تكوين
قبل أن نبدأ
يُمَثِّلُ السياق التاريخي، بما يتضمنه من أنساق اقتصادية واجتماعية وسياسية، أحد أهم المرتكزات التي يمكن الاستناد إليها لِفَهْمِ وتفكيك بِنية العلاقة بين المجتمع والنظام في زمن محدد، ولا سيما حين تكشف هذه السلطة عن لحظة تاريخية فاصلة تعيد تكوين المجال العام، وتتيح لبعض الجماعات والمكونات داخل المجتمع أن تُظهر سمات دالة على طبيعة التحولات الجارية ومساراتها.
وفي هذا الإطار، تشتبك علاقة الأقباط بالسلطة، سواء في صورتها الدينية ممثلة في الكنيسة، أو السياسية ممثلة في الدولة، مع عدد كبير من العناصر والعوامل الفاعلة التي دفعت هذه العلاقة، عبر التاريخ المصري الحديث، نحو أنماط متعددة من التفاعل، اتسمت أحيانًا بالتوافق، وأحيانًا أخرى بالتوتر، وفي أحيان ثالثة بإعادة رسم حدود النفوذ والتمثيل والمصلحة.
غير أن النظر إلى العلاقة بين الأقباط من جهة وثورة يوليو 1952 من جهة أخرى بوصفها علاقة ذات سمات ثابتة أو مسار واحد يفتقر إلى الدقة التاريخية؛ ذلك أن الثورة ذاتها لم تتكون دفعة واحدة، ولم تُمَثِّل لحظة سياسية متجانسة يمكن التعامل معها تعاملَ وحدة زمنية مغلقة، بل تبلورت عبر مراحل متعاقبة، اختلفت خلالها الأولويات والسياسات وأدوات الحُكْم، من المرحلة الانتقالية الأولى إلى مرحلة ترسيخ النظام الناصري لاحقًا.
وبالمثل، لم يكن الأقباط المصريون خلال تلك الفترة كتلة اجتماعية واحدة متجانسة، بل كانوا، شأنهم شأن غيرهم من مكونات المجتمع المصري، يتسمون بتباينات واضحة على المستويات الطبقية والاجتماعية والمهنية والسياسية والثقافية، وهو ما انعكس بالضرورة على مواقفهم واستجاباتهم تجاه التحولات التي شهدتها البلاد.
وقد بدا هذا التباين أكثر وضوحًا مع التحولات الاقتصادية الكبرى التي صاحبت قوانين الاشتراكية والتأميم، وما ترتب عليها من إعادة توزيع للثروة وتغيير مواقع شرائح اجتماعية عديدة، فضلًا عن موجات الهجرة التي دفعت أعدادًا من المصريين، وبينهم أقباط، إلى الخروج من البلاد بحثًا عن فرص اقتصادية أوسع أو عن قدر أكبر من الاستقرار.
فضلا عن التحولات التي جرت على المستوى السياسي وتأميم المجال الحزبي لصالح مركزية الدولة وهو ما أدَّى إلى تموضع الأقباط داخل بؤرة مركزية القرار، سواء داخل الدولة أو الكنيسة.
لذلك، فإن تناول علاقة الأقباط بثورة يوليو لا يستقيم عبر الأحكام العامة أو التصورات المبسطة، بل يقتضي النظر إليها بوصفها علاقة مركبة تكونت داخل سياق متغير، تأثرت فيه الجماعة القبطية بالتحولات العامة، كما أسهمت بدورها في إنتاج أنماط متعددة من التفاعل مع السلطة، سواء عبر المجتمع أو عبر المؤسسة الكنسية.
وفي السياق ذاته، لم تكن المؤسسة الدينية، ممثلة في الكنيسة ورجال الدين، ولا سيما البطريرك، بعيدة عن المؤثرات والتفاعلات التي كانت تموج بالمجتمع، خاصة أن عقود الثلاثينيات والأربعينيات شهدت متغيرات شديدة الوطأة على مختلف مفاصل الحياة العامة، ولا سيما بعد إتمام حزب الوفد معاهدة عام 1936، وتقلد الملك فاروق عرش مصر؛ وهي لحظات مفصلية عبرت من خلالها البلاد نحو المسار الذي انتهى إلى ثورة 23 يوليو 1952.
كما أن الكنيسة اختبرت هي الأخرى مشاعر سلبية خلال تلك السنوات، خاصة فيما يتعلق بآليات اختيار البطريرك وما صاحبها من جدل واعتراضات، وهو ما دفع كثيرين إلى ترقب لحظة إصلاح تعيد ترتيب العلاقة بين المؤسسة الكنسية ومحيطها الداخلي والخارجي.
ومن هنا، فإن تفكيك وتبيان ملامح علاقة الأقباط بثورة يوليو لا يبدأ من عام 1952، بل من الشروط التي صاغت ضرورات الثورة وبواعث الإصلاح، مرة على رأس النظام وأخرى ارتبطت بالكنيسة ذاتها وعبر التباينات التي تكونت على تخوم المجتمع كله، وبِنية الجماعة القبطية .
محددات الورقة:
تجادل هذه الدراسة سؤالًا منهجيًا رئيسًا يتمثل في: كيف أعادت ثورة يوليو 1952 تكوين العلاقة بين الأقباط والمجتمع والسلطة، في مستوييها السياسي والديني، ضمن سياق إعادة بِناء الدولة المركزية الحديثة؟
وتنطلق الورقة من فرضية مؤداها أن العلاقة بين الجماعات الاجتماعية والسلطة لا تُفهم بوصفها علاقة ثابتة أو أحادية، بل بوصفها نتاجًا متغيرًا لتفاعل المصالح الاجتماعية مع الأطر المؤسسية التي يفرضها نمط النظام أو المؤسسة الدينية.
وفي هذا الإطار، تتناول الدراسة جدلية العلاقة بين المجتمع والسلطة، سواء في صورتها السياسية ممثلة في الدولة، أو في صورتها الدينية ممثلة في الكنيسة، وكيف تعيد المؤسسات رسم نطاق نفوذها، بينما يسعى المجتمع إلى تحديد حدود مصالحه ومسارات حركته داخل المجال العام. ومن ثم، تركز الورقة على مسارين متوازيين: الأول، الأقباط بوصفهم جماعة اجتماعية داخل المجتمع المصري في تفاعلهم مع التحولات التي أحدثها نظام يوليو؛ والثاني، الكنيسة الأرثوذكسية بوصفها مؤسسة دينية في علاقتها بالنظام الناصري. وقد شهد المسار الثاني تحولات بارزة، خاصة خلال المرحلة الانتقالية بين البابا يوساب الثاني والبابا كيرلس السادس، وما ارتبط بها من جدل حول لائحة انتخاب البطريرك وآليات القرعة الهيكلية، بينما انعكس المسار الأول في تحولات اجتماعية واقتصادية شملت بعض الشرائح القبطية، من بينها موجات الهجرة المرتبطة بالتوجس من النظام أو بآثار التأميم وسياسات إعادة توزيع الملكية.
بين الثكنة والدير : حين صعد الضباط والرهبان معا
لم تعرف مصر ثورة يوليو دون مقدمات منطقية، ولم يكن التحول في نظامها السياسي من الملكية إلى الجمهورية معزولًا عن السياقات التي سبقته، ولا خارج التفاعلات التاريخية والاجتماعية التي خبرتها البلاد، سواء محليًا أو دوليًا عبر الحرب العالمية الثانية وما أفضت إليه من تغيرات على مستوى نظام دولي جديد، وصعود قوى فاعلة على حساب القوى التقليدية ” بريطانيا وفرنسا “.
وهو ما يدفع إلى النظر إلى تلك اللحظة بوصفها نتاجًا ممتدًا ومتراكمًا لجملة من التحولات الاجتماعية والسياسية التي أخذت تتراكم داخل بِنية المجتمع المصري، بما أسهم في دفع القصر نحو ما يمكن وصفه بـ ”خريف العهد الملكي”.
فقد بدا النظام السياسي، على وقع عوامل داخلية ودولية متعددة، أكثر عجزًا عن تطوير ذاته أو تجديد شرعيته أو الاستجابة للتحولات العميقة التي طرأت على البِنية الاجتماعية والسياسية، فيما أخذت أدواته التقليدية في الحُكْم والتمثيل تفقد فاعليتها تدريجيًا.
وكانت أحداث الرابع من فبراير 1942 واحدة من أبرز اللحظات الكاشفة عن هذا التآكل؛ إذ لم تعد الأزمة مقتصرة على صراع بين القصر والأحزاب، وخاصة حزب الوفد، بل انكشفت معها حدود التجرِبة الليبرالية المصرية ذاتها، بعدما بدا القرار السياسي الوطني خاضعًا لتوازنات خارجية، وباتت المؤسسات القائمة أقل قدرة على التعبير عن المزاج العام أو احتواء القوى الاجتماعية الصاعدة.1
ويبدو لافتًا أن تلك اللحظة لم يتمكن حزب الوفد من تجاوزها في تاريخه اللاحق، إذ تركت أثرًا عميقًا في سرديته الوطنية وتجربته الممتدة منذ ثورة 1919، فضلًا عن مسارات الشقاق التي ضربت بنيته، خاصة فيما يتعلق بالخلاف بين مكرم عبيد ومصطفى النحاس، وما ترتب عليه من انقسام انتهى بخروج الأول ومحاولته تأسيس مسار سياسي مغاير عن الوفد.
وفي السنوات التالية، ازداد المشهد اضطرابًا مع لجوء القصر إلى تكوين حكومات قصيرة العمر، وتبديلها بوتيرة متسارعة، في ظل فراغ حقيقي في فلسفة الحُكْم وآليات الاختيار، وهو ما أسهم في انطلاق موجات من العنف والتعبئة لدى بعض الجماعات الأيديولوجية والتكوينات الفصائلية التي تكونت على تخوم هذا الفراغ السياسي. الأمر الذي جعل المجتمع، بكل مكوناته، يتجه تدريجيًا نحو إدراك الحاجة إلى بدائل جديدة أكثر حضورًا داخل الوعي العام.2
وفي هذا المناخ، أخذت طبقة وسطى جديدة في التبلور، مستفيدة من التوسع الجزئي في التعليم الحديث، ومن الحراك المهني والإداري الذي شهدته البلاد منذ العقود السابقة. وكانت هذه الفئات، الأكثر اتصالًا بمفاهيم الكفاءة والاستحقاق والصعود الاجتماعي، أقل قبولًا باستمرار البِنى التقليدية التي احتكرت النفوذ السياسي والاجتماعي لعقود طويلة.
ومن داخل هذه البيئة خرجت نخب جديدة سعت إلى التغيير عبر مسارات مختلفة. ففي المجال العسكري، ظهر تنظيم الضباط الأحرار بوصفه تعبيرًا عن جيل جديد رأى في المؤسسة العسكرية أداة قادرة على تجاوز عجز النظام القائم ومؤسساته السياسية والحزبية، وما اعتراها من قصور، بما دفعه إلى تصور مشروع جديد لإعادة بِناء الدولة على أسس مغايرة.
وفي المجال الكنسي والقبطي، لم تكن الصورة بعيدة عن ذلك تمامًا. فقد تصاعدت منذ الأربعينيات، مطالب الإصلاح داخل الكنيسة الأرثوذكسية، وبرز جيل جديد من الأقباط المتعلمين جامعيًا، أكثر حساسية تجاه أزمات الإدارة الكنسية، وأكثر ميلًا إلى تحديث المؤسسة الدينية وإعادة وصلها بمجتمعها. وقد رأى بعض أبناء هذا الجيل في الرهبنة والالتحاق بالسلك الكنسي طريقًا للإصلاح من الداخل، عبر تجديد النخبة الدينية نفسها بدل الاكتفاء بانتقادها من الخارج.3
إقرأ أيضًا: الكنيسة والدولة: الخط الهمايوني وقانون بناء الكنائس، جدلية التاريخ والسياسة في مصر المعاصرة
غير أن الإصلاح الكنسي لم يسر دائمًا في مسارات هادئة أو تدريجية، بل عرف كذلك أشكالًا أكثر حدة، تجلت في تصاعد الاحتجاجات على أوضاع الكنيسة، وفي بروز جماعة الأمة القبطية التي لجأت إلى الضغط المباشر، بل وإلى فرض الاستقالة على البطريرك، في مشهد عكس عمق الأزمة التي كانت تضرب المؤسسة الدينية آنذاك.4
وعليه، فإن الضباط الأحرار والرهبان الجامعيين، على اختلاف مجاليهما، لم يكونوا أبناء عالمين منفصلين، بل خرجوا من اللحظة الاجتماعية نفسها؛ لحظة اتسمت بأزمة النخب القديمة، وصعود الفئات الوسطى المتعلمة، واتساع الرغبة في الإصلاح والتغيير. ومن ثم، فإن فَهْم ما جرى بعد يوليو يقتضي النظر أولًا إلى الشروط الاجتماعية التي صنعت الفاعلين الجدد، قبل النظر إلى الأدوار التي قاموا بها لاحقًا.
بين الأمة القبطية والضباط الأحرار: لماذا نجح هؤلاء وأخفق أولئك؟
لم يكن إخفاق جماعة الأمة القبطية في تحقيق مشروعها الإصلاحي داخل الكنيسة، مقابل نجاح الضباط الأحرار في الاستيلاء على السلطة السياسية عام 1952، بعيدًا عن السياق الاجتماعي والتاريخي الذي تكونت فيه بِنية السلطتين الدينية والسياسية في مصر خلال تلك المرحلة.
فالحركتان كانتا، في جانب مُهم منهما، نتاجًا لتحولات عقد الأربعينيات؛ الذي تصاعدت فيه أزمات النظام الملكي، وتزايدت مطالب الإصلاح السياسي والاجتماعي، كما شهدت الكنيسة الأرثوذكسية بدورها أزمات داخلية متصلة بالإدارة وآليات اختيار القيادة العليا، ما أوجد مناخًا عامًا يدفع نحو التغيير في المجالين معًا.
وقد مثّل إبراهيم فهمي هلال، بوصفه أحد رموز جماعة الأمة القبطية، وجمال عبد الناصر، بوصفه أبرز وجوه تنظيم الضباط الأحرار، صورتين مختلفتين لجيل جديد سعى إلى تجاوز البِنى التقليدية القائمة، وصاغ كل منهما تصورًا للإصلاح يقوم على نقد الأوضاع السائدة والدعوة إلى بِناء نظام أكثر فاعلية وانضباطًا.
غير أن العامل الحاسم في اختلاف النتيجتين لم يكن فقط في إرادة الفاعلين، بل في طبيعة المجال الذي تحرك فيه كل طرف. فالسلطة الكنسية، بحكم رمزيتها الدينية وتقاليدها التاريخية، أقل قابلية للإطاحة القسرية وإعادة التأسيس الثوري، كما أن تدخل القوة المباشرة في شؤونها كان يصطدم بحساسيات دينية ومجتمعية، فضلًا عن تحفظ الدولة نفسها تجاه إقرار مثل هذا النمط من التغيير.
أما السلطة السياسية، رغم ما تملكه من أدوات القهر، فإنها تظل أكثر ارتباطًا بموازين القوة المادية داخل الجيش والدولة، وأكثر قابلية للانقلاب حين تفقد شرعيتها أو تعجز عن إدارة الأزمات. ومن هنا، استطاع الضباط الأحرار إزاحة النظام الملكي، في حين عجزت جماعة الأمة القبطية عن فرض تغيير مماثل داخل المؤسسة الكنسية.
وبذلك، يكشف الحدثان معًا أن فرص النجاح في لحظات التغيير لا تتوقف فقط على قوة الفاعلين أو عدالة مطالبهم، بل تتعلق كذلك بطبيعة المؤسسة المستهدفة، وحدود ما تسمح به بنيتها من إصلاح أو قطيعة.
من أزمة مارس إلى خلافات في الكاتدرائية: عنوان مركزية السلطة
إن النظر إلى طبيعة العلاقة بين ثورة يوليو والكنيسة الأرثوذكسية لا يستقيم إذا اقتصر على قياس مستوى التفاعل بين الدولة والمؤسسة الدينية في ذاته، لأن هذا النوع من المقاربة يَغْفل عن مستوى أكثر عمقًا يتعلق بالبِنية الداخلية لكل من المجالين السياسي والديني، اللذين شهدا، في توقيت تاريخي متقارب، موجات من التوتر الداخلي ارتبطت بطريق أو بآخر بسؤال السلطة وحدود توزيعها داخل كل مؤسسة على حدة.
ولا يعني هذا السعي إلى تسوية منهجية بين المجالين أو إغفال الفوارق الجوهرية في طبيعة السلطة داخل كل منهما، خاصة وأن السلطة الدينية داخل الكنيسة محكومة بتصورات لاهوتية وبِنية رمزية ذات طابع مقدس، تفرض حدودًا مختلفة للفعل والتغيير مقارنة بالسلطة السياسية. كما لا يعني الأمر الوقوع في فخ التماثل بين الفاعلين أو المؤسسات، بل الإشارة إلى أن مصر في مرحلة الخمسينيات والستينيات عرفت صعودًا عامًا لنزعة مركزية أعادت تكوين بِنية المؤسسات الكبرى، وفق مقتضيات لحظة تاريخية اتسمت بإعادة تعريف الدولة والمجتمع معًا.
ففي المجال السياسي، لم يكن تنظيم الضباط الأحرار منذ لحظته التأسيسية كتلة صلبة أو بِنية متجانسة، رغم ما جمعه من عناصر التجانس المرتبطة بالسياق العام، بل ضم داخله تصورات متباينة حول طبيعة النظام الجديد، وحدود العلاقة بين الجيش والسلطة المدنية، وآليات الانتقال نحو الشرعية الدستورية. وقد برز هذا التباين بوضوح خلال أزمة مارس 1954، التي مثلت لحظة حاسمة في إعادة ترتيب مراكز القوة داخل مجلس قيادة الثورة، وانتهت تدريجيًا إلى صعود جمال عبد الناصر بوصفه المركز الفعلي للسلطة، مقابل تراجع موقع محمد نجيب وتحييد عدد من الأصوات داخل البِنية الجديدة.
وفي المقابل، لم يكن المجال الكنسي، رغم اختلاف طبيعته ووظيفته، بعيدًا عن ديناميات داخلية مشابهة على مستوى إعادة تنظيم السلطة داخل المؤسسة. فقد سبقت لحظة صعود البابا كيرلس السادس إلى الكرسي البطريركي حالة من التوتر بين أجيال كنسية متمايزة: جيل تقليدي تكون داخل بِنية رعوية محافظة، وجيل رهباني جديد ذو تكوين جامعي حمل تصورات مختلفة حول الإصلاح والتعليم والإدارة ودور الكنيسة في المجتمع. ومن ثم يمكن فَهْم الخلافات التي ظهرت لاحقًا بين البابا كيرلس السادس وكل من الأنبا متى المسكين والأنبا شنودة، لا بوصفها فقط خلافات شخصية أو اختلافات في الرؤى الإدارية، بل بوصفها تعبيرًا عن تباين أعمق داخل مؤسسة كانت هي الأخرى تعيد البحث عن صيغة جديدة للسلطة وحدود التمثيل وإمكانات التغيير.
ويكشف هذان المساران، على اختلاف أدواتهما ونتائجهما، أن مرحلة ما بعد الأربعينيات في مصر لم تكن انتقالًا سياسيًا من الملكية إلى الجمهورية فحسب، بل كانت لحظة أوسع لإعادة تنظيم المجال العام وإعادة تعريف السلطة داخل المؤسسات الكبرى. وقد اتخذ هذا التحول في جوهره اتجاهًا عامًا نحو تعزيز المركز، سواء في المجال السياسي الذي برزت فيه الدولة بوصفها الفاعل الأعلى، أو في المجال الكنسي الذي أعيد فيه ضبط مراكز القرار داخل المؤسسة، بما يعيد إنتاج توازن جديد بين البطريركية وباقي البِنى الداخلية.
ومن ثم، فإن قراءة التوترات التي عرفها المجالان لا ينبغي أن تُختزل في مستوى الصراعات بين الأشخاص أو في وقائع الخلاف المباشر، بل يجب أن تُفهم في إطار تحول تاريخي أوسع أعاد إنتاج معنى السلطة ذاتها داخل المجتمع المصري، ورسّخ ميلًا عامًا نحو المركز بوصفه آلية لضبط التعدد الداخلي وإدارة المجال العام، ولو كان ذلك على حساب اتساع هوامش التعدد وتنوع الأصوات داخل كل مؤسسة.
إعادة تكوين المجال الاجتماعي والديني بعد ثورة يوليو
في ضوء الفكرة المركزية التي ترى أن ثورة يوليو أعادت تكوين المجال الذي تحرك فيه الفاعلون الاجتماعيون والدينيون، يمكن القول إن اللحظة الأولى للثورة لم تكن لحظة استقرار سياسي مكتمل، بقدر ما كانت لحظة انتقالية اتسمت بقدر من السيولة وعدم الحسم. فقد ظلت السلطة في سنواتها الأولى موزعة بين أكثر من مركز، إلى أن استطاع جمال عبد الناصر حسم أزمة مارس 1954، وإزاحة محمد نجيب من موقع التأثير الفعلي، بما مثّل نقطة تحول حاسمة في مسار بِناء السلطة داخل النظام الجديد.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت عملية إعادة إنتاج الشرعية السياسية بصورة أكثر تماسكًا، خاصة مع توالي المكاسب الكبرى التي حققها النظام، وعلى رأسها تأميم قناة السويس عام 1956، ثم إدارة المواجهة مع العدوان الثلاثي، وهي أحداث أسهمت في تراكم رصيد سياسي واجتماعي واسع لصالح عبد الناصر، لم يقتصر على فئة اجتماعية بعينها، بل امتد ليشمل مختلف طبقات المجتمع المصري، مسلمين ومسيحيين على حد سواء، في إطار شعور عام بصعود الدولة الوطنية الجديدة.5
وفي السياق نفسه، امتد مشروع إعادة البناء إلى المجال الديني، الذي أعادت فيه الثورة تنظيم العلاقة مع المؤسسة الكنسية الأرثوذكسية ضمن قواعد جديدة. فقد جرى تنظيم لائحة انتخاب البطريرك بما يعكس منطق الدولة الجديدة في ضبط آليات الاختيار المؤسسي، وصولًا إلى تثبيت صيغة “القرعة الهيكلية” بوصفها آلية حاسمة في اختيار البطريرك، بما يمنح العملية طابعًا مزدوجًا يجمع بين الشرعية الرُوحية والانضباط المؤسسي.
ومن داخل هذا المسار، جاء انتخاب البابا كيرلس السادس بطريركًا للكنيسة الأرثوذكسية، ممثلًا لجيل كنسي مختلف عن الجيل السابق في التكوين ومسار الصعود داخل المؤسسة، وهو جيل تزامن في لحظته التاريخية مع صعود قيادة سياسية شابة متمثلة في جمال عبد الناصر، بما أضفى على المرحلة نوعًا من التوازي الرمزي بين قيادة الدولة وقيادة الكنيسة، رغم اختلاف موقع كل منهما ووظيفته.
ويكشف التدقيق في مسارات تلك المرحلة أن ثورة يوليو، في بنيتها الإجرائية، لم تكن مشروعًا لتفكيك المؤسسات القائمة، بقدر ما كانت مشروعًا لإعادة ضبطها وإعادة إنتاجها ضمن إطار الدولة المركزية الجديدة. فهي لم تلغِ البِنى المؤسسية التقليدية، سواء في المجال السياسي أو الديني، بل أعادت تنظيمها وتطويعها بما يتوافق مع منطق الدولة المركزية، مع الإبقاء على استمرارية شكلية لهذه المؤسسات، مقابل إعادة تعريف أدوارها وحدود حركتها.
ومن ثم، فإن الواقع الذي تكوّن بعد عام 1956 لا يمكن النظر إليه بوصفه إعادة إنتاج لنخب سياسية جديدة أو إعادة توزيع لمواقع السلطة فحسب، بل بوصفه إعادة تنظيم أوسع للمجال العام، تنظيمًا تصبح به الدولة بؤرة الحدث، والمركز الذي تُقاس إليه اتجاهات الفعل الاجتماعي والسياسي، وتتحرك داخله المؤسسات الفاعلة، وفي مقدمتها المؤسسة الدينية ممثلة في الكنيسة.
ومن ثم، لم تعد الكنيسة تعمل خارج منطق الدولة، بل داخل إطار أعادت هذه الدولة رسم حدوده. وقد بدا ذلك بوضوح في إعادة تنظيم العلاقة مع المؤسسة الكنسية، ولا سيما ما اتصل بتعزيز موقع البابا كيرلس السادس، وإعادة ضبط عمل المجلس الملي، بوصفه أداة تنظيمية تعكس انتقالًا من منطق التعدد داخل المؤسسة إلى منطق أكثر مركزية في إدارة شؤونها.
المجلس الملي ومركزية السلطة الدينية والسياسية
وفي المقابل، كان المجلس الملي يعكس في أحد وجوهه لحظة تاريخية سابقة اتسمت بتصورات أقرب إلى دمقرطة القرار الكنسي، وإشراك طبقات اجتماعية متعلمة في إدارة شؤون الكنيسة، خاصة في ما يتعلق بالأوضاع المالية والإدارية.
غير أن هذا التصور اصطدم بتوجه عام لدى الدولة الناصرية يقوم على مركزية القرار ورفض تعدد مراكز السلطة داخل المؤسسة الواحدة، وهو ما جعل العلاقة بين الدولة وبعض آليات عمل المجلس الملي علاقة إعادة تعريف للحدود أكثر منها إلغاءً مباشرًا.
إذ لم تكن أزمة 1954 في بعدها السياسي والصراع على السلطة ومبدأ اختيار الديمقراطية، بعيدة عن أزمة المجلس الملي في الكنيسة الأرثوذكسية خلال العقود التي تلت تأسيسه في القرن التاسع عشر، حين بدأ العلمانيون يطالبون بدور أكبر في إدارة شؤون الكنيسة، وبإصلاح مؤسساتها المالية والتعليمية. وقد تجدد هذا الصراع عبر العقود بين البطريرك والمجالس المنتخبة، وبين تيار كهنوتي محافظ وتيار علماني إصلاحي، فضلًا عن انخراط السلطة السياسية وبعض القوى الفاعلة في التأثير في تموضع الأثر لكل منهما في ميزان القوى حتى الوصول إلى لحظة مختلفة في نهاية عقد الخمسينيات، مع تولي البابا كيرلس السادس وتمركز السلطة في يد جمال عبد الناصر، ببلوغ قرار تأميم المجال العام لصالح صوت واحد مصدره صاحب السلطة وفقط.
إقرأ أيضًا: الكنيسة والسياسة: إشكاليات الزواج والطلاق وتأثيرها على أوضاع الأقباط في مصر الحديثة
مع ثورة يوليو 1952، تغيّر شكل العلاقة بين الدولة والكنيسة. فقد سعت السلطة الجديدة إلى إعادة تنظيم المؤسسات الدينية جميعها، الإسلامية والمسيحية على السواء، بما يضمن تماهيها مع أهداف النظام. وهكذا أُقيل البابا يوساب الثاني بقرار من المجلس الملي، في سابقة لم تعرفها الكنيسة القبطية من قبل. وكان ذلك الحدث تتويجًا لمسار طويل من الاحتجاجات التي قادها مثقفون وأقباط علمانيون، رأوا أن الإصلاح لا يتم إلا بإعادة توزيع السلطة داخل الكنيسة.6
الأقباط بين التحول البنيوي للدولة وإعادة التموضع
في ضوء الإطار التحليلي الذي سبق عرضه، لا ينبغي فَهْم علاقة الأقباط بثورة يوليو بوصفها علاقة ثابتة أو منتظمة على نسق مستقر، بل بوصفها علاقة تكونت داخل سياق خاص تأسس عبر تعريف نظام ثورة يوليو للمجال العام، وإعادة صياغة محددات العلاقة داخل الكنيسة الأرثوذكسية والأقباط وبين المجتمع ومؤسساته. ومن ثم، فإن الأقباط لا يظهرون في هذا السياق بوصفهم جماعة خارج السياق العام ومؤثراته، بل بوصفهم جزءًا من بنيته الداخلية، تأثروا به كما أسهموا في التفاعل معه ضمن حدود ما أتاحه هذا التحول من إمكانات وقيود.
فمع ترسخ الدولة المركزية خلال السنوات التي تلت منتصف الخمسينيات، لم تعد العلاقة بين الأفراد والجماعات والمؤسسات تُدار عبر الوسائط التقليدية ذات الاستقلال الجزئي، بل باتت أكثر اتصالًا بمركز القرار السياسي الذي أعاد صياغة شروط الحركة الاجتماعية والاقتصادية. وقد انعكس هذا التحول على البِنية القبطية ذاتها.
وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة أن التحولات الاقتصادية الكبرى التي صاحبت التجرِبة التنموية وسياسات التأميم وإعادة توزيع الملكية، لم تكن محايدة اجتماعيًا، بل أثرت تأثيرًا مباشرًا في شرائح واسعة من الطبقة الوسطى المصرية، التي كان الأقباط جزءًا معتبرًا منها. وقد دفع ذلك بعض هذه الشرائح إلى إعادة التفكير في موقعها داخل الدولة الجديدة، وهو ما تجلى في موجات الهجرة التي بدأت تتسع تدريجيًا خلال تلك المرحلة، سواء بدافع القلق من توجهات النظام في بداياته، أو نتيجة لآثار السياسات الاشتراكية لاحقًا.
غير أن هذه الاستجابات لم تكن موجهة ضد الأقباط بوصفهم جماعة دينية، بل ارتبطت بتوجهات اقتصادية واجتماعية وسياسية عامة، شملت قطاعات واسعة من المجتمع المصري.
وفي المقابل، لم تكن هذه الاستجابات اقتصادية فقط، بل ارتبطت أيضًا بإعادة تكوين العلاقة بين الجماعة القبطية والمؤسسة الكنسية من جهة، والدولة من جهة أخرى. فبينما سعت الكنيسة إلى الحفاظ على موقعها بوصفها مؤسسة دينية ذات استمرارية تاريخية، كانت الدولة تعمل على إعادة تنظيم المجال الديني ضمن إطارها المركزي، بما جعل العلاقة بين الطرفين قائمة على التوازن الحذر بين الاستيعاب وإعادة الضبط.
وفي المقابل، لم يكن الأقباط خارج هذا التوتر البنيوي، بل تحركوا داخله بصفتهم جماعة اجتماعية تتفاعل مع الدولة الجديدة وفق مصالحها المتغيرة، لا وفق نمط واحد ثابت. فبين من رأى في الدولة الناصرية مشروعًا وطنيًا جامعًا، ومن تعامل معها بحذر مرتبط بتغيرات الاقتصاد والمجال العام، تكونت مواقف متعددة لا يمكن اختزالها في سردية واحدة.
وعليه، فإن فَهْم علاقة الأقباط بثورة يوليو يقتضي تجاوز التصورات التبسيطية التي تفصل بين “جماعة دينية” و“دولة سياسية”، لصالح رؤية أكثر تركيبًا ترى في هذه العلاقة نتاجًا مباشرًا لإعادة بناء المجال الاجتماعي نفسه، إذ أعيد تعريف موقع الجماعة داخل الدولة، كما أعيد تعريف أدوات تفاعلها مع السلطة والمؤسسات الوسيطة، وفي مقدمتها الكنيسة.
وفي السياق نفسه، لم يقتصر دور الدولة المركزية على إعادة تنظيم المجال السياسي أو ضبط المؤسسات الدينية، بل امتد إلى تقديم حزمة واسعة من الخدمات الاجتماعية، وفي مقدمتها التعليم والتوظيف. وقد أسهم هذا التوسع في إعادة صنع العلاقة بين الأفراد والدولة بطريقة مباشرة، أصبحت بها الدولة هي الفاعل الأكثر حضورًا في إنتاج المسارات الاجتماعية والاقتصادية.
وقد انعكس هذا التحول على البِنية القبطية، التي لم تعد تُفهم بوصفها جماعة معزولة عن النسق العام، بل بوصفها جزءًا أصيلًا من المجتمع المصري الأكثر اندماجًا داخل الدولة الجديدة. فقد تزايد حضور الأقباط داخل مؤسسات التعليم والعمل العام، وتعمّق انخراطهم في البِنية الإدارية والمهنية للدولة، بما جعلهم يتماهَون تدريجيًا مع منطقها العام بوصفهم جزءًا من مشروعها الاجتماعي، لا خارجًا عليه أو موازيًا له.
وفي هذا الإطار، لم تعد الكنيسة تعمل فقط عملَ مؤسسة دينية بالمعنى التقليدي، بل أدّت أيضًا، بصورة غير مباشرة، دورًا اجتماعيًا وسيطًا، جعل منها جسرًا آمنًا يربط الجماعة القبطية بالدولة، وعتبة مستقرة للتكيف مع منطق المركزية الذي فرضته الدولة الناصرية. وقد أسهم هذا الدور في تخفيف حدة التوتر بين الجماعة والدولة في بعض المسارات، دون أن يُلغي بالضرورة اختلاف موقع كل منهما داخل البِنية العامة.
غير أن هذا التوسع الكبير في دور الدولة، رغم ما أتاحه من إمكانات اندماج اجتماعي أوسع، أدَّى في الوقت نفسه إلى نمو متسارع في بِنية الطبقة الوسطى المصرية بشرائحها المختلفة، وهو ما خلق ضغطًا متزايدًا على الخدمات العامة، لا سيما في مجالي التعليم والمدارس في القدرة الاستيعابية وجودة المحتوى. فقد وجدت الدولة نفسها أمام معادلة مركبة: توسيع قاعدة التعليم والتوظيف من جهة، ومواجهة التحديات الناتجة عن هذا التوسع من جهة أخرى، في سياق دولة مركزية تتوسع وظيفيًا بسرعة تفوق أحيانًا قدرتها التنظيمية.
وهكذا، فإن ما بدا في ظاهره عملية اندماج اجتماعي واسعة، كان في جوهره إعادة تكوين عميقة للبنية الاجتماعية نفسها، إذ تداخلت الدولة والمجتمع بصورة غير مسبوقة، وأُعيد تعريف موقع الأقباط داخل هذا النسق بوصفهم جزءًا من الطبقة الوسطى الصاعدة، ومن المنظومة التعليمية والإدارية التي أصبحت أحد أعمدة الدولة الحديثة.
يمكن ملاحظة السياق المركزي الذي حكم العلاقة بين الكنيسة بوصفها مؤسسة دينية والنظام بوصفه مؤسسة سياسية عن طريق تتبع المسارات التي وصل عبرها البابا كيرلس السادس إلى الكرسي البطريركي، ثم من خلال طبيعة العلاقة التي نشأت لاحقًا بين البطريرك والرئيس، بوصفهما رمزين لرأسي سلطتين مختلفتين: سلطة رُوحية من جهة، وسلطة سياسية من جهة أخرى. ويتجلى ذلك في مرحلتين متصلتين: الأولى تمثلت في استحداث لائحة جديدة لانتخاب البطريرك وما رافقها من إعادة تنظيم آليات الاختيار داخل المؤسسة الكنسية، والثانية في نمط العلاقة التعاونية التي نشأت بين البابا كيرلس السادس والرئيس جمال عبد الناصر، والتي ظهر أحد أبرز تجلياتها في دعم الدولة لمشروع إنشاء الكاتدرائية المرقسية الجديدة بالعباسية.
وفي هذا السياق، يشير سليمان شفيق في كتابه الأقباط والحرمان الكنسي، إلى أن العلاقة بين الرئيس جمال عبد الناصر والكنيسة القبطية الأرثوذكسية بقيادة البابا كيرلس السادس، اتسمت بقدر واضح من الود والتفاهم، ومرت بمراحل متعددة من التقارب السياسي والرمزي. ويورد من بين شواهد ذلك تبني عبد الناصر مشروع بِناء الكاتدرائية، وتبرعه له، فضلًا عن حضوره حفل افتتاحها إلى جانب الإمبراطور هيلا سلاسي، بما منح الحدث دلالة تتجاوز البعد الديني إلى بعد وطني وإقليمي أوسع.
كما يلفت إلى أن تمثيل الأقباط داخل المؤسسات السياسية بعد الثورة، لم يقتصر على نتائج الانتخابات البرلمانية، بل امتد إلى استخدام رئيس الجمهورية صلاحياته الدستورية في تعيين عدد من النواب الأقباط، بما عكس رغبة النظام في الإبقاء على حضور قبطي داخل المجال التمثيلي الرسمي، حتى في ظل محدودية التمثيل الانتخابي المباشر.
وعلى المستوى السياسي الأوسع، يوضح شفيق أن الكنيسة لم تقف على هامش المشروع الوطني الذي صاغته الدولة الناصرية، بل انخرطت في عدد من شعاراته ومواقفه الكبرى، خاصة ما تعلق بالقضايا القومية العربية والصراع مع إسرائيل. فقد شاركت الكنيسة خلال مرحلة ما بعد هزيمة يونيو 1967، في بيانات ومواقف عامة أكدت وحدة الموقف الوطني بين المسلمين والمسيحيين، كما نشطت دبلوماسيًا عبر اتصالات كنسية خارجية هدفت إلى شرح الموقف المصري والدفاع عن القدس والقضية الفلسطينية.
وتتجلى رمزية هذا التقارب أيضًا في موقف البابا كيرلس السادس خلال أزمة تنحي عبد الناصر عام 1967، حين شارك في وفد كنسي أعلن تمسكه ببقاء الرئيس، كما دقت أجراس الكنائس عقب عودته عن قرار التنحي، في مشهد حمل دلالة سياسية واضحة على تماهي العلاقة بين الكنيسة والنظام في تلك المرحلة.
غير أن أهمية هذه الشواهد لا تكمن فقط في وصف علاقة شخصية جيدة بين رئيس وبطريرك، بل فيما تعكسه من طبيعة المجال الذي تكوّن بعد يوليو، إذ أصبحت الكنيسة جزءًا من شبكة الشرعية الوطنية التي صاغتها الدولة المركزية، وأصبح حضورها العام مرتبطًا بدرجة كبيرة بالتنسيق مع السلطة السياسية لا بالعمل خارجها.
ومن ثم، فإن العلاقة بين البابا كيرلس السادس وعبد الناصر يمكن قراءتها بوصفها أكثر من مجرد تفاهم بين شخصيتين نافذتين؛ إذ كانت تعبيرًا عن صيغة تاريخية أوسع، جرى فيها دمج المؤسسة الكنسية داخل التصور الوطني للدولة، مقابل منحها مساحة من الاستقرار والاعتراف والتمثيل الرمزي.
وعليه، فإن دراسة هذه المرحلة تكشف أن الكنيسة، بوصفها مؤسسة، استطاعت أن تبني علاقة مستقرة مع السلطة السياسية، في الوقت الذي كانت فيه الجماعة القبطية الأوسع تعيش تحولات اجتماعية واقتصادية أكثر تعقيدًا وتباينًا. وهنا يتأكد مجددًا التمايز بين مسار المؤسسة ومسار المجتمع، وهو التمايز الذي يُمَثِّلُ أحد المفاتيح الأساسية لِفَهْمِ علاقة الأقباط بثورة يوليو.
السلطة داخل المؤسسة الكنسية ومراكز الضغط والتأثير :
لم تكن العلاقة أيضًا داخل المؤسسة الدينية — الكنيسة نفسها — تسير على وتيرة واحدة أو نسق ثابت ومستقر، بل خضعت منذ لحظاتها الحديثة لسلسلة من التوترات الداخلية وإعادة تكوين مراكز التأثير داخلها.
ففي أواخر عقد الخمسينيات، وبالتحديد قبل نهايته بسنة واحدة، جرى اختيار البابا كيرلس السادس عبر “هندسة “لائحة جديدة أعادت صياغة شروط الترشح لكرسي البطريركية، بما عكس في بنيته العامة تصورًا مؤسسيًا قريبًا من منطق الدولة في تلك المرحلة. وقد اعتمدت هذه اللائحة على مبدأ “القرعة الهيكلية” بوصفه آلية حسم نهائية، بعد استبعاد عدد من المرشحين البارزين، كان من بينهم البابا شنودة والأنبا متى المسكين، سواء وفق معايير السن أو مدة الرهبنة .
وحُسمت النتيجة في النهاية لصالح البابا كيرلس السادس، الذي امتدت حبريته حتى نهاية حكم الرئيس جمال عبد الناصر وبالتحديد في العام 1971. غير أن هذه السنوات الاثنتي عشرة لم تكن فترة استقرار داخلي، بقدر ما كانت مجالًا لتباينات عميقة بين أجيال واتجاهات مختلفة داخل المؤسسة الكنسية، التي كانت تبحث، منذ وفاة البابا كيرلس الخامس عام 1927، عن صيغة جديدة لإعادة تعريف ذاتها بين التقليد والإصلاح.
الكنيسة والدولة: الخط الهمايوني وقانون بناء الكنائس، جدلية التاريخ والسياسة في مصر المعاصرة
وفي هذا السياق، استعان البابا كيرلس السادس بعدد من الرهبان ذوي التكوين الجامعي، الذين التحقوا بسلك الرهبنة في أواخر الأربعينيات، في إطار رؤية إصلاحية قوامها أن التغيير الكنسي لا يمكن أن يتحقق إلا من داخل المؤسسة نفسها، وعن طريق مسار الرهبنة بوصفه مدخلًا للوصول إلى مركز القرار وآليات إنتاجه.
غير أن العلاقة بين البابا كيرلس السادس، المنتمي إلى جيل كنسي تقليدي، وبين هذا الجيل الرهباني الجامعي، لم تكن علاقة انسجام مستمر أو توافق بنيوي، بل اتسمت بتباينات حادة أحيانًا، وبصدامات مؤسسية في أحيان أخرى خاصة مع الأب متى المسكين أو البابا شنودة .
فقد شهدت العلاقة بينه – البابا كيرلس السادس – وبين الأنبا متى المسكين توترًا واضحًا، بلغ ذروته مع قرار المجمع المقدس عام 1960 بإعادته إلى الدير، وهو القرار الذي عكس طبيعة الخلاف داخل بِنية المؤسسة أكثر مما عكس خلافًا شخصيًا مباشرًا، رغم استمرار التوتر في علاقة الأبوة الرُوحية التي ربطتهما.
كما امتد هذا التوتر إلى علاقة البابا كيرلس السادس بالأنبا شنودة، الذي سيصبح لاحقًا البابا شنودة الثالث. فقد رُسم الأخير أسقفًا للتعليم عام 1962، إلا أن العلاقة بينه وبين البابا كيرلس شهدت لاحقًا تصاعدًا في الخلاف، بلغ ذروته عام 1968 على خلفية أزمة الكلية الإكليريكية، حين تظاهر بعض الإكليريكيين ضد البابا، ما دفعه إلى إبعاد الأنبا شنودة إلى الدير، قبل أن يعود لاحقًا إلى موقعه بوساطة الدكتور سليمان نسيم، رئيس تحرير مجلة مدارس الأحد آنذاك وأحد المقربين من الدائرة الكنسية الإصلاحية.
ولم يكن هذا النمط من التوتر مقتصرًا على هذا المحور فقط، بل امتد أيضًا إلى علاقة الأنبا شنودة بكل من الأنبا متى المسكين والأنبا غريغوريوس، في سياق عام يعكس تعدد مراكز الرؤية داخل المؤسسة الكنسية، وتباين تصورات الإصلاح بين تيارات تميل إلى التجديد المؤسسي، وأخرى تتمسك بالبِنية التقليدية للسلطة الكنسية.
ومن ثم، فإن ما يبدو في ظاهره سلسلة من الخلافات الشخصية، لا يمكن قراءته خارج سياق بنيوي أوسع، يتمثل في إعادة تكوّن المؤسسة الكنسية نفسها خلال النصف الثاني من القرن العشرين، تحت ضغط التغير الاجتماعي، وصعود جيل رهباني جديد، ومحاولة الدولة في الوقت نفسه إعادة تنظيم المجال الديني ضمن تصورها المركزي العام بحسب الوضع الداخلي بالكنيسة والأصوات الفاعلة والمؤثرة، فضلًا عن طبيعة المؤسسة وخصوصية بِنية القرار .
أقباط المهجر: إعادة تكوين المجال القبطي خارج المركز
مثّل أقباط المهجر، منذ سبعينيات القرن العشرين، عنصرًا فاعلًا — وللدقة عنصرًا جديدًا — في المعادلة القبطية والكنسية، لا بوصفهم امتدادًا ديموغرافيًا للجماعة داخل الوطن فحسب، بل بوصفهم فاعلًا نشأ خارج الشروط التقليدية التي حكمت علاقة الأقباط بالدولة والكنيسة في مصر. فقد أدَّى انتقال شرائح متنوعة من الأقباط المصريين إلى الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا وكندا وأستراليا وغيرها، إلى نشوء واقع اجتماعي جديد، استدعى تأسيس كنائس قبطية في تلك البلدان لضمان الرعاية الرُوحية والحفاظ على الارتباط الكنسي والهُوية الأرثوذكسية.
غير أن مرور الزمن، وتكوّن أجيال جديدة في سياق الهجرة، حوّل هذا الوجود الكنسي من امتداد رعوي خارجي فقط، إلى قوة اجتماعية وثقافية فاعلة داخل الفضاءات الغربية التي استقر فيها المهاجرون. ومن ثم، أعيد إنتاج علاقة الأقباط بالمؤسسة الكنسية خارج شروطها التاريخية في مصر، بسبب مركزية السلطة وهيمنة الإكليروس، وضعف المشاركة المؤسسية للعلمانيين في إدارة الشأن الكنسي عبر المجالس واللجان المنتخبة.
وفي هذا السياق، خبرت كنائس المهجر نشوء أنماط تنظيمية جديدة وضعت النموذج الأرثوذكسي التقليدي، القائم على المركزية الكهنوتية الصارمة، أمام مساءلة عملية مباشرة. فارتفعت مطالب تطوير نظم الإدارة الكنسية، وتحديث الخطاب اللاهوتي، وتوسيع دوائر المشاركة القاعدية في صنع القرار داخل المنظومة الكنسية.
ومع تصاعد أثر وسائل الاتصال العابرة للحدود، لم يعد حضور أقباط المهجر مقتصرًا على المجال الرعوي المحلي في بلدان الإقامة، بل امتد تأثيرهم إلى الداخل القبطي في مصر عبر شبكات التمويل، والإعلام، والتواصل المجتمعي، والإسهام في صناعة الرأي العام القبطي. وقد ساعد ذلك بصورة مباشرة في رفع منسوب النقاش حول مفاهيم الإصلاح الكنسي والشفافية والتمثيل داخل البِنية المركزية للكنيسة القبطية.
أقباط المهجر: المصطلح بين الواقع والدلالة
اشتُق اصطلاح “أقباط المهجر” من مفهوم الهجرة، ويُقصد به الأقباط المصريون الذين غادروا وطنهم واستقروا في بلدان أخرى، مع احتفاظهم بانتمائهم الديني والثقافي والوجداني لمصر. وتشمل هذه الظاهرة ملايين الأقباط المقيمين في قارات ودول متعددة، التي تنتشر فيها مئات الكنائس القبطية الأرثوذكسية والتي تتولى رعايتهم روحيًا واجتماعيًا.
وقد بدأت موجات الخروج الكبرى من مصر على مراحل مختلفة؛ فمنها ما ارتبط بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي صاحبت مرحلة ما بعد ثورة يوليو، ومنها ما اتصل بسياسات الستينيات الاشتراكية، ومنها ما ارتبط لاحقًا بتصاعد تيارات الإسلام السياسي منذ منتصف السبعينيات.
ومن المهم التذكير بأن كلمة “قبطي” في أصلها التاريخي تعني “مصري”، بما يجعل الارتباط الوطني جزءًا أصيلًا من تكوين الجماعة القبطية في الداخل والخارج. ومن ثم، فإن أقباط المهجر لم ينفصلوا وجدانيًا عن المجال الوطني المصري، بل احتفظت قطاعات واسعة منهم بروابط قوية مع الوطن الأم، ثقافيًا وعائليًا وسياسيًا.
من الهجرة الاجتماعية إلى التسييس الجزئي
اكتسب مصطلح “أقباط المهجر” في نهايات القرن العشرين دلالة سلبية في بعض الخطابات العامة، خاصة مع بروز عدد محدود من النشطاء الذين سعوا إلى طرح قضايا الأقباط في المحافل الدولية، أو ممارسة ضغوط خارجية بشأن بعض الملفات الداخلية المصرية. غير أن تعميم هذه الصورة على ملايين المهاجرين ينطوي على قدر كبير من التبسيط، إذ إن الغالبية الساحقة من أقباط المهجر لم تنخرط أصلًا في نشاط سياسي منظم، وانشغلت أساسًا ببناء أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية في مجتمعات الإقامة.
كما أن انخراط بعض أقباط المهجر في العمل الحقوقي والسياسي جرى داخل مجتمعات تتمتع بهوامش واسعة من حرية التعبير والعمل المدني، وهي بيئات تختلف جذريًا عن السياقات الأكثر تقييدًا داخل مصر. ومن ثم، فإن كثيرًا من هذا النشاط يمكن فَهْمه في إطار الدفاع عن الحقوق والحريات العامة، لا بوصفه بالضرورة مشروعًا عدائيًا تجاه الدولة.
غير أن الجانب الإشكالي يظهر حين تتحول بعض التحركات المحدودة إلى دعوات صريحة لتدخل خارجي مباشر في الشؤون المصرية، أو حين تدخل في صدام مفتوح مع الكنيسة ذاتها، أو تتبنى خطابات اتسمت أحيانًا بالمبالغة أو ضعف الدقة. ومع ذلك، تظل هذه الفئة محدودة التأثير العددي قياسًا إلى الملايين المنضوين داخل الإطار الكنسي والاجتماعي الأوسع.
نقد الخطابات التفسيرية
أدت حالة الغموض المحيطة بالمصطلح إلى تعدد تعريفاته في الأدبيات الفكرية والسياسية. فقد ذهب بعض الباحثين إلى تصوير “أقباط المهجر” بوصفهم حركة سياسية دينية ذات أهداف محددة تجاه الداخل المصري. غير أن هذا التوصيف يعاني من التعميم، إذ يخلط بين ظاهرة اجتماعية واسعة النطاق وبين نشاط سياسي محدود تمارسه مجموعات صغيرة.
فالواقع العددي والاجتماعي يؤكد أن أقباط المهجر ليسوا كتلة سياسية واحدة، ولا تجمعهم أجندة موحدة، بل هم جماعات متباينة في الطبقة والتعليم والمهنة وبلد الإقامة ودرجة الارتباط بالشأن العام المصري. ومن ثم، فإن اختزالهم في صورة “حركة سياسية” يعكس في كثير من الأحيان توظيفًا أيديولوجيًا أكثر مما يعكس وصفًا اجتماعيًا دقيقًا.
وفي المقابل، تذهب مقاربات أكثر اتزانًا إلى التمييز بين عموم المهاجرين الأقباط وبين النشطاء المنخرطين في العمل السياسي، وهو تمييز ضروري لِفَهْمِ الظاهرة على نحو سليم.
الهجرة بوصفها جزءًا من الحراك المصري العام
تكشف الدراسات الميدانية أن دوافع الهجرة القبطية في موجاتها المتأخرة لا تختلف جذريًا عن دوافع الهجرة لدى بقية المصريين. فقد تصدرت الرغبة في مستقبل أفضل للأبناء، وتحسين مستوى التعليم، والبحث عن فرص العمل والترقي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، قائمة الأسباب، فيما جاءت الأسباب المرتبطة بالاضطهاد الديني أو التوتر الطائفي في مرتبة أقل.
ومن ثم، فإن الهجرة القبطية لا يمكن فهمها بوصفها رد فعل ديني صرف، بل بوصفها جزءًا من حركة اجتماعية مصرية أوسع ارتبطت بالتحولات الاقتصادية، وأزمات التنمية، وتفاوت الفرص، وتغيرات المجال العام.
إذًا يكشف مسار أقباط المهجر أن الجماعة القبطية حين خرجت من المجال المحلي الذي صاغته الدولة المركزية في مصر، أعادت إنتاج ذاتها داخل فضاءات أكثر انفتاحًا، بما أتاح نشوء أنماط جديدة من التنظيم والمطالبة والمساءلة. ومن ثم، فإن أقباط المهجر لا يعدون امتدادًا جغرافيًا للأقباط المصريين فحسب، بل يمثلون أيضًا أحد أبرز التحديات الحديثة لبنية المركزية الكنسية، وأحد المسارات التي أعادت من داخلها الجماعة القبطية تعريف علاقتها بالمؤسسة والدولة معًا.7
خاتمة
تكشف هذه الورقة أن جدلية علاقة الأقباط بثورة يوليو 1952 لا يمكن فهمها عبر ثنائيات ظاهرية من قبيل الجنة والنار، الاندماج أو التهميش، ، بل بوصفها علاقة تاريخية مركبة تكونت داخل سياق أوسع وممتد خلال سنوات سبقت تلك اللحظة نفسها، أعادت فيها الثورة بِناء الأنساق الخاصة بالدولة المصرية الحديثة، وأعادت معها تعريف المجال العام وماهية حدود الحركة داخله. ومن ثم، فإن السؤال المتعلق بالأقباط لا ينفصل عن السؤال الأكبر المرتبط بطبيعة النظام الذي نشأ بعد قدرة الرئيس جمال عبد الناصر على حسم سؤال السلطة لصالحه، وآليات إدارته للمجتمع، ونتائج ذلك التي بدت في الصياغته الجديدة للعلاقة بين السلطة والمؤسسات والجماعات الاجتماعية المختلفة.
وفي هذا الإطار، تُظهر الورقة أن الأقباط لم يكونوا كتلة اجتماعية متجانسة ذات استجابة واحدة تجاه النظام الجديد، بل كانوا جزءًا من المجتمع المصري بكل ما يحمله من تباينات طبقية ومهنية وتعليمية وثقافية وتوجهات سياسية. لذلك، تباينت ايضا مواقفهم بحسب المواقع الاجتماعية والمصالح المتغيرة تجاه النظام الجديد؛ فبينما انخرطت شرائح واسعة منهم في فرص التعليم والعمل والترقي الاجتماعي التي أتاحها توسع الدولة الحديثة، شعرت شرائح أخرى، بقدر من القلق تجاه سياسات التأميم والمركزية الاقتصادية وإعادة توزيع الثروة، وآخرين انخرطوا في جماعات سياسية ضد توجهات النظام الجديد. ومن هنا، فإن بعض الظواهر التي ارتبطت بالأقباط في تلك المرحلة، وعلى رأسها الهجرة، لا يمكن ردّها إلى تفسير طائفي محض، بل ينبغي فهمها في إطار تحولات اجتماعية واقتصادية شملت قطاعات واسعة من المصريين.
وفي المقابل، تكشف الورقة عن مسار موازٍ ومختلف تَمَثَّلَ في علاقة الكنيسة الأرثوذكسية بالنظام الناصري. فبينما خضعت المؤسسات الدينية عمومًا لإعادة تنظيم داخل منطق الدولة المركزية، استطاعت الكنيسة، خاصة في عهد البابا كيرلس السادس، أن تبني علاقة مستقرة جزئيًا مع السلطة السياسية، قائمة على الاعتراف المتبادل والتنسيق المؤسسي والتمثيل الرمزي داخل المجال الوطني. وقد عكست هذه العلاقة نمطًا أوسع اتسم به النظام الناصري، قوامه دمج المؤسسات التقليدية داخل مشروع الدولة، لا إلغاؤها، وإعادة تعريف أدوارها بما يتوافق مع مركزية القرار السياسي.
ومن هنا تبدو أحد أهم استنتاجات هذه الورقة، وهو ضرورة التمييز بين مسار الجماعة الاجتماعية ومسار المؤسسة الدينية. فليس كل ما مثّل مكسبًا للكنيسة كان بالضرورة مكسبًا متساويًا لجميع الأقباط، كما أن التحولات التي أصابت بعض الشرائح القبطية اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو سياسيًا، لم تنعكس بالضرورة في صورة توتر مباشر بين الكنيسة والدولة. ويُعد هذا التمايز مفتاحًا أساسيًا لِفَهْمِ كثير من الالتباسات التي أحاطت بقراءة علاقة الأقباط بثورة يوليو في الأدبيات اللاحقة.
كما توضح الورقة أن الدولة الناصرية، عبر توسيع أدوارها في التعليم والتوظيف والخدمات العامة، أعادت صياغة علاقة المواطنين جميعًا، ومن بينهم الأقباط، بالدولة بوصفها الفاعل المركزي الأول في إنتاج الفرص الاجتماعية. وقد أسهم ذلك في توسيع الاندماج الوطني من جهة، لكنه أدَّى من جهة أخرى إلى تراجع جزئي في أدوار الوسائط الاجتماعية والسياسية المستقلة، بما فيها الأحزاب والتنظيمات المدنية، وهو ما انعكس لاحقًا على أنماط التمثيل السياسي والاجتماعي للأقباط وغيرهم، وساعد الكنيسة لاحقا في العصور التالية على تأميم الصوت القبطي داخل جدران الكنيسة نفسها.
ولا تقف آثار هذه المرحلة عند حدود الحقبة الناصرية ذاتها، بل تمتد إلى العقود التالية. إذ إن انتقال جزء معتبر من التمثيل القبطي من المجال الحزبي والمدني إلى المجال الكنسي، وصعود دور المؤسسة الدينية بوصفها وسيطًا رئيسًا مع الدولة، مثّل أحد الملامح البنيوية التي ستتطور لاحقًا في عهود لاحقة، كما أن موجات الهجرة التي بدأت اجتماعية واقتصادية في جانب منها، ستُنتج لاحقًا فضاءات قبطية جديدة خارج المركز الوطني التقليدي، بما حملته من أنماط مختلفة من التنظيم والمطالبة والهُوية.
وعليه، فإن ثورة يوليو لم تصنع “مسألة قبطية” جديدة ولكنها أعادت صياغة شروط وجودها داخل دولة مركزية حديثة. فقد دمجت الأقباط، شأنهم شأن غيرهم، في مشروع اجتماعي وطني واسع، لكنها في الوقت نفسه أعادت تكوين قنوات تمثيلهم، وحددت مجالات حركتهم، وأنتجت توازنات جديدة بين المجتمع والكنيسة والسلطة. ومن ثم، فإن فَهْم علاقة الأقباط بثورة يوليو يظل مدخلًا مهمًا لِفَهْمِ تاريخ الدولة المصرية الحديثة نفسها، أكثر من كونه محض فصل خاص بتاريخ جماعة دينية بعينها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر :
١- أحمد حمروش، قصة ثورة ٢٣ يوليو، الجزء الأول، ص ٥٤
2- طارق البشري، المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية، دار الشروق ،ص ٣٢٠
3- طارق البشري، مرجع سابق، ص٢٥٤
4- ابو سيف يوسف، الأقباط والقومية العربية، مهرجان القراءة للجميع، ص ٧٤
5- سليمان شفيق، الأقباط والحرمان الكنسي، ص ٧٤
6- كمال زاخر ،قراءة في واقعنا الكنسي، ٢٠١٥، ص ١٥٤
7- نجاح بولس، البوابة نيوز، أقباط المهجر ،تاريخ وأسباب الهجرة، ١٢ فبراير ٢٠٢٢، إضغط هنا