الإرهاب في العصر الرَقْمي أو “الخلافة” الافتراضية: من ساحات القتال إلى روبوتات الدردشة

 تكوين

مقدمة:

لم يَعُدْ خافيًا حجم التحولات الرَّقْمية المتسارعة، وما ترتب عليها من إعادة تكوين طبيعة التهديدات الأمنية المعاصرة في ظل صعود لافت للتنظيمات المسلحة والإرهابية خلال العقد الأخير، وذروة ذلك مع ما عرف بـ “دولة الخلافة” المزعومة والمتوهمة لتنظيم “داعش” الإرهابي في سوريا العراق خلال عامي 2014 و2017. إذ لم تَعُدْ الجماعات الإرهابية تعتمد على الوسائل التقليدية في الدعاية والتجنيد والتأثير، بل انتقلت إلى توظيف الفضاء الرَقْمي بوصفه ساحة مركزية للصراع وإعادة إنتاج النفوذ. كما برز الذكاء الاصطناعي ليكون أداةً ذات طابع مزدوج؛ فيتيح إمكانات هائلة للتطوير والابتكار، إلا أنه في الآن ذاته، يوفر للجماعات المتطرفة قدرات غير مسبوقة، على التكيف والتوسع والتأثير. وعليه، لم تَعُدْ مواجهة الإرهاب مسألة ترتبط فقط بالعمليات العسكرية أو الأمنية المباشرة، بل باتت مرتبطة أيضًا بصراع معقد داخل البيئات الافتراضية المتحركة، إذ تتبدل الأدوات والأساليب بوتيرة متسارعة، بما يجعل الحديث عن انتصار نهائي على التنظيمات المتشددة أمرًا بالغ التعقيد.

وقد كشفت تجارِب السنوات الأخيرة عن أن التنظيمات الإرهابية أصبحت أكثر قدرة على استغلال أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في بِناء بيئات تفاعلية، تستهدف الأفراد المعرضين لأوضاع هشّة على المستويين النفسي والفكري، وذلك سواء كانوا في بيئات عربية أو بالعواصم الأوروبية والغرب. فبدلًا من الخطاب الدعائي التقليدي، ظهرت أنماط جديدة من تجنيد التفاعل القائم على روبوتات الدردشة الذكية القادرة على محاكاة البشر، وإجراء محادثات طويلة ومؤثرة تطال المستهدفين، بما يحرك دوافعهم ونوازعهم العنيفة المتطرفة وربما الغرائزية، استنادًا إلى تحليل اهتماماتهم وخلفياتهم النفسية والعقائدية. ويمنح هذا النمط التنظيمات المتطرفة قدرة غير مسبوقة على تخصيص الرسائل الدعائية وتكييفها وَفْق الخصائص الفردية لكل مستخدم، بما يزيد من احتمالات التأثر والاستجابة.

ويزداد هذا الخطر مع تطور تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي باتت قادرة على إنتاج محتوى مقنع وعالي الجودة من الصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية، بما في ذلك تِقْنيات “التزييف العميق” Deep fake التي تسمح بصناعة مشاهد أو خطابات مزيفة يصعب على المتلقي العادي التمييز بينها وبين المواد الحقيقية. وتُستخدم هذه التِقْنيات في تضخيم السرديات المتطرفة، وصناعة صورة دعائية تضخيمية تلفيقية ومشبوهة للتنظيمات المسلحة، بغية إعادة إنتاج العمليات الإرهابية ضمن قالب بصري وعاطفي، بينما يهدف إلى نشر الرعب وتعظيم التأثير النفسي واستقطاب المؤيدين كما الحواضن المرشحة للاستقطاب. كما تتيح هذه الأدوات تجاوز كثير من القيود التي كانت تواجه الدعاية الإرهابية التقليدية، سواء في اللُّغة أو الشكل أو سرعة الانتشار.

وفي هذا الإطار برزت تطبيقات الذكاء الاصطناعي بوصفها أداة استراتيجية لتعزيز الحضور الافتراضي للتنظيمات الأصولية المتشددة. فالجماعات الإرهابية لم تَعُدْ تعتمد على منصات إعلامية مركزية فقط، بل باتت تستثمر في شبكات رَقْمية مرنة تَتَكَوَّنُ من أنصار ومتطوعين ومنصات دعم غير رسمية تنتج وتعيد تدوير المحتوى الدعائي بصورة مستمرة. وقد تُسهم الخوارزميات الرَّقْمية في تسهيل وصول هذه المواد إلى جماهير واسعة عبر استغلال اهتمامات المستخدمين وسلوكهم الرَقْمي، بما يسمح للتنظيمات باستهداف فئات محددة من الشباب والمراهقين ضمن بيئات ترفيهية وثقافية تبدو للوهلة الأولى وظاهريًا بعيدة عن الخطاب المتطرف.

ومن أخطر التحولات المرتبطة بهذا التطور، انتقال التنظيمات الإرهابية إلى توظيف الألعاب الإلكترونية والبيئات الافتراضية بوصفها مساحات للتأثير والتجنيد. فقد تحولت بعض منصات الألعاب إلى فضاءات للتواصل المُغلق وبناء العلاقات بين المتطرفين والمستهدفين، مستفيدة من خصائص التخفي والتفاعل المباشر وصعوبة الرقابة. وتتيح البيئات الرَّقْمية، خصوصًا مع صعود تِقْنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز، إمكان بِناء عوالم افتراضية تحاكي التصورات الإيديولوجية للجماعات المتشددة، بما يشمل محاكاة ساحات القتال أو الدولة المتخيلة التي تسعى تلك التنظيمات إلى ترسيخها في الوعي الجمعي للمتلقين.

تِقْنيات الواقع الافتراضي

دمج الذكاء الاصطناعي بتِقْنيات الواقع الافتراضي يفتح المجال أمام أشكال أكثر تعقيدًا من الرَّدكلة والتعبئة النفسية، إذ يمكن تصميم شخصيات رَقْمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تتفاعل مع المستخدمين بصورة شديدة الواقعية، تُعيد إنتاج الخطاب المتطرف داخل تجارِب متعددة وبأنماط مغايرة تخدش الحواس وتحفر لنواة تطرف محتملة. ويكتسب هذا التهديد أبعادًا أكثر خطورة لدى الفئات الهشة أو المعزولة اجتماعيًا، التي قد تطور ارتباطًا عاطفيًا مع روبوتات المحادثة أو الشخصيات الافتراضية، في ظل ما يعرف بـ “تأثير إليزا” الذي يعود لستينيات القرن الماضي، أي الميل إلى إضفاء صفات إنسانية على الأنظمة الذكية والتفاعل معها بوصفها كِياناتٍ واعيةً. ويشير تقرير بحثي صادر عن المركز الدولي لمكافحة الإرهاب، إلى أن تطور الذكاء الاصطناعي لم يَعُدْ فقط نقلة تِقْنية في مجالات الاقتصاد والخدمات، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في إعادة تكوين مشهد التهديدات الإرهابية، خصوصًا فيما يتعلق بعمليات التطرف والتجنيد الإلكتروني (1).

ويستعرض التقرير حالة الشاب البريطاني تشايل، الذي حاول في عام 2021 التسلل إلى قلعة وندسور وهو مسلح، مُستهدفًا الملكة إليزابيث الثانية. وكشفت التحقيقات أن الشاب كان على تواصل مكثف مع جهة افتراضية تبيَّنَ لاحقًا أنها روبوت دردشة يعمل بالذكاء الاصطناعي. ويُحيل التقرير هذا النمط من التفاعل إلى ما يُعرف في الأدبيات التِقْنية بـ “تأثير إليزا”، ويشير إلى مَيْلِ المستخدمين إلى التعامل مع برامج الحاسوب وكأنها كِيانات واعية تمتلك مشاعر ونوايا. ومع التطور الكبير في تِقْنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، عدّ الباحثون أن هذا التأثير بات أكثر عمقًا وخطورة، خصوصًا لدى الفئات الشابة أو المعزولة اجتماعيًا. إذ إن أحد أبرز المخاطر الناشئة يَتَمَثَّل في قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على تعزيز قناعات المستخدمين بدلًا من تصحيحها، من خلال التفاعل الشخصي المستمر وتقديم استجابات مخصصة تتوافق مع ميولهم الفكرية. ذلك النمط من التفاعل قد يخلق حالة من الارتباط العاطفي أو النفسي، ربما تُستغل في بعض الحالات لدفع الأفراد نحو تبني أفكارًا متطرفة أو سلوكيات عنيفة. متشددة وراديكالية.

في المقابل، هذه التِقْنية ذات الاستخدام المزدوج يمكن أن تُسهم أيضًا في جُهود مكافحة التطرف، عن طريق تطوير نماذج قادرة على إنتاج رسائل مضادة موجهة بدقة للفئات المعرّضة للخطر، واختبار فاعلية هذه الرسائل باستخدام أنظمة محاكاة رَقْمية دون تعريض أفراد حقيقيين لأي مخاطر. كما أن دمج الذكاء الاصطناعي مع تِقْنيات أخرى مثل: وسائل التواصل الاجتماعي والواقع الافتراضي والواقع المعزز، قد يضاعف من تأثيره، سواء في عمليات التجنيد أو في إنتاج محتوى دعائي شديد التطور يصعب رصده أو احتواؤه بالوسائل التقليدية. فالطبيعة المفتوحة والواسعة الانتشار للذكاء الاصطناعي تجعل منه تِقْنية متاحة عالميًا دون حواجز كبيرة، وهو ما يعني أن الجماعات المتطرفة قد تتمكن من الوصول إلى أدوات مشابهة لتلك التي تستخدمها الدول والمؤسسات البحثية، ما يرفع من مستوى التحدي الأمني رفعًا غيرَ مسبوقٍ.

روبوتات الدردشة ومحاكات داعش

وثمة روبوتات دردشة عديدة وُثِّقَ اضطلاعها بمُهمة محاكاة شخصيات مقاتلين تابعين لتنظيم داعش، سواء من القتلى أو المعتقلين، ضمن تجارِب بحثية هدفت إلى فَهْم طبيعة التفاعل بين المستخدمين وهذه النماذج الرَّقْمية. ورغم أن مستوى التفاعل في تلك النماذج لا يزال محدودًا جزئيًا، إلا أن المخاوف تتزايد بشأن التطور المستقبلي لهذه الأنظمة، خاصة مع التحسن المستمر في قدرات الذكاء الاصطناعي على محاكاة اللُّغة البشرية وبناء العلاقات العاطفية والنفسية مع المستخدمين. فيما تكمن خطورة هذه التطبيقات في قدرتها على خلق شعور زائف بالألفة والانتماء، بما يسمح للتنظيمات المتطرفة ببناء علاقات تفاعلية طويلة المدى مع الأفراد القابلين للتجنيد. فبدلًا من الخطاب الدعائي المباشر، يمكن لروبوتات المحادثة أن تمارس دور المرافق الرَقْمي، الذي يستمع ويُقنع ويُعيد إنتاج السرديات المتشددة بطريقة تدريجية يصعب اكتشافها أو مراقبتها. ومع تطور تِقْنيات الذكاء الاصطناعي، قد تتحول هذه الروبوتات إلى أدوات أكثر قدرة على دفع الأفراد نحو العنف أو تبرير السلوك المتطرف، من خلال التفاعل المستمر والتأثير النفسي المتراكم.

وتتجاوز خطورة هذه الأدوات حدود البروباغندا، لتصل إلى إمكان استخدامها في عمليات التعبئة والتجنيد المباشر. ففي تجرِبة أجراها جوناثان هول، المسؤول البريطاني المَعْنِيُّ بمراجعة تشريعات الإرهاب، تفاعل مع روبوتات دردشة على منصة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، بعضها ادَّعى تمثيل شخصيات قيادية في تنظيم داعش، وحاول دفعه نحو تبني مواقف متشددة وإقناعه بالانخراط في الفكر المتطرف (3)

وقد سلَّطت هذه التجرِبة الضوء على هشاشة الضوابط المفروضة على بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وإمكان استغلالها في إنتاج تفاعلات تشجع على التطرف والعنف. كما أظهرت دراسات بحثية أجراها مركز مكافحة الإرهاب في “ويست بوينت” (4) أن النماذج اللُّغوية الكبرى يُمكن التحايل على ضوابطها الأمنية للحصول على معلومات تتعلق بالتخطيط للهجمات أو جمع التبرعات أو الترويج للتنظيمات المتشددة. ففي إحدى التجارِب، تمكن الباحثون من الحصول على إرشادات تفصيلية عن كيفية تنفيذ حملات دعائية وجمع تبرعات لصالح تنظيمات إرهابية، بما في ذلك اقتراحات لعبارات دعائية ورسائل موجهة لوسائل التواصل الاجتماعي. ويكشف ذلك عن التحديات المعقدة التي تواجهها الشركات المطورة لهذه النماذج، خاصة مع الانتقادات المتزايدة التي تتهمها بالتسرع في إطلاق أدوات مفتوحة المصدر دون ضمانات كافية للسلامة والأمن.

المجالات العملياتية والعسكرية

وقد وسعت التنظيماتُ الإرهابية من استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات العملياتية والعسكرية. فشهدت السنوات الماضية تزايدًا ملحوظًا في توظيف الطائرات المُسيَّرة والأنظمة المؤتمتة ضمن الهجمات المسلحة، سواء لأغراض الاستطلاع أو الاستهداف أو تنفيذ العمليات الانتحارية عن بعد. ويشير هذا التحول إلى انتقال الإرهاب من الاعتماد الكثيف على العنصر البشري إلى أنماط أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا، بما يُقلل من التكلفة التشغيلية ويزيد من القدرة على التخفي والمرونة والضرب من مسافات آمنة. ويثير هذا التطور مخاوف متزايدة من احتمال وصول التنظيمات الإرهابية مستقبلًا إلى أنظمة قتالية تشمل الروبوتات المسلحة أو أسراب الطائرات المُسيّرة ذاتية التشغيل، المدعومة بخوارزميات التعرف على الأهداف واتخاذ القرار. وفي هذه الحالة، قد تصبح الهجمات الإرهابية أكثر دقة واتساعًا وفتكًا، خصوصًا مع قدرة الأنظمة الذكية على تحليل البيانات الميدانية بطريقة فورية، وتحديد الأهداف بصورة شبه تلقائية، وتنفيذ عمليات متزامنة يصعب احتواؤها بالوسائل التقليدية. ولم يقتصر توظيف الذكاء الاصطناعي على الجانب الدعائي أو العسكري فقط، بل امتد أيضًا إلى مجالات التمويل والاتصالات والأمن السيبراني. فالجماعات المتطرفة تستفيد من العملات الرَّقْمية والأصول المشفرة لتجاوز القيود المصرفية والرقابية المفروضة عليها، كما تستغل تطبيقات التراسل المشفر والبِنى التحتية اللا مركزية في إدارة شبكاتها ونقل الأموال والتنسيق العملياتي بعيدًا عن أنظمة المراقبة التقليدية. كذلك أتاح الذكاء الاصطناعي تطوير أدوات هجومية في الفضاء السيبراني، بما يشمل تحسين قدرات الاختراق الإلكتروني، وتنفيذ حملات التضليل، وتطوير البرمجيات الخبيثة، وشن هجمات الحرمان من الخدمة.

وفي المحصلة، يكشف التحول الرَقْمي المتسارع عن أن الذكاء الاصطناعي بات عاملًا مركزيًا في إعادة صناعة طبيعة الإرهاب ومكافحته معًا. ففي مؤشر جديد على هذه التحولات المتسارعة في طبيعة التهديدات الأمنية، ورغم الإعلان عن هزيمة التنظيم الإرهابي في الباغوز التي كانت آخر معاقله في شمال شرق سوريا على يد القوات الكردية وقوات التحالف الدولي، ما تزال تقارير عديدة غربية، بحثية وأمنية استخبارية، تواصل تحذيراتها من توسع اعتماد التنظيمات الإرهابية على تِقْنيات الذكاء الاصطناعي، في مجالات الدعاية والتجنيد والتخطيط العملياتي، بما يفرض تحديات متزايدة أمام أجهزة مكافحة الإرهاب حول العالم. لأن الجماعات الراديكالية المسلحة والإرهابية، باتت توظف أدوات الذكاء الاصطناعي لتعزيز كفاءتها الإعلامية والتنظيمية الحركية، مستفيدة من الانتشار الواسع للتطبيقات الرَّقْمية وسهولة الوصول إلى تِقْنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. ولم يَعُدْ الاهتمام وَحْده قائما على العمل الميداني والحركي المباشر. كما أن وكالات مكافحة الإرهاب لطالما وصفت معركتها مع التنظيمات المتطرفة على الإنترنت بأنها أشبه بـ “مطاردة لا تنتهي” (5)، في ظل قدرة تلك الجماعات على التكيف السريع مع التِقْنيات الحديثة واستخدامها في التجنيد والتمويل والتواصل السري ونشر المواد الدعائية.

العنف المادي والرمزي افتراضيًا

تنظيمات إرهابية مثل داعش والقاعدة، إلى جانب جماعات أصولية من اليمين المتطرف في الغرب، نجحوا خلال الأعوام الماضية في إدارة صراعاتهم وتعميم نفوذهم أو بالأحرى نقل صراعاتهم وقيمهم وعنفهم المادي والرمزي عبر المنصات الرَّقْمية، فضلًا عن توفير اقتصاديات جديدة ومغايرة تبدو أكثر مرونة من خلال العملات المشفرة وتِقْنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد، فضلًا عن توظيف التطبيقات المشفرة لنقل التعليمات وتبادل الخبرات بين الحواضن المختلفة. ومع التطور السريع للذكاء الاصطناعي، تتزايد المخاوف من انتقال هذه الجماعات إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تعتمد على أدوات قادرة على إنتاج محتوى دعائي متطور، وتطوير أساليب الاستقطاب والتأثير النفسي بصورة أكثر دقة وفاعلية. هذه المخاوف تَتَمَثَّل في رفع كفاءة الجماعات المتطرفة على مستوى التخطيط والتنفيذ. ويقول آدم هادلي، المدير التنفيذي ومؤسس “منظمة تكنولوجيا ضد الإرهاب” إن الجماعات الإرهابية لا تستخدم الذكاء الاصطناعي لإحداث تحول جذري في قدراتها، بقدر ما توظفه لتسريع الأنشطة القائمة وتعزيز فعاليتها، مشيرًا إلى أن المخاطر المستقبلية قد تشمل استخدام هذه التِقْنيات في تطوير التطبيقات والمواقع الإلكترونية بصورة متسارعة (6).

فتنظيم داعش الإرهابي بدأ بالفعل توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها روبوت المحادثة  ChatGPT لإنتاج مواد دعائية متعددة الوسائط، تشمل النصوص والمقاطع الصوتية والصور الرَّقْمية، بما يعزز حضوره على الفضاء الإلكتروني. ومن ثم، يبرز الدور المركزي للذكاء الاصطناعي في دعم القدرات الدعائية للتنظيمات الأصولية، من خلال إعادة تدوير المحتوى الدعائي وتحويله إلى صيغ أكثر تأثيرًا وانتشارًا ولها نمط احترافي. وكشف تقرير لصحيفة “الغارديان” البريطانية أن تنظيم داعش لم يَعد يخفي اهتمامه المتزايد بالذكاء الاصطناعي، إذ نشر عبر قنوات مشفرة دليلًا خاصًا بعنوان: “دليل أدوات ومخاطر الذكاء الاصطناعي”، كما خصص موادًّا دعائيةً تحثُّ عناصرَهُ وأنصارَهُ على فَهْم هذه التكنولوجيا والاستفادة منها في المجالات التنظيمية والعملياتية. وقد شهدت غرف الدردشة التابعة للتنظيم نقاشات حول استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات حساسة، بينها تصنيع المتفجرات وتطوير المركبات المستخدمة في الهجمات، وسط محاولات متزايدة للالتفاف على أنظمة الرقابة والرصد الأمني. ما جعل الصحيفة تُحذر من قدرة هذه التنظيمات على الاستفادة من أدوات تعديل الأصوات والتِقْنيات المشفرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتعزيز أمنها العملياتي وإخفاء هُويات عناصرها، بما يزيد من صعوبة تعقبها أمنيًا (7). وثمة سوابق تدعم هذه المخاوف، كما هو الحال مع استخدام تنظيم داعش المكثف لمنصات التواصل الاجتماعي منذ عام 2014 لبثِّ مشاهد الإعدامات والدعاية الحربية، وهو ما أسهم آنذاك في توسيع دائرة التجنيد والتأثير الإعلامي للتنظيم.

إذًا، رغم إعلان هزيمة تنظيم داعش الإرهابي عسكريًا في الباغوز شرق سوريا عام 2019، إلا أن التنظيم لم ينتهِ فعليًا أو يتلاشى بالكلية، بل أعاد تكوين نفسه داخل الفضاء الرَقْمي والعوالم الافتراضية، بفعل تِقْنيات الذكاء الاصطناعي ومنصات الألعاب والتواصل الحديثة لتوسيع عمليات التجنيد والتحريض والتخطيط للهجمات. كما احتفظ التنظيم بقدرة كبيرة على إعادة التموضع والعمل السري، عبر التحاقه وتماسه وشبكات دعائية إلكترونية واسعة وجهود تجنيد عابرة للحدود. حتى إن مسؤولين أميركيين، أكدوا أن التنظيم واصل جذب الأنصار عبر “حملة عالمية واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي” (8) رغم خسارته آخر معاقله الميدانية.

كما أظهرت تقارير استخباراتية وعسكرية أن أعدادًا كبيرة من عناصر التنظيم وعائلاتهم انتقلوا إلى مخيمات مثل الهول بعد معركة الباغوز، حيث تحولت تلك البيئات إلى حواضن لإعادة إنتاج الفكر المتطرف واستقطاب جيل جديد من الأنصار.  لذلك، فداعش نجح منذ وقت مبكر في تطوير نموذج متقدم لـ “الجهاد السيبراني”، يقوم على توظيف وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرَّقْمية لتكون بديلًا عن السيطرة الجغرافية المباشرة. وذكرت دراسة بعنوان “ISIS’s use of cyberspace” أن التنظيم استخدم فيسبوك وتويتر ويوتيوب وتطبيقات إلكترونية خاصة به لبناء شبكات تجنيد وتعبئة عالمية، مُعتمدًا على الابتكار التِقْني لتجاوز الحدود التقليدية ونقل نشاطه من الأرض إلى الفضاء الإلكتروني (9).

البيئات الرَّقْمية

بالتبعية، يمكن القول إن هذه البيئات الرَّقْمية توفر للتنظيم فرصة لإعادة بِناء “الخلافة الافتراضية”، من خلال خلق مجتمعات إلكترونية بديلة تقوم على الدعاية والتلقين والتفاعل المستمر، بعيدًا عن الرقابة الأمنية التقليدية. وبحسب دراسات وأبحاث متخصصة في تحليل الدعاية الرَّقْمية للتنظيم، فداعش استفاد من تِقْنيات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لِفَهْم السلوك النفسي للمستخدمين واستهدافهم برسائل دعائية مصممة، وَفْق اهتماماتهم وخلفياتهم الاجتماعية والدينية. وعليه، فالعوالم الرَّقْمية والألعاب الإلكترونية لم تَعد فقط منصات ترفيهية، بل تحولت إلى ساحات للتأثير الأيديولوجي والتجنيد غير المباشر، خاصة مع تزايد الاعتماد على تِقْنيات الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي التفاعلي.

مرحلة ما بعد الباغوز، تتخطى إذًا خطورتها الظاهرية ببقاء الخلايا المسلحة، أو الخلايا النائمة، ومحاولات إعادة التموضع في مناطق مثل البادية السورية والعراقية، بل قدرة التنظيم على التحول إلى شبكة هجينة منفلتة تجمع بين النشاط السري التقليدي والبِنية الرَّقْمية اللا مركزية، بما يسمح له بالحفاظ على حضوره العالمي، وتجنيد عناصر جديدة، والتخطيط لعمليات إرهابية من دون الحاجة إلى سيطرة ميدانية مباشرة. ومن هنا، باتت معركة مكافحة الإرهاب، تدور بنحوٍ متزايد داخل الفضاء السيبراني والعوالم الافتراضية، تسعى فيه التنظيمات المتطرفة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي والألعاب الإلكترونية والمنصات الرَّقْمية لبناء جيل جديد من الأنصار يتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية. فالوقائع اللاحقة لما بعد 2019، جميعها تُشير إلى أن التنظيم لم يختفِ، بل أعاد تكوين نفسه في صورة أكثر مرونة، تقوم على العمل اللا مركزي، واستغلال البيئات الهشة، والانخراط المتزايد في الفضاء الرَقْمي.

وإثر انهيار “الخلافة” المزعومة، تعددت وتباينت مؤشرات واضحة على انتقال التنظيم إلى نمط سري، خفي غير معلن، يعتمد على خلايا صغيرة منتشرة في العراق وسوريا، قادرة على تنفيذ عمليات اغتيال وهجمات محدودة النطاق، بالتوازي مع استمرار قدرته على بث رسائله الأيديولوجية عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وتشير تقديرات أمنية إلى أن آلاف العناصر ما زالوا يحتفظون بصلات تنظيمية أو ولاءات فكرية للتنظيم، رغم فقدانه السيطرة الإقليمية. فيما تبرز المخيمات المكتظة شمال شرقي سوريا، وعلى رأسها مخيم الهول، بوصفها إحدى أبرز البيئات التي تعكس استمرار التحدي. فالمخيم الذي يضم عشرات الآلاف من النساء والأطفال المرتبطين بالتنظيم، تحول إلى فضاء شديد التعقيد، تتداخل فيه الأوضاع الإنسانية الصعبة مع مؤشرات على استمرار الفكر المتطرف داخل بعض أجزائه. وقد وثقت تقارير ميدانية حالات عنف وترهيب داخل المخيم، إلى جانب ظهور مظاهر رمزية داعمة للتنظيم لدى بعض المقيمين (10).

الفضاء غير المرئي

وبينما فقد تنظيم داعش قدرته على السيطرة الجغرافية، فإنه يسعى اليوم إلى ترسيخ وجوده في الفضاء غير المرئي عبر شبكة رَقْمية مرنة، تجمع بين الدعاية، والتجنيد، والتأثير النفسي، وهو ما يجعل تهديده، أقل وضوحًا من الماضي، لكنه أكثر تعقيدًا وانتشارًا. وإلى جانب الذكاء الاصطناعي، برزت منصات الألعاب الإلكترونية والتواصل الاجتماعي كأحد أبرز ساحات التجنيد الجديدة. فتطبيقات مثل Discord ومنصات ألعاب تفاعلية أمست تُستخدم لتكون بيئات أولية للتواصل مع الأطفال والمراهقين. هذه البيئات، التي تتسم بطابع ترفيهي وتفاعلي، تُستغل لخلق مساحات دردشة غير خاضعة للرقابة الكافية، ما يسمح بتسلل خطاب متطرف تسللًا تدريجيًا. وتعتمد هذه الاستراتيجية على ما يمكن وصفه بـ “التجنيد الناعم”، إذ يبدأ التواصل بمحتوى عادي داخل الألعاب، قبل الانتقال تدريجيًا إلى رسائل أيديولوجية أكثر تطرفًا. وتكشف التقارير الأمنية أن التنظيمات المتطرفة باتت تُوْلي اهتمامًا متزايدًا بفئة القُصّر، إذ سُجلت حالات تجنيد لأطفال في سن مبكرة في عدد من مناطق العالم، خصوصًا في جنوب شرق آسيا وشمال إفريقيا. ومن ثم، تورط مئات القُصّر أو وقعوا في أفخاخ ودوائر تأثير مرتبطة بالتنظيم خلال فترة عام واحد فقط في بعض الدول، عبر الإنترنت بطريق أساسي. كما لا يقتصر الاستهداف على الذكور، بل يطال الأمر ذاته الفتيات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تحت شعارات تتعلق بالهُوية والانتماء أو الزواج من مقاتلين. ذلك ما يجعل اللحظة بمنزلة بداية مرحلة أكثر تعقيدًا من الحرب غير المرئية، التي تُدار عبر الفضاء الإلكتروني (11).

شهد العالم خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة في بِنية التهديدات الإرهابية، إذ لم تَعد الأساليب التقليدية القائمة على التفجيرات والخطف والعمليات الميدانية هي الطريق المهيمن وَحْده، بل برز ما يمكن وصفه بـ “الإرهاب الرَقْمي” الذي يرتكز على الفضاء الرَقْمي والتِقْنيات المتقدمة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي. وقد أتاح الانتشار الواسع للإنترنت والهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي للتنظيمات المتطرفة إمكانات غير مسبوقة للوصول إلى جمهور عالمي دون الحاجة إلى وجود جغرافي أو سيطرة إقليمية مباشرة. ولا يعني هذا التحول ظهور أيديولوجيات جديدة بقدر ما يعكس تطورًا في الأدوات والوسائل. فجوهر التغيير يَتَمَثَّل في القدرة على إنتاج خطاب متطرف ونشره على نطاق واسع وبسرعة فائقة، بما يفرض تحديات كبيرة على آليات المواجهة التقليدية، ويستدعي إعادة النظر في استراتيجيات مكافحة الإرهاب العابرة للحدود. ففي السياق الرَقْمي المعاصر، لم يَعد الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على التطبيقات المدنية في الاقتصاد والصحة والتعليم، بل أصبح أداة ذات استخدام مزدوج يمكن توظيفها في دعم الأمن أو تهديده. فبينما تعمل الدول على تطوير تِقْنيات لمكافحة الإرهاب الرَقْمي، تسعى التنظيمات المتطرفة إلى استغلال القدرات نفسها لتطوير أساليب دعائية وعملياتية أكثر تعقيدًا.

تِقْنيات استراتيجية

إذ إن إدخال تِقْنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في المجال الإرهابي يُمَثِّلُ نقطة تحول استراتيجية، خصوصًا بعدما منح الجماعات المتطرفة قدرة أعلى على التكيف السريع، ويقلص الفجوة بين الابتكار التِقْني وآليات الرد الأمني التقليدية. وكما سبقت الإشارة، فإن داعش بعد خسارته السيطرة على أراض واسعة في العراق وسوريا عام 2019، أعاد تنظيم داعش تكوين نفسه بصورة مختلفة، متحولًا من كِيان شبه دولتي إلى شبكة عابرة للحدود ذات طابع لا مركزي. ويقوم هذا النموذج على الجمع بين قيادة مركزية تتولى التوجيه الإعلامي والأيديولوجي، وفروع إقليمية تتمتع بهامش واسع من الاستقلال العملياتي. وفي هذا الإطار، عزز التنظيم حضوره في الفضاء الإلكتروني عبر إنتاج محتوى دعائي متعدد اللغات وبجودة تِقْنية عالية، وقد عمد إلى الاستفادة للحدود القصوى من انخفاض تكلفة النشر الرَقْمي وسهولة الوصول إلى الجمهور المستهدف. كما توسع في استخدام منصات التواصل والتطبيقات المشفرة لتأمين التواصل الداخلي، وبناء شبكات دعم وتمويل، بما في ذلك الاستفادة من العملات الرَّقْمية. إذ يُمَثِّلُ الذكاء الاصطناعي التوليدي أحد أبرز أدوات التطور في خطاب التنظيمات المتطرفة، إذ بات بالإمكان إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو عالية الجودة بطريقة آلية وسريعة. وقد استغلت داعش هذه التِقْنيات في تطوير محتوى دعائي متقدم، شمل شخصيات إعلامية افتراضية ورسائل مصممة آليًا تهدف إلى التأثير في المتلقين وتوسيع دائرة الاستقطاب. وقد مكّنت هذه الأدوات التنظيم من تخصيص الرسائل الدعائية وَفْق الفئات المستهدفة، سواء في اللُّغة أو الخلفية الثقافية أو الاهتمامات، وهو ما جعل عمليات التجنيد أكثر دقة وتعقيدًا مقارنة بالمراحل السابقة (12).

لا يقتصر توظيف الذكاء الاصطناعي على الدعاية، بل يمتد إلى المجال العملياتي، إذ يمكن استخدامه في تحليل البيانات الميدانية، ورصد الأنماط الأمنية، وتحديد نقاط الضعف في البِنية التحتية للمدن. كما تتزايد والحال كذلك المخاوف من إمكان استخدامه في تطوير برمجيات خبيثة قادرة على استهداف شبكات حيوية مثل المستشفيات ومحطات الطاقة. وفي المجال العسكري، يُسهم الذكاء الاصطناعي في تطوير قدرات الطائرات المسيّرة والمركبات الذاتية، بما يرفع من دقة الهجمات ويقلل من الحاجة إلى تدخل بشري مباشر. كما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا فيما يتعلق بالأمن السيبراني والهجمات الموجهة على الأنظمة الرَّقْمية. وعليه، يتجه الإرهاب في العصر الرَقْمي إلى إعادة توليد أنماطه وتهديداته المختلفة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي والفضاء الإلكتروني، مبتعدًا تدريجيًا عن النماذج التقليدية القائمة على السيطرة الجغرافية والعمل الميداني المحدود. ومع هذا التحول، تتزايد التحديات الأمنية على نحوٍ غير مسبوق، إذ تتقاطع التكنولوجيا مع الأيديولوجيا في فضاء مفتوح، مرن وحر، وكذا عابر للحدود. ويؤكد هذا الواقع أن المواجهة لم تَعد تقتصر على الأدوات الأمنية التقليدية، بل أصبحت تتطلب دمجًا بين الابتكار التكنولوجي، والتعاون الدولي، والمعالجة الفكرية والاجتماعية في آن، لضمان عدم تحول الذكاء الاصطناعي إلى رافعة جديدة للتطرف والإرهاب في المستقبل.

وتبعًا للتحولات التي تشهدها البيئة الأمنية العالمية في طبيعة التهديدات الإرهابية، مع انتقالها من الأشكال التقليدية إلى أنماط أكثر تعقيدًا ترتبط بالفضاء الرَقْمي والتِقْنيات الناشئة، يبرز ما هو أكثر خطورة من الجانب الدعائي والتوليدي الأيدولوجي وكذا التجنيد والتعبئة، حيث الطائرات المسيّرة والروبوتات القاتلة التي باتت التنظيمات المتطرفة تسعى إلى استغلالها لتوسيع قدراتها العملياتية والإعلامية. وفيما يبدو أن هذا التحول المثير يدشن عتبة جديدة تَتَمَثَّل في وجود حرب رَقْمية ممتدة، تتداخل فيها التكنولوجيا مع أنماط العنف غير التقليدي، بما يجعل من الصعب الفصل بين المجالين السيبراني والميداني في التهديدات الحديثة. فأمست الطائرات المُسيّرة (الدرونز) من أكثر التِقْنيات جذبًا للجماعات والتنظيمات المسلحة والإرهابية، نظرًا لسهولة الحصول عليها وانخفاض تكلفتها وإمكان تعديلها لأغراض هجومية.

وتشير تقديرات أُمَمية إلى أن عددًا متزايدًا من الفاعلين غير الدولتيين بات يمتلك القدرة على تشغيل هذه الأنظمة، بما في ذلك تنظيمات إرهابية في مناطق نزاع متعددة. وتستخدم هذه الطائرات في مهام متنوعة تشمل الاستطلاع وجمع المعلومات وتنفيذ هجمات محدودة الدقة، بالإضافة إلى استخدامها لتكون وسائل تشتيت أو تمهيد لهجمات أكبر. كما أن تطور قدراتها التِقْنية، خاصة في المدى والدقة، جعلها قادرة على الوصول إلى أهداف بعيدة عن مناطق الاشتباك التقليدية، بما في ذلك منشآت مدنية وبِنى تحتية حيوية (13). وتزداد المخاوف من سيناريوهات أكثر تعقيدا، مثل الهجمات المنسقة عبر أسراب من الطائرات الصغيرة، والتي قد تُدار بواسطة برمجيات موحدة، ما يرفع من صعوبة رصدها والتصدي لها باستخدام الأنظمة الدفاعية التقليدية.

طائرات داعش المُسيرة والروبوتات القاتلة

وكان لافتًا في عام 2016، أن سجّل تنظيم داعش أول استخدام ناجح لطائرات مسيّرة في تنفيذ هجوم ميداني، أسفر عن مقتل عنصرين من قوات البيشمركة الكردية في شمال العراق، في مؤشر مبكر على تصاعد توظيف التنظيم للتِقْنيات الجوية منخفضة التكلفة في عملياته القتالية. وفي العام التالي، أعلن التنظيم الإرهابي ذاته عن تكوين وَحْدة متخصصة حملت اسم “طائرات دون طيار للمجاهدين”، خُصصت لتطوير هذا النوع من السلاح وتعزيز استخدامه في مسارح العمليات. وتهدف هذه الوَحْدة، بحسب ما أعلنه التنظيم آنذاك، إلى ترسيخ قدراته في مجال الطائرات المسيّرة، بما يضمن توسيع نطاق استخدامها توسيعًا تدريجيًا ومستدامًا ضمن بِنيته العسكرية والإعلامية (14). ويمكن القول إن تعاطي التنظيمات الإرهابية مع الذكاء الاصطناعي والأدوات التِقْنية التي توفرها الاتصالات الحديثة المتطورة والفضاءات الرَّقْمية كما العوالم الافتراضية، لا يبدو أمرًا طارئًا أو عرضيًا، بل عملٌ منظم يجمع بين ما هو تكتيكي واستراتيجي، ويواصل النشاط للحدود القصوى، لتحقيق النتائج القصوى في ظل سباق لا يتوقف. وهذا السباق المحموم والنشاط المنظم يكشف عن بِنية تحتية رَقْمية يجري تدشينها وحشدها بقيم التطرف والرأسمال الرمزي للإرهاب المؤدلج. وهنا يبرز الذكاء الاصطناعي ليكون أحدَ أخطر الأدوات المحتملة التي تزداد فعاليتها في يد التنظيمات المتطرفة، نظرًا لقدرته على تحليل البيانات الضخمة، وأتمتة العمليات.

ومن ثم، تبدو أمامنا ثلاث مسارات رئيسة، الأولى هي إنتاج المحتوى أو توليده، والثاني الهجمات السيبرانية والحرب الافتراضية الرَّقْمية، إذ يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير برمجيات خبيثة أكثر تعقيدًا وقدرة على التكيف مع أنظمة الحماية، إلى جانب تعزيز عمليات الاختراق والهجمات الموجهة على البِنى التحتية الرَّقْمية. والمسار الأخير يَتَمَثَّل في التخطيط العملياتي، من خلال تحليل بيانات جغرافية وأمنية ولوجستية، بما يساعد في تحديد أنماط الحركة ونقاط الضعف المحتملة في البيئات الحضرية. ويترتب على ذلك، جملة تهديدات مركبة وأكثر تعقيدًا عن طريق تِقْنيات الأتمتة وتوسيع نطاق الفعل الإرهابي، إذ يشير تطور التِقْنيات الحديثة إلى احتمال نشوء نمط جديد من التهديدات يعتمد على الأتمتة الجزئية أو الكاملة لبعض مراحل الفعل الإرهابي. ففي حال دمج الذكاء الاصطناعي مع أدوات رَقْمية أخرى، قد يصبح بالإمكان تقليص الاعتماد على العنصر البشري في مراحل التخطيط أو التنسيق أو حتى التنفيذ. وبالعودة إلى استخدام الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي أو الروبوتات القاتلة بجانب المسارات الثلاثة السابقة، فإن المخاطر أو التهديدات تكشف عن تحولات طارئة ومتسارعة، تحتاج إلى مقاربة جديدة للحدّ من قدرة التنظيمات المتطرفة على استغلال الثورة الرَّقْمية في توسيع نطاق تهديداتها.

البروباغندا المتطرفة

لقد غيّر الذكاء الاصطناعي، ولا سيّما النماذج التوليدية، طبيعة البروباغندا المتطرفة، عبر منح التنظيمات الإرهابية القدرة على إنتاج محتوى دعائي أكثر احترافية وتأثيرًا واتساعًا. فهذه التِقْنيات تتيح إنشاء نصوص وصور ومقاطع فيديو ومواد صوتية عالية الجودة، قابلة للتخصيص وَفْق الفئات المستهدفة، وبمختلف اللغات، الأمر الذي يعزز من فرص الانتشار العابر للحدود الجغرافية والثقافية. وفي هذا الإطار، أشارت دراسة أعدها الباحثان دانييل سيغل وماري بينيت دوتي بعنوان: “أسلحة الدمار الشامل: الذكاء الاصطناعي وإنتاج الدعاية المتطرفة” (15)، ونشرتها “الشبكة العالمية للتطرف والتكنولوجيا”، إلى أن الجماعات الإرهابية باتت قادرة على توظيف تِقْنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير أدواتها الدعائية والإبداعية، بما في ذلك تعديل منتجات رَقْمية وألعاب إلكترونية وتحويلها إلى منصات غير مباشرة لبث الخطابات المتشددة ونشر الأيديولوجيات العنيفة.

وتكشف هذه التحولات عن انتقال الجماعات الإرهابية من الاستخدام التقليدي للوسائط الإعلامية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تقوم على توظيف البيئات الرَّقْمية التفاعلية. فالألعاب الإلكترونية، التي كانت تُصنف سابقًا ضمن أدوات الترفيه، أصبحت قابلة للاستثمار بوصفها فضاءات لتطبيع العنف أو إعادة إنتاج السرديات المتطرفة، خصوصًا في ظل الانتشار الواسع لهذه المنصات بين فئات الشباب والمراهقين. ومن خلال هذا التداخل بين الترفيه والدعاية، تنجح التنظيمات المتشددة في الوصول إلى جماهير جديدة، مستخدمة تِقْنيات بصرية وسردية تجعل الخطاب الراديكالي أكثر جاذبية وتأثيرًا. ويتجاوز خطر الذكاء الاصطناعي حدود الدعاية التقليدية، ليصل إلى إعادة صناعة مفهوم الحقيقة ذاته داخل الفضاء الرَقْمي. فالتِقْنيات الحديثة، وخاصة ما يعرف بـ “التزييف العميق” أوDeepfake، أتاحت إمكانات واسعة لإنتاج محتوى بصري وصوتي يصعب التحقق من صحته، بما يسمح بصناعة وقائع وهمية ذات تأثير نفسي وإعلامي بالغ الخطورة. وبات بالإمكان إنشاء مقاطع مصورة لزعماء سياسيين أو دينيين يطلقون تصريحات أو دعوات لم تصدر عنهم مطلقًا، أو إنتاج مشاهد مزيفة لعمليات إرهابية وأحداث أمنية لم تقع في الواقع. وتكمن خطورة هذه التِقْنيات في أنها لا تستهدف فقط تضليل الرأي العام، وإنما تقوض أيضًا الثقة بالمؤسسات الإعلامية ومصادر المعلومات، وتخلق بيئة خَصِبة للفوضى والارتباك المجتمعي.

وقد أظهرت تجارِب سابقة مدى التأثير المحتمل للمحتوى المزيف على الاستقرار السياسي والاقتصادي، كما حدث مع تداول صور مزيفة من حسابات موثقة على مواقع التواصل الاجتماعي لانفجار قرب مبنى وزارة الحرب/الدفاع الأميركية “البنتاغون”، والتي تسببت في اضطرابات مؤقتة داخل الأسواق المالية الأميركية. وإذا كانت مثل هذه الصور قادرة على التأثير في أسواق المال العالمية، فإن توظيفها من تنظيمات إرهابية يمكن أن يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، تتعلق بإثارة الذعر الجماعي أو التحريض على العنف أو إشعال توترات سياسية وطائفية (16). من هنا، تتزايد وتتضاعف المخاوف من تنامي “الإرهاب الرَقْمي”. فقد حذرت كريستينا شوري ليانغ، رئيسة قسم الإرهاب ومنع التطرف في مركز جنيف للسياسات الأمنية، من أن الذكاء الاصطناعي سيسهم في تعزيز حملات التضليل الإلكتروني (17)، كما سيوفر أدوات أكثر تطورًا للهندسة الاجتماعية والاحتيال الرَقْمي وإنشاء منصات ومواقع دعائية خادعة. وتبرز خطورة الذكاء الاصطناعي التوليدي في كونه يختصر الزمن والموارد المطلوبة لإنتاج محتوى دعائي مؤثر. فبعدما كانت عمليات إنتاج المواد الإعلامية المتقنة تتطلب إمكانات تِقْنية واستديوهات متخصصة وفِرَقًا بشرية واسعة، أصبح بالإمكان اليوم إنتاج مواد شديدة الاحترافية باستخدام تطبيقات متاحة تجاريًا وأدوات سهلة الوصول. وهذا التحول يمنح الجماعات المتطرفة قدرة على توسيع نشاطها الإعلامي بأقل تكلفة ممكنة، مع تعزيز قدرتها على تجاوز الرقابة الأمنية والقيود المفروضة على المنصات الرَّقْمية.

العملات المشفرة واقتصاديات العنف

إذًا، توظيف الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على الجانب الدعائي فحسب، بل يمتد إلى مجالات أخرى تتعلق بالتمويل والتواصل والتنظيم. فالتِقْنيات الحديثة تساعد الجماعات الإرهابية على تطوير وسائل اتصال أكثر تعقيدًا وسرية، وتسهّل عمليات نقل الأموال وتجاوز القيود المصرفية والرقابية، فضلًا عن تمكينها من بِناء شبكات تواصل عابرة للحدود يصعب أحيانًا تتبعها أمنيًا. ويكشف ذلك عن قدرة التنظيمات المتشددة على التكيف السريع مع التحولات التِقْنية، واستثمارها في إعادة إنتاج حضورها ونفوذها رغم الضغوط الأمنية والعسكرية، خصوصًا في ظل فضاءات افتراضية غير مرئية، تتغير فيها أدوات القوة والتأثير بصورة متواصلة، بما يجعل معركة الأمن في العصر الرَقْمي أكثر تعقيدًا وتشابكًا من أي وقت مضى.

فالمنصات الرَّقْمية الكبرى، مثل “فيسبوك” و”إكس” و”إنستغرام” و”تلغرام”، لم تَعد فقط وسائل تواصل عند التنظيمات الإرهابية، بل تحولت إلى ساحات عمليات متكاملة يجري عبرها إنتاج الخطاب المتطرف وإدارته وتوجيهه وَفْق آليات خوارزمية معقدة تضمن توسيع نطاق الانتشار والتأثير بأقل تكلفة ممكنة. وتقوم هذه الجماعات باستغلال البِنية التِقْنية للمنصات الرَّقْمية، خصوصًا الخوارزميات المسؤولة عن التوصية بالمحتوى وتوجيهه إلى المستخدمين، من أجل مضاعفة حضور موادها الدعائية داخل الفضاء الإلكتروني. فكلما نجحت التنظيمات في فَهْم آليات عمل الخوارزميات، ازدادت وتضاعفت قدرتها على دفع المحتوى المتطرف إلى واجهات التفاعل الرَقْمي، بما يسمح باستهداف قطاعات متنوعة من الجمهور، وخاصة الفئات الأصغر سنًا الأكثر قابلية للتأثر بالرسائل العاطفية والمحتويات البصرية المكثفة. من ثم، أصبحت الحرب ضد التطرف لا تتعلق فقط بإزالة المحتوى الإرهابي، بل باتت ترتبط أيضًا بمواجهة البِنى التِقْنية التي تسمح لهذا المحتوى بالانتشار وإعادة التدوير بصورة مستمرة.

وفي حين لا يبدو أمرًا مباغتًا توسع تنظيم داعش الإرهابي أو بالأحرى محاولات تمدده الخفيه والمشبوهة في العوالم الرَّقْمية، بغية نشر التطرف وقيم العنف، وكذا تدشين بِنية تحتية في البيئة الإلكترونية لتقوية أنشطتها، وتضخيم إمكاناتها وقدراتها، فإن احتماء التنظيم الإرهابي خلف خوارزميات البِنية الرَّقْمية، بتعقيداتها، وصعوبة عمليات التعقب التقليدية لمكافحة الإرهاب، بعث بتعقيدات جمّة، تحديدًا في ما يخص وسائلها التي تتخطى الاستعانة بالآليات الحديثة والتِقْنيات المتطورة، لجهة التجنيد والتعبئة وتكوين حواضن افتراضية متخمة بالأصوليات الكفاحية التدميرية، إلى تلقي التمويلات والتبرعات كما نقل وتهريب وتبييض الأموال. واللافت أن تنظيم داعش الإرهابي نجح في التمفصل والتموضع على الشبكات الإلكترونية، والمواقع الافتراضية. وهذا التكيف مع التطورات التِقْنية في عوالم الاتصالات الحديثة، مثَّل معضلات مختلفة؛ فقد انتقل الإرهاب من محض كونه ظاهرة تقتصر على ساحات المعارك التقليدية بحدود ومواقع ميدانية مُتعيّنة إلى نطاقات تتجاوز الأطر والحدود الجغرافية والأمنية والسياسية. فالتوجه الرَقْمي لداعش انعكس بصورة لافتة، مع فقدانه السيطرة على مناطق نفوذه في فترة ما عرف بـ “دولة الخلافة” المزعومة، في العراق وسوريا، بوجه خاص. ذلك ما كشف عن صعوبة المواجهة وتعقيداتها؛ وهي مواجهة مستمرة مع التنظيم الإرهابي رغم هزيمته العسكرية، وشلّ قدراته في حدود جغرافية محددة، لكنه ما يزال يبعث بتهديداته في مجالات ونطاقات مختلفة، جغرافية وجيوسياسية، كما هو الحال مع الفرع الأسيوي داعش-خراسان في دول وسط وجنوب آسيا. فالضغط المالي، الذي تعرض له داعش نتيجة عوامل عديدة، سواء بوضعه على قوائم الإرهاب وكذا هزيمته التي باعدت بينه وبين إدارة موارد غنية مثل حقول النفط في الشمال السوري أو بالعراق، دفعه للبحث عن بدائل توفر له المرونة والسرية. ففي العوالم الرَّقْمية. برز إمكان جمع الأموال من القواعد والحواضن، ثم تحويلها بسرعة وبتكلفة منخفضة، من دون أن تخضع لرقابة الأنظمة المصرفية التقليدية، حتى أصبحت حجر الزاوية في استراتيجية داعش الجديدة.

بل إن هذه الاستراتيجية الجديدة، مكنت التنظيم الإرهابي من الإبقاء على هياكله التنظيمية، فضلًا عن الإعداد والتخطيط والتنفيذ لحوادث إرهابية، مثل التي جرت في موسكو في مارس العام الماضي. وبحسب تقرير للشبكة العالمية للتطرف والتكنولوجيا التابع لقسم دراسات الحرب في كلية كينغز بلندن، نشر في أكتوبر العام الماضي، فإن داعش خراسان حول ما لا يقل عن ألفي دولار أميركي من الأصول الافتراضية إلى منفذي هجوم “كروكس سيتي” بالعاصمة الروسية، بما يؤشر إلى استراتيجية التنظيم في الاعتماد على العملات الرَقْمي لتمويل عملياته الإرهابية. وتستند استراتيجية داعش في التمويل الرَقْمي على عدة أنماط رئيسة، منها الاعتماد المتزايد على العملات الرَّقْمية. فيما تتعدد الأنماط التي يتبناها في هذا الإطار؛ إذ رُصِدت وسائله ووسائطه في الاستغلال المنهجي للتمويل الجماعي عبر الإنترنت. وذلك عن طريق حملات تبرعات على منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة المشفرة، غالبًا ما تكون بدعاوى إنسانية أو خيرية أو إغاثية تلفيقية. هذا النمط يستفيد من غياب الرقابة الكافية على هذه المنصات، مما يسمح بجمع الأموال بنحوٍ مُتفرق يصعب تجميعه وتحديده بوصفه مصدرًا لتمويل الإرهاب، وَفْق تقرير صادر عن مجموعة العمل المالي “FATF” في أكتوبر عام 2023.

وهناك نمط كشفت عنه تحقيقات وزارة العدل الأميركية، وهو الاحتيال المرتبط بالأزمات العالمية. وبرز هذا النمط مع تفشي فيروس كورونا؛ عندما أنشأ أحد عناصر داعش موقعًا إلكترونيًا مزيفًا لبيع معدات وقائية شخصية مُستغلًا حاجة الناس الملحة والضرورية لها تحت وطأة هواجس الجائحة العالمية وقتذاك. هذه الأموال، التي جُمعت من الاحتيال على الأفراد والشركات، كانت تُحوَّل مباشرة لدعم الأنشطة الإرهابية. وهذا السلوك يكشف عن قفزة وانعطافة في عمليات التمويل الرَقْمي للإرهاب التي باتت تتحول إلى مستوى آخر يلامس الجرائم الإلكترونية والإرهاب السيبراني، بُغية تحقيق مكاسب مالية. وقد كشفت وزارة العدل الأميركية عن تفكيك ثلاث حملات تمويل إرهابي إلكتروني، مُشيرة إلى أن تنظيم داعش الإرهابي انخرط في عمليات احتيال متعلقة بمعدات الوقاية الشخصية لمواجهة كورونا. وقد رأت الوزارة هذه العملية أكبر عملية مصادرة للعملات الرَّقْمية في سياق مكافحة الإرهاب، عندما استُولي على مبالغ تجاوزت المليون دولار أميركي.

وفي آسيا، باشرت الحكومة الباكستانية بمجموعة من الإجراءات لتنظيم سياسات أو قَوْنَنَةِ وبناء تشريعات عملية بخصوص العملات الرَّقْمية؛ إذ دشَّنت “مجلس العملات الرَّقْمية”. وعينت الخبير المالي بلال ثاقب، مستشارًا لوزير المالية. وذلك بالتزامن مع الدور المتنامي لداعش في هذا المجال، وقد أعلنت مجموعة “ناشر باكستان”، التي تدعم تنظيم داعش إعلاميًّا، عن حملة لجمع التبرعات عبر العملات الرَّقْمية، وتقوم “ناشر باكستان” بترجمة دعاية داعش ونشرها باللغة الأردية على وسائل التواصل الاجتماعي. كما نشرت سابقًا محتوى يشجع على تنفيذ هجمات ضد أولمبياد باريس وكأس العالم للكريكت (T20 World Cup) ، وَفْق منصة بوابة الأزهر، كما وقعت اعتقالات سابقة في باكستان لأفراد يُشتبه في تمويلهم التنظيمات المتطرفة من خلال العملات الرَّقْمية، إذ أكد راجا عمر خطاب، وهو ضابط كبير في إدارة مكافحة الإرهاب (CTD) في كراتشي، لهيئة الإذاعة البريطانية، في نسختها الناطقة بالأردية، أن هناك بالفعل حالتين أو ثلاث حالات اعتقال مرتبطة باستخدام العملات المشفرة في تمويل الإرهاب. لكنه يرى أن هذه الظاهرة لم تنتشر بَعْدُ انتشارًا كبيرًا داخل البلاد. كما أكد راجا عمر خطاب عملية اعتقال شخص كان يجمع التبرعات لتنظيم داعش في سوريا عبر العملات الرَّقْمية من داخل باكستان.

وتؤكد التقارير كافة من الجهات البحثية ودوائر حقوقية وكذا رقابية دولية، فضلًا عن المنظمات الأممية، أن منطقة آسيا الوسطى والجنوبية، تئن تحت وطأة تهديدات فرع داعش-خراسان، والذي يؤكد مركز صوفان، المختص بمراقبة التنظيمات الإرهابية عالميًّا، أنه يعتمد اعتمادًا كاملًا على التمويل الرَقْمي على نحو متزايد ومتقدم. فيما يشير تقرير الخزانة الأميركية في تموز/يوليو عام 2023، إلى فرض عقوبات على نحو 37 شخصًا وكِيانًا على صلة بهذا الفرع للتنظيم الإرهابي، وتم توثيق ارتباطهم بعمليات تمويل رَقْمية لهجمات إرهابية، وصلات بشبكات مالية رَقْمية نشطة في المنطقة.

إذًا، وفرت البيئات الرَّقْمية إمكانات وفرصًا للجماعات والتنظيمات الإرهابية، ومنها داعش، لبناء اقتصاديات عنف غير تقليدية، تراكم وتضاعف نفوذها المالي، وتقوية ثرواتها، من خلال التحايل على القيود المرتبطة بوضع تلك التنظيمات على لوائح الإرهاب. فالتمويل الرَقْمي للإرهاب، والاستعانة، مثلًا، بالعملات المشفرة، يجعل هذا النظام في دائرة مجهولة غامضة، وتفاقم من صعوبة عمليات الرصد والتتبع والمراقبة ثم الحظر في الحالات الطبيعية والمعلنة. فيما كشف القرار رَقْم (14067)، الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية، في 20 أيلول/ سبتمبر عام 2022، أن الأصول الرَّقْمية يمكن استغلالها لتمويل الأنشطة غير المشروعة، منها تبييض الأموال، وتمويل الإرهاب. الأمر الذي حدا بالخزانة الأميركية، أن تضع خُططًا جديدة تُمَثِّلُ استجابة للمخاطر المستجدة، وتضمنت الإجراءات الأممية رصد المخاطر عبر جمع البيانات وتحليلها لتحديد المجالات التي قد يكون فيها الأصول الرَّقْمية عرضة للاستغلال.

استدارة القوى الدولية، وانتباه الأطراف المختلفة من مواقع متباينة، إلى القفزة الهائلة التي تحققها تنظيمات إرهابية مثل داعش بالاعتماد على البيئات الرَّقْمية في عمليات التمويل والبحث عن مسارات آمنة لاقتصاديات العنف، لم يكن أمرًا عرضيًا أو مؤقتًا، بل لحظة تأسيسية تكوَّنت على متونها آليات مواجهة استراتيجية واستباقية لمخاطر هذا التوجه. فرغم خسائره، يحافظ تنظيم داعش الإرهابي على تماسكه التنظيمي في بعض المناطق الذي عاود تموضعه فيها، كما هو الحال في آسيا، بل إن لديه إمكان الوصول إلى أموال كبيرة تقدر بما بين 10 و20 مليون دولار، معظمها في صورة نقدية وأصول سائلة أخرى، وَفْق تقرير للخزانة الأميركية في النصف الثاني من فبراير العام الماضي. وجاء في التقرير الذي نُشر بالتزامن مع بيان مشترك لقادة مجموعة مكافحة تمويل داعش (CIFG)، أن الشبكات التنظيمية والفروع الإقليمية للتنظيم الإرهابي ما تزال مستمرةً في تلقي التمويل على هيئة تبرعات عبر شبكات تحويل أموال خفية وغير معلنة وسرية، في حين يوظفها في إطار تأمين إطلاق سراح الموالين له من مراكز الاعتقال، خاصة في شمال شرق سوريا.

فيما تحذر تقارير التحالف الدولي لمكافحة داعش، من أن التنظيم الإرهابي في منطقة آسيا الوسطى (داعش-خراسان)، يستأنف جُهوده لزيادة استخدام قاعدته في أفغانستان لإنشاء خلايا مالية ولوجستية خارجية قد تمكنه من تنفيذ هجمات إرهابية في جميع أنحاء العالم. كما يعمل داعش-خراسان ليكون مركزًا إقليميًا، يُحوِّلُ مئات الآلاف من الدولارات، بالإضافة إلى توفير الأفراد والأسلحة لدعم العمليات الخارجية. وثمة نقطة لافتة تتردد في عدة تقارير دولية، ومنها تقرير مجموعة مكافحة تمويل داعش، قبل نحو عام، والذي على الرغم من تأكيده التزامهم بهزيمة داعش ماليًا، والكشف عما يواجهه التنظيم الإرهابي من تحديات مالية كبيرة، إلا أنه يقر بقدرته أو بالأحرى مرونته والتكيف مع التحولات. فاللجوء المتزايد للعملات الرَّقْمية، وتحديدًا عملة تيثر (Tether)  لجمع الأموال ونقلها عبر الحدود، يؤشر إلى استغلال ضعف الرقابة على مزودي خدمات الأصول الافتراضية. ولهذا، دعا التقرير الأممي إلى ضرورة الرقابة على الأصول الرَّقْمية، مشيرًا إلى الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الولايات المتحدة ضد منصة “بينانس” نموذجًا رادعًا.

وفي ظل مواصلة داعش الحفر في البيئة الرَّقْمية لتدشين بِنية متشددة افتراضية، كان لافتًا إنتاج موارد مالية واسعة، للدرجة التي جعلت من التنظيم الإرهابي نموذجًا متقدّمًا في اقتصاد العنف. فاستخدام العنف والإكراه لا تعدو كونها فقط مناورة تكتيكية لتلقي أموال أو إرسالها لتنفيذ عمليات مسلحة وهجومية همجية، بل أداة اقتصادية قائمة بحد ذاتها ومستقلة مثلها مثل بِنى التنظيم وهياكله، الحركية والأيدولوجية، لجهة توليد الموارد وضخها في البناء التنظيمي والدولتي المزعوم والمتخيل. من ثم، اعتماد التنظيم الإرهابي أو تحوله الرَقْمي في إدارة وتنويع موارده المالية، بدا ضرورة ملحة، لتجنب القيود المختلفة ومنها وضعه على لوائح المنظمات الإرهابية. فالرَّقْمنة تتيح تحويلات أسرع وعابرة للحدود وبأدوات قد تكون أقل خضوعًا للرقابة. ووسائل الدفع الرَّقْمية، سهَّلت تلقي تبرعات من المؤيدين، سواء بتحويل الأموال عبر وسطاء عبر الحدود، شراء خدمات رَقْمية، خدمات اتصالات ومنها منصات التجارة الإلكترونية أو عمليات احتيالية لتمويل أنشطة أخرى. كما برزت الاستفادة من اقتصاد الألعاب الإلكترونية، وَفْق تقرير للعدل الأميركية عام 2022، وقد ذكرت أن بعض الجهات الموالية لداعش جربت شراء وبيع أرصدة الألعاب (in-game credits)  وسيلة لتخزين وتحويل القيمة على نحوٍ يصعب تتبعه. وكانت هذه القضية بداية تفكيك أكبر حملة تمويل رَقْمي إرهابي آنذاك، في الوقت الذ شملت أكثر من 300 محفظة عملات مشفرة مرتبطة بتنظيمي داعش والقاعدة الإرهابيين، فضلًا عن حماس، مع جمع ملايين الدولارات. واعتُقلت شبكةٌ من 29 شخصًا بتهمة تمويل الإرهاب عبر بطاقات دفع رَقْمية وتحويلات صغيرة إلى وسطاء في تركيا وسوريا في فرنسا في عام 2020.

حتمًا مثَّلت الأنماط المتغيرة للتمويل الرَقْمي لداعش تحديًا معقدًا يتطلب استجابة دولية منسقة، وبما يبعث بأهمية تعزيز التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص، تحديدًا الشركات العالمية المختصة في التكنولوجيا الحديثة وتمتلك منصات التواصل الاجتماعي، فضلًا عن تطوير أطر تنظيمية قادرة على حماية الأصول الافتراضية من الوقوع في نطاق نفوذ وإدارة التنظيمات الإرهابية والمسلحة، وزيادة الوعي بالمخاطر المرتبطة بالتمويل الجماعي. لأن فَهْم هذه التحولات في استراتيجية التمويل الرَقْمي لداعش يُعَدُّ الخُطوة الأولى لتجسير منظومة عالمية، أكثر فعالية، لمنع وصول الأموال في قبضة الإرهابيين. فالمخاطر المتزايدة من جراء هذا الوضع، تؤكد بإلحاح على ضرورة المواجهة الاستباقية.

وفي مواجهة هذا التحدي، برزت خلال السنوات الأخيرة مبادرات دولية هدفت إلى الحد من توظيف التكنولوجيا الحديثة في الأنشطة الإرهابية، من بينها “منتدى الإنترنت العالمي لمكافحة الإرهاب”، الذي تأسس بالشراكة بين عدد من الشركات الرَّقْمية الكبرى، إضافة إلى مبادرة “Tech Against Terrorism”  المدعومة من الأمم المتحدة، والتي ركزت على تطوير أدوات تِقْنية وقانونية لمنع استخدام شبكات الاتصال الحديثة في التجنيد والتحريض والتعبئة والتمويل والتخطيط للعمليات الإرهابية. غير أن تصاعد القدرات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي التوليدي جعل من هذه الجُهود أكثر تعقيدًا، إذ باتت الجماعات المتشددة تمتلك إمكانات متطورة تسمح لها بتجاوز إجراءات الحذف والمراقبة، وإعادة إنتاج محتواها بوتيرة متسارعة. وخلال الفترة الممتدة بين عامي 2016 و2017، تحول تطبيق “تلغرام” إلى واحدة من أهم البيئات الرَّقْمية التي اعتمد عليها تنظيم “داعش” وشبكاته الرديفة لنشر البيانات والتسجيلات الدعائية وتنسيق الاتصال بين الأفراد والخلايا. ومع تطور تِقْنيات الذكاء الاصطناعي لاحقًا، باتت هذه الجماعات قادرة على إنتاج مواد إعلامية أكثر تعقيدًا، تشمل إنشاء حسابات وهمية، وتصميم صور ومقاطع فيديو وترجمات متعددة اللغات، وإنتاج موسيقى ومؤثرات صوتية في وقت قياسي وبتكاليف محدودة للغاية. كما أوجدت التحليلات التنبؤية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بُعدًا جديدًا في استراتيجيات الاستهداف التي تعتمدها التنظيمات الإرهابية. فهذه الأدوات قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الرَّقْمية لرصد الأفراد أو المجموعات الأكثر قابلية للتفاعل مع الخطاب المتطرف، ومن ثم توجيه محتوى مصمم خصيصًا للتأثير عليهم بصورة مباشرة. وتمنح هذه الإمكانات الجماعات المتشددة قدرة غير مسبوقة على تنفيذ عمليات استقطاب مؤثر يحقق نتائجه بدقة، في الوقت الذي تتجاوز الأساليب الدعائية العامة إلى استهداف نفسي وسلوكي دقيق يعتمد على دراسة اهتمامات المستخدمين وأنماط تفاعلهم داخل المنصات الرَّقْمية.

مواجهة المحتوى المتطرف

ويثير هذا الوضع تحديات معقدة أمام الحكومات والشركات التكنولوجية، خاصة فيما يتعلق بمواجهة الحسابات الآلية والروبوتات الذكية المستخدمة في نشر المحتوى المتطرف. فإحدى الإشكاليات الجوهرية تَتَمَثَّل في طبيعة الخوارزميات نفسها، التي تقوم في الأساس على تعزيز المحتوى الأكثر إثارة للتفاعل، بغض النظر عن طبيعته أو تأثيره المجتمعي. لذلك، فإن المحتوى المتطرف، بما يحمله من صدمة وعنف واستفزاز، يمتلك فرصًا أكبر للتفشي مثل عدوى أو بالأحرى جائحة (!) داخل البيئات الرَّقْمية. وعليه، تتزايد الدعوات إلى الضغط على المنصات التِقْنية الكبرى لإتاحة إمكانات تحد من هيمنة الخوارزميات على تجرِبة المستخدم، أو على الأقل تقليل التوصيات الآلية التي تروج للمحتويات المثيرة أو الراديكالية. غير أن التصدي لهذا النوع من التهديدات لا يبدو مُهمة سهلة، في ظل التعقيدات السياسية والاقتصادية التي تحكم عمل شركات التكنولوجيا الكبرى. فهذه الشركات تستفيد إلى حد بعيد من زيادة معدلات التفاعل والمشاهدة، وهو ما يجعلها أحيانًا مترددة في اتخاذ إجراءات جذرية قد تؤثر على نموذجها الاقتصادي القائم على جذب الانتباه وتعظيم الوقت الذي يقضيه المستخدمون على المنصات. كما أن حالة الاستقطاب والانقسام داخل المجتمعات الغربية، وما يرتبط بها من سجالات ثقافية وحقوقية وسياسية حادة، تخلق بيئة تسمح للجماعات المتطرفة باستغلال الثغرات والخلافات لتعزيز حضورها وتوسيع نطاق تأثيرها.

ومن الأمور التي مثّلت صدمة مدوية، كان برنامج “نيوز هارفست”، الذي بثته منصات مرتبطة بتنظيم “داعش”، بسبب اعتماده على تِقْنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج نشرات إخبارية دعائية تحاكي القنوات الإعلامية الاحترافية. فبعد الهجوم الإرهابي الذي استهدف حفلًا موسيقيًا في موسكو قبل عامين جرى تداول مقطع مصور قصير يظهر فيه مذيع افتراضي يرتدي زيًا عسكريًا ويقدم خطابًا دعائيًا متشددًا يتماهى مع أدبيات التنظيم. وقد تميز هذا المحتوى بدرجة عالية من الاحترافية البصرية والإخراجية، رغم انخفاض تكلفته وسهولة إنتاجه. واعتمد البرنامج على إنشاء شخصيات ومذيعين افتراضيين مولدين بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، مع تصميم بصري يحاكي القنوات الفضائية المعروفة، بما يعزز من قابلية تصديق الرسائل الدعائية ويمنحها طابعًا “إخباريًا” يبدو أكثر مهنية وتأثيرًا. وقد أشارت ريتا كاتز، المؤسسة المشاركة لـ “مجموعة استخبارات الموقع”، إلى أن الذكاء الاصطناعي يُمَثِّلُ عند تنظيم “داعش” تحولًا استراتيجيًا في قدراته الإعلامية، لأنه يسمح بإنتاج مواد دعائية سريعة وقابلة للانتشار العالمي خلال وقت قصير للغاية (18).

وتبدأ هذه المقاطع عادة بعروض بصرية احترافية تتضمن شعارات ورسومات ومقدمات إخبارية، قبل أن يظهر مذيعون افتراضيون بملابس قتالية أو رسمية، فيما تُعرض خلفهم مشاهد ولقطات دعائية مرتبطة بعمليات التنظيم. وتُقرأ النصوص والخطابات بصوت مولد اصطناعيًا يحاكي الأصوات البشرية بدرجة عالية من الدقة، الأمر الذي يزيد من صعوبة اكتشاف الطابع الاصطناعي للمحتوى. بالمقابل أبدت جماعات إرهابية أخرى، مثل تنظيم القاعدة، اهتمامًا متزايدًا بهذه النماذج المماثلة كما استخدام روبوتات الدردشة وأدوات توليد الصور وتِقْنيات استنساخ الأصوات لإنتاج حملات تضليلية سريعة ومنخفضة التكلفة. وتسمح هذه الأدوات بإنتاج محتوى إعلامي مقنع من دون الحاجة إلى بِنى تنظيمية ضخمة أو استوديوهات احترافية، بما يمنح حتى الجماعات الصغيرة أو محدودة الموارد القدرة على إطلاق حملات دعائية مؤثرة على نطاق واسع.

أبعد من مجرد أداة تِقْنية!

الذكاء الاصطناعي لم يعد فقط أداة تِقْنية محايدة، بل تحول إلى عنصر مركزي في معادلات الحرب الإدراكية الحديثة، في ظل الخداع المعلوماتي بتأثيراته المعنوية وإعادة تكوين الوعي العام. كما أن الطابع المرن لهذه التِقْنيات، في سهولة الوصول إليها وانخفاض تكلفتها، يجعل من احتكار أدوات البروباغندا أمرًا مستحيلًا، بعدما بات بإمكان أي جماعة متطرفة إنتاج مواد إعلامية عالية الجودة في ساعات قليلة فقط، وعلى مستوى أوسع. كما أن قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل البيانات الضخمة وتصميم المحتوى الموجه تمنح التنظيمات الإرهابية إمكانات هائلة لتنفيذ عمليات دعائية دقيقة الاستهداف. فالخوارزميات الحديثة تستطيع تحديد أنماط السلوك الرَقْمي والميول النفسية والفكرية للمستخدمين، ومن ثم تخصيص رسائل دعائية تتلاءم مع كل فئة أو فرد على حدة، بما يزيد من احتمالات التأثير والاستقطاب. ووفقًا لمجموعة “سايت” الاستخباراتية (المتخصصة في تتبع نشاط الجماعات المتطرفة على الإنترنت) (19)، فإن هذا البرنامج الإعلامي الجديد المعروف باسم “نيوز هارفست” يُعَدُّ من أوائل النماذج التي تستخدم الذكاء الاصطناعي بطريق ممنهج في الدعاية الإرهابية، إذ يُنتج محتوى دوريًا يغطي عمليات التنظيم وفروعه حول العالم.

خاتمة

لم يَعد توظيف الذكاء الاصطناعي من قبل الجماعات الإرهابية، والحال كذلك، مقتصرًا على تطوير أدوات الدعاية الرَّقْمية أو تحسين آليات الاستقطاب والتأثير النفسي، بل امتد ليصبح جزءًا محوريًا من البِنية العملياتية لهذه التنظيمات، سواء على مستوى التخطيط أو إدارة الهجمات الإلكترونية أو بِناء البيئات التفاعلية القادرة على استقطاب المؤيدين وإعادة إنتاج التطرف داخل الفضاء الرَقْمي. وقد أدَّى هذا التحول إلى انتقال الإرهاب من الاعتماد على الهياكل التنظيمية التقليدية إلى نمط أكثر مرونة وتعقيدًا، تُدار فيه العمليات والتفاعلات عبر منظومات رَقْمية مدعومة بخوارزميات ذكية وأدوات تحليلية متطورة. فيما برزت تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي بوصفها إحدى أكثر الأدوات تأثيرًا في إعادة صناعة العلاقة بين التنظيمات المتطرفة والجمهور المستهدف. فهذه التِقْنيات لا تتيح فقط إنتاج محتوى دعائي عالي الكفاءة، بل تمنح الجماعات الإرهابية قدرة غير مسبوقة على فَهْم السلوك البشري وتحليل البيانات النفسية والاجتماعية للمستخدمين، بما يسمح بتطوير استراتيجيات تجنيد وعنف راديكالي أكثر دقة وتأثيرًا. ومن خلال تحليل أنماط التفاعل الرَقْمي والاهتمامات الفردية والمزاجية العامة للفئات المستهدفة، تضحى التنظيمات قادرة على تصميم مصائد رَقْمية تعتمد على الإغراء أو الضغط النفسي أو استثارة المظلومية والهُويات الفرعية، بما يزيد من فرص الاستقطاب والتأثير المباشر.

وتباشر الجماعات المتشددة توظيف الثقافة الرَّقْمية الشعبية لتكون وسيطًا دعائيًا جديدًا، عبر دمج الخطاب المتطرف داخل محتويات ترفيهية مرتبطة بثقافة الإنترنت والألعاب والرسوم المتحركة، الأمر الذي برز مع مقاطع مصورة لشخصيات كرتونية شهيرة، مثلًا، وهي تؤدي أناشيد أو رسائل دعائية مرتبطة بتنظيمات متطرفة، في محاولة لاستهداف جماهير محددة عبر استغلال خوارزميات المنصات الرَّقْمية التي تقوم بتغذية المستخدمين بالمحتوى المرتبط باهتماماتهم المعتادة والتقليدية. ويعكس هذا النمط من التوظيف إدراكًا متزايدًا عند الجماعات الإرهابية لطبيعة البيئة الرَّقْمية الحديثة، التي تقوم على التخصيص والاستهداف الدقيق للمحتوى.

ولهذا، مثّل الذكاء الاصطناعي التوليدي نقطة تحول مفصلية في تطور أدوات التطرف الرَقْمي، خصوصًا مع الانتشار الواسع لتطبيقات مثل “ChatGPT” و”Google Gemini” و”Llama” وغيرها من النماذج اللُّغوية القادرة على إنتاج النصوص وإدارة المحادثات وإنشاء المحتوى متعدد الوسائط. كما أتاحت تِقْنيات استنساخ الأصوات وتوليد الصور والفيديو، مثل “DALL-E” و”Midjourney” و”Stable Diffusion”، إمكانات متقدمة لإنتاج مواد دعائية تحاكي الواقع بدرجة يصعب تمييزها، الأمر الذي ضاعف من قدرة الجماعات الإرهابية على بِناء روايات إعلامية مؤثرة وقابلة للانتشار السريع. ولئن كشفت التجارِب الحديثة عن اتساع استخدام الألعاب الإلكترونية، مثلًا، بوصفها إحدى أدوات الاستهداف غير المباشر، خاصة لفئات الشباب والمراهقين، وتوظيف بيئات الألعاب الجماعية ومنصات الدردشة المرافقة لها لبناء علاقات مع اللاعبين، واكتشاف نقاط ضعفهم النفسية والاجتماعية، ثم توجيههم تدريجيًا نحو الخطابات المتشددة، فإن الإرهاب في عصر الذكاء الاصطناعي وعلى ضوء تلك المعطيات لم يَعد يعتمد فقط على العنف المادي المباشر، بل بات يرتكز بصورة متزايدة على إدارة الإدراك والتأثير النفسي والحرب المعلوماتية، مع الأخذ في الاعتبار أهمية الطابع التفاعلي للألعاب ومثيلاتها، الأمر الذي يسمح بخلق مجتمعات افتراضية مغلقة تتداخل فيها التسلية مع الدعاية والتأثيرات الأيديولوجية.

فالتنظيمات المتشددة تسعى من خلال الأدوات الرَّقْمية إلى تضخيم حضورها، وصناعة صورة رمزية تتجاوز قدراتها الواقعية، مستفيدة من قوة التلاعب البصري والصوتي والخوارزمي لإنتاج سرديات قادرة على نشر الخوف والتشويش وزعزعة الثقة داخل المجتمعات. وقد أفضى التوسع المتسارع في توظيف تِقْنيات الذكاء الاصطناعي داخل البيئات المتطرفة إلى تحولات عميقة في بِنية التنظيمات الإرهابية وآليات اشتغالها، سواء في المجال الواقعي أو الفضاء الرَقْمي. وثمة منظومات رَقْمية متكاملة تستفيد من الخوارزميات الذكية، وتحليل البيانات الضخمة، والتطبيقات التوليدية، بحاجة للمواجهة وحلحلة تأثيراتها المختلفة، وتقويض محاولاتها المستمرة باتجاه توسيع نطاق الاستقطاب، وإدارة عملياتها بكفاءة أعلى وبتكلفة بشرية أقل.

فالذكاء الاصطناعي بات يُمَثِّلُ ركيزة أساسية ضمن ما يمكن تسميته بالبِنية التحتية الرَّقْمية للتطرف، حيث تندمج أدوات الاتصال والتأثير والتخفي والتخطيط ضمن منظومة واحدة عابرة للحدود. في حين لم يَعد الجيل الذي تكوَّن وعيه داخل منصات البث الرَقْمي، وبيئات الواقع الافتراضي، والألعاب الشبكية، وغرف المحادثات المشفّرة، يتلقى رسائل التطرف عبر القوالب التقليدية والتاريخية القديمة التي ارتبطت سابقًا بالأشرطة الدعائية أو الخطب التعبوية المباشرة. فالعالم الرَقْمي الجديد أعاد صياغة العلاقة بين الإنسان والمحتوى، وبين الوعي والصورة، بطريقة غدت بها الرسائل الأيديولوجية تتسرب داخل فضاءات الترفيه والتفاعل والاندماج النفسي، لا بوصفها خطابًا له صفة أو حمولة سياسية وأيدولوجية صريحة ومباشرة، بل بوصفها ضمن التجرِبة الرَّقْمية اليومية ذاتها التي تُصْنَعُ على مَهْلٍ، وهندستها بصفة مستمرة وبوسائل مرنة ومتغيرة تلامس احتياجات المتلقي وحساسيته في لحظات وتوقيتات ومواقع متفاوتة والتشبيك مع رغباته وميوله وتوقعاته الملحة.

بعبارة أخرى، المادة دعائية لم تَعد جامدة، بل بِنيةٌ تفاعلية مرنة، تُنتج وتُعاد صياغتها بصورة مستمرة وَفْق خوارزميات قادرة على فَهْم الجمهور المستهدف واستدراج اهتمامه العاطفي والنفسي. وقد أمسى الفضاء الرَقْمي يماثل بيئة حاضنة للأصوليات الجديدة، وهو فضاء بغير حدود أو مركز. إلا أنه يملك قدرة هائلة على إعادة إنتاج الأفكار الراديكالية وتدويرها داخل شبكات مغلقة ومتماسكة نفسيًا، الأمر الذي تكوّنه المشاعر المصنوعة والزائفة بالانتماء والهُوية والبطولة الافتراضية. وهو ما يمكن عدّه إغواء العصر الرَقْمي للإنسان في لحظة تيه تفاقمها عزلته الوجودية ومحنته الجديدة. وبعيدًا عن أسئلة الأمن والأمن الرَقْمي، فإن ثمة ضرورةٌ لإعادة تعريف المجال الرَقْمي بوصفه فضاءً للصراع الرمزي والثقافي.

_____________________________________________________

المراجع

  • The Radicalization (and Counter-radicalization) Potential of Artificial Intelligence.
    رابط: اضغط هنا

2-المصدر ذاته

3- Terrorism Tsar Warns Of AI Chatbot Radicalisation Risk

رابط: اضغط هنا

4- داعش يستفيد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتجنيد المقاتلين، تقرير، العرب اللندنية.
رابط: اضغط هنا

5- How terrorist groups are leveraging AI to recruit and finance their operations

رابط: اضغط هنا

6-المصدر ذاته. رابط: اضغط هنا

7-المصدر ذاته. رابط: اضغط هنا

8-المصدر ذاته. رابط: اضغط هنا

9- ISIS’s use of cyberspace – furthering the organization’s goals utilizing new media, research, Humaniora، Or Anat Elimelech Raiskin.

10- How one Syrian camp shows the fight against ISIS isn’t over

رابط: اضغط هنا

11-المصدر ذاته. رابط: اضغط هنا

12-المصدر ذاته. رابط: اضغط هنا

13-المصدر ذاته. رابط: اضغط هنا

14- “الدرونز المفخخة”.. سلاح داعش الجديد، تقرير، سكاي نيوز عربية.

رابط: اضغط هنا

15- Weapons of Mass Disruption: Artificial Intelligence and the Production of Extremist Propaganda, global networks, By Daniel Siegel and Mary Bennett Doty

رابط:اضغط هنا

16- “انفجار” قرب البنتاغون.. صورة زائفة من حسابات “موثقة” تثير ارتباكًا وتهز سوق الأسهم، تقرير، سي إن إن.

رابط: اضغط هنا

17- Emerging Technologies and Terrorism, report, by Christina Schori Liang

رابط: اضغط هنا

18- These ISIS news anchors are AI fakes. Their propaganda is real, report,Washington post

رابط: اضغط هنا

19-المصدر ذاته.

 

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete