي مسألة أصولية دقيقة: فهل أمر الله إبراهيم بالذبح ثم نسخه قبل الوقوع؟ أم أن الأمر كان بالمقدمات فقط، لا بالفعل ذاته؟
ويُرجِّح أن الذبح أمرٌ حقيقي نُسخ قبل تنفيذه الكامل. ودليل ذلك: الحاجة للفداء، وقوله ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾.
ثم يناقش الرازي مسألة الرؤيا :هل رؤى الأنبياء تكليفية؟ فيرى أنها وحي، لكن الرؤيا ليست كافية وحدها حتى تُدعم بوحي صريح أو فهم مؤكد من النبي. ثم يوضح أن الله قد يبدأ بتكليف في المنام، ثم يعززه في اليقظة (كما فعل مع إبراهيم).
ثم يُبين مقاصد الشرع من الابتلاء بالذبح: أولا التربية على الطاعة الكاملة. وثانيًا بيان أن التكليف قد يُبتلى به الإنسان دون أن يُقصد وقوعه فعليًا، بل لاختبار مستوى الامتثال. وثالثًا ترسيخ مقام الأنبياء وصبرهم. ورابعًا بيان الحكمة من الابتلاء: أن الله لا يأمر إلا بما فيه مصلحة وإن خفي وجهها.
كل ما في القصة يُثبت افتقار الإنسان إلى الله
يتمكن الرازي من أن يرى في “سَتَجِدُنِي إن شاء الله من الصابرين” تواضعَ المرء وافتقاره لله. ويرسخ بذلك تلك الميزة الدينية الرحيمة في تفسير الطبري: لا يهدف السرد إلى وقوع الفعل، بل إلى ترسيخ الإيمان الكامل، والتسليم المطلق. إن الدين هنا هو مربط الفرس والدين هو الإسلام، والإسلام يعني الاستسلام المطلق. فتفسير الرازي أعمق من محض سرد روايات أو حتى عرض مسائل خلافية كلامية ومذهبية إنه يؤسس لمفاهيم عقلية وأصولية (مثل: النسخ، الأمر والنهي، الإرادة الإلهية…). وهو حينئذ أقرب إلى تأويل فلسفي/كلامي مع احترام ظاهر النص، لكنه لا يتردد في طرح اعتراضات جريئة. ويُمثل هذا التفسير ضمن المقارنة مع الطبري والزمخشري، نموذجًا للفكر الإسلامي في تطوره من الرواية إلى العقلانية إلى الرمز. كلما أبحرنا فيه بعيون جديدة اكتشفنا فيه سحر الدين ودلالاته الرمزية بعيدًا عن النظرة القاتمة للتدين أو الوثوقية والدغمائية، ذلك أن العلوم الإنسانية قادرة على إبراز عمق الدين وجانبه المنير والفصل بين الدين والتوظيف السياسي للدين. فنحن هنا في حاجة إلى الفصل بين الدين والتوظيف السياسي للدين.
-
الزمخشري؛ البلاغة، الرحمة، والذبيحة الرمزية
ينتمي الزمخشري إلى المدرسة العقلية المعتزليّة، وهو يُبرز في تفسيره الجوانب البلاغية والنحوية بعمق، دون أن يُغفل التفسير القصصي والمرويّات التراثية. في مقطع قصة الذبيح، يتجلى لديه التكامل بين اللغة والمذهب والسردية القرآنية. يتعمق الزمخشري في إبراز المعنى الأصلي للفعل “أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له[8]“ويستعمل تحليلًا لغويًا يُبين أن الإخلاص هنا هو قمة الطاعة. ويُشير إلى اختلاف القراءات بين “سلم” و”أسلم” و”استسلم”. يوضح الزمخشري أن التّلّ هو الصرع، وأن الجبين هو أحد شقي الوجه. ويُفسّر هذا المشهد على أنه تجسيدٌ للتواضع والخضوع التام لله، وهو لحظة الذروة في السردية القرآنية لقصة الذبيح. أما قوله “وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا “فيرى الزمخشري أن جواب “لمّا” محذوف، ويقترح أن المشهد يستدعي حالًا لا يُوصف: مشهد الفرج الإلهيّ المفاجئ بعد التجلّي الأقصى للطاعة. وهكذا فالتحول السريع من مشهد الذبح إلى مشهد النجاة يعكس عنده عمق الرحمة الإلهية التي تستجيب للإيمان قبل الفعل. أما صيغة التكرار البلاغي في الآية: “إنا كذلك نجزي المحسنين” فهي في نظر الزمخشري تؤكد قاعدة قرآنية: أن المحسن يُجازى على إحسانه قبل أن يُتمّ الفعل، لأن النية الخالصة والبدء بالفعل كافٍ لتحقيق الطاعة. والبلاء هنا” مبين”، أي واضح وصعب، والزمخشري يلفت إلى أن هذا الاختبار يُظهر حقيقة المخلصين من غيرهم.
يناقش الزمخشري القيمة الرمزية للفداء، مؤكدًا أن الكبش كان بديلاً حقيقيًا لإسماعيل، لا مجرد رمز، ويشير إلى روايات متعددة (كبش هابيل، وحي جبريل، وغيرها). يُشدّد على أهمية اكتمال تجربة الطاعة في الفعل والمقصد، حتى لو لم يقع الذبح نفسه. الزمخشري كونه معتزليًا، ينفي فكرة أن الله يأمر بفعل ثم ينسخه، لكنه يُقدم تأويلاً ذكيًا: يرى أن إبراهيم أُمر بالمقدمات (النية، الربط، وضع السكين)، لا بالفعل التام. لذلك لم يكن هناك نسخًا للأمر الإلهي، بل تحقيقًا للمراد دون ارتكاب الفعل الدموي. في رده على اعتراضات عقلية مثل: لماذا يقول “صدق الرؤيا” إذا لم يُذبح، يوضح أن الصدق يتحقق بالنية والفعل المجازي، لا فقط بالفعل الحسي.
يُرجّح الزمخشري كما سيفعل الرازي أن الذبيح هو إسماعيل، في حين أن الطبري رأى أن المقصود بالذبح إسحاق وليس إسماعيل، مستندًا إلى: الحديث النبوي “أنا ابن الذبيحين .”وإلى أن إسماعيل هو الذي عاش في مكة، حيث كان موضع الذبح. وإلى أن الله وصفه بالصبر وصدق الوعد (دون إسحاق). وإلى أن البشارة بإسحاق اقترنت بيقين مولده ونسله (يعقوب)، مما يجعل ذبحه مُنافياً للوعد. لكنه يعرض أيضًا رأي من قال بأن الذبيح هو إسحاق، مع الحجج اللغوية والتأريخية، وينتهي بالإشارة إلى موقف أبي عمرو بن العلاء الذي رجّح إسماعيل بناءً على السياق المكاني والوظيفي.
الفرجُ الإلهي جزاءُ الإحسان والطاعة
إن الرازي والزمخشري أصحاب رأيين مختلفين لكنهما اتفقا على أن إسماعيل هو الذبيح كما اتفقا على أن الفداء ليس رمزيًا، بل حقيقيًا واتفقا كذلك على مغزى القصة. فالزمخشري يرى أن القصة تكشف عن: جوهر الإسلام بوصفه استسلامًا تامًا لله. وأهمية النية في الطاعة، حتى إن لم يتمّ الفعل الحسيّ. وأن الله لا يريد وقوع الأذى، بل يريد التزكية والتمحيص والرّحمة. وأن الفداء ليس فقط إحلالًا مادّيًا، بل تتميمًا لطقس رمزيّ يؤسس معنى الجماعة المؤمنة. ويقدم الزمخشري تفسيرًا مركبًا يجمع بين البلاغة، العقل، الإيمان، التراث. يرى أن قصة الذبيح تعبيرٌ رمزيٌ عن قمة الطاعة البشرية، وأنها تمثيلٌ دينيٌ لما يسميه مارسيل موس وهنري هوبر“الذبيحة المؤسِّسة”، أي التي تُقيم الجماعة على أساس الخضوع لله، لا القربان الدموي في ذاته.
لنذكّر إذن كيف ترى المقاربة السوسيولوجية أن قربان إبراهيم لم يكن حدثًا معزولًا، بل قصة تأسيسية تتكرر في الطقس الإسلامي السنوي: عيد الأضحى. وتعيد هذه القصة إنتاج علاقة الإنسان بالإله، وتُمثل رمزًا لانتماء الجماعة إلى مرجعية رُوحية كبرى. كما تُجسّد –في ضوء تحليل موس وهوبر– الوظائف المركبة للقربان: التكريس، الاختبار، التأسيس، التواصل مع المقدس.
لنذكر أن أهم ما في قصة الذبيح ليس الدم، بل العلاقة التي يلخصها الثالوث التالي الذي نعيد رسمه للتأكيد والتأمل

إن العلاقة بين المتقرب والله قد تتم عبر التضحية بكبش أو بوقت مستقطع للتأمل أو بصلاة أو بقراءة قرآن أو بفعل الخير. فكلما فعل المتقربُ فعلًا خيرًا تقرب إلى الرب عبر ذلك الصنيع. وإن القصة تشير إلى أن الإيمان فحسب بهذا الرب كافٍ للقرب منه والنجاة. فليس القرب بكثرة الهدايا أو الورع الزائف والمشقة أو إسالة الدماء، بل القرب هو بالإيمان القلبي أساسًا بأن الله هنا لمن آمن به ووثق به. لذلك يظن بعض المتصوفة أن القلوب هي القربان الى الله.
الخاتمة
تكشف قصة الذبيح عن تعدّد في أنماط التأويل الإسلامي: من النقل الحرفي (الطبري)، إلى العقل الأصولي (الرازي)، إلى الرمزية البلاغية (الزمخشري). وتبيّن أن الطقس الإسلامي للأضحية ليس بقايا ذبيحة فقط، وإنما قربانًا رمزيًا يربط الفرد بالمقدّس، ويعيد تأسيس الجماعة عبر فعل الطاعة. وفي ضوء نظرية موس وهوبر، يتضح أن الإسلام حافظ على بنية القربان لكنّه نزع عنها العنف، واستبدله بفعل تسليم رُوحي، جعل من الكبش وسيلة لا غاية، وأرسى بذلك طقسًا حيًّا، يُعاد كل عام، يُحيي معنى “قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا”.
إن تحليل قصة الذبيح في ضوء نظرية موس وهوبر وتفاسير الطبري والرازي والزمخشري يكشف تعددية في أنماط التأويل، وإن تسليط الضوء على دلالات الإسلام الخفي داخل طبقات نصوص الطبري وهو أقدم المفسرين واعتمد على رواة أوائل من بينهم ابن شهاب الزهري وابن إسحاق الذين يمثلان أقدم رواة السيرة النبوية إطلاقا، إن هذه الروايات تؤكد أن الإسلام كان يرتكز على أساسين اثنين: أولهما التوحيد والثاني الرحمة. ولقد عمل التراث الاجتهادي بعد ذلك عمله ليرسخ قيم الرحمة والامتثال، ولكن الثابت بين هذه النماذج هو أن الأضحية التي تتمثل في الكبش ليست مقصودة لذاتها، بل لمعانيها: ومعاني الأضحية هو التسليم للرب المعبود والثقة في عدالته وحكمته ونبذ العنف وترك الدم. وإن عيدًا مثل عيد الأضحى هو بلا شك فرصة للتماسك الاجتماعي ليس مقصودَ الدين فيه اللحم ولا الشحم ولا الدم الذي يسيل، بل القصد فيه هو الطمأنينه القلبية إلى أن الله في السماء يراقب ويثيب ويجازي ويرحم ويأمر خلقه بالامتثال إلى الخير الذي فيهم وترك الشيطان الذي يوسوس في صدورهم، ليس الشيطان في قصة إبراهيم متنكرًا، بل هو كل ما يبث الهلع وينزع طمأنينة النفس، أولئك الذين يصعبون على المرء يومه ودينه وحياته ويخوفونه من رحمة الله، شياطين لو تتبعنا رمزية القصة، والذين يرون الإيمان رحمة بالبشر وتوحيدًا وامتثالًا طيعًا لقدر مكتوب في الأصل، هم الذين ترمز إليهم قصة الذبيح كونهم ناجين، ولقد شفع الذبيح لمن آمن بقلبه واطمأن أن يدخل الجنة فكانت هذه هي العبرة: ليس دخول الجنة في القصة مرتبطًا بذبح الكباش، بل فقط بالإيمان بأن ربًا واحدًا عادلًا قادرًا على كل شيء في السماء، يرحم عباده لأنه بهم أعلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والمراجع:
القرآن الكريم
الطبري، جامع البيان، دار التربية والتراث – مكة المكرمة – الطبعة: بدون تاريخ نشر، عدد الأجزاء: 24
الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ضبطه وصححه ورتّبه: مصطفى حسين أحمد، دار الريان للتراث بالقاهرة – دار الكتاب العربي ببيروت، الطبعة: الثالثة 1407 هـ – 1987 م
الرازي، مفاتيح الغيب، التفسير الكبير، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الثالثة – 1420 هـ
Henri Hubert et Marcel Mauss, Une édition électronique réalisée à partir du livre : Mélanges d’histoire des religions. De quelques résultats de la sociologie religieuse ; Le sacrifice ; L’origine des pouvoirs magiques ; La représentation du temps. « Essai sur la nature et la fonction du sacrifice. » (1899), (pages 1 à 130) Collection : Travaux de l’Année sociologique. Paris, Librairie Félix Alcan, 1929, 2e édition, 236 pages. Un article originalement publié dans la revue Année sociologique, tome II, 1899, pages 29 à 138.
http://classiques.uqac.ca/classiques/mauss_marcel/melanges_hist_religions/t2_sacrifice/sacrifice.htm
-Émile Durkheim, Les règles de la méthode sociologique, PUF, Paris, 16e édition, 1967.
E.B.Tylor, Civilisation primitive, Paris, Reinwald, 1876. (Traduction par Pauline Brunet)
W.R.Smith, Lectures on the religions of Semites, London, Adam @Charles Black, 1914.
J.G.Frazer, Le rameau d’or, 4vol, Paris, Robert Laffont, coll. Bouquins, 1981-1984
[1]” فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ (102) فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ (103) وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ (104) قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ (105) إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ (106) وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ (107)” الصافات 101- 107.
[2] اعتمدت على نسخة الكترونية هذا مرجعها:
Henri Hubert et Marcel Mauss, Une édition électronique réalisée à partir du livre : Mélanges d’histoire des religions. De quelques résultats de la sociologie religieuse ; Le sacrifice ; L’origine des pouvoirs magiques; La représentation du temps. « Essai sur la nature et la fonction du sacrifice. » (1899), (pages 1 à 130) Collection : Travaux de l’Année sociologique. Paris, Librairie Félix Alcan, 1929, 2e édition, 236 pages. Un article originalement publié dans la revue Année sociologique, tome II, 1899, pages 29 à 138.
http://classiques.uqac.ca/classiques/mauss_marcel/melanges_hist_religions/t2_sacrifice/sacrifice.htm
بالنسبة إلى دوركهايم انظر:
Émile Durkheim, Les règles de la méthode sociologique, PUF, Paris, 16e édition, 1967.
بالنسبة إلى تايلور انظر:
E.B.Tylor, Civilisation primitive, Paris, Reinwald, 1876. (Traduction par Pauline Brunet)
بالنسبة إلى سميث انظر:
W.R.Smith, Lectures on the religions of Semites, London, Adam @Charles Black, 1914.
بالنسبة إلى فرايزر انظر:
J.G.Frazer, Le rameau d’or, 4vol, Paris, Robert Laffont, coll. Bouquins, 1981-1984
[3] مارسيل موس (Marcel Mauss) (1872–1950): عالم اجتماع وأنثروبولوجيا فرنسي، يُعدّ أحد أبرز تلامذة ومدرّسي المدرسة السوسيولوجية الفرنسية التي أسّسها إميل دوركهايم. اشتهر موس بأعماله في سوسيولوجيا الدين والهبة، وله تأثير واسع في علم الأنثروبولوجيا الرمزية. أبرز أعماله: المقال في الهبة ورسالة في طبيعة القرابين ووظائفها.
هنري هوبر (Henri Hubert) (1872–1927): مؤرخ وعالم اجتماع فرنسي، تعاون مع مارسيل موس في عدد من الدراسات حول الدين والتاريخ، واشتُهر بمساهماته في دراسة الطقوس الدينية والتقويمات والقرابين، وكان أيضًا عضوًا في شبكة الباحثين المرتبطة بدوركهايم .وقد اشتركا معًا في تأليف رسالة في طبيعة القرابين ووظائفها (1899)، وهي دراسة تأسيسية في تحليل الطقوس الدينية، انطلقت من المسلّمة الدوركهايمية التي ترى أن المقدّس هو تعبير رمزي عن الجماعة، وأن الطقوس، ومنها القرابين، تُعيد إنتاج البنية الاجتماعية من خلال التمثيل الرمزي.
Haut du formulaire
Bas du formulaire
[4]قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب في المَفْديّ من ابني إبراهيم خليل الرحمن على ظاهر التنزيل قول من قال: هو إسحاق، لأن الله قال: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) فذكر أنه فدَى الغلامَ الحليمَ الذي بُشِّر به إبراهيم حين سأله أن يهب له ولدًا صالحًا من الصالحين، فقال: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) فإذ كان المفدِيّ بالذبح من ابنيه هو المبشَّر به، وكان الله تبارك اسمه قد بين في كتابه أن الذي بُشِّر به هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فقال جل ثناؤه: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) وكان في كل موضع من القرآن ذكر تبشيره إياه بولد، فإنما هو معنيّ به إسحاق، كان بيَّنا أن تبشيره إياه بقوله (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) في هذا الموضع نحو سائر أخباره في غيره من آيات القرآن.
وبعد: فإن الله أخبر جل ثناؤه في هذه الآية عن خليله أنه بشَّره بالغلام الحليم عن مسألته إياه أن يهب له من الصالحين، ومعلوم أنه لم يسأله ذلك إلا في حال لم يكن له فيه ولد من الصالحين، لأنه لم يكن له من ابنيه إلا إمام الصالحين، وغير موهم منه أن يكون سأل ربه في هبة ما قد كان أعطاه ووهبه له. فإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن الذي ذكر تعالى ذكره في هذا الموضع هو الذي ذكر في سائر القرآن أنه بشَّره به وذلك لا شك أنه إسحاق، إذ كان المفديّ.” الطبري، جامع البيان، ج 31، ص86.ظ دار التراث.
[5] المصدر نفسه، صفحة نفسها
[6] المصدر نفسه، الصفحات نفسها
[7] الرازي، مفاتيح الغيب، ج36، ص346.
[8] الزمخشري، الكشاف، ج4، ص 55.