تكوين
المقدمة:
يُعَدُّ الأملُ مفهومًا إشكاليًا في تاريخ الفكر الفلسفي، رغم أنه لم ينلْ الاهتمام الكبير الذي حظت به المفاهيم الفلسفية الأخرى التي ترتبط به؛ مثل: الرغبة والإيمان وغيرهما، ورغم ضرورته في حياة الإنسان والمجتمعات، ورغم قيمته في التطلع إلى المستقبل، فإن الآراء الفلسفية عنه قد اختلفت اختلافًا جوهريًا، فهناك من يرى فيه فضيلة لاهوتية وقيمة أخلاقية تعزز الفعل الإنساني وتضع له غاية وهدفًا وتَعِدُ بتحققهما، وهناك من يرى فيه وهمًا معرفيًا سلبيًا يُشوِّهُ المعرفة والإرادة على حد سواء، ولا يصلح إلا لذوي العقول الساذجة، وهناك من يرى فيه انفعالًا لا يتجاوز الطرح النظري إلى ساحة التطبيق العملي، ومن يؤكد كونه بُعدًا عمليًا يدعم الفعل الإنساني ويحفزه. هناك من يراه هُراءً ومبالغة يوتوبية ومن يراه أفقًا أنطولوجيًا وإبستمولوجيًا وسياسيًا.
يثير مفهوم الأمل عدة تساؤلات تتصل بماهيته وقيمته وتطوره؛ منها: هل يُعد الأمل قيمة وجودية تتجاوز حدود اللحظة الراهنة أم هو وهم يُجَمِّلُ نقص الإنسان وعجزه واحتياجه؟
هل هو فعل إرادي أم استسلام للظروف والأحوال الخارجية؟
هل هو انفعال نفسي ينطلق من رغبة الإنسان، فيحول المستحيل إلى ممكن أم أنه فعل الإمكان الذي يمكن أن يتحقق؟
هل الأمل هو ذلك الحلم الجميل الذي يضفي على الحياة المعنى والقيمة أم هو فعل فلسفي يقوم على الإرادة والاختيار والاعتقاد؟
هل الأمل محض رجاء أو توقع فردي أم أفق جماعي يطمح في العدالة والحرية؟
أحاول في هذه الدراسة الإجابة عن هذه التساؤلات عن طريق أربعة محاور هي:
- أولًا: الأمل؛ المفهوم والدلالة والقيمة.
- ثانيًا: التصور الكلاسيكي للأمل.
- ثالثًا: الأملُ فضيلةً لاهوتيةً.
- رابعًا: الأملُ والنظرية السياسية.
أولًا- الأمل؛ المفهوم والدلالة والقيمة
عادة ما يُعرَّفُ الأمل بأنه توقع شيء مرغوب فيه، أي أنه شعور يجمع بين التوقع والرغبة، وهو تعريف جامع للتناول الفلسفي الكلاسيكي.
ويمكن توضيح مفهوم الأمل بالموازنة بينه وبين بعض المفاهيم المتشابهة، والتي قد تُحدث لبسًا في إمكان فَهْمه وتحليله ومنها مفاهيم؛ التفاؤل، اليأس، الرغبة.
الأمل والتفاؤل، يبدو أن الأمل والتفاؤل، من الوهلة الأولى، وكأنهما مفهومان مترادفان، غير أنهما ليسا كذلك، فقد يكون عندنا أمل دون تفاؤل، بل على النقيض، قد يجتمع الأمل والتشاؤم وذلك حينما يتمسك الفرد بالأمل حتى مع التوقع بعدم إمكان تحققه، وقد يقارن الأمل باليأس أو الخوف، وبينما تشير كلمة اليأس إلى غياب الأمل، فإنها قد تتجاوز ذلك إلى حال الألم أو المعاناة([1])، وهذا هو اليأس بمعناه البسيط Hopelessness أما اليأس بالمعنى العميق Despair proper فيعنى فقدان كل أمل ومعنى، وهو ليس محض إحباط فحسب، لكنه تحول وجودي كامل، تنغلق فيه الذات على نفسها وتفقد علاقاتها بالآخر وبالعالم وتتحول إلى خواء، هنا لا يُعَدُّ اليأس محض شعور، ولكنْ حركةٌ وجودية نحو التفكك، وهو ما يُطلِقُ عليه جابريل مارسيل Marcel Gabril “الالتهام الرُوحي” Spiritual Autophagy([2]).
لقد تم تناول مفهوم الأمل –بصورة إيجابية أو سلبية- عبر تاريخ الفكر الفلسفي بوصفه انفعالًا يرتبط بالرغبة والفرح والخوف، وذلك حتى القرن العشرين عندما قدَّمَ J.P.Day تعريفًا نموذجيًا له (عُرِفَ فيما بعد بالتعريف القياسي) استُخدِمَ على نطاق واسع، مفاده أن ” يكون قول:” A يأمل أن يحدث p صادقًا إذا كان A يرغب فى حدوثP ، ويعتقد أن لها درجة من الاحتمال مهما كان ضئيلًا” يكون قولًا صادقًا”([3]).
ووفقًا لهذا التعريف يتضمن الأمل رغبة بشيء ما، فنحن لا نأمل إلا فيما نرغب فيه؛ والرغبات قد تتنوع وقد تستحيل، فقد أرغب –مثلًا- في مقابلة سقراط، لكن لا آمل في تحقيق ذلك. يتطلب الأمل -في سياق هذا التعريف- اعتقادًا بأن موضوع الرغبة مُمكن، لكنه غير مؤكد([4]). ومن ثم يفترض التعريف القياسى للأمل شرطين ضروريين هما؛ الرغبة والاعتقاد، فلا يمكن للمرء أن يأمل في المستحيل، إذ يتطلَّبُ الأمل أن يكون الموضوع ممكنًا، منطقيًا، وواقعيًا، وهذا ما يميزه عن التمني، فالمرء قد يتمنى المستحيل، لكنه لا يمكن أن يأمل فيه، كذلك فإن الأمل يدفع إلى الفعل، وهذه ليست بالضرورة حال التمني([5]).
تشبه الرغبة إلى حد كبير التمني، في إمكان أن يرغب الإنسان في المستحيل، والفرق بين الرغبة والأمل يكمن فيما يلي: الرغبة حالة نفسية تقوم على اعتبار ما هو مستحيل مُمكنًا، بل وواقعًا، فالرغبة تتغلب على العقل أو المعقولية، وتبرر استمرارية الاعتقاد رغم غياب المبررات، وهنا تتحول تلك الرغبة إلى نوع من الوهم المعرفي غير المبرر، أما الأمل فهو ليس رغبة عشوائية، بل توجه نحو خير مستقبلي محدد. فالأمل يرتبط بالمستقبل فحسب ولا يتعلق بالماضي أو الحاضر، رغم وجود آراء فلسفية -كتلك التي لسبينوزا Spinoza- تنظر إلى الأمل بوصفه فرحًا متغيرًا ناتجًا عن تصور شيء مستقبلي أو ماضٍ مع الشك في نتيجته([6]). وفي الحقيقة، لا يمكن أن يُمَثِّلَ الماضي أملًا في شيء، لكنه قد يكون رغبة في معرفة نتيجة أمر ما، أو انتظار لتلقي خبر عن حدث قد مضى.
يثير هذا “التصور القياسي” عن الأمل عدة إشكاليات، تكمن في كونه يقوم على بعدين هما؛ البعد النزوعي (أي الرغبة ومستوياتها المختلفة التي تتراوح ما بين الشدة أو الحماسة وما بين الفتور) والبعد المعرفي القائم على تقدير الاحتمال، وهذان البعدان قد يكونان مستقلين، بمعنى أن يكون عند الشخص أمل شديد في شيء ما، لكنه يراه مستحيلًا، وقد يرى الشيء مرجح الحدوث لكنه لا يوليه الاهتمام الكافي لتحققه، وقد يكونان –أي البعدان؛ النزوعي والمعرفي- متداخلين متفاعلين([7]).
تزداد الرغبة في الشيء كلما زاد احتمال تحققه، ويقل الأمل فيه مع تراجع تلك الرغبة، وإن اقتصار الأمل على البعد النزوعي فقط يجعله عالقًا على مستوى الرغبة فحسب، كذلك فإن الاقتصار على البعد المعرفي في انطوائه على تقديرات الاحتمال، يفتح مجالًا آخر من التفاوت في درجات الأمل، تعتمد فيها عندئذٍ على مدى ترجيح تحقق الشيء المأمول، فالفرد الذي لديه أمل قوي في تحقيق B يرى أن حدوثه مرجح بدرجة كبيرة، في حين يتضمن الأمل الضعيف اعتقادًا بأن احتمال تحققه ضعيف. ومن ثم، قد يؤدي مفهوما الرغبة والاعتقاد إلى فَهْم ضيق ومشوه لطبيعة الأمل، فقد تكون الاعتقادات المرتبطة به غير متكونة، غامضة، غير واعية، وأن الاعتراف بجهلنا بالاحتمالات وبكوننا عُرْضة للصدفة البحتة، هو ما يمنح بعض أنواع الأمل طابعها الخاص، أكثر من تقدير أية احتمالات([8]).
ومن ثم، وفى محاولة لتجاوز قصور “التعريف القياسى” وإشكالياته، لجأ الفلاسفة إلى إضافة خصائص جديدة إلى تعريف الأمل، سواء في طبيعة الرغبات المرتبطة به، أو المعتقدات المصاحبة له ، لذا ظهرت عدة نظريات أخرى ترى أن اختزال الأمل فى شرطي: الرغبة والاعتقاد، لا يؤدى إلى فَهْم صحيح له، ومن هذه النظريات؛ نظرية العامل الخارجي، أي البحث عن العوامل الخارجية الممكنة المستقلة عن صاحب الأمل بوصفها خيرًا، مثل؛ الله، الطبيعة، الآخر، القدر، والتي لها دور فاعل في الأمل، غير أنه من أبرز الصعوبات التي تواجه هذا الطرح هي الغموض وعدم الوضوح فيما يتصل بالعامل الخارجي ودوره في الأمل.
ومنها أيضًا؛ نظرية التصور الذهني وهي ترجع إلى لوك بوفنز Bovens (1999)، والفكرة الأساسية فيها تتمثل فى أنه لا يمكن أن يكون الفرد في حال أمل، إلا إذا كان يفكر بوعيٍ في موضوع أمله، وكانت الأفكار المتصلة بموضوع الأمل ذات طابع تصوري، وهو طرح مثير للاهتمام لأنه يستبعد وجود آمال لا واعية، لكنه رغم ذلك يُعَدُّ طرحًا غيرَ واقعيٍ، فعلى سبيل المثال، لا يمكن أن نتصور فردًا استطاع الخروج من حالة اليأس فقط لأنه تصور أو تخيل تحقق رغباته. وأيضًا من بين هذه النظريات، نظرية العزم المعرفي؛ فالشخص الذي يأمل في حدوث P يلتزم بالتصرف كما لو كان P سيحدث بالفعل، أو على الأقل، كما لو أنه مرجح الحدوث، حتى وإن كان احتمال حدوثه منخفض([9]).
ويمكن القول، إن هذا النمط من الأمل الذي يقوم على عنصري؛ الرغبة والاعتقاد، ويتجه نحو خير مستقبلي، وله موضوع محدد كالأمل في النجاح، أو في الشفاء من مرض، أو الحصول على وظيفة، هو الأمل العادي القابل للتحديد والمرتبط بنتائج واقعية قد تتحقق أو لا تتحقق، لكنْ هناك نمطٌ آخرُ من الآمال بمنزلة انتقال نوعي من المستوى الظاهراتي –أي مستوى التجرِبة الحياتية إلى المستوى الأنطولوجي، أي مستوى الوجود ذاته فلا يتعلق بشيء أتمناه مستقبلًا، بل بما أنا عليه بوصفي كائنًا فلا أرجو الحصول على شيء، بل أتمنى البقاء في حال وجود معين، وهي ليست حال أمل في شيء، بل حال أمل في ذاتها، أمل لا يقوم على موضوع محدد، ويستمر رغم الإحباطات ويعبر عن علاقة الإنسان بوجوده لا بأشيائه، وهو أيضًا أمل موجه نحو المستقبل، لكنه المستقبل المفتوح الذي يحمل إمكانات متعددة، تسمح بتحقق الأمل والمعنى سويًا([10]).
في نقد الأمل:
هناك جدل كبير حول قيمة الأمل وأهميته ودوره في حياتنا، فهناك من الفلاسفة من يرى في الأمل وسيلة لتجاوز حدود التجرِبة الحياتية إلى كونه بِنية وجودية – دينية عميقة تقوم على التعلق بالأبدي –كيركجور، مثلًا- ومنهم من وضعه ضمن التساؤلات الفلسفية الكبرى، ورآهُ شرطًا أخلاقيًا -مثل كانط- ومنهم من عَدَّهُ تلك القوة التي تقاوم اليأس وترفض الانهيار الوجودي –مثل جابريل مارسيل- ومنهم من نظر إليه بوصفه ضرورة لاهوتية وأخلاقية –مثل توما الأكويني- وكلها أفكار تؤكد قيمته وأهميته الإنسانية والمعرفية.
ورغم ذلك هناك فلاسفة يرفضون الأمل لأنه –وَفْقًا لهم- يُعَبِّرُ عن علاقة مُضللة بالعالم تعجز عن مواجهة متطلبات الوجود الإنساني فتنحو نحو السلبية والتمني –مثل: شوبنهور ونيتشه وكامو.
لم تكن النظرة الفلسفية إلى الأمل موضع تقدير واستحقاق عبر تاريخ الفكر الفلسفي، فقد كانت الفلسفة الكلاسيكية تنظر غالبًا، إلى الأمل بوصفه أقلَّ شأنًا من المعرفة التى أولت لها اهتمامًا كبيرًا، وذلك لأنه يُعَبِّرُ عن الشك لا اليقين. وعادة ما تستخدم كلمة (آمل) في سياق الكتابة I hope بمعنى “لا أعرف حقًا” أو “لست مقتنعًا”، ومن ثم، أصبح الأمل دالًا على الفشل المعرفي، وعلى الفيلسوف –وَفْقًا لهذا- تجاوزه نحو مُهمته الرئيسة وهي تحقيق المعرفة، كذلك فإن التحفظ تجاه الأمل، لا يقتصر فقط على ضعفه المعرفي، بل ربما يمتدُّ إلى أبعاده الأخلاقية، وذلك لأنه يرتبط بنوع من التفاؤل الساذج أو السطحي، لذا يتعارض مع صورة الفيلسوف الجاد الذي يعتزُّ بتحرره من الأوهام([11]).
كذلك فهناك اتجاهٌ فلسفي ينتقد الأمل لا بسبب طبيعته فقط، وإنما بسبب نتائجه –فالأمل- وَفْق هذا الاتجاه، قد يُطيل التعلق برغبات غيرِ قابلةٍ للتحقق، ومن ثم يولد الإحباط والاستياء، ويزيد من خيبة الأمل، وهنا يُنظر إلى الأمل بوصفه أسوأ الشرور، كذلك يشكك في قيمة الأمل لأنه لا يواجه الحاضر مواجهة عملية، بل يقوم بإسقاط مستقبل متخيل عليه، يتحققُ فيه الإشباع بطريق باهرٍ، ومن ثمَّ يُشجع على السلبية، ويُبقى على حالة الخضوع والعجز([12]).
يُمَثِّلُ شوبنهاور نموذجًا لذلك الاتجاه الذي وإن أدرك أن الأمل أمر طبيعي لدى البشر، فإن تقييمه له في مجمله يُعَدُّ تقييمًا سلبيًا، يرى شوبنهاور أنه قد يحدد إدراكنا للعالم ويبرز بعض ملامحه، لكنه يذهب أبعد من ذلك، فيرى أنه -أى الأمل- قد يجعل من الصعب –بل من المستحيل أحيانًا- إدراك ما هو مُهم حقًا، أي أنه يشوه المعرفة، وذلك لأنه يعيق العقل عن إدراك الحقيقة، ويرى أن الحيوانات أقل سعادة من البشر، لأنها تفتقر إلى الأمل، ومن ثمَّ إلى لذَّةِ التوقع، لكن الأمل لا يؤدي فقط إلى خيبة الأمل عند عدم تحققه، بل قد يكون مُخيبًا حتى عند تحققه، وذلك إذا لم تُلَبِّ النتيجة التوقعات المرجوة. ويتوافق هذا التصور السلبي عن الأمل مع رؤية شوبنهاور للحياة المليئة بالمعاناة والإحباط، ويرى أنه لا يمكن القضاء على هذه المعاناة إلا بالتخلي عن الرغبات، ويبلغ هذا ذُروته في فكرة “نفي إرادة الحياة” ويرى أن إغراءات الأمل تُمَثِّلُ عائقًا أمام هذا، في حين يساعد اليأس على نقاء الذهن واكتساب الخير الحقيقي([13]).
ويُعد نيتشه كذلك من أبرز نقاد الأمل، يقول في “هكذا تكلم زرادشت”: “لا تصدقوا أولئك الذين يتحدثون إليكم عن آمال تقع خارج كوكب الأرض …”، ويعارض كل تصورات الأمل في “فيما وراء الخير والشر”، ويرى أن الأمل هو أسوأ الشرور لأنه يُطيل عذابات الإنسان، غير أن القراءة الأعمق لفلسفة نيتشه تكشف أنه لا يرفضه رفضًا مطلقًا، بل يميز، ضمنيًا، بين نوعين منه؛ الأول منهما، هو الأمل الديني والميتافيزيقي والذي يرفض الأمل الذي يَعِدُ بخلاص خارق للطبيعة أو بعدالة مستقبلية مضمونة، وذلك لأنه يُضعف الإنسان ويبعده عن مواجهة الواقع، أما النوع الثاني فهو إمكان أمل إيجابي، عندما يقول في “هكذا تكلم زرادشت”: “إن تتحرر البشرية من الانتقام، فذلك هو الجسر المؤدى إلى الأمل الأسمى” ويستخدم استعارة قوس قزح بوصفه رمزًا للأمل: “الأمل هو قوس قزح فوق شلال الحياة”، كذلك يدعو نيتشه إلى توجيه الأمل نحو فلاسفة جدد يمتلكون القدرة على إعادة تقييم القيم (فيما وراء الخير والشر)، ويرى أن الأمل المعقول يقوم على الثقة في قدرتنا على التغيير: “فلا يحق لنا الأمل إلا إذا اعتقدنا أن لدينا نحن وأمثالنا قوة أكبر من ممثلي النظام القائم” (إنسانيٌّ، إنسانيٌّ للغاية) لكنه رغم ذلك يُحذر من هذا الأمل لأنه غالبًا ما يكون محض افتراض زائد أو مبالغة”([14]).
يتبع كامو Camus نيتشه في اعتبار الأمل خاصة الديني، من أسوأ الشرور، لأنه يرى أن الاعتقاد في خلود النفس أو الحياة الآخرة هو هروب من مواجهة العبث، وقد ناقش نمطًا آخر من الأمل في كتابه “الإنسان المتمرد”، وهو ذلك الأمل القائم على قضية كبرى تتجاوز الفرد، أي الأمل في حياة أخرى يستحقها، مما يصرف الانتباه عن الحياة الحسية وعن اللحظة الراهنة وتقدير جمال هذه الحياة. ويؤكد كامو أننا لا نحتاج إلى الأمل، كي نواجه صعوبات الحياة والموت، فعوضًا عن الأمل في حياة بعد الموت، ينبغي أن نعي أن الموت هو العبث الأكثر وضوحًا، وأن نموت دون أن يكون ذلك بإرادتنا الحرة، ويمثل سيزيف –وَفْقًا لكامو- النموذج الذي يجسد هذا الموقف، فهو لا يملك أملًا في مستقبل أفضل لكن يجب أن نتخيل سيزيف سعيدًا” (Camus 1955) ([15]).
ثانيًا: التصور الكلاسيكي للأمل:
تتضمن المرحلة الكلاسيكية مناقشة فلسفية غنية ومعقدة عن مفهوم الأمل، غالبًا ما تم تجاوزها عند تناوله، ورغم ندرة المقاربات المباشرة والمنهجية لهذا المفهوم في الفلسفة اليونانية، فإننا يمكن أن نتلمسه بدايةً في أسطورة “باندورا” لهزيود، و”باندورا” هي امرأة خلقها “زيوس” لينتقم من البشر، ووُضعت داخل صندوق وأُرسلت إلى الأرض لتكون مصدرًا لشقاء البشر، وعندما فُتح هذا الصندوق انطلقت منه الشرور([16]). ولم يبقَ داخل الصندوق سوى الأمل.
ولكن هل المقصود من بقاء الأمل وحده هو دعم الفعل البشري في مواجهة الشرور، لذا ظل متاحًا للبشر، أم أن المقصود هو حرمان البشر منه، ولقد استُحْضِرَت هذه التأويلات المختلفة عبر تاريخ الفلسفة فيما بعد، لا سيما عند الوجوديين.
لكن كيف تناول فلاسفة اليونان هذا المفهوم؟
لقد كان أفلاطون جزءًا من التقليد اليوناني الذي يصور الأمل تصويرًا سلبيًا. فعلى سبيل المثال، يصف أفلاطون في محاورة “التيماوس” (69 d-e) الأمل بأنه قد وُضِعَ مع العاطفة في الجسم البشري وكلاهما بعيد عن العقل البشري على الصعيد الفيزيائي، لكن بكيفية مختلفة، فبينما تُعَدُّ العاطفة عنيدة يصعب التأثير فيها تبدو الآمال سهلة التأثر (سهلة التضليل) تنطوي على استثمار عاطفي في المستقبل يجعلنا عُرْضة للتلاعب([17]).
لم يكن هذا هو موقف أفلاطون الإجمالي، فقد كان عنده أيضًا، رؤية إيجابية عن الأمل ظهرت في عديدٍ من محاوراته فعلى سبيل المثال، قدَّمَ تصورًا أكثر إيجابية في “فيليبوس” (39e3) مستخدمًا مفهومه عن لذات التوقع، أي توقع اللذات المستقبلية التي تُسمى آمالًا. ويوضح أفلاطون أن هذه اللذات قد تكون صادقة أو كاذبة بحسب توافقها مع ما سيحدث بالفعل؛ لذا، قد يكون الأمل عقلانيًا أو غير عقلاني، ويظهر الأمل في هذا السياق بوصفه عنصرًا أساسيًا في الفعل الإنساني، لأن تمثلاتنا الفعلية تتجه نحو المستقبل وهو ما يربطها بالأمل. ويربطه أفلاطون هنا بمجموعة من الظواهر المرتبطة به، كاللذة والألم، فإذا كان الألم هو اضطراب في التوازن الطبيعي للإنسان، وهو عملية تفريغ، فإن اللذة هي استعادة التوازن أوهى عملية امتلاء (31 d)([18]).
كذلك يربط أفلاطون الأمل بالخلل في الفكر (864 b) وذلك عندما ماثل الأمل والرأي (دوكسا) ووصف كليهما بأنهما يسعيان في الخير، لكنهما يُخطئان ومن ثم، يقود الأمل الناس إلى التصرف بطريق خاطئ، فالآمال الطائشة غيرُ الواقعيةِ قد تؤدي إلى طموحات ضارة وسلوك مدمر. ورغم ارتباط الأمل عند أفلاطون بالجهل ونقص العقل، لكن لا يُعَدُّ كلُّ أملٍ خاطئًا أو غيرَ عقلانيٍّ. إذ تحدَّثَ في بعض مواضع محاوراته عن الأمل مستعملًا الحُجَج الفلسفية والبرهان العقلي، كما هي الحال في محاورتي؛ “الدفاع”، و”فيدون”([19]).
يقول أفلاطون في “الدفاع” على لسان سقراط، إن هناك أملًا عظيمًا في أن يكون الموت نعمة، وعلى المحلفين أن يكونوا ذوي أمل حَسَنٍ فيما يتعلق بالموت (41 C)، ويُحاجِجُ من أجل إظهار أن هذه الآمال عقلانية، وذلك لأن عنده أملًا حَسَنًا بأن مستقبلًا ينتظر البشر بعد الموت (63 b-c)، وأنه سينال أعظم البركات بعد الموت، ويقدم أسبابًا لهذا الأمل؛ منها أن الجسد يُمَثِّلُ عائقًا يحول دون اكتساب المعرفة، وتبدو لهجة الأمل في حديث سقراط عندما يرى أن هناك مكانًا سيحصل فيه على ما كان يشغله في حياته، فتكون الرحلة التي فرضت عليه الآن –أي موته- مليئة بأمل حسن (66 e-67 c) ([20]).
كذلك تبدو الآمال في “فيدون” (70 c – 107 a) عقلية تتطلب قدرًا من الإقناع والحُجج، وذلك في سياق حديثه عن خلود النفس، وكذلك هي الحال في “القوانين” وذلك في سياق حديثه عن الأثينيين الذين وجدوا أنفسهم في وضع عسكري ميؤوس منه في زمن الغزوات الفارسية، عندئذٍ لم يتمكنوا من التفكير إلا في وسيلة واحدة للنجاة، ورغم كونها ضعيفة بائسة، فإنها كانت تُعَدُّ الخِيارَ الوحيد، وتتمثل فى تذكرهم للنصر الذي أحرزوه في المعركة، وكيف أنه قد تحقق في ظروف مماثلة، آملين في ذلك النصر مجددًا (القوانين 699a – c)([21]).
يشير مصطلح الأمل في هذا السياق بوضوح إلى رغبة في خير مستقبلي غير مؤكد، رغم ذلك يرى أفلاطون أنه -أي الأمل- قد أدَّى دورًا إيجابيًا في دعم الأثينيين، ومن ثم فالآمال حتى وإن كانت زائفة مُضللة، فإنها قد تتحقق، وإن لم تتحقق تكون لها آثارٌ نفسية وعملية نافعة، ولا ينبغي أن نتصور أنه لا مجال للعقل في سياق الأمل، فالرغبات يجب أن توجه من خلاله، ومن ثم، يمكن القول إن نصوص أفلاطون تُقَدِّمُ ثلاثة مكونات أساسية لتقييم الأمل:
- العقلانية التنبؤية للأمل (أي مدى احتماله أو قابليته للتحقق).
- العقلانية الأخلاقية (أى اندماجه في غايات ترتبط بالخير).
- القوة التحفيزية للأمل (أي قدرته على الدعم والتحفيز على العمل)([22]).
أما أرسطو فقد تناول مفهوم الأمل في “الأخلاق النيقوماخية” (1115 b3- 4,3,6) وذلك فى سياق المقارنة بين الأمل والشجاعة، عندما تَحدَّثَ عن أنماط من الأمل لا ترتبط بالشجاعة، مثل الأمل القائم على الخبرات السابقة من الحظ الجيد، كذلك ربط من جهة أخرى، بين الأمل والشجاعة عن طريق الثقة، فالشجاع يتميز برُوح الأمل، فليس كل من يأمل شجاعًا، لكن كل شجاع يأمل، ويذكر أرسطو أنماطًا أخرى من البشر لا تُعَوِّلُ على الشجاعة، بل على الثقة التى ترتبط بالأمل، الأول يتمثلُ في هؤلاء المفعمين بالأمل، لا بسبب مهاراتهم، بل لانتصاراتهم السابقة، من ثم يستنتجون استقرائيًا، أنهم سينجحون في الحال الراهنة أيضًا (1117a9)، ويتصرفون بثقة نتيجة لتكرار حظهم الجيد. أما النوع الثاني فَهُم الذين يتصرفون بثقة بسبب جهلهم بالخطر القائم([23]).
ويُشير في موضع آخر من “الخطابة” (2.12) إلى أن طباع الشباب الحماسية وميولهم المفعمة بالأمل تجعلهم أكثر شجاعة من الشيوخ، فالطباع قد تُبدِّدُ الخوفَ، ورُوح الأمل قد تولد الثقة، وهنا يقرر أرسطو أن الأمل هو الذي يُنشئ الثقة، وتقوم الثقة في كلا النصين بدور الوسيط بين الأمل والشجاعة، ورغم تأكيد أرسطو على الأمل الواثق، فإن هناك فرقًا بين الأمل والثقة، فالثقة هي توقع مقترن بانطباع أن الأمان قريب، وذلك عندما نكون قادرين على اتخاذ خُطوات لمنع الخطر أو التعامل معه، وعلى النقيض من ذلك، يرى أرسطو أن الآمال قد تتعلق بأشياء قريبة أو بعيدة، فقد تكون آمالٌ قريبة كحال البحارة الذين يثقون بقدرتهم على اتخاذ خُطوات تجنبهم الغرق، وقد تكون آمالٌ بعيدة كتلك التي نعلقها على مستقبل طفل ما.
يرى أرسطو أن هناك علاقةً وثيقة بين الأمل والخوف، كحال المرء الذي يستسلم لمصيره دونما أي أمل، ودونما أي خوف من المستقبل (الخطابة 1383a 3)، كذلك يعتمد كلٌ من الأمل والخوف على الشعور بأن المستقبل مفتوح، لكن عندما يتبدل الحال ويصير المستقبل مغلقًا خاليًا من الإمكانات، فإنهما قد يتحولان إما إلى استسلام وإما إلى فعلٍ وسعي نحو أهداف أخرى، وإما إلى ممارسة فضيلة الشجاعة التي لا تعتمد على النتائج([24]).
ثالثًا: الأملُ فضيلةً لاهوتيةً:
يُعَدُّ الأمل واحدًا من الفضائل اللاهوتية الثلاث في المسيحية، ويحتل مكانة بارزة في الخطاب المسيحي، وقد تناول أوغسطين موضوع الأمل بطريق منهجيٍ داخل كتابه “في الإيمان والأمل والمحبة” Enchridion، ويرى أن هناك ارتباطًا جوهريًا بين الثلاثة؛ فلا يمكن بلوغ الإيمان الصحيح إلا إذا أحب الإنسان تحقق مشيئة الله في المستقبل، ومن ثمَّ يأمل فيها، ولأن المحبة تمنح الإطار المعياري للأمل والإيمان، فهى الفضيلة الأكثر مركزية، ويؤدي الأمل دورًا مُهمًا في الحياة الآخرة، وفي الفلسفة السياسية عند أوغسطين خاصة في كتاب “مدينة الله” الذي يميز فيه بين المدينة الأرضية والمدينة السماوية التي لا توجد إلا في الأمل بالله، هذا الأمل الذي يؤدي إلى إعادة توجيه الفضائل السياسية نحو غايات أخروية([25]).
كذلك قدَّمَ توما الأكويني تحليلًا منهجيًا لمفهوم الأمل في “الخلاصة اللاهوتية”، يصفه فيه بأنه انفعال موجه نحو خيرات دنيوية، وفضيلة لاهوتية موجهة نحو السعادة القصوى التي تتحقق بالاتحاد بالله، ويرى أن موضوعه هو دائمًا خيرٌ مستقبلي عسير المنال، أما عن عقلانية الأمل فيرى الأكويني أن نقص الخبرة قد تؤدي إلى أمل غير عقلاني. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يمكن للأمل أن يُعزز الفعل العقلاني، لأنه يجمع بين إدراك الإمكان وإدراك الصعوبات مما يدفع الفاعل إلى بَذْلِ الجُهد، ومع هذا لا يُعَدُّ الأمل بمعناه العادي فضيلة وذلك لأنه انفعال قد يتسم بالإفراط أو التفريط، أما الأمل اللاهوتي فلا يعرف الإفراط لأنه موجه إلى الله، وهو ليس انفعالًا، بل عادةٌ إرادية، ولا يُكتسَبُ بالتعود، بل يُمنح بنعمة إلهية. ويرى الأكويني أن عقلانية الأمل اللاهوتي تفترض الإيمان مسبقًا، وإنه لحظةَ تحقق الإيمان يصبح الأمل في الخلاص عقلانيًا، ويمكن للأمل في هذا السياق وعلى النقيض من معظم التصورات الحديثة، أن يتوافق مع درجة من الثقة دون أن يبلغ حد المعرفة([26]).
وقد انتُقِدَ رأيُ الأكويني القائل بأن موضوع الأمل عسير المنال، وذلك لأنه يُقيد نطاق الأمل ويحدده، وكأن الأهداف التي يمكن أن تتحقق بسهولة ويسر لا يمكن أن تكون موضوعًا للأمل، فالإنسان قد يأمل في الأمور البسيطة كما يأمل في الأمور العظيمة، وتُعَدُّ كلها آمالًا بالمعنى نفسه، ومن ثم فإن محاولة تعريف الأمل عن طريق موضوعه ليست مُجدية –كما هي الحال في الرغبة- لذا فإن التحليل الفلسفي للأمل يكشف عن علاقة ذاتية بالموضوع في كونه مرغوبًا/مقبولًا، متوقعًا/منتظرًا، غير مؤكد/محتملًا. لكن هذا التحليل لا يخبرنا بالكثير عن “ما الذي نأمله في ذاته” بل يركز على كيفية علاقتنا به وربما كان شرط “العُسْرِ” عند الأكويني دلالةً على أنه كان يقصد نوعًا مختلفًا من الأمل غير الأمل اليومي العادي، وذلك لاهتمامه بالأمل الديني المسيحي، والسعى نحو الهدف النهائي لهذا الأمل؛ أي الحياة الأخروية في الجنة([27]).
أما كيركجور Kierkegaard فيُعرف الأمل في صورته العامة، بأنه توقع الخير، ويقوم على إمكان التقدم نحو الخير في المستقبل، أما الخوف فهو توقع الشر ويقوم على السقوط في الشر في المستقبل (wL249: sks 9: 249).
ومن ثم أن يرتبط الإنسان من ناحية التوقع بإمكان الخير هو أن يأمل. ولقد ميَّزَ كيركجور بين الأمل السماوي (الأبدي) والأمل الأرضي أو الزمني ويتطابق هذا التمييز بين الأمل المسيحي والأمل الإنساني في كتابه “من أجل اختبار الذات” (sks 13: 103, FSE 83; 99)، وغالبًا ما يساوي كيركجور بين الأمل الأبدي والأمل المسيحي، فبينما تخيب الآمال المرتبطة بالخيرات الدنيوية لأنها قد تتحقق متأخرة أو لأنها قد لا تتحقق أصلًا، فإن الأمل الأبدي لا يمكن أن يخيب في المبدأ، ويعني أن نأمل فى كل شيء في كل لحظة([28]).
لِفَهْمِ العلاقة بين الأمل الأرضي والأمل الأبدي يمكن العودة إلى التصور الجدلي التطوري لمفهوم الأمل فى فلسفة كيركيجور؛ فالأمل الأولي (الشبابي)، الأمل العقلاني (الدنيوي)، والأمل الأبدي، يَظْهَرُ النوع الأول تلقائيًا ويعبرُ عن الثقة المباشرة، أما الأمل العقلاني فيقوم على حساب الاحتمالات والتدبير لكنه غالبًا ما ينتهي بخيبة الأمل، إذ يرى كيركجور أن الأمل موجود داخل كل إنسان، ويتضمن الثقة بالنفس وبالآخرين وبالعالم غير أنه ينتهي إلى إنعدام الأمل (Sks 5 : 100) ولا يُرجع كيركجور هذا إلى طبيعة الأشياء والظروف العرضية غير المستقرة وغير القابلة للتحكم كأن تنهار، مثلًا، صحة الإنسان ولا يستطيع أن يفعل شيئًا حيال ذلك (Sks 9: 258)، بل إن شعور الإنسان بالذنب (أو الخطيئة)، يعني أنه من الناحية الإنسانية في وضع ميؤوس منه، وعليه أن يتخلى عن الأمل الإنساني لأنه يفشل في تحقيق المطلب الأخلاقي في اللا متناهي، أما الأمل الأبدي (المسيحي) فهو أمل ضد الأمل، أمل رغم اليأس، أي الأمل حينما لا يكون هناك أي أمل إنساني (sks 13: 102)، عندئذٍ يجب على الإنسان أن يفقد كل ثقة أو أمل في العون البشري، هنا يظهر الأمل المسيحي بوصفه عطية من الرُوح القدس، ذلك الأمل الذي يتجاوز حدود الفَهْم ويتعارض مع الأمل القائم على التدبر والاحتمال([29]).
يرى كيرجور أن أمل الأبدية مغروس في الإنسان، أي أنه كامن في أعماق ذاته، غير أنه كي يكتشف هذا الأمل يجب أن يَثْقُلَ عليه عبء الشدة بما يكفي (sks 10.122) ويجب أن يُستخرج الأملُ الأبدي كما يُستخرج الاعترافُ من مجرم قاسٍ، فالمعاناة وإن كانت تُسبب فقدان الأمل الأرضي، فإنها تجعل الإنسان يُحرز أمل الأبدية([30]) وينتقد كيركجور الزعم بأن الفرد الذي يتبنى أملًا دنيويًا لم يتحقق يوصف بأنه غير حكيم، لأن هذا معناه أنه (قد أساء الحساب، التدبير)، ويعترض كيركجور على هذا التصور الذي يُقيم الأمل فقط في تحققه، ويرى أنه عِوضًا عن ذلك ينبغي الانتباه إلى قيمة الغايات المأمولة، ويربط كيركجور الأمل بالمحبة، فنحن نأمل لأنفسنا بقدر ما نأمل للآخرين، دون المحبة لا وجود للأمل، وبالمحبة يوحِّدُ الأملُ الجميع([31]). ومن ثم يرتبط الأمل بالأخلاق والدين معًا.
رابعًا: الأمل والنظرية السياسية
لقد تناول توماس هوبز Thomas Hobbes الانفعالات بالدراسة والتحليل من أجل إرساء نظريته السياسية، فبدأ كتابيه “مبادئ القانون الطبيعي والسياسي” (1640)، و”اللفياثان” (1651) بعرض طبيعة الإنسان متضمنة نظريته عن الانفعالات.
يرى هوبز أن الانفعالات وسائر العمليات العقلية، بل والحياة الإنسانية هي حركة دائمًا نحو الأمام، فالشهوة هي بداية الحركة تجاه ما يُسعدنا، وعند إشباعها، تدفعنا أخرى نحو تحقق جديد آخر، ويرفض هوبز فكرة الغاية القصوى، فلا سعادة في التوقف، بل في الاستمرار، ويربط بين هذا السعي اللا متناهي لإشباع الرغبات، والسعي اللا متناهي إلى القوة والتفوق على الآخرين، ويعرف الأمل بأنه “توقع الخير الآتي” في حين أن الخوف هو “توقع الشر”، وإن ما نتوقعه يعتمد على أسباب بعضها يجعلنا نتوقع خيرًا وبعضها الآخر يجعلنا نتوقع شرًا وإن مجرد الاعتقاد بإمكان تحقق الشيء يكفي لوجود الأمل([32]).
يرى هوبز أن الأمل يُمَثِّلُ جانبًا من الشجاعة، ويعرف الثقة بأنها انفعال ناشئ عن الاعتقاد في الشخص الذي نتوقع أو نأمل منه الخير، اعتقادًا خاليًا من الشك، أي أن الأمل يُعد مكونًا أساسيًا للثقة، وإذا كان أساس الأمل هو شخص ما، وكنا نعتمد عليه اعتمادًا كاملًا في توجيه أفعالنا، فإن هذا الموقف نُسميه ثقة، فضلًا عن أن للأمل دورًا حاسمًا في السعي في المعرفة، بل إن هذا الأمل يكون في المعرفة، وأن الذي تثيره التجارِب الجديدة هو أصل كل فلسفة، ومن ثم، يمكن القول إن هوبز قد مَهَّدَ الطريق لِفَهْمِ الأمل بوصفه انفعالًا إبستمولوجيًا، وقد لاقى هذا المفهوم اهتمامًا ملحوظًا في النقاشات المعاصرة، ولم يقتصر دور الأمل عند هوبز على التنظير فحسب، وإنما هو عُنصرٌ أساسي، بل وضروري من الناحية العملية، إذ يُعَدُّ شرطًا من شروط تحقيق السلام([33]).
تتمثل الفرضية المركزية في فلسفة هوبز -كما هو معروف- في أن حال الطبيعة هي “حرب الكل ضد الكل”، أي أنها حال الخطر الدائم والخوف المستمر، ويؤدي الأمل دورًا في نشأة هذا الصراع، إذ يرى هوبز أن البشر متساوون في قدراتهم، ومن ثم تتساوى آمالهم فى محاولة لتحقيق مقاصدهم، فإذا أمل شخصان في الشئ نفسه وسعيا فيه، فإنهما يتنافسان ويصبحان عدوين، ورغم ذلك يذكر هوبز الأمل ضمن الانفعالات التي تُسهم في تحقيق السِلْمِ بين البشر، فما يُعزِّزُ السِلْمَ هو الأملُ في نيل الأشياء التي يراها الإنسان جزءًا من حياة طيبة، بجُهْدِهِ الخاص، بالإضافة إلى أن السعي في السلام أملًا في إحرازه يُعَدُّ خيارًا عقليًا مطلوبًا، ومن ثم يُعَدُّ الأملُ شرطًا مسبقًا لكل جُهْدٍ سياسي يرمي إلى إقامة السلام. ولأن أحد الشروط الأساسية لإمكان السلام هو الاعتماد على التعاون مع الآخرين؛ فإن هذا التناول يُعَدُّ تأكيدًا للعلاقة الوثيقة بين الأمل والثقة، فلا يمكن الانتقال من حال الطبيعة إلى المجتمع السياسي، إلا إذا وثقنا في الآخرين وفي الأدوار التي يُمكن أن يؤدونها([34]).
وكذلك هي الحال عند سبينوزا الذي يرى أن الأمل والخوف هما أساس السلطة السياسية، وأن الأمل غير عقلاني في جوهره، وذلك لأنه قائم على اعتقاد خاطئ، يتجاوز حقيقة أن كل شيء محكوم بالضرورة، وهو أحد أسباب الخرافة، ذلك لأنه مصحوب بالخوف وهو ما يجعله غير خير في ذاته([35]). ولأن سبينوزا يرى أن الإنسان جزء من الطبيعة، نظر إلى الانفعالات بوصفها ظواهر طبيعية تخضع لقوانين الطبيعة بالضرورة، وحدَّدَ عددًا من الانفعالات الأساسية التي تتولَّدُ عنها بقية الانفعالات الأخرى وهي؛ الفرح والحزن –ويقابلان اللذة والألم- والرغبة، والأمل الذي يعرفه بأنه فرح غير ثابت نشأ عن تصور شيء ما مستقبلي أو ماضٍ نشك في نتيجته، ويُعد الشك عنصرًا جوهريًا في الأمل، وفي الخوف أيضًا، والذي يعرفه سبينوزا بأنه حزن غير ثابت نشأ عن تصور شيء مشكوك فيه، ومن ثم لا يوجد أمل بلا خوف ولا خوف بلا أمل([36]).
يؤدي الأمل وكذلك الخوف إلى الخرافة، لأن طبيعتنا تجعلنا نميل إلى تصديق ما نأمله بسهولة، في حين نتردد في تصديق ما نخافه، وهذه النقطة مُهمة في فلسفة سبينوزا السياسية. ورغم تقييمه السلبي للأمل، فإنه لم يطالب بإقصائه من المجال السياسي، إذ يرى ذلك مستحيلًا، إذ يؤدى كلٌ من الأمل والخوف دورًا مُهمًا في تصوره للعقد الاجتماعي، فالإنسان لا يُهْمِلُ ما يراه خيرًا، إلا إذا كان يرجو خيرًا أعظم أو لأنه يخشى شرًا أكبر، كما أنه لا يحتمل شرًا إلا ليتجنب ما هو أسوأ أو أملًا فيما هو أفضل، ومن ثم تستطيع الدولة أن تؤمن سلطتها عبر هذه الانفعالات السلبية، وذلك عن طريق إثارة الخوف لدى الإنسان، مثل خوفه من العقوبات المُغَلَّظَةِ مثلًا، لكن سبينوزا يرى أيضًا أن الطاعة القائمة على الإرادة الحرة قد تُمَثِّلُ بديلًا سياسيًا ممكنًا([37]).
أما كانط، فالأمل عنده هو تطلع مشروط نحو ما ينبغي أن يحدث، وهو ليس اعتقادًا فحسب، لكنه اعتقاد عنده القدرة على التأثير في سلوك الإنسان وفكره، فهو –كما يقول- “توقع غير متوقع لإمكان خير عظيم لا يُقاس”، ويميز كانط بين الأمل الأخروي الذي يتصل بالحياة الأبدية، والخير الأسمى والذي أشار إليه في كتاب “نقد العقل العملي”، والأمل بالمعنى السياسي.
ترتبط فلسفة كانط السياسية بنظريته الأخلاقية، ويرى أن السياسة يجب أن تحكم بمبادئ عقلية قبلية تقيم عدالة الأفعال السياسية ومدى استحقاقها للسعادة، ويرى أن التقدم في المجال السياسي لن يتحقق إلا بتطبيق شعار التنوير أي “الجُرأة في استخدام العقل”، فحين يكون عند الفرد القدرة الذاتية على التفكير دون الانقياد لسلطة خارجية، يتحقق التقدم السياسي، فالحرية مبدأ قبلي لكل إرادة عقلانية. ويؤمن كانط بإمكان مستقبل سلمي للبشرية عبر هذا التقدم، وهنا يظهر الأمل ليكون توجهًا نحو تحقيق السعادة في المستقبل، وليس محض امتثال للقوانين الأخلاقية، ومن ثم يربط الأمل عند كانط بين الضرورة العملية (الالتزام الأخلاقي، والضرورة النظرية وإمكان تحقق السعادة نتاجًا للفعل الأخلاقي)([38]).
يُثَمِّنُ كانط حرية الفرد ويفصلها عن الهيمنة اللاهوتية، فلا يمكن إجبار الإنسان على أن يكون أخلاقيًا، لأن الأخلاق اختيار ذاتي، ويظل وجود الله شرطًا ضروريًا لإمكان تحقيق الخير الأسمى، أي بوصفه افتراضًا ميتافيزيقيًا، ومن ثم يمكن القول إن مفهوم الإرادة الخيرة عند كانط مُشَبَّعٌ بفكرة الأمل، بوصفه قوة دافعة نحو التقدم الأخلاقي المستمر، وبناء مجتمع عقلاني كوني، وتحقيق الخير الأسمى([39]).
ومن ثم، لا يُمَثِّلُ الأملُ عنصرًا ثانويًا عند كانط، بل بُعْدًا ضمنيًا يُضفي على الإرادة الخيرة طابعًا غائيًا ويكشف عن نزعة تفاؤلية عقلانية بشأن الأمل.
وربما كان كتاب “مبدأ الأمل” لأرنست بلوخ الأكثر أهمية في التفسيرات المنهجية لأهمية الأمل السياسية في القرن العشرين، ويقدم فيه بلوخ نقاشًا حول الماركسية مميزًا في هذا بين ما أسماه “التيار البارد” و”التيار الدافئ”، يتناول في الأول منهما الفكرة القائلة بأن جميع التطورات التاريخية مشروطة بالظروف الاقتصادية (Bloch 1986) ويرى في الثاني إمكان وجود نظام عملي واقعي يفسره الأمل، فإن كان قد وَصَفَ الأمل بأنه مرتبط “بما قبل الوعي” فإنه يرى أنه يعكس بدوره الاحتمالات الموضوعية، ومن ثم تتفاعل الميول مع الواقع فتفتح لحظة تتجاوز الإمكان إلى حيث التحقق وذلك باتخاذ موقف فاعل، كذلك لقد طوَّرَ بلوخ نظرية عن الأمل لا تقوم على الرغبة والاعتقاد فقط، وإنما هي انعكاس للإمكانات الميتافيزيقية في العالم، وجزء من القدرة البشرية التي تجعله ممكنًا وذلك ليس لارتباطه (باللَّيْسِ بعد)، وإنما لارتباطه بالإمكانات الموضوعية المسبقة للواقع([40]).
رغم هذه الآراء المنفتحة على المستقبل، ورغم ما أَوْلاهُ بلوخ من اهتمام بالغ بالأمل، إذ كان يُمَثِّلُ عنده مسألة دينية، أنطولوجية، سياسية، لكنه لم يكن يوتوبيًا بصورة مطلقة في آرائه عن الأمل، فقد أقرَّ أن الأمل قد يخيب، وإلا لما كان أملًا، ويرى أن الأمل في جوهره، لا يضمن شيئًا لكنه بطبيعته جريء، يُشير إلى إمكانات يعتمد تحققها جزئيًا على المصادفة، لذا يمكن أن يُحبط، غير أن يتعلم من خيبة الأمل في تقدير ما أساء تقديره، فالأمل يمكن أن يتعلم ويزداد حكمة من التجارب المؤلمة، لكنه لا يمكن أن يحرف عن مساره، وأن جوهر غايته هو “الإنسانية الحقة”.
يرى بلوخ أن مسار العالم لم يحسم بعد في أي مكان، لكنه أيضًا لم يحبط بالكامل في أي مكان، ويمكن للإنسان أن يكون على الأرض مؤشرًا للطريق الحاسم لحد الخلاص الذي لم يتحقق بعد، أو نحو الهلاك الذي لم يقع بعد، فالعالم ما يزال مختبرًا شاقًا للإمكانات([41]).
الخاتمة:
لا يُعَدُّ الأمل محض انفعال –عقلاني أو غير عقلاني- بل هو التزام عملي ونزعة إرادية نحو مستقبل أفضل.
هو جزء من الطبيعة البشرية يميز الإنسان دون غيره من الكائنات، وهو نمط من أنماط الوجود الإنساني المنفتح على المستقبل غير المنغلق على ذاته، هو رغبة الإنسان وتطلعه لما هو آتٍ، تلك الرغبة وذلك التطلع الذي يتجاوز بهما ضعفه ومحدوديته وإرادته المقيدة، وإذا كان الفلاسفة قد عرفوا ماهية الإنسان في كونه عاقلًا، اجتماعيًا، ميتافيزيقيًا، فإنه يجب أيضًا أن نضيف إلى ذلك حقيقة كونه آملًا، فلم يَعُدْ الأمل في هذا العالم المضطرب الذي يمثل تهديدًا للإنسانية لم يَعُدْ ترفًا فكريًا، بل ضرورةً وجودية، سيكولوجية، وإيمانية، ومن ثم يظل الأمل هو طاقة النور والخير التي يسعى فيها الإنسان، وهو فعل المقاومة، وجسر الإمكان بين الحلم والواقع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
)[1]( Michael Milona: Philosophy of Hope, art in, Historical multidisciplinary perspectives on Hope, ed by, Steven.C.Van, Springer, p,101.
https://doi.org/10./1007/978-3-030-46489-9
)[2]( Swinney. R. P: False Hope: A Philosophic analysis, art in, South African Journal of Philosophy, 2025, p. 6.
http://doi.org/10.1080/02580/36.2025.254440
)[3]( Dentsoras .D: The Complex Theory Of Hope, art in, Athens, Journal philosophy 2025,5: 1-16. http: doi.org/10.30958/ajphil.x-y-z
)[4]( Michael Milona: Op.cit, p 102.
)[5]( Swinney. R.P, Op, cit, p. 2.
)[7]( Nicolas H. Smith: From the concept of hope to the principle of hope, pp.6:7.
http://nicksmithphilosophy.>2021>05>ati…pdf
)[9]( Michael Milona: Op. cit, p 101,102,104.
CF, Dentsoras: The Complex Theory of Hope, pp2,3.
)[10]( Swinney .R.P: False Hope: A Philosophic analysis, op. cit., pp. 5, 6.
)[11]( Nicolas H. Smith: From the concept of hope to the principle of hope, p. 15.
)[13]( Hope, in, Stanford Encyclopedia of Philosophy.
https://plato.stanford.edu>entries>hpoe
)[16]( F.A.Wright : Feminism in Greek Literature, From Homer to Aristotle, George Routledge & sons LTD,London,1923, p.14.
)[17]( G. Scott Gravlee: Hope in ancient Greek philosophy in Historical and Multidisciplinary perspectives on hope, pp. 6, 7.
http://doi.org/10.1007/978-3-030-46489-9-1
)[18]( Hope, in Stanford Encyclopedia of philosophy
)[19]( G. Scott Gravlee: op. cit., p. 7.
)[22]( G. Scott Gravlee: op. cit., pp. 10-11.
)[23]( Hope, in, Stanford Encyclopedia of philosophy.
CF G. Scott Gravlee, op. cit., pp. 16, 17.
)[24]( G. Scott Gravlee, op. cit. p,18.
)[25]( Hope, in Stanford Encyclopedia of philosophy
)[27]( Nicolas. H. Smith: From the concept of hope to the concept of hope, p. 14.
)[28]( Roe Fremstedal: Kierkegaard on the metaphysic of Hope, art in, Heythrop Journal, pp. 51, 52.
http://www.sfu.ca,poitras>hi-kierkegaard-h…pdf
CF Hope, in, Stanford Encyclopedia of philosophy.
)[29]( Roe Fremstedal,: Op .cit, pp.53,54.
)[31]( Hope, in Stanford Encyclopedia of philosophy
)[32]( Bloser. C.: Enlightenment views of Hope, art in Historical and Multidisciplinary perspectives on hope, p. 65.
http:doi.org/10.1007/978-30-46489-9-4
)[35]( Hope, in, Encyclopedia of philosophy.
)[36]( Bloser. C., op. cit., p. 68.
)[38]( Chakraborty. S.: The prospect of Hope in Kant’s philosophy, art in, Politeia, International Interdisciplinary Philosophy Review, Vol. 1, No. 3, 2019, p. 114: 116.
http://www.academia.edu>the prospect-of-hope-in………
)[39]( Chakraborty. S.: Op, cit, p.121.
)[40]( Hope, in Stanford Encyclopedia of Philosophy
)[41]( Jack Zipes: Ernst Bloch – who was the key contribution: The principle of Hope
http://www.academia>Ernst-Bloch-the-principle…..