تكوين
لم تكن سوريا سوى مسرحاً من مسارح العنف الذي تعددت أشكاله، ومصادره، ومرجعياته، خلال أكثر من عقد. وفي ما يبدو أن المسرح مهيئاً لموجات عنف دموية ومتوحشة، نتيجة الخطابات الطائفية المتشنجة، وسياسات الإقصاء المتعمدة، فضلاً عن رواج قيم وأفكار الجماعات الجهادية والمتشددة التي تواصل خنق المجال العام، وتهبط بسقف الحريات ومفاهيم المواطنية والمدنية الحديثة إلى ما هو أكثر من الحدود الدنيا.
الواقع أشد وطأة والمستقبل أكثر قلقاً
فاستهداف الطائفة العلوية، ليس فقط لكونها ارتبطت بالنظام السابق، بما يؤطرها في دائرة الانتقام والثأر، إنما هدف التصفية له جذور دينية طائفية، تجعل بالحتمية الأمور مرشحة للانزلاق، أكثر فأكثر، وتنتقل العدوى لأطراف وكيانات أخرى، كما يحدث مع طائفة الدروز، في حين يشمل ذلك الأفراد كما الممتلكات، فضلاً عن الرموز الثقافية والدينية.
وهنا حجر الزاوية الذي ننطلق منه بشأن تعقب مصادر العنف، ومرجعياته، وتعدد نطاقاته، التي ما تزال تحافظ على بنى متعددة، وتشكل قاعدة لنفوذ الأطراف الفاعلة. فالاستهداف الأكثر قساوة الذي تعرضت له سوريا، واشتمل على تراثها الثقافي والديني، هو بالأساس يهدد هويتها المركبة، وتعدديتها الحضارية وعمرانها الاجتماعي والبشري. فتحطيم التماثيل والآثار، يكاد لا يختلف عن سوابق تهجير المسيحيين والأكراد والدروز، قسراً، واستمرار التحفيز العدائي ضدهم بخطابات تاريخية تتبنى منطق الصراع الوجودي واستمرار التعبئة والخصومة بحقهم. وما سبق، يمكن عدّه ضمن خطط مصادرة التاريخ وتثبيت أحد فصوله بمنطق انحيازات فئوية وطائفية. فبرزت عمليات التغيير الديمغرافي، والإلغاء الثقافي، ومحاولات الإبادة التي تتنوع بين كونها مباشرة وتدميرية، أو مستترة وخفية بغطاء تغيير النمط الاجتماعي والسكاني للمنطقة، والتعتيم على خصوصيتها/ تنوعها الحضارية، كما حدث مع قوى الإسلام السياسي في نسختها الشيعية بدمشق وريفها وكذا دير الزور، أو مماثلتها السنية في مناطق نفوذها المختلفة مثل إدلب وعفرين. إذ شهدت مناطق في ريف دمشق سياسات تفريس واضحة وتغيير أسماء الشوارع التي باتت تحمل أسماء مثل “الإمام الخميني” و”الشهيد قاسم سليماني” و”فاطميون” [1].
وعلى المقلب الآخر، تعرضت العديد من دور العبادة سواء الكنائس أو المعابد أو المقامات والمزارات الدينية للتخريب والتدمير، إضافة لتحويل بعضها لمعسكرات تدريب خلال فترة سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) على مناطق واسعة في شمال وشرقي سوريا. ويبلغ عدد دور العبادة في شمال وشرقي سوريا [2]:
- 2222 مسجد.
- 68 كنيسة.
- 12ضريحاً.
- أربعة معابد لليزيديين في عفرين .
وحول أعداد دور العبادة المتضرر في عموم شمال وشرقي سوريا [3]:
- بلغ عدد المساجد المدمرة وصل إلى 44 مسجد
- في حين وصل عدد الكنائس المدمرة إلى 11 كنيسة
- بينما دُمرت 4 مزارات لليزيديين
- و12 ضريحاً،
- وهناك /5/ مساجد منها مدمرة بشكل ممنهج وكامل.
وكانت منظمة “اليونسكو” قد أصدرت بيانا في 31 كانون الثاني/يناير عام 2018، أعربت فيه عن قلقها من تداعيات الأوضاع في شمال سوريا على المدنيين وعلى التراث الثقافي في المنطقة. وقد كشفت عن فداحة هذا التخريب المنظم، منظمة مرقاب التراث الثقافي “ASOR” بجامعة بوسطن الأميركية، والتي أوضحت ما تعرض له موقع تكلا الأثري بمنطقة جبل سمعان شمالي سوريا، من تخريب، فضلاً عن عسكرة دير سمعان الأثري الذي يعود إلى عام 490، وتدمير كذلك ضريح “كارا جورنا” الأيزيدي، بالإضافة إلى انتشار صور ومقاطع مصورة لنهب ضريح “نبي هوري” بمنطقة عفرين. وشملت عمليات التخريب والتبديد، تماثيل رموز كُردية لها ميراثها الثقافي والقومي، مثل رفيق الوطني، وتمثال كاوا الحداد، ناهيك عن قصف ضريح رجل الدين العلوي “يغمور دادا” قرب حلب [4].
هذه الأمثلة تمثل عينة واضحة لآليات اشتغال العقل الطائفي السلطوي الذي ما يزال يرهن سوريا لحسابات فئوية وطائفية لا تقبل بالتعدد، فـ”سوريا المفيدة” تراكم وسائط عنف وإكراه متعددة لخلق مجتمع متجانس بالقوة وتغييب التنوع والخصوصية الثقافية والحضارية والدينية. بالتالي، كان هدم وتحطيم الآثار أو مشاهد النزوح والتهجير، ضمن مشاهد همجية كثيرة تعد الأكثر فداحة في سوريا، فضلاً عن التحويل القسري للكنائس إلى مساجد أو تدمير دور العبادة غير الإسلامية، ومنها الدروز، مثلاً. وقد اضطلعت التنظيمات الإسلامية المتشددة والمسلحة، وعلى رأسها تنظيمي الدولة الإسلامية (داعش) وجبهة النصرة/ هيئة تحرير الشام، المصنفتين على قوائم الإرهاب، بهذه الأعمال العدوانية لخلق عوالم تطهرية لنموذج المجتمع المثالي القائم على أسس عقائدية أيدولوجية في أدبياتهم.
إثر فترة وجيزة من سقوط بشار الأسد، اندلعت أعمال عنف طائفية، حيث تزامنت فترة التحول السياسي مع فترة الأعياد المسيحية بعيد الميلاد المجيد للسيد المسيح وفقاً للتقويم المسيحي الأرثوذكسي. من ثم، تعدد حوادث الاعتداء، منها ما تعرضت له كنيستين في يوم الأربعاء 18-12-2024، حيث طاول كنيسة مار يعقوب النصيبيني التابعة للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في مدينة القامشلي/قامشلو، في شمال شرقي سوريا، هجوماً والعبث بمحتويات المكان وكسرت أثاثه [5]. ويضاف لذلك، حرق شجرة عيد الميلاد في أحد الأحياء ذات الأغلبية المسيحية بدمشق. وقد اندلعت احتجاجات في الأحياء المسيحية بالعاصمة السورية، دمشق، بعد أن أضرم مجهولون النار في شجرة عيد الميلاد، إذ ظهر على الإنترنت مقطع فيديو لرجال يشعلون النار في شجرة عيد الميلاد معروضة علناً في بلدة السقيلبية ذات الأغلبية المسيحية، بالقرب من مدينة حماة، مما أدى إلى اندلاع الاحتجاجات.
جذور العداء الإسلاموية للحضارة والمرجعيات المؤسّسة
ليس ثمة شك، أن الموقف العدائي من الحضارة ورموزها، لا يحمل تباينات بين القوى الإسلاموية المتشددة. وبتتبع التاريخ الحركي لهذه الجماعات، نجد أنه في الثاني من آذار (مارس) العام 2001، بدأت حركة “طالبان” بالشروع في تنفيذ أولى مراحل خطة تدمير تمثالي بوذا المنحوتين على منحدرات وادي باميان بأفغانستان اللذين يعود تاريخهما إلى القرن السادس الميلادي، حيث بدأت الجريمة بقصف مكثف باستخدام المدافع المضادة للطائرات، أعقبه زرع ألغام مضادة للدبابات في الجزء السفلي من التمثالين، وهو ما حولهما إلى أطلال في لحظات. وقد أثارت هذه الفعلة موجة غضب عالمية، وحالة من التخوف في ظل التنامي العسكري للحركة، التي تمكنت لاحقاً من بسط نفوذها على سائر الأراضي الأفغانية، وفي العالم الإسلامي كان هناك جدل من نوع آخر حول شرعية هدم التماثيل، والأسس الدينية التي بنت عليها الحركة فعلها المشين [6].
إذ تستند الجماعات الراديكالية إلى فتوى قديمة مفادها أن الكنائس لا يجوز بناؤها في “ديار الإسلام“، وإذا تم فتح بلد بالقوة، جاز للمسلمين تحويل الكنائس إلى مساجد أو إزالتها. وقد نقل ابن القيم الجوزية في كتابه: “أحكام أهل الذمة”، أنه “لا يجوز إبقاء كنيسة في بلد أسلم أهله أو فتحه المسلمون عنوة” [7]. والأمر ذاته، أكثر رواجاً لدى ابن تيمية، الذي يقر بتحريم العمل على تدشين الكنائس ومساعدة أهل الذمة فى ذلك لأنه “إعانة لهم فى كفرهم”، ويقول في “الرسالة القبرصية”: “اتَّفق المسلمون على أن المدينة التي يسكُنها المسلمون والقرية التي يسكنها المسلمون وفيها مساجدُ المسلمين لا يجوز أن يَظهرَ فيها شيء من شعائر الكُفر، لا كنائس ولا غيرها“، وأيضاً: “مَن اعتقد أنَّ الكنائس بيوت الله، وأنَّ الله يُعبد فيها، أو أنَّ ما يفعله اليهود والنصارى عبَادةٌ لله وطاعةٌ لرسوله، أو أنَّه يحب ذلك أو يَرضاه، أو أعانهم على فتْحها وإقامة دِينهم، وأنَّ ذلك قُربةٌ أو طاعةٌ- فهو كافر” [8].
إقرأ أيضًا: ميكروفيزياء العنف الرمزي
استغلت التنظيمات الأصولية هذه النصوص لتبرير هجماتها. وثمة وفرة في الفتاوى والآراء المماثلة التي تعاود تجديد الفكر الديني المتشدد، مثل الداعية الإسلامي وأمين عام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المقرب من التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، يوسف القرضاوي، والذي قال: “اختلف العلماء حول حكم رسم ما فيه روح كالإنسان والحيوان، وذهب الجمهور إلى تحريم ذلك، بينما ذهب بعض الفقهاء إلى أن رسم ما فيه روح ليس حراماً، ولكنه قد يكون مكروهاً؛ إذا كان من مظاهر الترف. وعلى كل حال فاستخدام الرسم في وسائل الإعلام بغرض الدعوة والتعليم النافع لا يدخل في دائرة الحرام، بل يكون مطلوباً شرعاً، ويتأكد هذا الطلب إذا تعينت هذه الوسائل لتوصيل الدعوة والعلوم النافعة للناس، وهذا ما لم يكن موضوع الصورة حراماً في نفسه كالصور التي تمجد الفسقة والظلمة والملاحدة وكالصور العارية” [9].
في كتابه “الحلال والحرام في الإسلام” ليوسف القرضاوي، قال إنه بناء على “أدلة السلف” فـ”المحرم من الصور هو ما كان له ظل، أي ما كان مجسماً، وهو الذي نسميه بلغة العصر “التماثيل”؛ لأنها هي التي تضاهي خلق الله، فإن خلقه تعالى مجسم، كما قال سبحانه {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء} (آل عمران:6)، وتصويره تعالى في الأرحام: تحويل الجنين من نطفة إلى علقة إلى مضغة مُخلّقة وغير مخلقة، إلى عظام مكسوة لحمًا، ثم ينشئه خلقًا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين” [10]. كما أنه في كتاب “المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار” يقول المؤرخ تقي الدين المقريزي: “دشن الشيخ محمد صائم الدهر (من جملة صوفية الخانقاه الصلاحية) حركة بهدف تغيير ما اعتبره “أشياء من المنكرات”، وشن لإزالة المنكرات والتصاوير، عام 780هـ ، منها تمثال أبي الهول. وبقى يجهد في تحطيمه، حتى شوه وجهه وشعثه” [11].
آليات الهدم الحضاري
وترتب على كل هذا الميراث، تدمير آثار الموصل وحضارتها التي يعود تاريخها إلى أكثر من 4 آلاف عام، باستخدام الفؤوس، على يد “داعش”، واستعمال المتفجرات المضادة للدبابات في متحف تدمر، وقد كانت الآثار الرومانية في مدينة تدمر بريف حمص الشرفي هدفاً لانتقام التنظيم الإرهابي أيضاً الذي حكم أجزاء واسعة من سوريا والعراق قبل هزيمته النهائية بالباغوز 2019 في شمال شرق سوريا. وكان تنظيم “داعش” الإرهابي في فترة صعوده بسوريا والعراق، قد صرح في عدد من بياناته الرسمية بأن: “الصلبان تُكسر، والكنائس تُهدَم، فإنها معاقل الكفر والشرك بالله“. ومن وقائع الاعتداء على الكنائس وتحويل بعضها لمساجد [12]:
- أ. القصير: كنيسة مار إلياس
في حزيران/ يونيو 2013، وبعد سيطرة فصائل جهادية منها “جبهة النصرة” على مدينة القصير في ريف حمص، تم الاستيلاء على كنيسة مار إلياس وتحويلها إلى مسجد.
رفع المقاتلون راياتهم السوداء فوق الكنيسة، وأزيلت كافة الرموز المسيحية، بما في ذلك الصليب الذي كان يعلو المبنى.
- ب. الرقة: كنيسة الشهداء
عندما سيطر “داعش” على مدينة الرقة عام 2014، عمد إلى تحويل كنيسة الشهداء إلى مقر لما أسموه “ديوان الحسبة” (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
في تسجيل مصور بثه المكتب الإعلامي لـ”داعش”، قال أحد المقاتلين:
“أزلنا الرجس عن أرض الله، وأعدنا لهذه الديار طهرها”.
- ج. حلب القديمة
شهدت مدينة حلب القديمة واحدة من أكبر عمليات الاعتداء على دور العبادة:
- استُهدفت كنيسة السيدة العذراء وكنيسة الأربعين شهيداً بالتخريب والنهب.
- استخدمت بعض الكنائس كمستودعات أسلحة أو كمراكز قيادة ميدانية.
إلى جانب ذلك، بطبيعة الحال، تم فرض الجزية والتهجير القسري
بالإضافة إلى تدمير الكنائس، فرض تنظيم “داعش” على المسيحيين في الرقة دفع الجزية كشرط للبقاء.
وفي بيان مؤرخ بشهر شباط/فبراير 2014، أعلن التنظيم [13]:
“إما الإسلام أو دفع الجزية أو القتال، ولا رابع لهم”.
ونتيجة لذلك، هُجّرت غالبية السكان المسيحيين قسراً من الرقة ومناطق أخرى خضعت لسيطرة التنظيم.
حتماً، تؤمن الجماعات المتشددة أن القضاء على التماثيل والكنائس وغيرها من دور العبادة لغير المسلمين (مع الأخذ في الاعتبار عدائها الصريح للمساجد التي بها أضرحة ومقامات) هو واجب ديني يحفظ “نقاء التوحيد“؛ إذ يعدون هذه الرموز “شركاً محدثاً” يجب إزالته لإعادة المجتمع إلى “صفاء العقيدة الأولى”. إلا أن ذلك لا يخفي، استخدام تدمير الآثار في الدعاية الإعلامية التي لطالما كانت من أبرز وسائل “داعش” في جذب عناصر جهادية لصفوفها، وتنويع الإغراءات بين الحواضن المحتملة، وزيادة فرص توسع نفوذ التنظيم. وقد مارست الجماعة الإرهابية نمطاً براغماتياً بعيداً عن التمركز في النطاق العقائدي الأيدولوجي، بخصوص موقفها من الآثار والتي شهدت عمليات منظمة لنهب وبيع القطع الأثرية المنهوبة. وقدرت “اليونسكو” أن تنظيم “داعش” حصل على ملايين الدولارات سنوياً من تهريب الآثار السورية إلى الأسواق الأوروبية عبر تركيا [14].
وتتبنى الدراسة وفقاً لهذا الأساس، أن موقف الجماعات الإسلامية المتشددة من التماثيل ودور العبادة في سوريا يقوم على تفسير متشدد للنصوص الدينية، لكنه يُستخدم عملياً لأغراض براغماتية لتنويع اقتصاديات التنظيم. وإلى جانب الفوائض المالية هناك فوائد سياسية وعسكرية. الأمر الذي أسفر في نهاية المطاف عن تدمير المعالم الحضارية والاعتداء على دور العبادة وأفضى لخسائر ثقافية لا تقدر بثمن، وفاقم من تمزيق النسيج الاجتماعي السوري. وفي الأحوال جميعها، لا تقتصر مواجهة هذه الظاهرة على الإطار الأمني، بل تتطلب أيضاً نبذ الفكر الطائفي، وتعزيز قيم التنوع الثقافي والديني.
- والسؤال: كيف يمكن تفسير قيام الجماعات الإسلاموية الراديكالية تحطيم التماثيل والاعتداء على دور العبادة غير الإسلامية في سوريا، وما هي الأبعاد الطائفية لهذه الاعتداءات؟
ما تزال أزمة الحضارة والهوية والتعددية تشكل جدالات بل صدامات دموية مع القوى الإسلاموية. ومن نافلة القول إن الوضع المأزوم بسوريا على وجه التحديد، باعتبارها بيئة البحث ومجال الدراسة، يجعل الحاجة ضرورية لفهم الأبعاد الفكرية النظرية والعملية لممارسات الجماعات المتشددة تجاه التراث الثقافي والديني، والقضايا المتصلة بها على مستوى القبول بالآخر في فضاء عام، ليس فيه إقصاء أو عنف سواء كان مادياً أو معنوياً. فراهنية الأحداث حتى مع خفوت سياق النزاعات المسلحة، يؤشر إلى سيولة أمنية وتفشي نزاعات، بعضها غير مرئي، والبعض الآخر له صدى واضح ومباشر، ومرئي بطبيعة الحال على مستوى آثاره المادية. فالخطاب الطائفي للقوى المتسيّدة المشهد، يضغط باتجاه استمرار الممارسات اللا تاريخية على الهوية التاريخية والتعددية الدينية في المجتمع السوري، لا سيما مع استمرار الاستعمال السياسي والأيدولوجي للدين، وتعيينه في سياقات حربية، لخلق وضع تعبوي كفاحي وتبشيري. يصب ذلك كله في شيوع ظاهرة العنف الرمزي والثقافي وكأنه عبارة عن عنف مقدس له أبعاد خلاصية. وبحسب المفكر السوري عزيز العظمة، فإن بعض الأطرف “تبدي إرادة مبيتة لتقويض كل بناء قومي يظهر لها كتهديد”، كما ورد في كتابه: “الهوية”.
اقتصاديات العنف الإسلاموي: فوائض مالية وفوائد سياسة
فيما سبق لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، أن كشفت عن خريطة الانتهاكات الطائفية وتبديد ممتلكات المسيحيين، فضلاً عن الاعتداء بحق الكنائس والأديرة، ضمن خطط التغيير الديمغرافي، وإلغاء هوية المكان المتعدد والمركب لصالح هوية أحادية وأنماط شمولية تصادر حقوق باقي الطوائف والقوميات، عرقية ودينية. وتقول تقريرها الحقوقي قبل ثلاثة أعوام: “في عام 2017، استولت جبهة النصر/ هيئة تحرير الشام على الكنيسة المسيحية الوحيدة في مدينة إدلب، وتم تحويل قسم منها إلى معهد تعليمي بعد تأجيره إلى أحد الأشخاص من أجل الانتفاع منه”. كما نقلت عن مصدر محلي، أن عائدات هيئة تحرير الشام تضاعفت من من إيجارات منازل المسيحيين في مدينة إدلب وحدها ما يزيد على 70 ألف دولار سنوياً [15].
كما تحتوي محافظة إدلب على كنائس وأبنية تاريخية مسيحية، وقد تعرّض العديد منها للقصف والتدمير الكامل أو الجزئي، خلال سنوات الحرب، على يد كذلك الحكومة السورية والفصائل المسيطرة، وغالبية الكنائس المنتشرة بالمحافظة هي اليوم مغلقة، أو تمارس فيها الشعائر الدينية على نحو محدود، فضلاً عن انتفاع الفصائل من بعضها، وفق ما تفيد مصادر محلية. ومن بين الشهادات الموثقة أن “كنيسة الروم الأرثوذوكس في قرية الغسانية تعرضت لدمار كبير نتيجة الغارات التي طالتها على يد النظام وروسيا، بعد أن اتخذها جيش الفتح مقراً له لاعتبارها محصنة بشكل جيد، لكن وبعد تدميرها تم هجرها وتركها على حالها“. كما “حوّل الحزب الإسلامي التركستاني كنيسة مار يوحنا للروم الأرثوذكس في قرية الجديدة إلى مقر للطبخ والراحة” [16].
أهداف جاهزة للانتقام والتصفية
الاعتداء على تمثال الأديب والفيلسوف أبي العلاء المعري، قبل أعوام قليلة، على يد فرع تنظيم “القاعدة” الإرهابي بسوريا، بالتزامن مع سيطرة جبهة النصرة/ هيئة تحرير الشام عام 2013 لإدلب، فضح البنية الخفية لتاريخ العنف الأصولي الممتد لشخصية مؤسسة عاشت في القرن الخامس الهجري والعاشر الميلادي، ويمثل اسمه ركناً مهماً في سياق رموز العقلانية الإسلامية. فقطع رأس التمثال الحجري للمعري الذي عاش ومات في إدلب بشمال غربي سوريا، تكرار لتاريخ ماضوي أو بالأحرى عصرنة وفي المكان ذاته لسهام فقهاء التشدد، باعتباره هدفاً جاهزاً للتكفير والتحقير. ففي العام ذاته وبالتزامن مع سيطرة الجبهة على مدينة معرة النعمان، جرى العبث بالضريح والتمثال وتدمير المتحف بشكل جزئي. وكان حظ هذا الاستهداف أنه واجه حمولة رفض ثنائية ومزدوجة، الأولى تتبنى رفضاً للتماثيل كما الأيقونات وكافة الآثار والتعابير الفنية التراثية أو المعاصرة، والثانية تتصل بالعداء المماثل للأديب والفيلسوف الذي التمس أسس العقلانية وضد السكونية. والقاسم المشترك بين الحالتين التي أفضت لاشتهاء العنف والتخريب، وصم الأطراف المغايرة بالتجديف والزندقة واعتبار الرموز الثقافية بتنوعاتها مجرد وثن. والنتيجة هي الهدم والتحطيم كما القتل والعدوان بشرعية “التكفير” الدينية المصنوعة.
وليس من الصعب العثور على آلاف الفتاوى التي تكفر المعري وتعده خارجاً عن الملة الإسلامية بإجماع فقهاء عصره ومن تلاهم. لذا كان تدمير ضريحه هدفاً مشروعاً بغض النظر عن معرفة مدمريه لشخصه أو فهمهم لرؤيته ومواضع انتقاده، بل وحتى قراءة شيء مما جاء به وتركه كمرجع تخطى المحلية نحو العالمية الفكرية والأدبية والثقافية كـ”رسالة الغفران” على سبيل المثال. في أتون ذلك لم يكن تصرف “النصرة” بقطع رأس تمثال المعري منفصلاً عن سياق الأحداث العامة داخل المنطقة، فقد كان تنظيم “داعش” الذي تنامى وتطور فكرة وعدداً وعتاداً سيطر على أهم المواقع الأثرية بين سوريا والعراق، مثل مواقع الموصل ونينوى والحضر في العراق، وهناك فجر ودمر وحطم بالسيوف والفؤوس تماثيل وآثاراً تعود لآلاف الأعوام، ووثق فعتله كل مرة بالفيديو على صيحات “الله أكبر”، معتقداً أنه بذلك يواجه صورة من صور الشرك العظيم بإزالة “الأوثان” [17]. ومن بين أبرز ضحايا التدمير الممنهج للآثار كان تدمير “داعش” لمدينة نمرود الأثرية في العراق “كالخو”، إذ حطم واجهتها والمقبرة والنقوش الآشورية وكذلك موقع “خورسباد” الأثري وغيرهما كثير، وكان أبرز ما دُمِّر “الثور المجنح” الآشوري.
إذاً، فالسلفية الجهادية، كما يمثلها تنظيمي “داعش” و”القاعدة” وفرعه السوري (جبهة النصرة/ هيئة تحرير) الإرهابيين، كانت الإطار النظري الذي تأسست عليه ممارسات التدمير. إذ يشرح أبو محمد العدناني، الناطق بلسان “داعش”، في كلمة مسجلة عام 2014 بعنوان “إننا قادمون”، بأن “تحطيم الأصنام والأنصاب واجب ديني لطالما قصّر فيه المسلمون، ونحن نعيد فريضة مغيبة” [18]. يؤكد هذا التصور أن تحطيم الرموز الثقافية يُعد بمثابة تطهير ديني وتجديد للتوحيد، متجاهلين السياق الحضاري والإنساني لهذه الرموز.
بيان ضد الحضارة!
وتعود الجذور المؤسسة لهذا العداء للحضارة مع منظر جماعة الإخوان المسلمين، سيد قطب، الذي قام بتحوير النصوص الدينية لتكون بياناً ضد الحضارة، ويشكل حملة حركية وتنظيمية ضد مظاهر الحضارة والتحديث الذي رده بالكلية إلى “الغرب” و”ماديته” كما ربطه بشكل متعسف وقسري إلى ما عدّه ظواهر “الانحلال” و”التطرف الأخلاقي”. ففي كتابه: “في ظلال القرآن” عمد إلى تقديم تفسيرات كلها ترى في الحضارة “جاهلية” معاصرة، و”من هنا يستطيع المسلم أن يربط بين الحملة الضخمة الموجهة إلى حياء الناس وأخلاقهم والدعوة السافرة لهم إلى العري الجسدي – باسم الزينة والحضارة والمودة! – وبين الخطة الصهيونية لتدمير إنسانيتهم، والتعجيل بانحلالهم، ليسهل تعبيدهم لملك صهيون! ثم يربط بين هذا كله والخطة الموجهة للإجهاز على الجذور الباقية لهذا الدين في صورة عواطف غامضة في أعماق النفوس! فحتى هذه توجه لها معاول السحق، بتلك الحملة الفاجرة الداعرة إلى العري النفسي والبدني الذي تدعو إليه أقلام وأجهزة تعمل لشياطين اليهود في كل مكان! والزينة “الإنسانية»”هي زينة الستر، بينما الزينة “الحيوانية” هي زينة العري” [19].
وقال قطب: “لكن “الآدميين” في هذا الزمان يرتدون إلى رجعية جاهلية تردهم إلى عالم البهيمة. فلا يتذكرون نعمة اللّه بحفظ إنسانيتهم وصيانتها!!!. ذلك بحسب ما جاء في القرآن الكريم: “يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ، يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما ، إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ، إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ. وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا : وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها. قُلْ : إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ ، أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ؟ قُلْ : أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ، وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ، وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ، كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ. فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ، إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ”” [20].
ولئن اعتمدت الجماعات الإسلامية المتشددة على مجموعة من النصوص التراثية لتبرير تحطيم التماثيل والآثار، مستندة إلى حديث نبوي في محاولة لتطويعه بما يحقق أهدافها: “لا تَدَعْ صورةً إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سوّيته” (رواه مسلم). وقد اعتُبر هذا الحديث دليلاً على وجوب إزالة التماثيل والصور باعتبارها رموزاً للشرك، إلا أن هذه القوى الأصولية والسلفية المتشددة قد أهملت نصوصاً أخرى بينما أغفلت سياقات بقصد تعميم رؤيتها الانتقائية المبتسرة. وقد فطن الإمام محمد عبده قبل نحو مائة عام في مجلة “المنار” في وصف رحلته إلى صقلية العام 1894 لهذه الالتباسات، حيث يقول: “إذا كنت تدري السبب في حفظ سلفك للشعر، وضبطه في دواوينه، والمبالغة في تحريره، خصوصاً شعر الجاهلية، وما عني الأوائل بجمعه وترتيبه، أمكنك أن تعرف السبب في محافظة القوم على هذه المصنوعات من الرسوم والتماثيل، فإن الرسم ضرب من الشعر الذي يُرى ولا يُسمع، والشعر ضرب من الرسم الذي يُسمع ولا يُرى” [21]. ولما فتح المسلمون جزيرة صقلية وتركوا فيها الآثار الرومانية، وبقيت هذه التماثيل والآثار الرومانية حتى عصرنا الراهن، وزارها في أوائل القرن العشرين 1903 الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وكتب عدة مقالات في مجلة المنار وتحدث فيها عن هذه التماثيل وكيف أنها ليست معبودة من دون الله، ولا تمثل خطراً على عقيدة التوحيد، وإنما هي جزء من ذاكرة التاريخ.
إذ دوّن الإمام محمد عبده هذه المقالات معلقًا على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون”، وعلق فقال: “إن الحديث جاء في أيام الوثنية وكانت الصور تُتخذ في ذلك العهد لسببين: الأول اللهو، والثاني التبرّك بمثال من ترسم صورته من الصالحين، والأمر الأول مما يبغضه الدين، والثاني مما جاء الإسلام لمحوه، والمصوَّر في الحالين شاغل عن الله، أو ممهد للإشراك به، فإذا زال العارضان وقُصدت الفائدة، كان تصوير الأشخاص بمنزلة تصوير النبات والشجر والمصنوعات، وقد صُنع ذلك في حواشي المصاحف، وأوائل السور، ولم يمنعه أحد من العلماء، مع أن فائدة نقش المصاحف موضوع النزاع، أما فائدة السور فمما لا نزاع فيه” [22].
وتابع: “الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرّم وسيلة من أفضل وسائل العلم، بعد تحقيق أنه لا خطر فيها على الدين، لا من جهة العقيدة، ولا من جهة العمل، وليس هناك ما يمنع المسلمين من الجمع بين عقيدة التوحيد، ورسم صورة الإنسان والحيوان لتحقيق المعاني العلمية وتمثيل الصور الذهنية. وهناك من الأدلة الشرعية تطبيقات عهد النبوة؛ فكما أزال الصحابة الصور والتماثيل عندما تكون معبودة من دون الله، استخدموها واستخدموا المرسوم فيها من صور الأصنام والتماثيل عندما لم تكن هناك مظنة لتعظيمها. فالسيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تروي في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده، فتقول: “قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر وقد اشتريت نمطاً” أي نسيجاً من صوف، أو بساطا فيه صورة، ومعنى الصورة في الحديث النبوي وفي العهد النبوي صورة الصنم المعبود؛ لأن الذين كانوا ينسجون النسيج ويصدّرونه إلى شبه الجزيرة العربية حينئذ كانوا يعلمون أن العرب أهل وثنية وعبدة أصنام، وكانوا يرسمون صور الأصنام على الأقمشة كي تروج في تلك البيئة. فالسيدة عائشة اشترت قماشاً فيه صورة، وعلقت هذا القماش على كوة أي على نافذة في منزل النبوة، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم كره هذا الذي صنعته عائشة” [23].
ما سبق تم بحذافيره في وقائع هدم وتحطيم الآثار بمواقعها المختلفة بداية من أفغانستان مروراً بالعراق وحتى سوريا، على يد طالبان وتنظيمي القاعدة وداعش، مع صعودهم الإرهابي في تلك البلدان، حيث إن ثقافة التدمير والإقصاء انشغلت على مهل في وعي هذه الجماعات وإدارتها للعنف بدعاوى رد المجتمعات إلى “التوحيد” ونبذ مظاهر “الشرك”. لكن حقيقة الأمر، أن تلك الدعاوى هي مجرد وسائط تخفي حقائق التنظيمات الإسلاموية المتشددة وسردياتها الشمولية التي تتبنى رؤية للعالم ليس فيها تنوع وترفض التعدد، وتواصل بحملاتها الهمجية ضد القوميات المختلفة والطوائف والأديان المغايرة، إدارة هيمنة وفرض الإذعان بحيث تضمن طواعية المجتمعات، خاصة التي تبدو غنية في ثقافتها وحضارتها، لا سيما سوريا. حيث إنها تضم مجتمعات قومية عرقية ودينية طائفية متميزة ومتمايزة، عربية وكُردية وأرمن كما السريان والآشوريين جنباً إلى جنب مع المسلمين السنة والشيعة والعلويين والإسماعيلية فضلاً عن الدروز. وبالتبعية هناك خلافات عميقة وليست ظاهرية، أقلها اختلاف اللهجات وتعدد اللغات حتى بين الكُرد هناك تفاوت ليس بالهين في سوريا على مستوى اللغة واللهجة تعكس فوارق واضحة بين مناطق تمركزها في شمال شرق سوريا (القامشلي/قامشلو مثلاً، ومناطق الجزيرة السورية، وفي عفرين بشمال غرب سوريا).
من هنا، كان طبيعياً في أيار/ مايو 2015، بالتزامن مع سيطر تنظيم “داعش” على مدينة تدمر الأثرية، إحدى أهم مواقع التراث العالمي المسجلة لدى “اليونسكو”، أن أصدر التنظيم بياناً رسمياً جاء فيه: “إن معابد تدمر هي بقايا من عبادة الشيطان في الجاهلية، وواجبنا الشرعي أن نزيلها من وجه الأرض”. وفقًا لتقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو”، دمر “داعش” معبد بعل شمين بالكامل، كما نسف أجزاء كبيرة من معبد بل ومسرح تدمر الشهير. في مشهد موثق، بث التنظيم تسجيلاً مصوراً، يظهر عناصره وهم يحطمون التماثيل بالأزاميل والمطارق، معتبرين إياها “أصناماً شركية”. وقد وثقت “هيومن رايتس ووتش” لاحقاً أن مئات القطع الأثرية قد سُرقت وتم تهريبها عبر الحدود التركية لبيعها في السوق السوداء الدولية”. كما أنه بعد السيطرة على الرقة، حطم “داعش” جميع التماثيل والنصب التذكارية في المدينة، بما فيها تمثال الخليفة العباسي هارون الرشيد. وتعرض متحف تدمر ومآثره إلى التدمير والنهب.
تبديد الذاكرة وإلغاء التنوع
وإثر سقوط الأسد، نهاية العام الماضي، زار مدير مكتب صحيفة “نيويورك تايمز” بالشرق الأوسط، بن هوبارد، ضمن مجموعة من مراسلي وسائل إعلام أخرى مدينة تدمر الأثرية في ريف حمص وسط سوريا، وكتب تقريراً يرصد معالمها ويقف على آثار الدمار الذي خلفته الحرب الأهلية التي استمرت 13 عاماً. وقد لاحظ في تقريره أن الأعمدة الحجرية الشاهقة لمدينة تدمر التاريخية لا تزال تشرئب بشكل مهيب من بين رمال الصحراء، وتنتصب شامخة على الجادة الرئيسية التي كانت تربط بين معابدها وأسواقها ومسرحها الروماني المكشوف. وعند الاقتراب من المدينة، يبدو الدمار الذي نجم عن المعارك واضحا؛ حيث يرى المرء أقواساً تاريخية وقد سقطت بفعل الانفجارات، وتماثيل طمس معالمها من وصفهم المراسل بالمتطرفين، ومعابد استحالت إلى أكداس من الأنقاض [24]. ويمكن القول إنه منذ وضعت الحرب الأهلية أوزارها في ديسمبر/كانون الأول الماضي بإطاحة بشار الأسد، والسوريون والسياح الأجانب، على ندرتهم، يزورون تدمر لمشاهدة أحد أكثر المواقع التراثية المذهلة في البلاد، والتفكر في كيفية اندماجها في مستقبل سوريا، حيث إن كل تلك المجاميع القتالية تركت بصماتها على المدينة، لكن تنظيم الدولة الإسلامية -على وجه الخصوص- الذي استولى على تدمر في عام 2015 شنّ عمليات تخريب متعمدة للتماثيل والآثار التي تعود إلى أديان أخرى غير الإسلام. إذ نسف التنظيم مواقع دينية، من بينها معبد بعل شمين الأثري الذي يعود بناؤه إلى ما قبل ظهور الإسلام، في حين لم يتبق من المعبد الآن سوى رواقه المستطيل الشكل، إلى جانب مجموعة من الكتل الحجرية الكبيرة، بعضها مزيّن بأوراق الشجر والعنب المنقوشة [25].
كما أعلنت “اليونسكو” في بيان سابق، أنها تلقت مجموعة من التقاير والصورة الموثقة من معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث والبرنامج التشغيلي للتطبيقات الساتلية التابع له تؤكد تدمير واحد من أشهر المعالم الأثرية في مدينة تدمر وهو (التترابليون) بالإضافة لواجهة المسرح الروماني. وكانت ميشتد روسلر، رئيسة قسم التراث في اليونسكو، أشارت في حوار مع “أخبار الأمم المتحدة”، إلى أن تدمير هذه المناطق الأثرية يعد جريمة حرب، مثلها مثل تدمير المعالم الأثرية لمدينة تمبكتو في مالي: “بالنسبة لنا كانت القضية أمام المحكمة في لاهاي حاسمة تماما. هذه جرائم حرب. تمت مهاجمة المواقع خاصة لأنها تظهر كيف تتفاعل الثقافات المختلفة مع بعضها، وهذا هو السبب في أن هذه أيضا تعد جريمة حرب”. وفي ما يتعلق بتدمُر، ذكرت روسلر أن التقارير التي تلقتها منظمة “اليونسكو” تشير إلى وقوع مزيد من الدمار هناك: “لقد تلقينا عددا من التقارير من مصادر مختلفة، وقمنا أيضا بتحليل صور الأقمار الصناعية من زملائنا من معهد اليونيتار (معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث) والتي كشفت أنه كان هناك مزيد من الدمار في تدمر”. فالتترابليون الذي يشكل تقاطعاً على طول الرواق الكبير في تدمُر كان شاهدا على ما كانت عليه الحقبة التاريخية في حوالي 270 ميلادية من عظمة وقوة تحت قيادة الملكة زنوبيا [26].
إقرأ أيضًا: تأثير التيارات الفكرية في العقل العربي
هذه التفاصيل لا يمكن التغاضي عنها في سياق سوريا ما بعد الحرب، حيث استمرار العداء للتنوع ومحاولة تبديد الاختلاف وإعادة تشكيل المجتمع وفق سردية واحدة وتأطيره في هوية جامدة ممانعة للتعدد، متحفزة ضد الآخر، تملك الحق/ القوة في الحياة والبقاء والتمدد مع إلغاء الأطراف الأخرى باعتبارها هامشية أو بوصفها انعزالية، انفصالية، أقلوية. حيث إن حوادث الاعتداء على الرموز الثقافية والحضارية ورفض الهوية المركبة، يواجه معضلة ثقافية في سوريا، بخروج هذه الأفكار من مستوى أدبيات تنظيمية إلى محاولة مأسسة هذه الرؤى المتشددة وتعميمها بقيمها وأفكارها وسلوكياتها المحتملة، راهناً أو مستقبلاً، من خلال شرعنتها في مناهج التعليم أو في وسائل الإعلام أو مؤسسات المجتمع المدني، خاصة مع قوة السلطة المملوكة لتيار متشدد ينتمي للسلفية الجهادية والفكر “القاعدي” و”الداعشي”. ذلك ما حدث بوضوح مع محاولة تغيير المناهج في سوريا، وحملت طابعاً خشناً ضد الحضارة وحصار سوريا في فكر أحادي يغض بصره عن التعدد ويتعامل بمنطق “الاستعلاء الإيماني” على قيم الحضارة ونتائج المعرفة الحديثة والعلم. فالتغييرات الفجة حملت أفكاراً تحقيرية لحقب تاريخية قديمة. فطاولت كتب التاريخ والفلسفة، آليات الحذف والإلغاء لخلق وعي انتقائي، وانحيازات أيدولوجية تصب في صالح تقوية الجماعات الإسلاموية وتراثها المتشدد. فأُزيلت الفقرات التي تناولت الآلهة القديمة والرموز غير الدينية، كما استُبدلت بأخرى تركز على ما وصفته الوزارة بـ”القيم العلمية والثقافية”. وإضافة إلى إزالة أي ذكر لرموز النظام السابق، بما في ذلك النشيد الوطني، شملت التعديلات حذف ذكر الملكة السورية زنوبيا، وكذلك ذكر “خولة بنت الأزور” وذلك بسبب أنهما “شخصيتان غير حقيقيتين” حسب الوزارة [27].
وتضمنت التعديلات التي تم التراجع عنها في إطار كمون تكتيكي تحت وطأة الضغوط المحلية والخارجية، درساً في العلوم يتحدث عن “تطور الدماغ”، إضافة إلى حذف كل ذكر لنظرية التطور، أو ذكر الآلهة القديمة. وشهدت مادة التربية الإسلامية، تعديلات كبيرة، منها استبدال عبارة “الدفاع عن الوطن” بعبارة “في سبيل الله”. فتراث الجماعات الإسلاموية المسلحة يكاد أن يكون واحداً، وهذا ما تتبناه من مواقف على مستوى الفكر والثقافة، فضلاً عن تعاطيها مع الآخر، وثمة فارق بين مراحل تكون فيها تلك القوى في مرحلة استضعاف أو مرحلة صعود وأخيراً التمكين. بيد أن النتيجة، تكون في الحوادث المأساوية التي حصدتها سوريا والعراق مع صعود المجموعات الإرهابية، وأخذت في طريقها كنائس ومزارات دينية وأديرة للمسيحيين والإيزيديين والدروز كما للصابئة المندائية، غالبيتها لها الطابع الأثري والتاريخي. وتعاود التيارات الأصولية سيرتها في العدوان كما هو الحال مع طالبان التي تعمد إلى نسخ ممارساتها القديمة حالياً، رغم تحفظها على تاريخها القديم في العدوان على النساء والأقليات الدينية فضلاً عن موقفها من الرموز الحضارية والتماثيل والآثار بوصفها مجرد “أوثان”، وقد سبق للملا عمر أن قال عام 2001: “يجب أن يكون المسلمون فخورين بتحطيم الأصنام، ويجب حَمد الله أننا قد دمرناها لهم”.
التاريخ باعتباره وسيلة كفاحية ونشر العنف
معضلة العلاقة بين التيارات الأصولية كما التنظيمات المسلحة الإرهابية بخلفياتها العقائدية المتشددة، والرموز الحضارية المختلفة، تتمثل في إثارتها التوتر الدائم في كل المكونات التي تمنع اكتمال حدوث قطيعة وانفصال مع المتون التاريخية التي تفضح ممارسات الاجتزاء والعنف والاستئصال لتشكيل ذاكرة انتقائية لتنشيط دوافع المواجهة والخصومة. فالانتساب لهؤلاء يعني الانقلاب التام على كل روابطهم القديمة، البيولوجية لحساب الأسرة الأيدولوجية، ومن ثم، الانفصال بالتبعية عن المرحلة السابقة لاستعادة إنسان قائم لديه الجاهزية على التخريب والتدمير وتشويه أو بالأحرى القضاء على الحضارة بوصفها “عفنة”. فالتماثيل والجداريات مع الإنسان الذي يقف في دوامات التطرف الديني يراها بأبعاد ضعيفة ومشوهة، ويتلقى في داخله صدى تدميري لها، من دون أن يشعر أمامها بأي حس فني وجمالي تاريخي.
فالآثار ليست مجرد ذاكرة تاريخية وحضارية، كما أن دور العبادة المختلفة، هي أبعد من كونها أماكن مخصصة للطقس الديني، لا سيما التاريخية منها، إنما هي كل ذلك، فضلاً عن كونها مجالات حيوية لتدريب يومي تلقائي وعفوي على تقبل العالم في صورة سحرية تخلق إمكانية قبول الآخر والتعدد والتسامح. فالحضارة بالتعريف هي مجموعة الأفكار والإبداعات القيمية والمادية والجمالية التي تمكن مجموعة بشرية من تحقيقها في لحظة معينة، وتعبر عن مستوى تطورهم. بالتالي، تعددت الحضارات والثقافات التي رافقها في مراحل عديدة ظهور الدين سواء في فترات بدائية أو متقدمة تاريخياً.
ظهور الرسوم والبنى المادية والرمزية الحضارية تكاد أن تكون وثيقة مهمة، على مستوى حفاظها على جانب مهم ومرئي عميق للتراث الديني لشعوب عديدة في مراحل تاريخية متفاوتة، وقد عبرت عن قناعاتها وطقوسها في الصلاة والصيام، فضلاً عن طقوس الولادة والزواج والموت من خلال نماذج فنية أثرية ورموز مختلفة تثير التأمل والدهشة في آن. وبحسب المفكر السوري فراس السوارح: فـ”لحسن الحظ فقد تركت لنا جماعات العصور الحجرية بقايا مادية تساعدنا على الولوج إلى وسطها الفكري؛ مثل الرسوم والمنحوتات الصغيرة، وتشكيلات يدوية لا تنبيء عن قيمة استعمالية ما، وبقايا دفن تدل على طقوسٍ جنائرية معينة” [28].
وفي عصر لم تكن فيه الأيديولوجيات الدينية قد ظهرت بعد، كما يصفها المفكر السوري فراس السواح: “الله والكون والإنسان نظرات في تاريخ الأفكار الدينية”، فإن الفكر الديني للإنسان وقتها كان مرناً إلى حد بعيد، وبإمكانه التعبير عن الفكرة نفسها بطرقٍ متعددة. ولذلك فقد تعددت وتنوعت شاراته المقدسة. ثمة ملاحظة لافتة عرج عليها وهي “النصب الحجرية”، أو “الأحجار المقدسة”، التي ارتبطت بالعبادات الصحراوية. ففي العبادات التي ظهرت بشبة الجزيرة العربية وجنوب فلسطين تحديداً صحراء النقب أو شبه جزيرة سيناء، تم العثور على “مقامات دينية صحراوية وأحجار مقدسة على مدى الفترة الممتدة من الألف العاشر قبل الميلاد إلى بداية العصر الإسلامي”.
ويقول السواح: “إن أي إنسان تربى في ثقافة غير إسلامية أو غير يهودية لا يرى ضيراً في تقديس الصور الدينية؛ فالمسيحي يركع أمام صورة المسيح أو العذراء في الكنيسة، والبوذي يسجد على وجهه أمام تمثال البوذا؛ لأنهما يعرفان أن ما يقدسانه ليس الصورة وإنما ما وراء الصورة. أما المسلم فإنه يصاب بالذعر لرؤية إنسان راكع أمام صورة [29].
وعليه، فالممارسات العدوانية للتيارات الأصولية والجهادية المسلحة تمثل لحظة تدمير قصوى للذاكرة الإنسانية. الذاكرة الإنسانية التي لا تعرف تمايز طائفي، ونجحت في أن تخلد رموزاً منها الرسومات الجدارية بالنباتات والزهور، لوصف الجنة، وهو ما يمكن ملاحظته في فسيفساء إحدى جداريات الجامع الأموي الكبير في دمشق. وفي هذه الذاكر استمرارية وليست قطيعة أو عنف واستئصال، مثل استمرار الأثر الساساني في العراق وإيران ومصر، فضلاً عن تأثر التصوير في الشام بالفن الهيلنستي والبيزنطي. فنحن بصدد أزمة تتصل بفكرة التعاطي مع الآخر. والآخر الهوياتي قد يكون صورة مركبة، لها تعقيدات كثيرة نتيجة ارتباطها بصورة الصراع التاريخي والتنافس القديم، أو بالأحرى محاولات قوى عديدة إعادة إنتاج هذه العلاقة بتصوراتها القائمة على النزاع الدموي في صورة مشوهة عبر حشد عناصر الصراع كافة. هذا ما يحدث من خلال قوى الإسلام السياسي وبعض الأطراف الداعمة لسرديات العنف وخطاب الكراهية. فيسعى كل منهما إلى هدم جسور التواصل والحوار. وتسيّد منطق الصراع التاريخي والوجودي. هذا المنطق الذي يقوم على الصدام وإلغاء الآخر ونفي وجوده، والقيام على ركامه.
تبرز هذه الصورة في الاحتفاء المسيس والأيدولوجي الذي رافق تحويل متحف “آيا صوفيا” الأثري والتاريخي في تركيا إلى مسجد. ويمكن القول إن المبنى الأثري والمسجل باعتباره أثراً تاريخياً ضمن التراث الإنساني العالمي من منظمة اليونسكو، كان ضمن دائرة الاستقطاب السياسي والديني في توقيتات عديدة. ولا يعد تحويله إلى كنيسة حالة منفردة، بل إن هناك حالات عديدة منها “جامع العرب” في إسطنبول، والذي كان كنيسة بيزنطية، جرى تأسيسها في القرن السادس الميلادي، ثم في الفترة بين عامي 1475 و1478، إبان الدخول العثماني للمدينة تحولت إلى مسجد. فيما سبق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن رفض تحويل آيا صوفيا لمسجد في عام 2013 وتأكيده لعدم وجود نوايا بهذا الشأن، وقال إنه غير معني بتغيير “وضع آيا صوفيا ما دام هناك صرح إسلامي عظيم آخر، في إسطنبول، شبه خاو من المصلين، وهو مسجد (السلطان أحمد) الذي يرجع بناؤه إلى القرن الـ 17 الميلادي” [30]. لكن في منتصف عام 2020، وفي ظل تنامي صراعات إقليمية، كانت تركيا طرف فيها جعلت الرئيس التركي يصطدم مع الغرب والولايات المتحدة، بداية من الأزمة مع اليونان، مروراً بتنامي دوره في شمال شرق سوريا، وحتى اصطفافه السياسي محلياً مع القوى المحافظة والقومية المتعصبة والإسلامية (حزب الحركة القومية) بعد رواج مبدأ “العثمانية الجديدة”، بدا طبيعياً أن يتغير خطابه تبعاً للسياسات الجديدة. ويقول: “ينبغي على تركيا أن تسمح الآن بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد”. وهنا كان متحف “آيا صوفيا” ورقة سياسية لاستعادة ذاكرة الصراع بين العالمين الإسلامي والمسيحي من زاية ظاهرها ديني بينما الخفي وغير المعلن سياسي وبراغماتي.
وكان لافتاً تزامن عمليات الافتتاح الضخم لـ”آيا صوفيا” وعدّه انتصاراً دينياً مع ذكرى دخول العثمانيين لاسطنبول، ثم تلاوة سورة “الفتح” من القرآن الكريم. وجرت بعض التغييرات كمحو الآثار المسيحية وتغطيتها أو حجب الإضاءة عنها. فيتواجد بالمبنى عدة أيقونات مسيحية وفسيفساء ذهبية تصور السيد المسيح والسيدة مريم العذراء داخل قوس مزخرف يعود للقرن التاسع الميلادي. فالمعالم الدينية، ليست فقط جزءاً من يوميات السكان، وماضيهم وحاضرهم، بل هي أشبه بأدوات ضد النسيان، تحمل في طياتها سمات الذاكرة والهويات الجمعية، وفق الباحثة التركية المختصة في الأنثروبولوجيا، توغبا تانييري اردمير.
وفي دراستها المعنونة بـ” بقايا النهار [31]: “كنائس الأناضول المتحولة”، تقول إن الكنائس التي تحولت لمساجد في تركيا أو البلقان إنما كانت بدوافع متباينة “نفعية، جمالية، وأيديولوجية”، وذلك بما يتوافق مع اختلاف الظرف التاريخي أو السياسي بما يرافقه من تغيرات وظيفية في الأثر المقدس ودوره العبادي. حيث إن الكنائس الأرثوذكسية المتحولة في البلدان التي سيطر علبها العثمانيون تعرضت بجانب تغيير “قبلة الصلاة” إلى مكة لمحو الرموز والأيقونات (مع ملاحظة أن هذا المحور كان جزئيا أحيانا وكاملا في أحايين أخرى طبعا كما حدث في آيا صوفيا) الدينية المسيحية وتدشين مئذنة مع الاحتفاظ بالهيكل الأساسي للبناء وشكله الهندسي والمعماري.
وتقول: “كان الوافدون الجدد يثبتون وجودهم على الأرض وحقهم بها، من خلال تشييد مبان دينية، كنوع من المنافسة مع البنى القائمة، وكطريقة لفرض سيطرتهم على الجماعة الأخرى. لذلك كان من الشائع تحويل الكنيسة المركزية إلى مسجد عند الغزو، للظفر بالفضاء الديني للمكان (…) كفعل رمزي مهم. وهناك أمثلة تاريخية كثيرة عن مشاركة السلطان أو القائد العسكري بالصلاة في أول يوم جمعة بعد الغزو، كتجربة مهمة لتثبيت الفضاء الديني الجديد” [32].
إقرأ أيضًا: هشام جعيط والمستشرقون.. في ميزان نقد المنهج والتأسيس لرد الاعتبار
وبالتالي، استدعاء فترة الحروب والصراعات والغزوات، يؤبد لهذا العقل المتشنج والمتعصب الذي يروج لفكرة الإلغاء القائم على الصراع الوجودي، بما لا يسمح إلا بفئة منتصرة ومتغلبة في مقابل إذعان الفئة/ الفئات الأخرى، وقبولها الطاعة أو بالأحرى الاندماج والتماهي مع المجموعات المنتصرة. فضرورة إحياء وتوليد التاريخ الدموي يجعل الأطراف في حالة تعبوية وكأنها داخل مواقع عسكريتارية تتحفز للعدوان طوال الوقت. فآيا صوفيا بقيت كاتدرائية لمدة 900 عام، قبل تحويلها إلى مسجد، لمدة 500 عام، وهي إحدى أهم المنشآت المعمارية البيزنطية في تاريخ القسطنطينية، وقد جرى بناؤها في الفترة عامي 532 و537، في عهد الإمبراطور جستنيان، لتكون بمثابة الكنيسة الرسمية للدولة البيزنطية. ومع الغزو العثماني، على يد محمد الثاني المعروف بـ “محمد الفاتح”، في القرن الخامس عشر الميلادي، وتحديداً عام 1453، تحولت عاصمة الإمبراطورية الرومانية “القسطنطينية” إلى إسطنبول، كما أمست “آيا صوفيا” مسجداً، يبرز نفوذ الدولة العثمانية وقد صلى فيها “الفاتح” أول صلاة جمعة بعد الاستيلاء على المدينة.
هذا المنطق الإقصائي لا يسمح سوى بالتحريض والشحن الذي يؤدي للتقسيم والطائفية والعنف المقدس. في الدولة الحديثة والتي أمسى المواطن فيها له هوية قانونية مواطنية وليست دينية، الأمر الذي جعل بالإمكان قبول التنوع والتوسع في معرفة الآخر من دون خشية أو خوف وتردد، لا تبدو هناك حاجة إلى الاحتجاج على الوجود المتنوع وهدم آثاره تبعاً للتحولات السياسية، ومرجعيتها الدينية كما في التاريخ القديم، أو كما حدث مثلاً في المسجد الأموي الذي كان معبدا للإله الآرامي في فترة وجود الآراميين بدمشق ثم مع انتشار المسيحية تحول لكنيسة وبالطبع صار مسجداً في فترة الأمويين. ومثلما كانت هناك أغراض براغماتية لداعش بخصوص تعاطيها مع الآثار، خاصة في عمليات التهريب والحصول على الأموال، فضلاً عن استعمالها الدعائي في جذب المجاهدين الجدد، فإن الاغتراب نتيجة حمل المهاجرين العرب من خلفيات دينية مختلفة أزماتهم بالغرب، والاحتماء بالهوامش الذي أسفر عن ما يعرف بـ”إسلام الضواحي”، يبدو واضحاً كما تعرضه الباحثة والأديبة السورية فرات إسبر، وتقول إنه في نيوزلندا، في مدينة أوكلاند فقط، من دون باقي المدن الأخرى، نرى عشرات الجوامع التي يشرف عليها المسلمون من كل جهات الأرض، حسب درجات تسلسل التعصب لديهم، سواء مسلماً معتدلاً أو متعصباً أو متطرفاً، وتتعدد المساجد وتختلف أسماؤها، وهي مجاورة وقريبة لبعضها البعض، كنوع من التحدي والتباهي في إثبات الذات، لتأكيد نكران الآخر، ويظهر بالتباهي في قيمة المبلغ المخصص لبناء الجوامع أو الكنائس، والتي تحصل على تراخيص الشراء والبناء والملكية من قبل الدولة تحت شعار التسامح والتعايش الديني، بينما داخل هذه الجوامع يُدعى فيها إلى تكفير الدولة التي منحتهم هذه الحقوق، على أرضها، ضمن مفهوم التعايش الذي تؤمن به وتركز عليه قوانينها.
وتشير إلى أن هذه الجوامع بتعددها، تحصل على منح مالية من الدولة، المضيفة لهؤلاء، فتكون الغاية والهدف من تعددها وكثرتها، هو جمع المال وجمع التبرعات المتدفقة، من جهات العالم، تحت شعار الحفاظ على هوية المسلمين في بلاد الغرب.
في دراستها “الهوية المضللة بيوت الله الشائكة”، تقول فرات إسبر: “التعدد في بناء بيوت العبادة، ليس مقتصرا ًعلى المسلمين وحدهم، وإنما تعاني منه الطوائف المسيحية القادمة من سورية والعراق وغيرهم، الذين لا يختلفون عن المسلمين من حيث تعصبهم للكنيسة، ونرى انقسامات المسيحيين على أنفسهم كما نراها بين المسلمين أيضاً. هم يشيدون الكنائس التي تعبر عن اتجاهاتهم المسيحية، كالكنيسة الكلدانية والكنيسة الأشورية، ومن الصعب أن ترى طائفة تذهب وتصلي في الكنسية الأخرى، تماماً كما يحدث بين رواد جامع أبي بكر الصديق، أو جامع المحمدية، أو في جامع الإمام علي، الجميع ينشدُ الله أكبر، ولكن على منابر مختلفة لا تحمل في أنفاسها إلا التحريض على عداوة الآخر وتهميش الآخر وإلغائه بسبب ديني مذهبي طائفي، ولكنه لا يظهر في الكنيسة علنا، وإنما عن طريق معاملات وعقود الزواج، والذهاب إلى الكنيسة التي ينتمي إليها”.
وتردف: “يجب أن تكون بيوت الله مفتوحة واسعة مضاءة بنوره. البشر لهم أيضا بيوت في السماء كما وعدهم الله بدون تمييز طوائفهم ومذاهبهم، ولكنهم جعلوا بيوت الله على الأرض متفرقة وشائكة ويمنع الدخول إليها للصلاة، إلا من كان ينتمي إلى طائفة مؤسس الجامع، ولو كان من نفس الجنسية والبلد، ولكنه ليس من ذات المذهب! القضية عميقة وحساسة في مسألة التعايش الذي تسعى إليه المجتمعات، حيث نزعة التشكيك والتحريم والاعتداء السافر على روحانية هذه البلاد، بأن تسمح لنا بممارسة شعائرنا الدينية، وإقامة دور العبادة التي نرغب فيها، وهي تعلم تماما أن الإسلام كمبدأ ونظرية يكفّرها” [33].
خاتمة
بالمحصلة، فإن تعقيدات اندماج المسلحين في الغرب، كما أزمات بعضهم من المتأسلمين بالمجتمعات المحلية، تفضح أزمة في الانفتاح والحوار. فإذا لم نتمكن من إقامة حوار صريح مع الذات والهوية، فإننا “لا محالة سوف نفشل في إقامته مع الآخر، كيفما كان. وآلية الحوار هذه تمكننا بشكل أو بآخر، من الكشف عن حقيقتنا الضائعة بين أنقاض الصراعات المتتالية، التي ضيعت علينا فرص الدعوة العقلانية والممنهجة لإسلام معتدل ومتسامح، حتى أصبحنا أمام صورة لإسلام واقعي مهشم، لا يمثل من الإسلام الحقيقي الخالص إلا الطقوس والعبادات واللباس، أما ذلك الوجه الحضاري والعلمي والأخلاقي، فلا نلمسه إلا عند أفراد منعزلين، يحيون خارج أسوار المجتمع” [34]. فالذات الإسلاموية ما زالت غير قادرة على الانعتاق من السرديات التاريخية القديمة والتقليدية التي تكبت داخلها حالة الصراع وعدم التسامح مع الآخر ورؤيته في مساحة مهزومة تتلاشى مع الغزو والاستيلاء وامتلاك آثاره بهدف أسلمتها، وتدشين مبان للتأكيد على سيطرتها في الفضاء العام، وتأميمه من أي تنوع أو معارضة.
المراجع:
[1] ميليشيات إيران تغيّر أسماء شوارع عريقة شرق سوريا، تقرير، صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2020. رابط:
https://goo.su/RmzwS
[2] الرئيسة المشاركة لمكتب الأديان: كثرة الأماكن الدينية المدمرة من اكبر التحديات التي تواجهنا حالياً، تقرير، وكالة نورث برس السورية، 24 آب/ أغسطس 2019. رابط:
https://goo.su/11vqS
[3] مرجع سابق
[4] ‘الحجر لم ينج أيضا’.. معابد ومزارات دمرتها تركيا في عفرين، تقرير، موقع الحرة الأميركي. رابط: https://goo.su/kntc
[5] هل من رسائل خلف الاعتداء على كنائس في سوريا؟، شفان إبراهيم، مقال، موقع درج اللبناني، 24 كانون الأول/ ديسمبر 2024. رابط: https://goo.su/c4fQ4q
[6] حين يتحول التطرف الديني إلى معول لهدم التراث الإنساني، مقال، صحيفة حفريات الإلكترونية، دكتور سامح إسماعيل، 15 كانون الأول/ ديسمبر 2024. رابط: https://goo.su/rUEO
[7] ابن القيم، أحكام أهل الذمة، تحقيق: يوسف البكري وشاكر أبو زيد، دار الرمادي، ط1، 1418، الجزء الثالث، فصل: الضرب الثاني من البلاد: ما فتح عنوة، ص 1199:1202
[8] ابن تيمية، مجموعة الفتاوى، الرسالة القبرصية، المجلد 28، ص635
[9] يوسف القرضاوي، الحرام والحلال في الإسلام، دار الشروق، ط2 1994، ص106، 127
[10] مرجع سابق
[11] تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، المعروف بـ”الخطط المقريزية، الجزء الأول، ص 230، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى.
[12] داعش» يحطم صلبان الكنائس وشواهد القبور والتماثيل بالموصل، تقرير، الشرق الأوسط، 16 آذار/ مارس 2015. رابط: https://goo.su/UDitTg
[13] الدولة الإسلامية تحذر المسيحيين: اعتناق الإسلام او دفع الجزية أو القتل، وكالة رويترز للأنباء، 18 تموز/ يوليو 2014. رابط:
https://2u.pw/yjTkM
[14] 200 مليون دولار أرباح «داعش» سنويا من بيع الآثار، خبر، موقع قناة الغد، 6 نيسان/ أبريل 2016. رابط: https://n9.cl/9zlla
[15] إلى أن تصدح أجراس كنائسهم.. مسيحيو إدلب محرومون من حقوقهم (شهادات توثق تقييد ممارسة طقوسهم الدينية ومصادرة ممتلكاتهم العقارية والانتفاع بكنائسهم)، تقرير حقوقي، منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة. رابط لنسخة pdf
[16] مرجع سابق
[17] المعري “رهين النوائب” السورية، مقال تحليلي، الاندبندنت عربية، طارق علي، 6 نيسان/ أبريل 2025. رابط:
أنقر هنا
[18] أبو محمد العدناني، “إننا قادمون”، بيان صوتي، 2014، أرشيف مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي التابعة للتنظيم الإرهابي.
[19] سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، الطبعة التاسعة، 2009م، الجزء الثالث، ص 1383-1384
[20] مرجع سابق
[21] محمد عبده، رحلة إلى صقلية، مجلة المنار، العدد 13، 1894م، ص 6
[22] مرجع سابق
[23] مرجع سابق
[24] نيويورك تايمز: تدمر الأثرية تحولت إلى أطلال، الجزيرة نت، 22 نيسان/ أبريل 2025
[25] مرجع سابق
[26] اليونسكو تشجب تدمير المعالم الأثرية في سوريا، أخبار الأمم المتحدة (الموقع الرسمي للأمم المتحدة)، 20 كانون الثاني/ يناير 2017
[27] بينها “حذف ملكة تدمر”.. تعديلات المناهج الدراسية تثير جدلا في سوريا، خبر، موقع إرم نيوز الإلكتروني، 2 كانون الثاني/ يناير 2025
[28] الله والكون والإنسان: نظرات في تاريخ الافكار الدينية، فراس السواح، نسخة إلكترونية هنداوي
[29] مرجع سابق
[30] أردوغان إذ يسرق النار في جدل المسجد والكنيسة، مقال، كريم شفيق، حفريات، 16 حزيران/ يونيو 2020. رابط:
أنقر هنا
[31] Tugba Tanyeri Erdemir ,Remains of the Day: Converted Anatolian Churches. Spolia Reincarnated: Afterlives of Objects, Materials, and Spaces in Anatolia from Antiquity to the Ottoman Era. 2018
[32] مرجع سابق
[33] فرات إسبر، الهوية الُمضلّلةٌ بيوتٌ الله الشائكةٌ، دراسة، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 18 نيسان/ أبريل 2018.
[34] المسلمون في الغرب بين تناقضات الواقع وتحدّيات المستقبل، التجاني بولعوالي، مركز الحضارة العربيَّة، القاهرة، 2006